مباحثات سويسرا السودانية... اختراق أميركي أم مناورة لـ«جس النبض»؟

مستشار ترمب التقى البرهان وأنباء عن اجتماع مع حميدتي لبحث مخرج للأزمة


مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس (أ.ف.ب)
مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس (أ.ف.ب)
TT

مباحثات سويسرا السودانية... اختراق أميركي أم مناورة لـ«جس النبض»؟


مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس (أ.ف.ب)
مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس (أ.ف.ب)

ينشغل المراقبون والسياسيون والعسكريون في السودان، هذه الأيام بما دار في لقاء جمع في سرية تامة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في سويسرا، وما تبعه من تسريبات متعددة، ذهبت إلى حد الحديث عن مسار أميركي لوقف الحرب الكارثية في السودان.
وزاد الغموض بعد تسريبات أخرى عن لقاء آخر جمع المسؤول الأميركي بقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» بعد ساعات من اجتماع البرهان. ولا توجد تأكيدات رسمية عنه، بينما ذكرت تقارير محلية وإقليمية أن الرجل وصل سراً هو الآخر إلى جنيف، استناداً إلى تتبع حركة طائرة خاصة يرجح أنها نقلته إلى هناك، لذلك يبقى الخبر مرجحاً وليس مثبتاً. وأثيرت التساؤلات حول هذه اللقاءات وهل هي اختراق أميركي جدي لوقف الحرب أو مجرد «جس للنبض» للتعرف على مواقف أطراف الحرب.

رئيس مجلس السيادة السوداني خلال زيارة إلى منطقة المصورات الأثرية شمال البلاد (مجلس السيادة - فيسبوك)

وكالات أنباء رئيسية ووسائل إعلام موثوقة أكدت أن اجتماع البرهان وبولس جرى الاثنين 11 أغسطس (آب) 2025، واستمر نحو ثلاث ساعات، وبحث مقترحاً أميركياً لوقف شامل لإطلاق النار، وتسهيل مرور المساعدات الإنسانية، وامتنعت الخارجيتان الأميركية والسودانية عن التعليق عليه. أما لقاء حميدتي مع بولس، فقد تم بعد ساعات من مغادرة البرهان، وفقاً لتقارير محلية وإقليمية أفادت بوصوله، ولم تؤكد جهات رسمية هذا الأمر.

ماذا بعد؟

لم تكن إدارة الرئيس الأميركي مهتمة بشكل كبير بملف الحرب السودانية سابقاً، لكنها فجأة كثفت اهتمامها وأعلنت عن تشكيل المجموعة الرباعية الدولية بشان النزاع السوداني، قبل أن تؤجل اجتماعاتها دون موعد جديد. وقبل ذلك، كانت واشنطن تكتفي بالعقوبات على طرفي الحرب، إذ فرضت عقوبات على حميدتي في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، ثم عقوبات مثيلة على البرهان بعد ذلك بتسعة أيام، لاستخدام الجيش أسلحة كيماوية.

ويتوقع المحللون والمتابعون عدة سيناريوهات، من بينها الوصول لهدنة تتضمن وقفاً لإطلاق نار محدد زمنياً وجغرافياً، في الخرطوم وكردفان والنيل الأزرق، وفتح ممرات لإيصال المساعدات مراقبة دولياً، فضلاً عن تشكيل آلية تحقق لمتابعة التزام طرفي الحرب. أو يتم توقيع اتفاق إعلان مبادئ موسع، يتضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وابتدار مسار سياسي مدني، وفترة انتقالية، تعقبها انتخابات، مقابل «جزرة تخفيف العقوبات» للالتزام بما قد يتفق عليه، أو عصا العقوبات المشددة.

أطفال السودان ضحايا الحرب وكوارثها (أ.ف.ب)

بينما يخشى محللون آخرون، أن يتعامل طرفا الحرب مع المبادرة الأميركية، كونها «مناورة» دعائية، تتمثل باجتماعات متطاولة وضجيج إعلامي بلا آليات تنفيذية، تمكنهما من استعادة أنفاسهما استعداداً لمرحلة جديدة من القتال. ويحذرون من استمرار تصاعد الخطاب العدائي بين طرفي القتال الذي أعقب لقاء البرهان، واحتمالات تصلب بعض القادة العسكريين المتطرفين، وارتفاع أصوات الفساد وتجار الحرب، ما قد يعرقل أي هدنة محتملة.

أثر الإسلاميين

المحلل السياسي حاتم إلياس يرى أن الإسلاميين يسيطرون على مفاصل الجيش والدولة، ويرون في استمرار الحرب وسيلة للحفاظ على وجودهم السياسي، بينما أي خطوة في طريق السلام تمثل تهديداً مباشراً لمكانتهم، لذلك فهم حتماً سيعملون على عرقلة أي اتفاق سلام. ويضيف: «لو ذهب البرهان باتجاه السلام، فسيكون ذلك بمثابة معجزة سياسية».
لكن إلياس قطع في إفادته لـ«الشرق الأوسط» بأن «قوات الدعم السريع» تمتلك مرونة وقدرة أكبر على التفاوض، لأنها لا تواجه تعقيدات تنظيمية مثل تلك التي تواجه الجيش، ولا تعاني من أي تأثيرات تنظيم داخلي يرهن وجوده باستمرار الحرب.

ووفقاً لـ«إلياس» فإن الإسلاميين يمكن أن يدفعوا الضباط الموالين لهم للضغط على البرهان لاتخاذ مواقف تفاوضية متصلبة، ويمكن أيضاً أن يحركوا واجهاتهم المدنية والأمنية للتأثير على الرأي العام، كذلك يمكن أن يحركوا تحالفاتهم الإقليمية للتأثير على اتجاهات التفاوض أو إبطائه.
وعلى النقيض من رؤية إلياس، فإن محللين آخرين يرون أن بعض التيارات البراغماتية داخل الحركة الإسلامية، وتحت الضغط العسكري الميداني والاقتصادي، والخوف من العقوبات والتصنيفات الدولية، قد تدفع التنظيم إلى قبول مشاركة مشروطة، تترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية اختراق سياسي جزئي أو كامل لصالحهم.

المحلل السياسي محمد لطيف يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الاهتمام الأميركي المفاجئ بالملف السوداني ينطلق من دوافع إقليمية واستراتيجية، تنطلق من تأثير عدم استقرار الإقليم، وخطة واشنطن «الشرق الأوسط الجديد»، ومصالح حلفائها، واحتمالات أن يشكل استمرار الحرب تهديداً لهذه المخططات.
ويوضح لطيف أن واشنطن تتعامل مع الملف السوداني على غرار تجاربها السابقة في مناطق النزاعات (الهند، باكستان، الكونغو، رواندا)، وبناء على موقف «أخلاقي» إحساساً بأن عليها دوراً في تهدئة النزاعات والانتقال من الحروب إلى الحلول الدبلوماسية.

ويرى أن نقاط ضعف المبادرة الأميركية، التي قد تقلل من فرص نجاحها، تكمن في عدم توفر الإرادة المطلوبة لدى الطرفين، ويقول: «الدعم السريع قد لا تكون متأثرة بشكل كبير بضغوط خارجها، ولا تأثير للدولة الداعمة عليها يتعارض مع مصالحها، لكنها تحتاج لتحسين وضعها العسكري، بالتمدد في كردفان والفاشر، وإحكام الطوق على الوسط، ما قد يؤثر على إرادتها التفاوضية».

ويستطرد: «كذلك هي بحاجة لإحكام تأسيس الحكومة التي أُعلن عنها بشكل جاد، بما يقوى موقفها التفاوضي، لذا قد تبدو غير متعجلة للتفاوض، دون حوافز ومغريات ملموسة تحقق مصالحها، كأن تعود لوضعها جزءاً من ترتيبات ما بعد الحرب».

مناورة دبلوماسية

اجتماع البرهان مع بولس يمثل محاولة ضغط أولى، لكنه غير كافٍ من دون توفير مراقبين وضمانات إقليمية، وفي حالة الاكتفاء بمجرد المبادرة، فإن احتمالات التحويل لـ«مناورة» لصالح الجيش هي الأرجح.
أما لقاء حميدتي، إن تحقق، فقد يظهر رغبة واشنطن في إيصال رسالة قوية للطرفين، لكن غياب التأكيد الرسمي يجعل الحكم النهائي مرتبطاً بالمؤشرات والأيام المقبلة.

متطوعون سودانيون يعِدون وجبات لبعض سكان مدينة الفاشر التي تحاصرها «قوات الدعم السريع» في دارفور (أ.ف.ب)

لطيف وإلياس اتفقا على أن غياب الإرادة السياسية المستقلة لدى الجيش بسبب تأثير الإسلاميين يجعل أي مبادرة أميركية محفوفة بالمخاطر، كذلك اتفقا على أن «الدعم السريع» يمثل اللاعب الأكثر مرونة وواقعية، ويملك القدرة على دفع المباحثات إذا توافرت الحوافز المناسبة.
ووفقاً لمتابعات وتحليلات في منصات التواصل الاجتماعي السوداني، فإن الطريق إلى وقف إطلاق نار قابل للقياس لمدة محددة، مع إيجاد مراقبين دوليين يملكون أدوات متابعة تشمل طائرات وأقماراً اصطناعية، وتوفير الحوافز المالية المشروط، وإشهار عصا العقوبات بمواجهة الخروقات، والتفاهم مع اللاعبين الإقليميين للحد من خطوط التسليح والتمويل، تعد عوامل فعالة لإنجاح المبادرة. فإذا ظهرت هذه المؤشرات الأسابيع المقبلة، يمكن عدّ الاجتماعات خطوة نحو تهدئة إنسانية وعسكرية، أما في غيابها فستظل مجرد مناورة لا تغيّر المعادلة الميدانية.


مقالات ذات صلة

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

الخليج عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

أعربت السعودية عن ادانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية وحافلة تقل نازحين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

اشتباكات بين الجيش السوداني و«ميليشيا» موالية له في الجزيرة

قالت «حركة تحرير الجزيرة» إن تبادلاً لإطلاق النار جرى بين الجيش السوداني ومسلحين تابعين له (غير نظاميين) في مدينة رفاعة بشرق ولاية الجزيرة في وسط البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا 
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نازحون سودانيون في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قوات «تأسيس» تضيق الخناق على مدينة الكرمك السودانية

تواصل قوات تحالف «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» تقدمها بوتيرة سريعة لتطويق مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الفريق السياسي لنجل القذافي لا يستبعد اللجوء إلى «الجنائية الدولية»

آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف الإسلام القذافي)
آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف الإسلام القذافي)
TT

الفريق السياسي لنجل القذافي لا يستبعد اللجوء إلى «الجنائية الدولية»

آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف الإسلام القذافي)
آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف الإسلام القذافي)

وسط ترقب أسرة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي لنتائج التحقيقات القضائية في مقتل نجله سيف الإسلام بمدينة الزنتان، الثلاثاء، توقّع رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي، عبد الله عثمان، صدور النتائج الرسمية لهذه التحقيقات قبل نهاية الأسبوع الحالي، لكنه لم يستبعد اللجوء إلى «المحكمة الجنائية الدولية إذا وُجدت أي موانع تحول دون إحقاق الحق».

وغداة تشييع جثمان سيف الإسلام القذافي في بني وليد (غرب)، الجمعة، قال شقيقه الساعدي: «ننتظر نتائج التحقيقات، ونثق بالقضاء الليبي، والاتهام هو إجراء تختص به السلطات القضائية»، وفق منشور عبر منصة «إكس»، نفى فيه ما يُنسب أو يُشاع حول أن أسرته تتهم جهة أو شخصاً معيناً، واصفاً ما يدور حول هذا الموضوع بأنه «افتراء».

رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي عبد الله عثمان (رئيس الفريق)

وعبّر رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي عن رضاه عن سرعة التحقيقات، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن التحقيقات «تسير بوتيرة متسارعة، نظراً إلى أنها أصبحت قضية رأي عام»، موضحاً أن «فريقاً ممتازاً من خبراء النيابة العامة وصل إلى مسرح الجريمة، وبدأ جمع قرائن قوية، تشمل تفريغ كاميرات الشوارع التي رصدت تحركات مشبوهة».

وإذ أشار عثمان إلى أن هناك «قناعة حالية بقدرة النائب العام على الوصول إلى الحقيقة»، لكنه استدرك قائلاً: «إذا وجدنا أي موانع تحول دون إحقاق الحق، أو إذا تبيّن أن القضاء المحلي غير قادر على ملاحقة الجناة، فسنتجه فوراً إلى المحكمة الجنائية الدولية»، وعدّ «دماء سيف الإسلام القذافي لن تكون وقوداً لتسويات سياسية هشة، بل ستكون اختباراً حقيقياً لسيادة القانون في ليبيا».

رئيس المجلس الرئاسي أكد إدانته لاغتيال سيف القذافي عادّاً «دماء الليبيين خطاً أحمر» (رويترز)

وسبق أن تعهدت السلطات في طرابلس بفتح تحقيق شامل وكشف ملابسات الاغتيال، حيث أعلن رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، عن إدانتهما للواقعة، وشددا على أن «دماء الليبيين خط أحمر لا يمكن تجاوزه».

أمنياً، أكد وزير الداخلية، عماد الطرابلسي، إصدار تعليمات «بكل سرية» إلى الأجهزة المختصة بالتنسيق مع مكتب النائب العام لملاحقة الجناة، في حين باشر فريق من خبراء النيابة العامة والأدلة الجنائية جمع القرائن، وتفريغ كاميرات المراقبة في مدينة الزنتان، وسط تأكيدات رسمية أن نتائج التحقيقات ستصدر قريباً لتحقيق العدالة، ومنع الإفلات من العقاب.

وزير الداخلية عماد الطرابلسي أصدر تعليمات للأجهزة المختصة لملاحقة الجناة (أ.ف.ب)

وشُيّع جثمان سيف الإسلام، الجمعة، في بني وليد بغرب ليبيا، معقل أنصار النظام السابق، الذين تظاهروا بأعداد غفيرة قبل الجنازة، التي أُقيمت تحت حراسة أمنية مشددة. وبقي مكان وجوده مجهولاً حتى الإعلان، الثلاثاء، عن اغتياله في منزله بمدينة الزنتان، على بُعد 145 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة طرابلس، بعد الإفراج عنه، حيث رفض المسلحون الذين كانوا يحتجزونه لفترة طويلة في المدينة تسليمه للقضاء، وأطلقوا سراحه عام 2017.

من جهة أخرى، ربط رئيس الفريق السياسي لنجل القذافي بين حادث الاغتيال والمناخ السياسي المتأزم، لافتاً إلى أن الجريمة «نُفذت في إطار حالة من الخوف من الانتخابات ووجود طرف يمتلك حظوظاً رئاسية كبرى».

وحسب عثمان فإن «المال هو المحرك الأساسي لأغلب الصراعات الحالية في ليبيا، وتسريبات الاجتماعات السياسية الأخيرة لن تثنيهم عن قول الحقيقة»، مؤكداً: «لن نتهم أي طرف محلي بشكل رسمي إلا بعد جلاء نتائج التحقيقات النهائية».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

وجدّد رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام حديثه عن ملابسات «التصفية الجسدية»، التي تعرّض لها نجل القذافي، موضحاً أن الجناة أمطروا الفقيد بـ7 رصاصات؛ اخترقت بعضها جسده، واستقر بعضها الآخر في الحائط المحيط به. وأكد أن الرصاصة السابعة والأخيرة كانت بمثابة «رصاصة الإعدام»، حيث وُجهت بدقة إلى منتصف الجمجمة من الأعلى وخرجت من الظهر، وهو ما يثبت إصرار المنفذين على التأكد من وفاته فوراً.

وحول ثغرة التأمين التي قادت إلى اغتياله، أوضح عثمان أن الفقيد (53 عاماً) كان يعتمد استراتيجية «السرية في التنقل»، بدلاً من الحراسة المكثفة التي قد تلفت الانتباه، موضحاً أنه في لحظة تنفيذ الجريمة، كان ابن العجمي العتيري، قائد «كتيبة أبو بكر الصديق» الذي يتولى تأمينه، قد غادر مقر الإقامة لإحضار حليب.

وحسب رواية عثمان، فخلال مكالمة هاتفية مع أحد أعضاء الفريق السياسي، أخبره سيف الإسلام أنه سمع حركة غير اعتيادية وطلب الانتظار، وسمع الطرف الآخر على الخط الهاتفي صوت إطلاق النار، ليتصل مباشرة بنجل العتيري الذي عاد، لكن الجناة كانوا قد نفّذوا عمليتهم وفروا قبل عودته، مستغلين تلك النافذة الزمنية الضيقة.

Your Premium trial has ended


«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
TT

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)

شهد مطار القاهرة الدولي حالة طوارئ، بعد حدوث تسريب في أحد خطوط تغذية مباني الركاب بالوقود، ما أدى إلى «تأثير جزئي على بعض رحلات الطيران».

وقدَّمت شركة «مصر للطيران» (الناقل الوطني بمصر)، صباح السبت، اعتذاراً لعملائها على التأخيرات التي طرأت على عدد من رحلاتها الجوية، وأكدت في الوقت نفسه أن «حادث التسريب لم يؤدِّ إلى توقف حركة التشغيل».

وأعلنت شركة «ميناء القاهرة الجوي»، وهي شركة حكومية تابعة لوزارة الطيران المدني المصرية، عن «رصد تسريب وقود بالخط الفرعي، الخاص بتغذية مبنيَي الركاب رقمَي (2) و(3)، من خلال أجهزة المراقبة الموجودة بالغرفة المركزية للتحكم الخاصة بشركة (مصر للبترول)، في مستودع الوقود داخل مطار القاهرة»، وقالت في إفادة لها، مساء الجمعة، إنها «قامت بإيقاف الخط، مع تفعيل خطة الطوارئ البديلة».

وتضمن التدابير البديلة قيام شركة «ميناء القاهرة الجوي» بـ«استدعاء 6 وحدات تستوعب أكثر من ربع مليون لتر، إلى جانب 3 وحدات ترشيح لتأمين أعمال التشغيل بمبنى الركاب، بالتزامن مع أعمال الإصلاح للخط».

وقالت الشركة في بيانها إنه «جرى تحديد موقع التسريب بدقة، وذلك باستخدام أحدث الأجهزة التكنولوجية، وتنفيذ أعمال الإصلاح اللازمة، وعودة الخط الفرعي للتشغيل الطبيعي».

ولم تتوقف حركة التشغيل في مطار القاهرة الدولي، وفق شركة «مصر للطيران» التي أشارت إلى أن «حركة الرحلات تأثرت تأثراً جزئياً»، موضحة أن التأخيرات التي طرأت على عدد من الرحلات: «تعد ظروفاً استثنائية» خارجة عن إرادتها، وأنه «في مثل هذه الظروف، يتم إيقاف خط الوقود، مع تفعيل خطة الطوارئ البديلة، وهو ما تم بالفعل، وصولاً لإصلاح الخط الفرعي وعودته للتشغيل الطبيعي».

وتقدم عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، ضياء داود، بطلب إحاطة بشأن تسرب وقود تموين الطائرات بمطار القاهرة، وقال إن «الحادث يثير تساؤلات عن الخطط البديلة للتعامل مع مثل هذه الأزمات من قبل وزارة الطيران المدني»، إلى جانب «الآثار السلبية لذلك على قطاع النقل الجوي والسياحة».

واعتبر داود أن «مثل هذه الوقائع يترتب عليها تأخير في تقديم الخدمات، وفي مواعيد الرحلات، وهو ما يتناقض مع خطط الحكومة المصرية للوصول إلى 25 مليون سائح سنوياً».

من جهته، أوضح كبير طياري «مصر للطيران» سابقاً، المحقق الدولي في حوادث الطائرات، هاني جلال، أن «تسرب الوقود من الحوادث الواردة في المطارات، ومن الأخطار المنصوص عليها في صناعة النقل الجوي، ولها بروتوكول أمني معتمد للتعامل بشكل طارئ معها»؛ مشيراً إلى أن «الإجراءات التي تمت مع الأزمة كانت سريعة، وبالتالي لم تحدث خسائر كبيرة».

وشدد جلال على «ضرورة مراجعة كافة الإجراءات الخاصة بإصلاح خط الوقود، لضمان عدم عودة التسريب مرة أخرى، ومراقبته بشكل مستمر، إلى جانب إجراء الصيانات الدورية»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها تسريب بمطار القاهرة بهذا الشكل، وكان من الأفضل تجنب حدوثه بالمراجعة الدورية لكل خطوط تغذية الوقود».

وأكدت شركة «ميناء القاهرة الجوي» في بيانها على «التزامها الكامل بأعلى معايير السلامة والأمان لعملائها»، وقالت إن «التأخيرات التي طرأت نتيجة التسريب كانت لظروف استثنائية خارجة عن إرادتها».

ويرى جلال أن «تأخير بعض رحلات الطيران بسبب حوادث تسرب الوقود يكون للصالح العام، ويهدف لضمان السلامة والأمان، ولا داعي للاستعجال في حركة الرحلات الجوية في مثل هذه الحوادث».

أما مستشار وزير السياحة المصري الأسبق، وليد البطوطي، فقد أوضح من جانبه أن تأخير الرحلات «يحدث في جميع دول العالم، والتريث في واقعة التسريب ضروري من أجل السلامة العامة»؛ مشيراً إلى أن «هناك مطارات في الخارج يتم إغلاقها عدة أيام بسبب عواصف أو طوارئ الطقس، وبالتالي فالحوادث الطارئة واردة».

ويضيف البطوطي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة المصرية تعاملت بشفافية مع الحادث»، موضحاً أن «ما حدث لن تكون له تأثيرات سياحية، أو على معدلات نمو رحلات الطيران إلى مطار القاهرة، باعتبار أن ما حدث أمر طارئ، وجرى التعامل معه وفقاً للتدابير المنصوص عليها في تأمين المطارات وصناعة النقل الجوي».

وأعلنت الحكومة المصرية في يناير (كانون الثاني) الماضي تحقيق قطاع السياحة نمواً بلغ 21 في المائة، بواقع 19 مليون سائح خلال عام 2025.


ليبيون يتوقعون زيادة الملاحقات الأميركية لمشتبهين بتفجير «مجمع بنغازي»

واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
TT

ليبيون يتوقعون زيادة الملاحقات الأميركية لمشتبهين بتفجير «مجمع بنغازي»

واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)

تتصاعد التوقعات والتكهنات في ليبيا بشأن احتمال قيام الولايات المتحدة بملاحقة مزيد من المشتبهين الليبيين في الهجوم الذي استهدف المجمع الأميركي في بنغازي عام 2012، بعد اعتقال الليبي الزبير البكوش، الذي تتهمه أميركا بالضلوع في الهجوم، الذي أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز و3 أميركيين آخرين.

وحتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا بشأن تسليم البكوش، لكن وسائل إعلام محلية أشارت إلى أن الحكومة سلّمته للولايات المتحدة، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل.

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي خلال إعلانها عن اعتقال البكوش (رويترز)

وتوقع عضو مجلس النواب الليبي، فهمي التواتي، «ملاحقات أميركية لمشتبهين آخرين»، مشيراً إلى أن قائمة المشتبه بهم تشمل العديد من الأسماء، وذهب إلى الاعتقاد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «حكومة (الوحدة) ربما أسهمت في توقيف البكوش، نتيجة تسلسل الأحداث من الاستدعاء، والتحقيق أمام جهاز الأمن الداخلي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ثم الإعلان المفاجئ عن وصوله إلى أميركا في سيناريو مشابه لما حدث مع أبو عجيلة مسعود المريمي».

والمريمي، هو ضابط استخبارات ليبي سابق، لا يزال موقوفاً في الولايات المتحدة بعد أن سلمته حكومة «الوحدة الوطنية» في ديسمبر (كانون الأول) 2022، للاشتباه بتورطه في تفجير طائرة «بان أميركان 103» فوق لوكربي في 1988.

أبو عجيلة مسعود المريمي (متداولة)

ويرى خبراء أمنيون ليبيون، من بينهم محمد السنوسي، أن تسليم مطلوبين آخرين للولايات المتحدة «ليس مستبعداً»، مبرزاً أن هذا المسار بدأ منذ عام 2014 مع اعتقال كل من أبو أنس الليبي، وأحمد أبو ختالة، وأبو عجيلة المريمي، وأنه من المتوقع أن يستمر في المرحلة المقبلة.

واعتُقل أحمد أبو ختالة على يد القوات الخاصة الأميركية عام 2014، ونقل إلى واشنطن لمحاكمته وإدانته في تفجير «مجمع بنغازي»، وهو يقضي حالياً عقوبة السجن. كما سبق أن اعتُقل أبو أنس الليبي، القيادي في تنظيم «القاعدة»، في طرابلس عام 2013 بتهمة التورط في تفجيرات سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998، وتوفي في السجن عام 2015.

ويشير السنوسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الوضع السيادي الليبي لا يسمح بالاعتراض على تسليم مطلوبين للولايات المتحدة»، مذكراً بدخول حكومة «الوحدة» في «تفاهمات وصفقات اقتصادية ضخمة مع واشنطن، فيما تلعب الأخيرة دوراً محورياً في المسار السياسي الليبي، ضمن ترتيبات تهدف إلى توحيد الحكومتين».

رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

ووجهت المدعية العامة الأميركية، جانين بيرو، الجمعة، 8 تهم ضد البكوش، منها قتل السفير ستيفنز، وموظف وزارة الخارجية شون سميث، في حين لم تتضح على الفور تفاصيل الدفاع القانوني للبكوش، وما إذا كان قد وكل محامياً.

ويعتقد الإعلامي الليبي، خليل الحاسي، أن نقل البكوش إلى الولايات المتحدة يعكس سعي إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى تحقيق اختراق في قضية الهجوم على بنغازي، التي ظلت معقدة ومعلقة لسنوات.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مكتب التحقيقات الفيدرالي صنّف البكوش ضمن نحو 20 شخصاً نفذوا الهجوم، لكن بيانه لم يتطرق إلى بقية الشبكات الداعمة للعملية»، ما يؤشر حسبه، إلى أن «القضية لم تُغلق بعد، بل هي في بدايتها الفعلية».

وفي 11 سبتمبر (أيلول) 2012 شهد «المجمع الدبلوماسي» الأميركي في بنغازي اقتحام نحو 20 مسلحاً مزودين ببنادق «كلاشينكوف»، وقاذفات قنابل يدوية لبوابته، وإضرام النار في المباني، ما أدى إلى مقتل السفير ستيفنز وموظف وزارة الخارجية شون سميث، في حين فرّ موظفون آخرون إلى منشأة أميركية مجاورة تعرف باسم الملحق؛ حيث تعرّضوا لهجوم آخر من قبل مجموعة مسلحة كبيرة.

ويبدو أن الملاحقات الأميركية للمشتبهين في تفجير 2012 ستكون عملية طويلة ومعقدة، وفق مراقبين محليين.

وحسب الحاسي، قد تشمل توجيه اتهامات جديدة، واستدعاء أسماء أخرى داخل ليبيا وخارجها، في إطار ما وصفه بـ«تصفية حسابات أميركية مؤجلة»، لافتاً إلى «انتشار قيادات (مجلس شورى بنغازي) و(مجلس شورى مجاهدي درنة) في مناطق مختلفة من ليبيا بعد هروبهم، مع تحولات في خطابهم السياسي، بما في ذلك الدعوة إلى الدولة المدنية، بدلاً من إمارة إسلامية».

سيارة تعرّضت للاحتراق أمام مبنى القنصلية الأميركية أثناء الهجوم (أ.ب)

أما الدبلوماسي الليبي، محمد المرداس فيعتقد أن الأميركيين يمتلكون قائمة طويلة من الأسماء، التي قد تطولها التحقيقات، خصوصاً من تيارات الإسلام السياسي، لافتاً إلى أن «البكوش يمتلك شركة لتوظيف الأموال في طرابلس، تعمل في الإقراض بفوائد وتحويلات مالية كبيرة، وهو ما قد يشير إلى شبكة مالية معقدة متورطة بأطراف متعددة».