كيف سارت القمم السابقة بين ترمب وبوتين... وما الذي نتوقعه هذه المرة؟

جانب من لقاء بوتين بترمب في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)
جانب من لقاء بوتين بترمب في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

كيف سارت القمم السابقة بين ترمب وبوتين... وما الذي نتوقعه هذه المرة؟

جانب من لقاء بوتين بترمب في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)
جانب من لقاء بوتين بترمب في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)

وصفت «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، التي تُعقد في ولاية ألاسكا، اليوم (الجمعة)، بأنها لحظة فارقة في السياسة العالمية تُذكّر بالعديد من الاجتماعات السابقة التي لا تُنسى.

وأضافت أن هذه الأحداث لطالما تصدّرت عناوين الأخبار الرئيسية، إلى جانب لمحات من العلاقة الشخصية المثيرة للاهتمام وغير المتوقَّعة، التي تُراقب بدقة بين الرئيسين.

صورة مدمجة تجمع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

وذكرت أن إعادة النظر في الصور تُقدّم دلائل على كيفية تعاملهما مع لقائهما المباشر، اليوم، في ألاسكا، حيث سيناقشان إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وقالت: «يتبع الرئيسان نهجَين مختلفين تماماً في الاجتماعات الخاصة، وفقاً لمسؤولين سابقين تعاملوا مع أحدهما أو كليهما خلف الأبواب المغلقة».

وذكرت أن اجتماعهما الأول عُقد، في يوليو (تموز) 2017، خلال قمة «مجموعة العشرين» في ألمانيا، وكان ذلك بعد أشهر قليلة من دخول ترمب البيت الأبيض، بينما كان بوتين يتمتع بخبرة سياسية تمتد لعقود.

وأمام كاميرات العالم، تبادل الرجلان كلمات دافئة ومصافحة ودية، مما مهَّد الطريق لعلاقة سادها الاحترام بشكل عام.

وفي السنوات التالية، عبّر الرجلان عن إعجابهما المتبادل، رغم أن ترمب صرّح مؤخراً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية» بأنه «يشعر بخيبة أمل» من بوتين بسبب إراقة الدماء في أوكرانيا.

وفي الواقع، طُرحت قضية أوكرانيا في ذلك الاجتماع الأول، عندما سلّط ترمب الضوء على جهود روسيا لزعزعة استقرار جارتها.

وقبل ثلاث سنوات، كانت موسكو قد ضمّت شبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني.

وذكرت «بي بي سي» أنه مع دخول غزو بوتين لأوكرانيا عامه الرابع، يتطلع ترمب إلى لعب دور صانع السلام، من خلال التفاوض على وقف إطلاق النار.

جانب من لقاء بوتين بترمب وزوجته ميلانيا في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ب)

وقال ترمب، يوم الأربعاء، إنه ستكون هناك «عواقب وخيمة للغاية»، إذا لم يوافق الرئيس الروسي على إنهاء الحرب. وفي أحيان أخرى، اتخذ نبرة أكثر هدوءاً، وقال إنه يتصور أن الاجتماع سيكون «مجرد تمرين استطلاعي».

ولفتت إلى أن ترمب التقى بوتين وجهاً لوجه مجدداً في عام 2017، في منتدى اقتصادي بفيتنام، وقد صُوِّرا وهما يتحدثان مع قادة عالميين آخرين. وفي إحدى الصور، بدا أن بوتين يتحدث مباشرةً في أذن نظيره.

ويُدرك ترمب قدرة بوتين على السيطرة على المحادثات، بحواراته المطوَّلة والسريعة، مما لا يمنح المتحدثين معه سوى فرص قليلة للرد، وفقاً لدبلوماسيين وصفوا أسلوب الرئيس الروسي لـ«هيئة الإذاعة البريطانية».

وعلّق السير لوري بريستو، سفير المملكة المتحدة السابق لدى روسيا، قائلاً: «كل شيء في الاجتماعات مع بوتين يدور حول السلطة: من يتحكم في التوقيت والمضمون وجدول الأعمال والنبرة. والنقطة المهمة أنك لا تعرف أبداً ما ستحصل عليه».

ونتيجة لذلك، قال: «قد يجد المترجمون الفوريون صعوبة في مواكبة الحديث»، وكان من الضروري من وجهة نظر ترمب أن يحضر مترجماً فورياً خاصاً به.

ويُزعم أن مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، اعتمد على مترجمين من الكرملين خلال اجتماع خاص به في وقت سابق من هذا العام.

واتفقت فيونا هيل، مساعدة ترمب السابقة، مع السير لوري، مستذكرةً في مقابلة مع صحيفة «تلغراف» تجاربها الشخصية في التعامل مع بوتين: «إنه يسخر من ترمب بالفعل. يستخدم اللغة الروسية بطريقة قد تكون ساخرة ومثيرة للسخرية، وهي تضيع تماماً في الترجمة».

ووفقاً لـ«بي بي سي»، لعل أبرز مظاهر الود العلنية بين ترمب وبوتين عندما التقيا في محادثات مغلقة في هلسنكي، فنلندا، يوليو 2018.

ودافع ترمب عن روسيا في مواجهة اتهامات التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، وانحاز إلى بوتين في تقييمات وكالاته الاستخباراتية، وقد أكسبته هذه الخطوة إدانة من مختلف الأطراف في الولايات المتحدة.

كما أسفر اجتماع هلسنكي عن صورة غير رسمية لا تُنسى لبوتين وهو يُهدي ترمب كرة قدم من كأس العالم للرجال الأخيرة، التي استضافتها روسيا.

وكانت هذه اللفتات من جانب بوتين دائماً مدروسة بعناية، وفقاً للسير توني برينتون، وهو سفير بريطاني سابق لدى روسيا.

جانب من لقاء ترمب ببوتين في هلسنكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)

ويتذكر السير توني أن بوتين أظهر «لباقة روسية أصيلة» خلال الاجتماعات التي حضرها في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، رغم وجود قدر من التحفّظ الكامن في ذلك، ولم يكن يوماً شخصاً عفوياً.

وأضاف: «كرات القدم والابتسامات والنكات وما شابه ذلك... ليس بطبيعته شخصاً يُرحب بالجميع، لكنه يجتهد في ذلك عندما يرى أن الأمر مهم للعلاقة».

والتقى الرجلان في قمم «مجموعة العشرين» بالأرجنتين، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وفي اليابان، في يونيو (حزيران) 2019.

وحضر جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترمب، الذي اختلف معه لاحقاً، هذه القمة، وصرّح لـ«بي بي سي» بأنه اندهش من اختلاف مواقف الرجلين تجاه التفاصيل، وعزاه إلى تدريب بوتين في جهاز الاستخبارات السوفياتي.

وقال عن بوتين: «لم أره قط إلا مستعداً، هادئاً جداً، ومنطقياً جداً في عرضه، وأعتقد أن هذا جزء من تدريبه في الاستخبارات السوفياتية».

وعلى النقيض من ذلك، قال بولتون إن «أسلوب ترمب في الاجتماعات الخاصة كان مشابهاً لمؤتمراته الصحافية العلنية، حيث كان يميل إلى الإدلاء بتصريحات غير مباشرة قد تفاجئ حتى مساعديه، ولا يُعِدّ لها جيداً، لأنه لا يعتقد أنه بحاجة إلى ذلك. ولا يعتقد أنه بحاجة إلى المعلومات الأساسية، وأنا متأكد من أنهم يُعِدّون مواد إحاطية كما فعلنا دائماً، لكنه لن يقرأها».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

قال بولتون إن ترمب كان يعتقد أن علاقة شخصية سليمة مع زعيم آخر تعني علاقة سليمة بين الدولتين – وبوتين كان يعلم ذلك، وسيستخدم تدريبه في المخابرات السوفياتية لمحاولة التلاعب بترمب. لقد فعل ذلك من قبل وسيفعله مرة أخرى.

وقلّل ترمب نفسه من شأن التوقعات قبل قمة يوم الجمعة في ألاسكا، مُعلّقاً: «أعتقد أنها ستكون جيدة، لكنها قد تكون سيئة».


مقالات ذات صلة

موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا

أوروبا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب) play-circle

موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا

موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا، وحذرت من «تصعيد التوتر السياسي والعسكري» بعد احتجاز ناقلة نفط روسية

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: وثيقة الضمانات الأمنية الأميركية جاهزة لوضع اللمسات الأخيرة مع ترمب

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم الخميس إن نص الضمان الأمني ​​الثنائي بين كييف ​وواشنطن «جاهز بشكل أساسي» ليتم الانتهاء منه مع الرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

تطرح أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند تحدياً جديداً وربما غير مسبوق لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقد يكون حتى وجودياً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

أوكرانيا: روسيا تهاجم ميناءين بمنطقة أوديسا

قال مسؤولون أوكرانيون إن روسيا هاجمت ميناءين بحريين في منطقة أوديسا الأوكرانية، اليوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رستم عمروف مستشار الأمن القومي الأوكراني (د.ب.أ)

مستشار الأمن الأوكراني: بحثنا مع واشنطن الإطار العام لإنهاء الحرب

أعلن رستم عمروف، مستشار الأمن القومي الأوكراني رئيس وفد بلاده في المفاوضات، أنه عقد اليوم الأربعاء، جولة أخرى من المشاورات مع الوفد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن البيت الأبيض، الخميس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا.

وفد تقدم مجلس الشيوخ الأميركي، اليوم ، بقرار من شأنه منع ترمب من اتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية ضد فنزويلا دون تفويض من الكونغرس، مما ‌يمهد الطريق ‌لدرس ‌الأمر ⁠باستفاضة ​أكبر ‌في المجلس المكون من 100 عضو.وجاء التصويت على تدبير يتعلق بالإجراءات للمضي قدما في قرار سلطات الحرب بأغلبية 52 ⁠صوتا مقابل 47، ‌إذ صوتت حفنة ‍من زملاء ترامب ‍الجمهوريين مع جميع ‍الأعضاء الديمقراطيين لصالح القرار.ويأتي التصويت أيضا بعد أيام من اعتقال القوات الأميركية الرئيس ​الفنزويلي نيكولاس مادورو في غارة عسكرية مباغتة ⁠على العاصمة الفنزويلية كراكاس.وعرقل الجمهوريون محاولتين سابقتين في مجلس الشيوخ العام الماضي بعدما كثفت الإدارة الضغط العسكري على فنزويلا بهجمات على قوارب في جنوب البحر الكاريبي منذ سبتمبر( ‌أيلول) الماضي.


الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستنسحب من عشرات المنظمات الدولية، بما فيها وكالات رئيسية لدى الأمم المتحدة، في خطوة تُقلّص تعاون واشنطن مع المجتمع الدولي في مجالات كثيرة، من قضايا تغير المناخ والسكان إلى زراعة القطن.

وعقب مراجعة شاملة من إدارته لانخراط الولايات المتحدة مع كل المنظمات الدولية، وقّع الرئيس ترمب الأربعاء قراراً تنفيذياً يُعلق الدعم الأميركي لـ66 منظمة ووكالة وهيئة ولجنة، ومنها 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة. وأوضح البيت الأبيض في بيان أن الولايات المتحدة ستنسحب من هذه الهيئات وتوقف أي تمويل لها؛ لأنها «تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة، وأمنها، وازدهارها الاقتصادي، وسيادتها». وأضاف أن «كثيراً من هذه الهيئات يُروّج لسياسات مناخية متطرفة، وحوكمة عالمية، وبرامج آيديولوجية تتعارض مع سيادة الولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية».

ومن المنظمات البارزة التي ستنسحب منها الولايات المتحدة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي كيان علمي يُعنى بأبحاث المناخ العالمية، والمنتدى العالمي للهجرة والتنمية الذي أسهم في صوغ ميثاق الأمم المتحدة للهجرة عام 2018، وصندوق الأمم المتحدة للسكان الذي يدعم الصحة والحقوق الإنجابية في كل أنحاء العالم، واللجنة الاستشارية الدولية للقطن التي تأسست في واشنطن قبل نحو 90 عاماً.

«تهديد» لسيادة أميركا

وفي بيان منفصل، أشاد وزير الخارجية ماركو روبيو بهذه الانسحابات، عادّاً أن كثيراً من المنظمات الدولية يخدم «مشروعاً عولمياً متجذراً في وهم مُفند لفكرة نهاية التاريخ»، مضيفاً أن هدفها الحقيقي هو «تقييد السيادة الأميركية».

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز خلال اجتماع لمجلس الأمن يوم 5 يناير (رويترز)

وقال إن الولايات المتحدة تستهدف «شبكة المنظمات غير الحكومية» و«الشبكات النخبوية» التي تديرها. وأضاف: «وجدت إدارة ترمب أن هذه المؤسسات (...) تفتقر إلى الإدارة الفعالة، وغير ضرورية، ومهدرة للموارد، وسيئة الإدارة، وخاضعة لمصالح جهات تسعى إلى تحقيق أجنداتها الخاصة التي تتعارض مع مصالحنا، أو أنها تُشكل تهديداً لسيادة أمتنا وحرياتها وازدهارها العام».

ويأتي هذا التحرك بعد مرور عام تقريباً على محاولة ترمب سحب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زاعماً أن ذلك ساعد «منتهكي حقوق الإنسان بالسماح لهم باستخدام المنظمة كغطاء يحميهم من المساءلة». وتصادم ترمب مراراً مع منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما فيما يتعلق بسياسات الهجرة والمناخ. وتساءل في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي: «ما الغرض من الأمم المتحدة؟»، مضيفاً أنها تمتلك «إمكانات هائلة»، لكنها في نهاية المطاف لا تُصدر سوى «كلام فارغ».

وعلى الرغم من أن الرئيس ترمب لم يُقدم على سحب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة نفسها، فإنه أثار أزمة في هذه المؤسسة العالمية بسحب مليارات الدولارات من التمويل، ومطالبتها بتغيير آلية عملها، ورفض دفع الرسوم المقررة لعام 2024 لميزانية الأمم المتحدة الاعتيادية. كما ألغت إدارته نحو مليار دولار من التمويل المخصص لرسوم عام 2025 وعمليات حفظ السلام، رغم أن الكونغرس خصصها بالفعل.

ولم يتّضح على الفور تأثير عمليات الانسحاب الجديدة، علماً بأن ترمب أنهى فعلاً مشاركة الولايات المتحدة مع بعض الهيئات الأممية، بما في ذلك الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، العام الماضي.

المنظمات الدولية

علّق الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ، سيمون ستيل، الخميس، قائلاً إن انسحاب ترمب من ‌معاهدة المناخ ‌ «خطأ فادح سيجعل الولايات المتحدة أقل أماناً وأقل ازدهاراً»، وسيُلحق الضرر بالاقتصاد الأميركي والوظائف ومستويات المعيشة.

الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل في بيليم بالبرازيل يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

وقال مدير مكتب الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، ريتشارد غاون، إن الولايات المتحدة «يبدو أنها تتخلى عن كيانات تُعنى بالقانون الدولي، والتنمية الاقتصادية، والتعاون البيئي، وحقوق المرأة». ولاحظ أنه منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، تعاملت إدارته مع التنمية والتعاون البيئي كـ«أجندات شبه اشتراكية»، وانتقدت بشدة أي جهود تبذل لتعزيز المساواة بين الجنسين. وإذ تساءل: «من الرابح هنا؟»، أجاب غاون: «على الأرجح الصين»، موضحاً أن «الصينيين استثمروا لسنوات في أذرع الأمم المتحدة التي تركز على سياسة التنمية. والآن انسحبت الولايات المتحدة من هذا المجال».

كذلك، قالت المديرة الوطنية للتواصل الحكومي والمناصرة في منظمة العفو الدولية أماندا كلاسينغ إن «هذا تأكيد واضح على نهج هذه الإدارة الانتقائي في التعامل مع حقوق الإنسان». وأضافت أن «هذا استمرار واضح لجهود الإدارة الرامية إلى تمزيق نظام عالمي أسهمت هذه الدولة في تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية لضمان الحماية الشاملة لجميع الناس، بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم».

وحتى الآن لم تنسحب الولايات المتحدة من بعض الهيئات التي توقع الخبراء أن تكون مهددة، ومنها منظمات الأمم المتحدة المعنية بالهجرة ومساعدة اللاجئين، فضلاً عن وكالة الطاقة الدولية، التي انتقدتها إدارة ترمب مراراً لعملها في مجال الطاقة النظيفة.


مقتل امرأة برصاص «إدارة الهجرة» في مينيابوليس يشعل مواجهة حزبية

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
TT

مقتل امرأة برصاص «إدارة الهجرة» في مينيابوليس يشعل مواجهة حزبية

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)

أعاد مقتل امرأة أميركية برصاص ضابط في إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أيس) خلال عملية أمنية في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، إشعال جدل وطني حاد حول سياسات الهجرة، وحدود استخدام القوة من قبل السلطات الفيدرالية، وتسييس أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة. الحادث، الذي وقع في مدينة لا تزال مثقلة بذاكرة احتجاجات 2020 بعد مقتل جورج فلويد، تحوّل سريعاً من واقعة أمنية قيد التحقيق إلى معركة سياسية مفتوحة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحلفائها الجمهوريين من جهة، ومعارضيها الديمقراطيين من جهة أخرى، في توقيت بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي نهاية العام.

ذكرى فلويد

وقعت الحادثة يوم الأربعاء عندما أطلق عنصر في «أيس» النار على امرأة تبلغ 37 عاماً، رينيه تُدعى نيكول غود وهي شاعرة وأم لثلاثة أطفال، خلال عملية لإنفاذ قوانين الهجرة في أحد أحياء مينيابوليس، ما أدى إلى إصابتها بطلق ناري في الرأس وفارقَت الحياة لاحقاً في المستشفى. وسرعان ما تجمّع مئات الأشخاص في موقع الحادث لإقامة وقفة احتجاجية وإضاءة الشموع، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الاحتجاجات التي اجتاحت المدينة قبل خمس سنوات.

أشخاص يحيون ذكرى أميركية قتلت برصاص أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس يوم 8 يناير (أ.ف.ب)

لكن ما يضفي على الحادث ثقلاً سياسياً إضافياً هو السياق الأوسع الذي وقع فيه. فمينيابوليس كانت واحدة من المدن التي استهدفتها إدارة ترمب بحملة مكثفة لتطبيق قوانين الهجرة، شملت نشر مئات العناصر الإضافيين وتنفيذ اعتقالات واسعة، في مدينة يقودها ديمقراطيون وتضم جالية مهاجرة كبيرة، وخصوصاً من أصول صومالية. هذه الحملات، التي تقول الإدارة إنها ضرورية لـ«استعادة النظام»، ينظر إليها خصومها على أنها محاولات متعمدة لاستفزاز المدن الزرقاء وتغذية خطاب «القانون والنظام» قبيل الاستحقاق الانتخابي.

رواية الإدارة

منذ الساعات الأولى، سارع الرئيس ترمب ووزارة الأمن الداخلي إلى تبني رواية واضحة: الضابط أطلق النار دفاعاً عن النفس. ترمب قال إن المرأة «كانت تعوق عمل عناصر إنفاذ القانون وتعتدي عليهم»، عادّاً أن ما جرى نتيجة «تحريض اليسار الراديكالي» ضد الشرطة وعناصر الهجرة. وأضاف أن عناصر «أيس» يتعرضون يومياً للتهديد والاعتداء في أثناء أداء واجبهم.

اشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ب)

وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم دعمت هذه الرواية، مؤكدة أن المرأة حاولت دهس أحد العناصر بسيارتها، وأن الضابط «استخدم تدريبه لإنقاذ حياته وحياة زملائه». وذهبت أبعد من ذلك حين وصفت الحادث بأنه «عمل إرهابي محلّي»، متهمة متظاهرين ونشطاء باستخدام السيارات بشكل متزايد لإعاقة عمليات الهجرة.

نائب الرئيس جيه دي فانس أعلن بدوره أن الإدارة تقف بالكامل خلف عناصر «أيس»، واصفاً مقتل المرأة بأنه «مأساة من صنعها». أما عدد من المشرعين الجمهوريين، فشدّدوا على ضرورة حماية عناصر إنفاذ القانون، محذرين من أن أي تشكيك في تصرفاتهم سيشجع على مزيد من العنف ضدهم.

دور «اليسار الراديكالي»

في الكونغرس، سارع قادة جمهوريون إلى الدفاع عن الإدارة. رئيس مجلس النواب مايك جونسون قال إن «المعطيات الأولية تشير إلى أن السيارة استُخدمت كسلاح»، مؤكداً أن عناصر الأمن يضطرون أحياناً لاتخاذ قرارات في أجزاء من الثانية. سيناتور ألاباما تومي توبيرفيل حمّل «اليسار الراديكالي» مسؤولية الحادث، وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي داعياً عناصر الهجرة إلى «إطلاق النار دفاعاً عن أنفسهم إذا تعرضوا لهجوم».

ويأتي هذا الموقف مُنسجماً مع الخطاب الانتخابي الذي يعتمده ترمب وحلفاؤه، والقائم على شعار «القانون والنظام»، وتقديم الهجرة غير الشرعية بعدّها تهديداً مباشراً للأمن القومي، يتطلب قبضة حديدية، حتى لو أثارت الجدل.

استخدام «متهور» للقوة

في المقابل، جاءت ردود الفعل الديمقراطية غاضبة وحادّة. رئيس بلدية مينيابوليس، جاكوب فراي، وصف ما جرى بأنه «استخدام متهور للسلطة أدّى إلى مقتل شخص»، مطالباً إدارة الهجرة بـ«مغادرة المدينة فوراً». وذكّر فراي بأنه حذّر قبل أسابيع من أن التصعيد الفيدرالي قد يؤدي إلى سقوط قتلى، مؤكّداً: «قلت إن أحداً سيُقتل إذا استمرت هذه العمليات... وهذا ما حدث».

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 8 يناير (أ.ف.ب)

حاكم ولاية مينيسوتا تيم والز حمّل إدارة ترمب مسؤولية مباشرة عن الحادث، عادّاً أنها «تحكم بعقلية برامج تلفزيون الواقع»، وأن الاستعراض الأمني «خلق مناخاً من الخوف والفوضى». كما أعلن أنه وضع الحرس الوطني في حال تأهّب تحسباً لأي اضطرابات إضافية. السيناتورة الديمقراطية تينا سميث دعت إلى «تحقيق كامل وغير متحيز»، واتّهمت الإدارة بـ«التلاعب بالوقائع» لتبرير استخدام القوة المميتة. النائبة إلهان عمر رأت في الحادث دليلاً على «سياسات متهورة ومميتة»، مؤكدة أن الضحية لم تكن هدفاً لعملية الترحيل.

زاد من تعقيد المشهد انتشار مقاطع فيديو صوّرها شهود عيان، وأظهرت إطلاق النار بينما كانت السيارة تحاول الابتعاد، دون أن تُظهر بوضوح لحظة تعرّض أي عنصر لمحاولة دهس. هذا التناقض المزعوم بين الصور والرواية الرسمية غذّى شكوكاً واسعة لدى الرأي العام، ودفع معارضين إلى اتهام الإدارة بـ«استباق نتائج التحقيق» وفرض تفسير سياسي للحادث.

وأشار خبراء قانونيون إلى أن مثل هذه القضايا غالباً ما تتحول إلى اختبار لمصداقية المؤسسات، خصوصاً حين يتدخل رأس السلطة التنفيذية في توصيف الوقائع قبل انتهاء التحقيقات.

الهجرة في قلب المعركة الانتخابية

وبدا أن مقتل رينيه نيكول غود قد يتحول إلى قضية تعبئة للطرفين. فقد جاء في لحظة مفصلية، حيث تراهن إدارة ترمب على تشديد سياسات الهجرة لحشد قاعدتها الانتخابية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. في المقابل، يسعى الديمقراطيون إلى تحويل الحادث إلى رمز لخطورة عسكرة الهجرة، وإلى التحذير من أن سياسات ترمب لا تؤدي فقط إلى الانقسام، بل إلى سقوط ضحايا أبرياء، حتى من المواطنين الأميركيين.

صورة للسيارة التي تعرّضت لإطلاق نار أردى مواطنة أميركية قتيلة في في مينيابوليس بولاية مينيسوتا يوم 7 يناير (رويترز)

التحقيقات التي يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالي وسلطات ولاية مينيسوتا ستحدد المسؤوليات القانونية، لكن آثار الحادث السياسية بدأت بالفعل. فمهما كانت نتائج التحقيق، يبدو أن مقتل امرأة في مينيابوليس سيبقى جزءاً من السجال الوطني حول الهجرة والسلطة واستخدام القوة.

وفي بلد يعيش انقساماً حاداً، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما حدث فقط، بل كيف سيُستخدم ما حدث في معركة سياسية ستحدد ملامح الكونغرس المقبل، وربما اتجاه الولايات المتحدة في واحدة من أكثر قضاياها حساسية.