كيف سارت القمم السابقة بين ترمب وبوتين... وما الذي نتوقعه هذه المرة؟

جانب من لقاء بوتين بترمب في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)
جانب من لقاء بوتين بترمب في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

كيف سارت القمم السابقة بين ترمب وبوتين... وما الذي نتوقعه هذه المرة؟

جانب من لقاء بوتين بترمب في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)
جانب من لقاء بوتين بترمب في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)

وصفت «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، التي تُعقد في ولاية ألاسكا، اليوم (الجمعة)، بأنها لحظة فارقة في السياسة العالمية تُذكّر بالعديد من الاجتماعات السابقة التي لا تُنسى.

وأضافت أن هذه الأحداث لطالما تصدّرت عناوين الأخبار الرئيسية، إلى جانب لمحات من العلاقة الشخصية المثيرة للاهتمام وغير المتوقَّعة، التي تُراقب بدقة بين الرئيسين.

صورة مدمجة تجمع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

وذكرت أن إعادة النظر في الصور تُقدّم دلائل على كيفية تعاملهما مع لقائهما المباشر، اليوم، في ألاسكا، حيث سيناقشان إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وقالت: «يتبع الرئيسان نهجَين مختلفين تماماً في الاجتماعات الخاصة، وفقاً لمسؤولين سابقين تعاملوا مع أحدهما أو كليهما خلف الأبواب المغلقة».

وذكرت أن اجتماعهما الأول عُقد، في يوليو (تموز) 2017، خلال قمة «مجموعة العشرين» في ألمانيا، وكان ذلك بعد أشهر قليلة من دخول ترمب البيت الأبيض، بينما كان بوتين يتمتع بخبرة سياسية تمتد لعقود.

وأمام كاميرات العالم، تبادل الرجلان كلمات دافئة ومصافحة ودية، مما مهَّد الطريق لعلاقة سادها الاحترام بشكل عام.

وفي السنوات التالية، عبّر الرجلان عن إعجابهما المتبادل، رغم أن ترمب صرّح مؤخراً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية» بأنه «يشعر بخيبة أمل» من بوتين بسبب إراقة الدماء في أوكرانيا.

وفي الواقع، طُرحت قضية أوكرانيا في ذلك الاجتماع الأول، عندما سلّط ترمب الضوء على جهود روسيا لزعزعة استقرار جارتها.

وقبل ثلاث سنوات، كانت موسكو قد ضمّت شبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني.

وذكرت «بي بي سي» أنه مع دخول غزو بوتين لأوكرانيا عامه الرابع، يتطلع ترمب إلى لعب دور صانع السلام، من خلال التفاوض على وقف إطلاق النار.

جانب من لقاء بوتين بترمب وزوجته ميلانيا في هيلسينكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ب)

وقال ترمب، يوم الأربعاء، إنه ستكون هناك «عواقب وخيمة للغاية»، إذا لم يوافق الرئيس الروسي على إنهاء الحرب. وفي أحيان أخرى، اتخذ نبرة أكثر هدوءاً، وقال إنه يتصور أن الاجتماع سيكون «مجرد تمرين استطلاعي».

ولفتت إلى أن ترمب التقى بوتين وجهاً لوجه مجدداً في عام 2017، في منتدى اقتصادي بفيتنام، وقد صُوِّرا وهما يتحدثان مع قادة عالميين آخرين. وفي إحدى الصور، بدا أن بوتين يتحدث مباشرةً في أذن نظيره.

ويُدرك ترمب قدرة بوتين على السيطرة على المحادثات، بحواراته المطوَّلة والسريعة، مما لا يمنح المتحدثين معه سوى فرص قليلة للرد، وفقاً لدبلوماسيين وصفوا أسلوب الرئيس الروسي لـ«هيئة الإذاعة البريطانية».

وعلّق السير لوري بريستو، سفير المملكة المتحدة السابق لدى روسيا، قائلاً: «كل شيء في الاجتماعات مع بوتين يدور حول السلطة: من يتحكم في التوقيت والمضمون وجدول الأعمال والنبرة. والنقطة المهمة أنك لا تعرف أبداً ما ستحصل عليه».

ونتيجة لذلك، قال: «قد يجد المترجمون الفوريون صعوبة في مواكبة الحديث»، وكان من الضروري من وجهة نظر ترمب أن يحضر مترجماً فورياً خاصاً به.

ويُزعم أن مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، اعتمد على مترجمين من الكرملين خلال اجتماع خاص به في وقت سابق من هذا العام.

واتفقت فيونا هيل، مساعدة ترمب السابقة، مع السير لوري، مستذكرةً في مقابلة مع صحيفة «تلغراف» تجاربها الشخصية في التعامل مع بوتين: «إنه يسخر من ترمب بالفعل. يستخدم اللغة الروسية بطريقة قد تكون ساخرة ومثيرة للسخرية، وهي تضيع تماماً في الترجمة».

ووفقاً لـ«بي بي سي»، لعل أبرز مظاهر الود العلنية بين ترمب وبوتين عندما التقيا في محادثات مغلقة في هلسنكي، فنلندا، يوليو 2018.

ودافع ترمب عن روسيا في مواجهة اتهامات التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، وانحاز إلى بوتين في تقييمات وكالاته الاستخباراتية، وقد أكسبته هذه الخطوة إدانة من مختلف الأطراف في الولايات المتحدة.

كما أسفر اجتماع هلسنكي عن صورة غير رسمية لا تُنسى لبوتين وهو يُهدي ترمب كرة قدم من كأس العالم للرجال الأخيرة، التي استضافتها روسيا.

وكانت هذه اللفتات من جانب بوتين دائماً مدروسة بعناية، وفقاً للسير توني برينتون، وهو سفير بريطاني سابق لدى روسيا.

جانب من لقاء ترمب ببوتين في هلسنكي يوم 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)

ويتذكر السير توني أن بوتين أظهر «لباقة روسية أصيلة» خلال الاجتماعات التي حضرها في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، رغم وجود قدر من التحفّظ الكامن في ذلك، ولم يكن يوماً شخصاً عفوياً.

وأضاف: «كرات القدم والابتسامات والنكات وما شابه ذلك... ليس بطبيعته شخصاً يُرحب بالجميع، لكنه يجتهد في ذلك عندما يرى أن الأمر مهم للعلاقة».

والتقى الرجلان في قمم «مجموعة العشرين» بالأرجنتين، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وفي اليابان، في يونيو (حزيران) 2019.

وحضر جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترمب، الذي اختلف معه لاحقاً، هذه القمة، وصرّح لـ«بي بي سي» بأنه اندهش من اختلاف مواقف الرجلين تجاه التفاصيل، وعزاه إلى تدريب بوتين في جهاز الاستخبارات السوفياتي.

وقال عن بوتين: «لم أره قط إلا مستعداً، هادئاً جداً، ومنطقياً جداً في عرضه، وأعتقد أن هذا جزء من تدريبه في الاستخبارات السوفياتية».

وعلى النقيض من ذلك، قال بولتون إن «أسلوب ترمب في الاجتماعات الخاصة كان مشابهاً لمؤتمراته الصحافية العلنية، حيث كان يميل إلى الإدلاء بتصريحات غير مباشرة قد تفاجئ حتى مساعديه، ولا يُعِدّ لها جيداً، لأنه لا يعتقد أنه بحاجة إلى ذلك. ولا يعتقد أنه بحاجة إلى المعلومات الأساسية، وأنا متأكد من أنهم يُعِدّون مواد إحاطية كما فعلنا دائماً، لكنه لن يقرأها».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

قال بولتون إن ترمب كان يعتقد أن علاقة شخصية سليمة مع زعيم آخر تعني علاقة سليمة بين الدولتين – وبوتين كان يعلم ذلك، وسيستخدم تدريبه في المخابرات السوفياتية لمحاولة التلاعب بترمب. لقد فعل ذلك من قبل وسيفعله مرة أخرى.

وقلّل ترمب نفسه من شأن التوقعات قبل قمة يوم الجمعة في ألاسكا، مُعلّقاً: «أعتقد أنها ستكون جيدة، لكنها قد تكون سيئة».


مقالات ذات صلة

موسكو: سلمنا سفارة أميركا بيانات المسيّرة الأوكرانية التي حاولت ضرب مقر إقامة بوتين

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

موسكو: سلمنا سفارة أميركا بيانات المسيّرة الأوكرانية التي حاولت ضرب مقر إقامة بوتين

قال تلفزيون «آر تي» الخميس إن وزارة الدفاع الروسية أعلنت أنها سلمت السفارة الأميركية بيانات الطائرة المسيّرة الأوكرانية التي حاولت ضرب مقر إقامة بوتين

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا صورة من فيديو وزّعته وزارة الدفاع الروسية لحطام مسيّرة أوكرانية في موقع غير محدّد (أ.ب) play-circle

زيلينسكي: السلام أصبح قاب قوسين أو أدنى وما تبقى فقط 10 % لإنجازه

زيلينسكي يقول إن السلام أصبح قاب قوسين أو أدنى لكنه يرفض «الاستسلام» أو توقيع اتفاق ضعيف يؤدي إلى إطالة الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود أوكرانيون يشاركون في تدريب على استخدام أنظمة «باتريوت» بموقع غير مُحدّد بألمانيا يوم 11 يونيو (رويترز)

أوكرانيا تشكر ألمانيا بعد نشر منظومتَي «باتريوت» إضافيتين

أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية، اليوم (الخميس)، أن أوكرانيا تسلَّمت منظومَتين إضافيَّتين للدفاع الجوي من طراز «باتريوت»، وذلك للمساعدة في التصدي للهجمات الروسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال الإنقاذ الأوكرانيون أمام مبنى متضرر نتيجة غارة جوية روسية على مدينة خيرسون (أرشيفية - أ.ف.ب)

مسؤول روسي: أوكرانيا قتلت 24 شخصاً في هجوم بخيرسون

اتهم فلاديمير ​سالدو الحاكم الذي عينته روسيا لمنطقة خيرسون في جنوب أوكرانيا، اليوم الخميس، كييف ‌بقتل ‌24 ‌شخصاً ⁠على ​الأقل ‌في هجوم بطائرات مسيّرة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي للأوكرانيين: نحن على بُعد 10 % من السلام

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في خطابه لمناسبة رأس السنة الجديدة مساء الأربعاء إن بلاده باتت على بُعد 10 في المائة من التوصل إلى السلام.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ممداني خلال تنصيبه في رئاسة بلدية نيويورك: سنثبت أن «اليسار يمكنه أن يحكم»

زهران ممداني (رويترز)
زهران ممداني (رويترز)
TT

ممداني خلال تنصيبه في رئاسة بلدية نيويورك: سنثبت أن «اليسار يمكنه أن يحكم»

زهران ممداني (رويترز)
زهران ممداني (رويترز)

وعد رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، المنتخب حديثاً عن الحزب الديمقراطي، الخميس، في خطاب تنصيبه بأن «يضرب مثالاً يُحتذى به للعالم»، عبر إثباته أن «اليسار يمكنه أن يحكم».

زهران ممداني (أ.ب)

وأعلن رئيس البلدية، البالغ 34 عاماً: «سنكون محطّ متابعة لدى كثيرين. هم يريدون أن يعرفوا ما إذا كان اليسار يمكنه أن يحكم... يريدون أن يعرفوا ما إذا كان بالإمكان مجابهة التحديات التي تواجههم. لذا، باتحادنا وعزيمتنا، سنفعل ما يجيده سكان نيويورك: سنضرب مثالاً يُحتذى به للعالم».

خطط طموحة

بنى ممداني الذي يُعرّف عن نفسه بأنه اشتراكي، في بلد يُربط فيه هذا المصطلح باليسار المتطرف، برنامجه الانتخابي على أساس مكافحة غلاء المعيشة ولا سيما سعر السكن، في المدينة البالغ عدد سكانها 8,5 مليون نسمة. وسعى سلفه إريك آدامز الذي لطخت حصيلته اتهامات بالفساد، إلى عرقلة إجراءٍ رئيسي في هذا البرنامج يتعلق بتجميد الإيجارات لأكثر من مليون شقة، من خلال تعيين أو إعادة تعيين عددٍ من المقربين منه في اللجنة المسؤولة عن اتخاذ القرار بهذا الصدد.


أميركا تفرض عقوبات على شركات وناقلات نفط صينية بدعوى ارتباطها بفنزويلا

ناقلة نفط ترفع علم غينيا بالقرب من ميناء لا سالينا الفنزويلي (رويترز)
ناقلة نفط ترفع علم غينيا بالقرب من ميناء لا سالينا الفنزويلي (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات على شركات وناقلات نفط صينية بدعوى ارتباطها بفنزويلا

ناقلة نفط ترفع علم غينيا بالقرب من ميناء لا سالينا الفنزويلي (رويترز)
ناقلة نفط ترفع علم غينيا بالقرب من ميناء لا سالينا الفنزويلي (رويترز)

صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغطها على صادرات النفط الفنزويلية بفرض عقوبات على شركات مقرها هونغ كونغ والصين، وناقلات نفط مرتبطة بها اتهمتها بالتهرب من القيود الأميركية على قطاع النفط الفنزويلي.

وأضاف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية أربع شركات إلى قائمة العقوبات بدعوى وجود صلات بقطاع النفط الفنزويلي، وهي: شركة «كورنيولا» الموجود مقرها في تشجيانغ، و«آريس جلوبال إنفستمنت» في هونغ كونغ، و«كريب ميرتل»، و«وينكي إنترناشونال». كما فُرضت عقوبات على أربع سفن مرتبطة بهذه الشركات، وهي الناقلات: «ديلا»، و«نورد ستار»، و«روزاليند»، و«فاليانت».

عمال شركة النفط الوطنية الفنزويلية يشاركون في تدريب للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية أو النزاعات المسلحة بمصفاة «إل باليتو» في بويرتو كابيلو (أ.ف.ب)

وأشارت وكالة «بلومبرغ» للأنباء إلى أن الولايات المتحدة فرضت بالفعل عقوبات على سفن وشركات لصلتها بتجارة النفط الفنزويلية، إلا أن استهداف الشركات الصينية العاملة هناك يعد إجراء نادراً، وقد يكون بمثابة إشارة إلى بكين لتجنب الدخول في المواجهة بين إدارة ترمب ونظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وتعد الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، الذي يمثل نحو 95 في المائة من إيرادات فنزويلا.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية في بيان لها: «تواصل هذه السفن، التي ينتمي بعضها إلى الأسطول الخفي الذي يخدم فنزويلا، توفير موارد مالية تغذي نظام مادورو غير الشرعي القائم على تجارة المخدرات والإرهاب».

ويعتمد نظام مادورو بشكل متزايد على أسطول خفي من السفن المنتشرة حول العالم لتسهيل الأنشطة الخاضعة للعقوبات، بما في ذلك التهرب منها، ولتوفير عائدات لعملياته «المزعزعة للاستقرار».

وبحسب بيانات تتبع السفن، فإن سفينة واحدة فقط من بين السفن التي حددتها وزارة الخزانة أمس كانت قريبة من فنزويلا مؤخراً، وهي سفينة «روزاليند» التي عادة ما تشارك في رحلات قصيرة المدى تُعرف باسم «النقل الساحلي»، لكن من المحتمل أن تكون سفن أخرى قد سافرت دون إرسال بيانات أجهزة الإرسال والاستقبال.


«دعم إسرائيل» يُفجّر صراعاً آيديولوجياً في قاعدة «ماغا»

الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
TT

«دعم إسرائيل» يُفجّر صراعاً آيديولوجياً في قاعدة «ماغا»

الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)

تشهد القاعدة الجمهورية الأميركية واحدة من أكثر لحظات التفكك الآيديولوجي حدّة منذ صعود دونالد ترمب، مع تحوّل إسرائيل من «حليف ثابت» شبه مُجمع عليه داخل اليمين المحافظ إلى نقطة خلاف مركزية داخل حركة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى).

هذا الانقسام لا يقتصر على السجالات الإعلامية أو منصات التواصل الاجتماعي، بل بات ينعكس مباشرة على سلوك القيادات، وعلى توازنات مراكز النفوذ داخل الحزب، من نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يُحاول السير على حبل مشدود، إلى مؤسسة «هيرتاج» -مركز الأبحاث العريق- التي بدأت تتآكل من الداخل لمصلحة تيار نائب الرئيس السابق مايك بنس.

من الإجماع إلى الخلاف

تقليدياً، شكّل الدعم القوي لإسرائيل ركناً أساسياً في السياسة الخارجية الجمهورية، مدفوعاً بعوامل دينية (ولا سيما بين الأميركيين الإنجيليين)، واستراتيجية، وتحالفات حزبية متجذّرة.

نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (أ.ف.ب)

غير أن حرب غزة، وتبدّل المزاج العام لدى قطاعات واسعة من الشباب الأميركي، بمن فيهم المحافظون، فجّرا موجة تشكيك غير مسبوقة في هذا الإرث. داخل «ماغا»، لم يعُد النقاش محصوراً في حجم الدعم أو شروطه، بل اتخذ طابعاً قومياً؛ حيث يرفع منتقدو إسرائيل شعار «أميركا أولاً» في مواجهة ما يسمونه «إسرائيل أولاً».

هذا التحول فتح الباب أمام أصوات كانت هامشية قبل سنوات، من بينها شخصيات مثيرة للجدل مثل نِك فوينتِس، الذي يرفع خطاباً عنصرياً ومعادياً للسامية بشكل صريح، وأخرى أكثر تأثيراً جماهيرياً مثل الإعلامي تاكر كارلسون والنائبة مارجوري تايلور غرين، اللذين يدفعان باتجاه إعادة تقييم الدعم الأميركي لتل أبيب من دون تبنّي خطاب فوينتس المتطرف.

جي دي فانس: الحياد الحذر

في قلب هذا الصراع، يقف نائب الرئيس جي دي فانس، البالغ 41 عاماً، في موقع بالغ الحساسية. فانس، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز وجوه «ماغا» القادرين على مخاطبة الجيل الشاب، تجنّب عمداً ذكر إسرائيل في خطابه أمام مؤتمر «نقطة تحول أميركا»، وهي الحركة المحافظة التي كان يقودها شارلي كيرك قبل اغتياله الصيف الماضي، والذي انعقد في مدينة فينيكس بولاية أريزونا، رغم أنها القضية الأكثر اشتعالاً داخل القاعدة. هذا الصمت لم يكن غفلة، بل استراتيجية محسوبة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس يوم 22 أكتوبر (أ.ب)

حلفاء فانس يؤكدون أنه يحاول التوفيق بين أمرين متناقضين: الحفاظ على إسرائيل حليفاً استراتيجياً، وعدم خسارة شريحة متنامية من الشباب الجمهوريين الذين يتساءلون عن جدوى المساعدات العسكرية الخارجية.

وعبّر فانس أكثر من مرة عن هذا التوازن، مميّزاً بين انتقاد سياسات إسرائيل ومعاداة السامية، ومستضيفاً في الوقت نفسه احتفالاً بعيد «حانوكا» (عيد الأنوار) في منزله، في رسالة طمأنة واضحة لليهود الأميركيين. لكن هذا التموضع الوسطي جعله عرضة لانتقادات من الجانبين. التيار المؤيد لإسرائيل يرى فيه متردداً يرفض إدانة الأصوات المعادية للسامية بوضوح، في حين يتهمه المتشددون وأنصار فوينتس بعدم الذهاب بعيداً في انتقاد إسرائيل. ولخّص أحد المقرّبين منه الوضع بعبارة دقيقة: «إنه يمشي على حبل مشدود... مائة في المائة».

ما يجري ليس مجرد خلاف حول سياسة خارجية، بل صراع أجيال داخل الحركة الترمبية. عبّر كثير من الشباب المحافظين الذين حضروا المؤتمر عن مواقف أكثر تعقيداً: دعم عام لإسرائيل مقرون برفض نفوذ جماعات الضغط أو «الاختبارات العقائدية» داخل الحزب. هؤلاء يرون في فانس سياسياً «يفهم الثقافة الرقمية» ويستوعب حساسيات جيلهم، حتى لو لم يُرضِ كل الأطراف.

في المقابل، يُحذّر مخضرمون في الحزب من أن هذا الغموض لن يصمد طويلاً. آري فلايشر، المتحدث السابق باسم البيت الأبيض، يرى أن سباق 2028 الرئاسي سيُجبر فانس وغيره على اختيار معسكر واضح، قائلاً: «سيُكشف أمره... هذا غير قابل للاستدامة».

«هيرتاج» تتصدّع... وبنس يملأ الفراغ

الانقسام نفسه يضرب المؤسسات الفكرية المحافظة. «مؤسسة هيرتاج»، التي لطالما كانت عقل اليمين السياسي في واشنطن، تشهد نزيفاً غير مسبوق في قياداتها. لم يكن انتقال نحو 15 مسؤولاً بارزاً إلى منظمة «تعزيز الحرية الأميركية» التابعة لنائب الرئيس السابق مايك بنس، مجرد حركة إدارية، بل مؤشر على صراع عميق حول هوية المحافظين.

جي دي فانس يخاطب الصحافيين في كريات غات يوم 21 أكتوبر (رويترز)

بنس، الذي تراجع نفوذه الشعبي منذ قطيعته مع ترمب بعد 2020، يُقدّم نفسه اليوم حارس «المبادئ التقليدية»: دعم أوكرانيا، معارضة الشعبوية الاقتصادية، ورفض أي تساهل مع معاداة السامية. ويتهم «هيرتاج» بالانجراف نحو «شعبوية حكومية كبيرة»، والتساهل مع أصوات متطرفة، خصوصاً بعد دفاع قيادتها عن تاكر كارلسون في سياق قضية فوينتس.

استقالات قادة بارزين من «هيرتاج»، وتوقف متبرعين تقليديين عن تمويلها، يعكسان عمق الأزمة. أحد المغادرين وصف فيديو لقيادة المؤسسة يدافع عن كارلسون بأنه «لحظة فاصلة» دفعت قضاة وأكاديميين إلى قطع علاقتهم بها.

صراع على المبادئ لا الأشخاص

يرى البعض أن هذه الخلافات داخل الحزب «الجمهوري» «تمهيد لانتخابات تمهيدية على المبادئ لا على الأسماء». ومع اقتراب انتخابات 2028 ونهاية ولاية ترمب، يتنافس تياران: «ماغا» الشعبوية بقراءتها الجديدة لـ«أميركا أولاً»، والمحافظون التقليديون الذين يسعون إلى إعادة تثبيت مبادئ تقليدية في السياسة الخارجية والاقتصاد.

بين هذين المعسكرين، يقف جي دي فانس رمزاً للحظة الانتقالية: سياسي شاب يُحاول الجمع بين الواقعية الجيوسياسية ونبض القاعدة الجديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في واشنطن اليوم هو: إلى متى يمكن السير على هذا الحبل المشدود، قبل أن يفرض الانقسام اختياراً حاسماً؟