«الضبابية» تُغلّف النتائج المرتقبة من قمة ألاسكا

شكوك أوروبية رغم وعود واشنطن... وتحذير من «مناورات» بوتين

زيلينسكي يعرض على ترمب صوراً لـ«فظائع الحرب» الروسية في أوكرانيا خلال أول لقاء بينهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ب)
زيلينسكي يعرض على ترمب صوراً لـ«فظائع الحرب» الروسية في أوكرانيا خلال أول لقاء بينهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ب)
TT

«الضبابية» تُغلّف النتائج المرتقبة من قمة ألاسكا

زيلينسكي يعرض على ترمب صوراً لـ«فظائع الحرب» الروسية في أوكرانيا خلال أول لقاء بينهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ب)
زيلينسكي يعرض على ترمب صوراً لـ«فظائع الحرب» الروسية في أوكرانيا خلال أول لقاء بينهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ب)

نجح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من خلال المؤتمر الذي انعقد الأربعاء «عن بعد» خلال ساعة كاملة، في تهدئة روع القادة الأوروبيين، بمن فيهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عبر تقديم بعض الوعود التي كانوا ينتظرونها.

وبحسب مصادر أوروبية في باريس، فإن القادة حصلوا على «3 تعهدات رئيسية». أوّلها، التزام ترمب بأن يطلب من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في قمة يوم الجمعة في ولاية ألاسكا، وقفاً لإطلاق النار. وسبق للرئيس الأميركي أن قدّم اقتراحاً بهذا المعنى قبل عدة أشهر، لكنّه بقي حبراً على ورق بسبب الشروط التي وضعها بوتين. وتعتبر كييف، ومعها حلفاؤها الأوروبيون، أن وقف النار من شأنه «تجميد» خطوط القتال، ووقف تقدّم القوات الروسية التي حقّقت في الأيام الأخيرة اختراقات مهمة في عدة مواضع من خطوط القتال.

جانب من لقاء رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لندن يوم 14 أغسطس (رويترز)

ووعد ترمب الثاني عنوانه الاستعداد للدعوة إلى قمة ثلاثية يحضرها فولوديمير زيلينسكي، بحيث يتحقق مطلب كييف والعواصم الأوروبية بأنه يعود للأوكرانيين فقط أن يقرروا مصيرهم ومصير الأراضي التي قد يقبلون التخلي عنها لصالح روسيا.

وثالث الوعود أن ترمب أعرب للمرة الأولى، وفق ما نقلت عنه مصادر أوروبية، عن «استعداده للانضمام إلى الجهود الأوروبية لضمان أمن الأوكرانيين، وفقاً لشروط لا تزال قيد المناقشة». ومُنذ أن طرحت الدول الأوروبية، وتحديداً فرنسا وبريطانيا، ملف «الضمانات الأمنية»، استجابة لطلب كييف و«طمأنتها» لعدم تعرضها لهجوم روسي جديد بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع موسكو، فإن إدارة ترمب رفضت دوماً الالتزام بأي شيء. وتغيُّر موقفها ينبع، بحسب مُحلّلين، من اعتبارها أن التزاماً من هذا النوع لم تعرف طبيعته بعد، من شأنه «تمرير» صفقة «تبادل الأراضي» التي يقترحها ترمب. ومن الجانب الأوروبي، ربطت عدة دول مثل بولندا وإيطاليا وألمانيا، وبريطانيا -إلى حدّ ما- مساهمتها في قوة أوروبية تنتشر على الأراضي الأوكرانية، بأن يتوفر لها «الغطاء الأميركي» لردع روسيا.

إيجابيات وشكوك

بيد أن هذه الإيجابية، كما يراها الطرف الأوروبي، تبقى نظرية إلى حدّ بعيد. وإشكاليتها تكمن، بحسب المصادر نفسها، في أن ترمب «لا يجد صعوبة في تغيير مواقفه من النقيض إلى النقيض»، إن كان بخصوص أوكرانيا أو بخصوص العلاقة مع بوتين، كما برز في الأسابيع الأخيرة. فالرئيس الأميركي عدّ، مساء الأربعاء، في المؤتمر الصحافي الذي عقده، أن هناك «فرصة جيدة للغاية» لأن يدعو لقمة ثلاثية إذا كانت نتائج قمته الثنائية مع بوتين «واعدة».

قوات أوكرانية على الجبهة في منطقة تشيرنيهيف يوم 12 أغسطس (أ.ب)

وكشف ترمب، في تصريحات خصّ بها «فوكس نيوز»، الخميس، أن هناك 3 مواقع محتملة لاستضافة القمّة الثلاثية. لكنه حذّر في المقابل بوتين من «عواقب وخيمة» إذا لم يوقف الحرب.

كذلك، سبق له أن أعلن الأسبوع الماضي أنه قد ينفض يديه من الوساطة، وسيترك للروس والأوكرانيين أن يتدبّروا شؤونهم بأنفسهم. وهذا يُبيّن أن ترمب «لا يملك خطة، أو أن المشاورات التمهيدية مع بوتين لم تتمكّن من جلاء الوضع، وما يمكن أن تنتجه القمة». وبالتالي، فإن الأوروبيين بقوا في حيرة من أمرهم لأنهم «عاجزون» عن توقّع، أو استباق، ما ستكون عليه مواقف ترمب، وما يمكن أن ينتج عن اللقاء.

تحذير من «مناورات» بوتين

برز، الخميس، تخوّف إضافي لدى الأوروبيين، بعد أن قال يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، للصحافيين، إن قمة ترمب - بوتين ستبدأ بلقاء ثنائي للرئيسين «وجهاً لوجه»، برفقة المترجمين فقط. بعدها، سيلتقي وفدا الطرفين، ليشارك الجميع في غداء عمل.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في المنتجع الصيفي للرئاسة يوم 13 أغسطس (رويترز)

والقمّة التي ستُعقد في قاعدة أميركية في مدينة أنكورانج، أكبر مدن ولاية ألاسكا، ستنتهي بمؤتمر صحافي مشترك للرئيسين. ومصدر القلق أن الأوروبيين يتخوّفون من «مناورات» بوتين، ومن إمكانية «التلاعب» بترمب، وتمكّنه من إقناعه بوجهة نظره وبمطالبه، أو بالإيحاء بقبوله وقفاً لإطلاق النار مربوطاً بشروط قد يرفضها الطرف الأوكراني، ما سيجعله مسؤولاً عن الفشل في أعين واشنطن.

ويرافق بوتين وفد رفيع مؤلف من وزراء الخارجية والدفاع والمالية، ومبعوثه الخاص لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي. كذلك، يتخوف الأوروبيون من حاجة ترمب لتحقيق «إنجاز» سريع في ملف زعم سابقاً أنه قادر على إيجاد حلّ له في 24 ساعة. وهذا التعطش للنجاح قد يجعله «فريسة سهلة» لبوتين. ولم يتردّد ترمب في أن يعترف علانيةً أن الرئيس الروسي قد يكون بصدد التلاعب به، بعد أن أجرى معه عدة اتصالات هاتفية اعتبرها إيجابية، لكن شيئاً ميدانياً لم يتبعها.

من هذه الزاوية، يُمكن فهم الثناء الذي كاله بوتين لترمب، الخميس، خلال اجتماع روسي للتحضير للقمة. وجاء فيه، وفق ما نقله الكرملين، قوله: «تبذل الإدارة الأميركية (...) جهوداً حثيثة وصادقة لإنهاء الأعمال العدائية، والخروج من الأزمة والتوصل إلى اتفاقات ترضي جميع الأطراف المعنية».

غموض مبدأ «تبادل الأراضي»

من هذا المنطلق، ترى مصادر دبلوماسية غربية أن بوتين هو المستفيد الرئيسي من هذه القمة، التي تُخرجه من عزلته الدبلوماسية الغربية، وتجعله مُجدّداً صنواً لرئيس أكبر قوة غربية.

وأكثر من ذلك، فإن القمّة تحصل فيما القوات الروسية تتقدم في منطقة الدونباس. وثمة، من بين الخبراء الغربيين، من يربط بين التقدم المُتسارع الذي تُحقّقه هذه القوات ميدانياً، وبين توقيت القمة، بحيث ينتزع الروس الأراضي التي لا يستطيعون الحصول عليها بالدبلوماسية بواسطة السلاح.

المستشار الألماني فريدريتش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في برلين يوم 13 أغسطس (رويترز)

وأفادت مصادر عسكرية أن لبوتين «فهماً خاصاً» لطرح ترمب مبدأ «تبادل الأراضي»، إذ إن بوتين اقترح في الواقع تجميد الأعمال العدائية على طول خط الجبهة الحالي، مُقابل انسحاب أوكرانيا من أراضٍ في منطقتي دونيتسك ولوغانسك، حيث ما زالت قواتها توجد فيها. وفي المقابل، من المرجح أن يقترح بوتين سحب قواته من أراضٍ تقع في مقاطعات سومي ودنيبروبتروفسك وخاركيف الأوكرانية التي لم تضمها موسكو إلى أراضيها، ثم تجميد خطوط القتال حيث هي في مقاطعتي زابوريجيا وخيرسون.

والحال أن قبول توافق ترمب وبوتين على وقف لإطلاق النار وفق شروط موسكو سيكون على حساب أوكرانيا.

سيارات محترقة جراء هجوم روسي بالمسيرات على دنيبرو يوم 26 يوليو (رويترز)

اليوم، يجد الأوروبيون أنفسهم في موقف حرج. فمن جهة، يدأبون على تأكيد استعدادهم لمواصلة الوقوف إلى جانب كييف وتوفير الدعم العسكري والمالي والسياسي لها مهما طال الزمن. كذلك، يتمسّكون بضرورة المحافظة على سيادتها وسلامة أراضيها وحقّها في أن تقرّر بنفسها ما تقبله أو لا تقبله من مقترحات أو تفاهمات يتم التوصل إليها.

ويُشدد الأوروبيون على اعتبار أن أمن أوروبا مرتبط بأمن أوكرانيا، وأنها «خط الدفاع الأول» عنهم بوجه المطامع الروسية. غير أنهم، في الوقت عينه، يعون أن ميزان القوى لا يميل لصالح أوكرانيا، وأن خروج الولايات المتحدة من المعادلة سيفاقم اختلال الموازين. وبالتالي ثمة ضرورة ملحة بأن تبقى واشنطن داخل المعادلة، وأن التنازلات المطلوبة من كييف يتعين التعويض عنها بضمانات أمنية صلبة، وهي الشرط الأهم، إلى جانب وقف إطلاق النار لإحراز تقدم.


مقالات ذات صلة

​ترمب في قلب المعركة الانتخابية بالكونغرس

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض الأحد (أ.ب)

​ترمب في قلب المعركة الانتخابية بالكونغرس

صعّد الجمهوريون والديمقراطيون حملاتهم قبل أسابيع من الانتخابات النصفية بالكونغرس أملاً في استقطاب الناخب الأميركي.

رنا أبتر (واشنطن)
أفريقيا أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ضغوط داخلية على إدارة ترمب للتدخل في إثيوبيا

ضغط أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأميركي على إدارة ترمب للتدخل لوقف التصعيد في إثيوبيا، محذرين من أن اتفاق السلام الذي أنهى حرب تيغراي عام 2022 بدأ يتفكك.

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد مركبات متوقفة خارج مصنع تجميع «جنرال موتورز» (رويترز)

ترمب يقلب قواعد بايدن لكفاءة السيارات الأميركية

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، قواعد جديدة لخفض متطلبات كفاءة استهلاك الوقود للسيارات، في أحدث خطوة لتسهيل بيع المركبات العاملة بالبنزين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) وفلافيو بولسونارو مرشح «الحزب الليبرالي» للرئاسة (رويترز)

البرازيل أمام خيار اليسار أو اليمين... لولا وبولسونارو في سباق محتدم للرئاسة

يتوجه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع وسط سباق محتدم بين لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو، في انتخابات تخيّم عليها فضائح الفساد، والانقسام السياسي.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
خاص الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)

خاص نفط أرخص وفائدة أقل وعجز أصغر... ماذا حدث لمعادلة ترمب الاقتصادية؟

تصطدم معادلة ترمب الاقتصادية بالحرب والتضخم وعوائد السندات، مما يجعل الجمع بين الطاقة الأرخص والفائدة الأقل والمالية العامة الأكثر انضباطاً، أصعب.

هلا صغبيني (الرياض)

دول «الاتحاد الأوروبي» تقر 5 مشروعات دفاعية كبرى في أنحاء القارة

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

دول «الاتحاد الأوروبي» تقر 5 مشروعات دفاعية كبرى في أنحاء القارة

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

وافقت ‌الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، الاثنين، على خطط بشأن 5 مشروعات دفاعية شاملة في القارة ​تغطي تدابير الدفاع الجوي والبحري وضد الطائرات المسيرة، لتصبح مؤهلة للحصول على تمويل من «الاتحاد».

وقال «مجلس الاتحاد الأوروبي»، في بيان أعلن فيه الموافقة على هذه المشروعات: «مشروعات الدفاع الأوروبية ذات الفائدة المشتركة تتيح للدول الأوروبية التعاون في مبادرات دفاعية كبرى قد تكون أكبر من أن تتولاها دولة واحدة عضو في (الاتحاد) أو أعقد من أن تتمكن من تطويرها بمفردها».

جانب من مناورات «حلف شمال الأطلسي» في ألمانيا خلال سبتمبر الحالي (إ.ب.أ)

وفيما يلي أهم التفاصيل:

تركز المشروعات الـ5، التي نالت الموافقة على تمويلها، على تطوير الحرب باستخدام الطائرات المسيّرة وتكنولوجيا التصدي لها، فضلاً عن حماية الجناح الشرقي لأوروبا.

كانت «المفوضية الأوروبية» اقترحت هذه المشروعات في الأصل خلال يوليو (تموز) الماضي، وتشمل أيضاً مشروعاً متكاملاً للدفاع البحري ومواجهة التهديدات تحت سطح البحر، بالإضافة إلى آخر للدفاع الجوي والصاروخي والإنذار المبكر، ومشروع دفاعي فضائي.

وقالت وزيرة الدفاع في آيرلندا، التي تتولى الرئاسة الدورية لـ«المجلس»، في بيان: «من خلال العمل من كثب مع شريكينا النرويج وأوكرانيا، نتخذ معاً خطوات حاسمة لحماية الفضاء ومجالنا الجوي وحدودنا البحرية والكابلات البحرية ومواطنينا الذين يعتمدون عليها».

و خصص «الاتحاد الأوروبي»؛ بموجب «برنامج صناعة الدفاع الأوروبي» التابع له، ميزانية تبلغ 325 مليون يورو (370 مليون دولار) للمشروعات الدفاعية ذات الفائدة المشتركة، مع احتمال توفير مزيد من التمويل في المستقبل.


الكرملين يؤكد استمرار «العملية الخاصة»… ويتوعد أوكرانيا

عمال الإنقاذ يحاولون إخماد حريق اندلع في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء غارة روسية وسط كييف الاثنين (أ.ب)
عمال الإنقاذ يحاولون إخماد حريق اندلع في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء غارة روسية وسط كييف الاثنين (أ.ب)
TT

الكرملين يؤكد استمرار «العملية الخاصة»… ويتوعد أوكرانيا

عمال الإنقاذ يحاولون إخماد حريق اندلع في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء غارة روسية وسط كييف الاثنين (أ.ب)
عمال الإنقاذ يحاولون إخماد حريق اندلع في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء غارة روسية وسط كييف الاثنين (أ.ب)

أكد الكرملين، الاثنين، أن القوات الروسية تواصل شن عمليات واسعة النطاق في أوكرانيا، وتوعد الأوكرانيين بأنهم «سيدفعون ثمن» هجماتهم في الأشهر الأخيرة في العمق الروسي. وفي أول إشارة سياسية من الكرملين على أن الجهود التي تقوم بها واشنطن حالياً لاستئناف عملية المفاوضات، يجب أن ترتبط بوقف هجمات المسيّرات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، أكد الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، أن بلاده لن توقف عملياتها العسكرية قبل ضمان الأمن الكامل والمصالح الوطنية لروسيا. وشدد في إفادة صحافية على أن القوات الروسية «تواصل عملياتها الخاصة وتشن غارات متواصلة على أهداف عسكرية».

مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم يحترق بعد غارة روسية بطائرة مسيّرة وسط كييف الاثنين (أ.ب)

غارة على «أكاديمية العلوم» في كييف

جاء هذا التصريح تزامناً مع غارة روسية استهدفت «أكاديمية العلوم» في قلب كييف، الاثنين، مما تسبب في حريق هائل. وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، أشخاصاً يطلّون من النوافذ لالتقاط أنفاسهم، فيما يلفّ دخان أسود كثيف وألسنة لهب جزءاً من هذا المبنى التاريخي. ويقع المبنى في وسط كييف في حي يحظى عادة بحماية كبيرة، قرب سفارات ومبانٍ حكومية.

وشنت روسيا أيضاً غارات واسعة الأحد، استهدفت البنى التحتية للاتصالات ومواقع حيوية عدة في كييف ومدن أوكرانية اخرى. وقال بيسكوف إن كييف «بدأت تدفع ثمن محاولاتها خلال الأشهر الأخيرة لمهاجمة روسيا»، في إشارة إلى توسيع نطاق هجمات المسيّرات الأوكرانية ضد منشآت ومواقع استراتيجية في العمق الروسي. وأضاف: «بالطبع، تحدث الرئيس (فلاديمير بوتين) عن هذا الأمر أيضاً. سيتعين على أوكرانيا دفع ثمن ما حدث في الأشهر الأخيرة. وهذا ما يحدث الآن». وأشار بيسكوف إلى أن القوات «تواصل عملياتها الخاصة، وتشن غارات متواصلة على أهداف عسكرية معادية». وأضاف المتحدث باسم الكرملين أن المصالح الوطنية الروسية واضحة، «ويجب علينا ضمان الأمن والتأكد من عدم تجرؤ أي جهة على إعلان خطط لتوجيه ضربة قاضية لبلادنا». كما وصف بيان بوتين بشأن موقف موسكو من مقترحات حل النزاع، بأنه «شامل وواضح للغاية».

وكان بوتين أكد قبل أيام، أن روسيا مستعدة لاستئناف المفاوضات مع أوكرانيا بعد انتخابات مجلس «الدوما»، لكن ربط ذلك مباشرة بوقف الهجمات الأوكرانية، وقال إن القوات المسلحة الأوكرانية حاولت شن هجوم واسع النطاق على موسكو خلال أيام الاقتراع. وأضاف بوتين أن بلاده «تتخذ قراراتها المتعلقة بالتسوية السلمية بناءً على مصالحها».

أكرانيون يحاولون مساعدة رجل على إخلاء مبنى إداري تعرض لغارة روسية في كييف الاثنين (رويترز)

وجاء إعلان الكرملين بعد يوم شهد تصعيداً عنيفاً ضد البنى التحتية الأوكرانية، خصوصاً في قطاع الاتصالات. وبعد هجوم ضخم على أكبر مزود بخدمة الاتصالات مساء الأحد، أعلنت وزارة الدفاع الروسية صباح الاثنين، عن توجيه ضربات ليلية واسعة لمواقع الاتصالات والطاقة والبنية التحتية والموانئ في أوكرانيا، وإعطاب سفينتي شحن تحملان مؤناً عسكرية لقوات كييف في البحر الأسود.

وجاء في البيان أن موسكو «قطعت اتصالات الجيش الأوكراني وأغرقت سفن إمداده». ووفقاً للبيان، فإن المواقع التي استهدفتها الضربة الروسية الواسعة شملت مركز معالجة بيانات شركة «أوكرتيليكوم»؛ إحدى كبرى شركات خدمات الهاتف الثابت والمحمول والإنترنت عالي السرعة للقوات الأوكرانية، وكذلك مركز معالجة بيانات شركة «دريم لاين»؛ إحدى كبرى الشركات المقدمة لخدمات الإنترنت عالي السرعة للقوات الأوكرانية، وتخزين بيانات الاستخبارات ومواقع في البنية التحتية للوقود والطاقة.

‌وكانت وسائل إعلام محلية في أوكرانيا نقلت عن شركة «كييف ستار»، أكبر مزود لخدمات الهاتف الجوال في البلاد، قولها إن روسيا قصفت مقرها الرئيسي الأحد، في وقت واصلت فيه موسكو قصف مراكز بيانات وبنية تحتية للاتصالات. وذكرت «كييف ستار» لوكالة ‌أنباء «إنترفاكس ‌أوكرانيا»، أن مقرها الرئيسي في ‌كييف تعرض للهجوم دون وقوع إصابات.

وفيما بدا أنه استمرار للهجوم على البنى التحتية للاتصالات، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الاثنين، أنها استهدفت مركز بيانات تابعاً لشركة «فودافون» أوكرانيا، ثاني أكبر مزود لشبكات الهاتف المحمول في البلاد. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ‌إن روسيا قصفت مركز بيانات ‌في كييف مرتين، صباح الاثنين، مما أسفر عن إصابة طفلين وبالغ.

واستهدفت موسكو أيضاً مراكز بيانات تابعة ‌لجهات أوكرانية تقدم خدمة الإنترنت خلال الأسبوع الماضي، مما تسبب في انقطاع الخدمة عن نحو 100 ألف أسرة في كييف والمنطقة المحيطة بها، وفقاً لوزارة الشؤون الرقمية الأوكرانية. أيضاً شملت الهجمات الروسية الأخيرة أيضاً توجيه ضربة دقيقة لمطار فاسيلكوف العسكري بمقاطعة كييف، ومركزاً لوجستياً في أوديسا كان يخزن شحنات عسكرية. وفي ميناء تشيرنومورسك، تم استهداف سفينة شحن جاف تحمل معدات عسكرية وشحنة ثنائية الاستخدام للقوات الأوكرانية، وفقاً للبيان الروسي.

وفي ميناء إسماعيل، تم ضرب البنية التحتية لمصنع «دونايسودوسيرفيس»، وهو مؤسسة لبناء وإصلاح السفن تقوم بترميم وتحديث الوسائل العائمة، والصيانة الفنية وإعادة تجهيز زوارق الدورية. كما تم استهداف نقطة الانتشار الدائم لوحدة تابعة لجهاز حرس الحدود الأوكراني في المصنع، وإعطاب سفينة شحن في البحر كانت تنقل شحنات عسكرية إلى ميناء أوديسا.

وفي سياق متصل، أفادت وزارة الدفاع بأن أنظمة الدفاع الجوي أسقطت 254 طائرة مسيّرة خلال الليل فوق مناطق روسية. كما أعلنت الوزارة في بيان منفصل، أن قواتها «نجحت في تحرير بلدة أولانوفو في مقاطعة سومي شمال أوكرانيا وبلدة نوفوفوديانويه في جمهورية دونيتسك شرق أوكرانيا، وتكبيد العدو أكثر من 1350 فرداً خلال 24 ساعة».

خبراء أوكرانيون يحملون محرك طائرة مسيّرة في موقع غارة روسية على مقهى في منطقة سكنية بكييف الاثنين (إ.ب.أ)

«تجنيد معارضين»

على صعيد آخر، اتهمت هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي الروسية، لندن، بتنشيط عمليات تجنيد معارضين روس في أوروبا عموماً، وفي بريطانيا بشكل خاص. وقالت الهيئة الأمنية في تقرير نشر الاثنين، إنها تمتلك قوائم بـ«أسماء جميع المهاجرين الذين ربطوا مصيرهم ببريطانيا ويتمنون هزيمة روسيا». وأوضحت الهيئة أن بريطانيا كثفت جهودها لتوحيد من يسمون «المعارضة الروسية في الخارج» بعد بدء العملية العسكرية الخاصة (التسمية الرسمية للحرب)، وأن تكتلات هذه المعارضة تخضع لسيطرة مباشرة من أجهزة استخبارات أجنبية، وأن لندن تسعى إلى خلق وهم بوجود بديل سياسي يتشكل داخل الهجرة الروسية لقدرته على تغيير السلطة في موسكو.

وأكدت الهيئة عزمها على «مواصلة إحباط الأنشطة الإرهابية التي تحركها لندن عبر استغلال بعض المهاجرين الروس المطلوبين أصلاً بقضايا فساد وجرائم».

وفي السياق ذاته، أعلن الأمن الفيدرالي الروسي إدراج «جمعية الديمقراطية الروسية» في المملكة المتحدة على قائمة الإرهاب بعد «ثبوت جمعها الأموال والمساعدات العينية لنظام كييف، وعمالتها لبريطانيا». وأشار الأمن الفيدرالي الروسي إلى فتح قضية جنائية ضد المواطنة كسينيا ماكسيموفا، لمشاركتها في أنشطة منظمة إرهابية، بصفتها مؤسسة وزعيمة منظمة «جمعية الديمقراطية الروسية» في المملكة المتحدة. وأوضح جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أن ماكسيموفا تشغل أيضاً منصب ما يُسمّى «القنصل» في المملكة المتحدة لحركة «لجنة مناهضة الحرب الروسية»، التي اعترفت المحكمة العليا الروسية بها سابقاً منظمةً إرهابية.

ووفقاً للمعطيات الروسية، فقد نجحت «جمعية الديمقراطية الروسية» في استقطاب مهاجرين روس مقيمين في المملكة المتحدة وتوحيدهم حولها، ونظّمت ماكسيموفا عمليات جمع الأموال والمعدات وغيرها من أشكال المساعدة لصالح كييف. وأضاف الأمن الفيدرالي أن ماكسيموفا أُدرجت في قوائم المطلوبين على المستويين الفيدرالي والدولي، كما أدرجتها الهيئة الفيدرالية للرقابة المالية الروسية في قائمة المنظمات والأفراد الضالعين في أنشطة متطرفة أو إرهابية.


أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)
يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)
TT

أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)
يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)

دعا رئيس الوزراء الأوكراني، سيرغي كوريتسكي، الأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودي الحركة في المدن إلى التفكير في الانتقال إلى أماكن إقامة بديلة قبل حلول الشتاء، لتخفيف الأعباء على أجهزة الطوارئ في حال وقوع هجمات روسية جديدة.

وكانت العاصمة كييف خصوصاً قد غرقت في الظلام لأسابيع العام الماضي، جراء الضربات الروسية على قطاع الطاقة الأوكراني، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والتدفئة وسط انخفاض درجات الحرارة إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر.

جريحة تتلقى المساعدة في موقع مبنى إداري تعرض لضربة بطائرة مسيرة روسية نفاثة وذلك في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف اليوم (رويترز)

ومع اقتراب فصل الشتاء، بدأ كثير من السكان التفكير في الخيارات المتاحة أمامهم في حال استهداف منشآت الطاقة مجدداً، بما في ذلك مغادرة المدينة برفقة عائلاتهم، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.

ولم يصل كوريتسكي إلى حد دعوة جميع السكان إلى مغادرة المدن خلال الشتاء، معتبراً أن ذلك سيكون «إجراءً متطرفاً»، لكنه حض الأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودي الحركة على التفكير في خيارات بديلة.

وقال في مقابلة مع قناة «تي إس إن» التلفزيونية بُثت مساء الأحد إنه ناقش المسألة مع رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو.

وتساءل: «لماذا لا يتولى أقارب هؤلاء الأشخاص أو الخدمات الاجتماعية في المدينة رعايتهم؟»، مضيفاً: «يمكن القيام بذلك مسبقاً، قبل حلول الشتاء».

رجل مسن أصيب خلال ضربة شنتها طائرة مسيرة روسية نفاثة وذلك في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)

وتابع: «إذا كان شخص يعيش مثلاً في الطابق السادس عشر وانقطعت الكهرباء، فلماذا نُضطر في تلك اللحظة إلى الاهتمام بأشخاص يحتاجون إلى رعاية إضافية، فيما يتعين على فرق الطوارئ التركيز على معالجة تداعيات الهجمات؟».

وأضاف: «من الأفضل إيجاد مكان إقامة بديل لهؤلاء الأشخاص خلال فصل الشتاء».

مسعفون ينقلون امرأة مصابة إلى سيارة إسعاف في كييف (أ.ب)

وكثفت روسيا هجماتها على كييف خلال الأسابيع الأخيرة، مستهدفة العاصمة بطائرات مسيرة وصواريخ، ما أدى إلى انطلاق صفارات الإنذار على مدار الليل والنهار.

وشملت الضربات بنى تحتية مدنية، بينها شبكات النقل والمستودعات، فيما اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بالسعي عمداً إلى شل اقتصاد بلاده.