«زهرة سافرت في دمي»... أين اختفى جيل مسروق من الأطفال؟

القصة الحقيقية المذهلة لجدات أرجنتينيات كافحن للعثور على أحفادهن

غيليلاند مع غلاف كتابها
غيليلاند مع غلاف كتابها
TT

«زهرة سافرت في دمي»... أين اختفى جيل مسروق من الأطفال؟

غيليلاند مع غلاف كتابها
غيليلاند مع غلاف كتابها

كانت عمليات الاختطاف التي أمرت بها حكومة الأرجنتين مسألة سرية ومثيرة في آن واحد: رجال مُقنّعون يقفزون من سيارات بلا لوحات معدنية، ويختطفون أشخاصاً من شوارع المدينة في وضح النهار. حاولت العائلات المذعورة تقديم التماسات إلى المحاكم لمعرفة أين أخذ هؤلاء الرجال أحباءهم، ولماذا. حتى النهاية المروعة التي يمثلها سجل الوفيات كانت ستوفر قدراً من الراحة.

لكن العائلات الملتاعة لم تحصل عادة على أي شيء. من عام 1976 إلى عام 1983، عندما شنت الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين حربها القذرة الواسعة والوحشية ضد المشتبه فيهم بـ«التخريب»، اختفى الكثير من الناس لدرجة أن اللغة اكتسبت اسماً جديداً: «المختفون».

تتراوح تقديرات ضحايا الحرب القذرة بين 8960 و30 ألف ضحية. لكن بالإضافة إلى حالات الاختفاء والتعذيب والقتل، كان هناك بُعد آخر لهذه الوحشية. كان كثير من المعتقلين من قِبل الجيش من الشباب، وكانت المئات من النساء حوامل. بعد أيام من الولادة، تخضع هؤلاء الأمهات للتخدير بالمهدئات، ثم يُسحبن إلى الطائرات، ويُدفعن إلى حتفهن فوق نهر ريو دي لا بلاتا. ثم ينتقل أطفالهن للإقامة لدى عائلات عسكرية في غالب الأمر.

في عام 1977، شرعت مجموعة من أمهات المختفين في الاجتماع أسبوعياً، وشكلن منظمة تحمل اسم «أمهات ساحة مايو» للمطالبة بمعلومات عن أحبائهن. ثم تفرعت مجموعة فرعية من هؤلاء الأمهات معروفة باسم «جدات ساحة مايو»: فقد اختُطفت بناتهن الحوامل وزوجات أبنائهن وربما قُتلن. كرست مجموعة «الجدات» نفسها للبحث عن أحفادهن المختطفين.

القصة المذهلة لهؤلاء الجدات هي موضوع كتاب «زهرة سافرت في دمي»، وهو كتاب جديد ومؤثر للصحافية هالي كوهين غيليلاند. وهي مراسلة سابقة لصحيفة «إيكونوميست» في بوينس آيرس.

تقدم الفصول الأولى من الكتاب نظرة عامة شاملة وواضحة عن العوامل التي أدت إلى الحرب القذرة، بما في ذلك النظام السياسي الذي سيطر عليه الديماغوجي الشعبوي خوان بيرون، وتخللته انقلابات عسكرية بين الحين والآخر. دفعت الاضطرابات الاقتصادية واندلاع العنف السياسي من قِبل المسلحين اليساريين والميليشيات اليمينية البلاد إلى أزمة أعمق. عندما تولى الحكم في مارس (آذار) عام 1976 مجلس عسكري بقيادة الجنرال خورخي رافائيل فيديلا «الباهت والقاسي»، أطلق على نفسه مسمى «عملية إعادة التنظيم الوطني».

حينها، أعلن الجنرال فيديلا أن «القمع موجَّه ضد أقلية لا نعدّها أرجنتينية. الإرهابي ليس فقط من يزرع القنابل، بل إنه الشخص الذي تتعارض أفكاره مع حضارتنا الغربية المسيحية».

ما أعقب ذلك كان حملة إرهابية لا هوادة فيها برعاية الدولة، تلك التي اقتادت الناس إلى مراكز احتجاز سرية. وشملت أساليب التعذيب الضرب والاغتصاب والصعق باستخدام عصا كهربائية تعرف باسم «بيكانا»، وأحياناً كانت تجري باستخدام رذاذ الماء لتوصيل المزيد من الكهرباء. لم يؤكد قائد سابق ممارسة «رحلات الموت» إلا في عام 1994. واعترف هذا بمشاركته في «عمليات نقل جوي» تضمنت تخدير السجناء وتجريدهم من ملابسهم وإلقاءهم في مياه جنوب المحيط الأطلسي.

من بين السجناء الذين ربما لاقوا هذا المصير كانت باتريشيا رويسينبلت، وهي عضوة سابقة في منظمة «مونتونيروس»، وهي جماعة يسارية مسلحة، إلى جانب شريكها خوسيه.

كانت بداية الحرب القذرة سريعة ووحشية لدرجة أن منظمة «مونتونيروس» قد تفككت في الغالب بحلول عام 1978. استقرت باتريشيا وخوسيه في حياة أسرية هادئة، وافتتحا متجراً للألعاب وأسسا أسرة صغيرة. عندما اختُطِف الزوجان في أكتوبر (تشرين أول) عام 1978، ترك الخاطفون ابنتهم البالغة من العمر 15 شهراً لدى أقارب خوسيه. واقتيدت باتريشيا وخوسيه إلى منزل في غرب بوينس آيرس، حيث تعرَّضا للتعذيب. عُصبت عينا باتريشيا وقُيّدت إلى كرسي. كانت حاملاً في الشهر الثامن.

يتناول كتاب غيليلاند في أغلبه حكاية روزا، والدة باتريشيا، التي أصبحت عضواً بارزاً في منظمة «الجدات»، وسعت لسنوات للوقوف على ما حدث لطفلتها الوحيدة والرضيع الذي قال الشهود الناجون إنها أنجبته أثناء وقوعها في الأسر. غير أن غيليلاند توسع نطاق الرؤية لتشمل القصص المؤلمة لعائلات أخرى. وهي تنقل ببراعة التاريخ القاتم والمتشابك للأرجنتين على مدى العشريات الخمس الماضية من خلال الأشخاص الذين عايشوه عن قرب، وتشرح بوضوح تعقيدات السياسة في البلاد، وكذلك كيف تغيرت عمليات البحث التي قامت بها منظمة «الجدات» بفضل تسلسل الحمض النووي الميتوكوندري.

لا بد أن يكون قلبك قاسياً حتى لا تتأثر بمساعي منظمة «الجدات» — نساء فقدن أطفالهن في دوامة عنف لا يمكن تصورها وكرَّسن بقية حياتهن للعثور على أحفادهن المختطفين. لكن غيليلاند صريحة أيضاً بشأن المعضلات المستعصية التي ظهرت على السطح بعد العثور على قسم من الأحفاد. على مدار سنوات، وأحياناً عقود، أصبح بعض الأحفاد مرتبطين بأسرهم بالتبني. كما قال أحدهم في جلسة استماع: «لقد كانوا والديّ لمدة 22 عاماً وأنا أحبهم».

تُذكرنا منظمة «الجدات» أيضاً - وباستمرار - بتاريخ مروع يرغب الكثير من مواطني الأرجنتين في نسيانه. ويتضمن ملحق غيليلاند قائمة تضم 139 طفلاً عُثر عليهم حتى الآن (بما في ذلك بعض الذين ماتوا أجنة في الأرحام)؛ وتضم قائمة أخرى الكثير من الأطفال الذين لم يُعثر عليهم.

في العقد الذي أعقب الديكتاتورية، كانت الصحافة المحافظة في البلاد تُصور النساء بانتظام على أنهن «نساء شريرات انتقاميات»، وتصر على أن «التغلب على صدمة الديكتاتورية يتطلب ألا يعيش البلد في الماضي». وفي الآونة الأخيرة، ندد نائب رئيس الأرجنتين، الذي كان عمل والده في الجيش في السبعينات، بزعيمة منظمة «الجدات»، واصفاً إياها بأنها «شخصية شريرة»؛ «لأنها، رغم وجهها اللطيف الذي يشبه وجه الجدة، فإنها قد بررت الإرهاب في واقع الأمر».

عنوان كتاب «زهرة سافرت في دمي» مستمد من قصيدة للشاعر خوان غيلمان، الذي اختفى ابنه وزوجة ابنه الحامل إبان الحرب القذرة. وفي عام 2000، عثر غيلمان أخيراً على حفيدته. وفي العام نفسه، عثرت روزا على حفيدها. عندما التقت غيليلاند السيدة روزا البالغة من العمر 102 سنة في عام 2021، قالت شيئاً يمكن أن يُعدّ توبيخاً هادئاً للتسويغات التي تدعو إلى نسيان الماضي: «لقد رويتُ قصتي دائماً كما هي بالضبط. لا أكثر. الحقيقة قبل كل شيء».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر
كتب النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».