يوم أربعاء حاسم للأوروبيين لمحاولة «لجم» اندفاعة ترمب «المتساهلة» نحو بوتين

هواجسهم ستُطرح بمناسبة 3 قمم عن بعد إحداها مع الرئيس الأميركي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)
TT

يوم أربعاء حاسم للأوروبيين لمحاولة «لجم» اندفاعة ترمب «المتساهلة» نحو بوتين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)

خابت آمال القادة الأوروبيين في نجاح دعواتهم الملحة لضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى القمة الثنائية المرتقبة، الجمعة، في مدينة أنكريدج (ألاسكا) التي ستجمع للمرة الأولى الرئيسين الأميركي والروسي منذ عودة الأول إلى البيت الأبيض بداية العام الحالي. دونالد ترمب أقفل الباب أمام الأوروبيين وغيرهم ممن أملوا منه أن يعدل موقفه، ويحول القمة الثنائية إلى ثلاثية. وجاء ذلك في مؤتمره الصحافي الكبير، مساء الاثنين، في البيت الأبيض، حيث قال إن زيلينسكي «لم تتم دعوته، وقد سبق له أن شارك في كثير من الاجتماعات خلال 3 سنوات ونصف السنة، لكن شيئاً لم يحدث»، مضيفاً أنه يأمل أن «يكون الاجتماع التالي ثلاثياً» إذا دعت الحاجة لحضوره إلى جانب زيلينسكي وفلاديمير بوتين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماع بهلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)

3 قمم في يوم واحد

بيد أن الأوروبيين لن يوقفوا ضغوطهم، بل إنهم يضاعفون حراكهم الدبلوماسي على أعلى المستويات. ومن المنتظر أن يشهد بعد ظهر الأربعاء (بتوقيت أوروبا) تتويجاً لجهودهم من خلال 3 قمم، قمتين إحداهما رئيسية والأخرى «عن بعد»: الأولى، لقادة ما يسمى «تحالف الراغبين» الذي يضم نحو 30 بلداً، بدعوة من الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني. والتحالف المذكور أنشئ لتوفير الدعم لأوكرانيا، خصوصاً لتوفير «الضمانات الأمنية» الصلبة التي تطالب بها كييف لقبول أي اتفاق لإنهاء الحرب بينها وبين روسيا عن طريق مرابطة قوات أوروبية وربما غير أوروبية (بانضمام كندا وأستراليا...) على الأراضي الأوكرانية تكون مهمتها «ردع» أي اعتداء روسي مستقبلي على أوكرانيا.

والقمة الثانية سوف تضم القادة الأوروبيين والحلف الأطلسي، وسيكون محورها الضمانات الأمنية لأوكرانيا إضافة إلى مناقشة الجوانب المتعلقة بطموحات موسكو في السيطرة على مناطق أوكرانية تحتلها راهناً، بيد أن القمة الأهم التي تلتئم بمبادرة من المستشار الألماني فريدريتش ميرتس، بمشاركة الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس، ستضم 6 قادة أوروبيين الأكثر انخراطاً في الحرب الأوكرانية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا وإيطاليا وفنلندا) إضافة لرئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي والأمين العام للحلف الأطلسي وبمشاركة زيلينسكي الذي أكثر في الأيام الأخيرة من تأكيد أن بلاده «لن تقدم أراضيها هدية للمحتل الروسي». ويستبطن هذا الاجتماع طابعاً «استراتيجياً»؛ لأنه يتناول تحديات رئيسية تحدد مستقبل أوكرانيا، ولكن أيضاً مستقبل القارة الأوروبية بأكملها.

طموحات ومخاوف أوروبية

تقول مصادر أوروبية واسعة الاطلاع في باريس إن الأوروبيين يسعون للتعرف على توقعات ترمب من لقائه مع بوتين وتقديم «مقترحات» بشكل «خطة بديلة» تم إيصالها إلى نائبه فانس خلال اجتماع في لندن، السبت الماضي. وسبق للقادة الأوروبيين الستة ورئيسة المفوضية الأوروبية أن حددوا «الخطوط الحمراء» التي يرون أن على الرئيس الأميركي الامتناع عن تجاوزها، وهو ما أكده بيان كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي الذي صدر، الاثنين، بعد اجتماع «عن بعد» دعت إليه بمشاركة جميع وزراء خارجية الاتحاد.

وما يريده الأوروبيون حقيقة هو التأكد من أن ترمب لن يتفاوض مع بوتين على اتفاق ثنائي يضرب بعرض الحائط المصالح الأوكرانية والأوروبية بما فيها الاعتراف بالمكاسب التي حققتها القوات الروسية في أوكرانيا ميدانياً. وسبق لترمب أن أشار عدة مرات إلى «تبادل للأراضي» وأبدى استياءه من تردد زيلينسكي في قبول ذلك. ويريد الأوروبيون تحقيق هدفين: الأول، تحذير ترمب مما قد يعرضه بوتين الذي يصفه زيلينسكي بـ«المخادع» أو بالمسؤول الذي «لا يمكن الوثوق به»، وفق كلام كير ستارمر بمناسبة اتصاله برئيس وزراء كندا. ونبه ستارمر بأن السلام «يجب أن يُبنى مع أوكرانيا، لا أن يُفرض عليها»، وأن مستقبل أوكرانيا «يجب أن يكون مستقبل حرية وسيادة وتقرير مصير».

والهدف الثاني للأوروبيين تجنب «تهميشهم» من خلال إبعادهم عن المحادثات. ويبدو أن رسالتهم المكررة وصلت إلى البيت الأبيض؛ إذ أعلن ترمب أنه «سيُطلع» الأوروبيين وكذلك زيلينسكي على نتائج قمته مع بوتين فور انتهائها. وأخيراً، يريد الأوروبيون الذين يرحبون بجهود ترمب في كل مداخلاتهم أن يعرفوا موقفه من مطلب «الضمانات الأمنية» على أساس أن دولاً رئيسية في «تحالف الراغبين» مثل بولندا وألمانيا وبريطانيا (إلى حد ما) تربط مشاركتها في القوة التي قد ترابط على الأراضي الأوكرانية بحصولها على «ضمانات أميركية»؛ الأمر الذي رفض ترمب الالتزام به حتى اليوم.

حظوظ النجاح والفشل

يرى كثير من المحللين أن حظوظ نجاح قمة الجمعة «محدودة» وأنها «غير مضمونة النتائج». وهذا التخوف ليس بعيداً عن البيت الأبيض؛ فالرئيس الأميركي قال في مؤتمره الصحافي إنه يتوقع «محادثات بناءة» مع بوتين، لكنه، في الوقت عينه، لم يكتم تخوفه من الوصول إلى طريق مسدود إذا لم تقبل أوكرانيا، المدعومة أوروبياً، ما يخطط لها من تنازل عن شبه جزيرة القرم ومنطقة الدونباس وربما أيضاً عن مقاطعتي خيرسون وزابوريجيا، وهي تشكل 20 في المائة من مساحة البلاد.

صورة مركبة تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) ونظيره الأميركي دونالد ترمب (وسط) والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وبدا ترمب كأنه بصدد تهيئة الأذهان لفشل القمة؛ ما قد يسمح له بالتنصل من الصراع. وأشار إلى ذلك بقوله: «الآن، قد أرحل وأقول (حظاً سعيداً)، وهذا كل شيء. يمكنني أن أقول: (لن يتم حل هذه المشكلة)». وثمة عنصر آخر ركزت عليه الصحافة الأوروبية، الثلاثاء، ومنها صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية التي ذكرت أن لقاء الساعات الثلاث الذي ضم الرئيس بوتين وستيف ويتكوف، مبعوث ترمب قد يكون شجع الأخير على قبول القمة مع الرئيس الروسي، لكن يبدو أن هذا التشجيع استند إلى «خطأ»؛ حيث إن ويتكوف فهم من بوتين أنه قد يكتفي بقبول السيطرة على منطقتي لوغانسك ودونيتسك بالكامل (التي لا تسيطر عليها قواته تماماً) مقابل استعادة كييف لمنطقتي خيرسون وزابوريجيا».

ومن هنا جاء حديث ترمب عن «تبادل للأراضي». وتقول «لو فيغارو» إنه «تبيّن لاحقاً أن ويتكوف كان مخطئاً تماماً في هذا الشأن، وأن موسكو لن تتنازل عن سنتيمتر واحد من هذين الإقليمين، بل إنها تطالب بالسيطرة على كامل منطقة دونباس مقابل موافقتها فقط... على وقف إطلاق نار بسيط» وهذا الخطأ يضع ترمب في موقف حرج. وفي أي حال، لا يتوقع ترمب أن تأتي القمة بنتائج حاسمة. من هنا، جاء وصفه إياها بـ«الاستشرافية».

ثمة من يرى أن مصلحة بوتين تكمن في «إعطاء شيء ما» لترمب لإبقائه إلى جانبه، ولتحميل أوكرانيا مسؤولية الفشل إذا أصرت على رفض التنازل عن بعض أراضيها. والتصور الأرجح أن يقبل بوتبن سحب قواته من مساحات محددة في مقاطعتي زابوريجيا وخيرسون مقابل سيطرته التامة على لوغانسك ودونيتسك ما سيوفر لترمب إمكانية الحديث عن «تبادل للأراضي» التي كلها أوكرانية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ترأس اجتماعاً حول القضايا الاقتصادية في موسكو يوم 12 أغسطس (رويترز)

يبدو من الصعوبة بمكان توقُّع ما سيحدث في ألاسكا وما ستكون عليه ردة فعل ترمب خصوصاً أنه بدَّل مقاربته لملف أوكرانيا العديد من المرات ما يقلق شركاءه الأوروبيين. لذا، فإن هؤلاء يرون في قمم الأربعاء «الفرصة الأخيرة» لجذبه إلى معسكرهم الذي لا يحيد عن مرتكزاته والتي أكدها بيان قادة 26 دولة أوروبية (باستثناء المجر)، الثلاثاء. وأول المرتكزات رفض تغيير الحدود الدولية بالقوة واعتبار أن أي «سلام عادل ودائم» يجب أن يحترم القانون الدولي، بما في ذلك مبادئ الاستقلال والسيادة وسلامة الأراضي. وشدد الأوروبيون على دعمهم حق أوكرانيا التي «لا يمكن تقرير مسار السلام فيها بعيداً عنها»؛ إذ إن «لها الحق وحدها في تقرير مستقبلها». أما المفاوضات فلن تكون ممكنة إلا في إطار وقف إطلاق نار أو خفض الأعمال العدائية. وواضح أن شروط أوروبا لا تتطابق مع الرؤية الأميركية. فهل سيأخذ ترمب ببعض منها أم أنه عازم على السير بخطته حتى النهاية من غير الالتفات لما يطلبه شركاؤه؟ الجواب سيتظهر يوم الجمعة المقبل.


مقالات ذات صلة

نائب رئيس الوزراء الروسي: عقود تصدير الأسلحة الموقَّعة تبلغ رقماً قياسياً

أوروبا فيلاديمير بوتين خلال اجتماع مع نائب رئيس الوزراء الروسي دينيس مانتوروف (الكرملين)

نائب رئيس الوزراء الروسي: عقود تصدير الأسلحة الموقَّعة تبلغ رقماً قياسياً

أكد نائب رئيس الوزراء الروسي دينيس مانتوروف، اليوم (الاثنين)، أن الاهتمام بالأسلحة الروسية في الخارج بلغ مستوى قياسياً.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزيرا الخارجية التشيكي (يسار) والأوكراني يكرّمان ذكرى الجنود الأوكرانيين في كييف يوم 9 يناير (إ.ب.أ)

الهجمات الروسية الجوية تحرم آلاف المنشآت الأوكرانية من الكهرباء والتدفئة

تواصل موسكو وكييف تبادل الهجمات الجوية؛ ما تسبّب في سقوط قتيلة في روسيا وانقطاع الكهرباء والتدفئة عن آلاف المنازل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

موسكو: رغبة وزير الدفاع البريطاني في اختطاف بوتين «أوهام منحرفة»

قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الأحد إن تصريحات وزير الدفاع البريطاني عن رغبته في اختطاف الرئيس فلاديمير بوتين تعد «أوهاماً منحرفة»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمد يده لمصافحة نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أنكوردج (ألاسكا) 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

لماذا التزم بوتين الصمت عندما أطاح ترمب برئيس فنزويلا؟

سلطت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية الضوء على موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه العملية العسكرية التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب) play-circle

ترمب يدعم فرض عقوبات جديدة على روسيا

استراتيجية واشنطن: ضغط متواصل وتسوية مؤجَّلة في ظل تصعيد روسي مقلق وترمب يدعم فرض عقوبات جديدة على روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)

انتفاضة نسائية متوقعة بفرنسا للمساواة في الأجور

مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة نسائية متوقعة بفرنسا للمساواة في الأجور

مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية للمطالبة بالمساواة في الأجور (أ.ف.ب)

بداية من حزيران (يونيو) المقبل، سيكون على المؤسسات الفرنسية الالتزام بتعليمات الإدارة الأوروبية للشفافية. وبناءً عليه، يمكن للعاملات والموظفات في فرنسا مقارنة المرتبات والأجور التي يحصلن عليها بتلك التي ينالها زملاؤهن الرجال أصحاب المؤهلات المشابهة، وعن نوع العمل نفسه.

ومن المنتظر أن تشهد فرنسا ما يصفه المراقبون بانتفاضة اقتصادية وثقافية حين تكشف الشفافية للنساء الفارق بين أجورهنّ وأجور زملائهن، دون مبرر سوى التمييز الجنسي.

ومن المعروف أن الموظفات والعاملات يتلقين أجراً أقل من الرجل بما معدله 30 في المائة، وهو إجحاف قديم واجه احتجاجات كثيرة خلال العقود الماضية دون أن تسفر، أحياناً، إلا عن تحسُّن طفيف.

وصدرت مبادئ الإدارة الأوروبية حول الشفافية في الأجور قبل 3 سنوات. وسيكون على الجهات القانونية الفرنسية الالتزام بها في موعد أقصاه منتصف العام الحالي.

وتبدأ مراعاة تلك المبادئ منذ لحظة طلب موظفين وعمال؛ حيث يتوجب على رب العمل تحديد المرتب بشكل واضح دون الرجوع إلى الأجر السابق لطالب للمتقدم للعمل، كما تنطبق المبادئ على الموجودين في الخدمة فعلياً.

ويمكن لكل موظف التقدم بطلب للحصول على معلومات حول متوسط الأجر الذي يحصل عليه زملاء يشغلون المنصب نفسه.

وفي حال كانت هناك فروق غير مبررة يمكن للمتضررين طلب مساواة مرتباتهم مع نظرائهم الذين يؤدون العمل نفسه.

ونظراً للفروق التاريخية في الأجور بين الرجال والنساء في فرنسا، وبحجج عديدة مضى زمنها، فإن القانون الأوروبي سيكون فرصة لرفع ظلم عانت منه المرأة في بلد رائد في الدعوة للمساواة وحقوق الإنسان.


تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)
المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)

كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية أن الصين تعتزم بناء غرفة سرّية بمحاذاة أكثر كابلات الاتصالات حساسية في بريطانيا، ضمن شبكة تضم 208 غرف سرّية تحت «السفارة العملاقة» الجديدة التي تبنيها في لندن.

وقد توصلت الصحيفة إلى مخططات تفصيلية لمجمّع تحت الأرض يقع أسفل الموقع الدبلوماسي الضخم في وسط لندن، وهو مشروع سعت بكين إلى إبقائه بعيداً عن أنظار الرأي العام.

ورغم المخاطر الأمنية الواضحة، يُتوقع أن يوافق رئيس الحكومة كير ستارمر، على مشروع السفارة قبل زيارة مقررة إلى الصين في وقت لاحق من هذا الشهر، حيث من المنتظر أن يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ.

مخاوف من التجسس

وتشير الصحيفة إلى أن هذه المخططات، التي حُجبت أجزاؤها في جميع النسخ المتاحة للعامة، لم يُكشف عنها إلا بعدما عثرت «تلغراف» على النسخ غير المنقّحة منها.

وتُظهر الرسومات أن غرفة مخفية واحدة ستقع مباشرة إلى جانب كابلات الألياف الضوئية التي تنقل بيانات مالية إلى مدينة لندن، إضافة إلى رسائل البريد الإلكتروني وحركة المراسلة لملايين مستخدمي الإنترنت.

كما أن الغرفة السرّية نفسها مجهّزة بأنظمة لاستخراج الهواء الساخن، ما قد يشير إلى احتمال تركيب معدات تولّد حرارة، مثل حواسيب متقدمة تُستخدم لأغراض التجسس. وتُظهر المخططات أيضاً أن الصين تعتزم هدم وإعادة بناء الجدار الخارجي السفلي للغرفة، مباشرة بمحاذاة كابلات الألياف الضوئية.

وستعيد هذه الكشوفات إشعال المخاوف من أن بكين قد تكون تسعى للتجسس على المعلومات التي تمر عبر هذه الشبكة، بما قد يتيح لها الوصول إلى أسرار الدولة والبيانات المالية الحساسة.

«منصة لإطلاق حرب اقتصادية»

وقالت أليشيا كيرنز، وزيرة الأمن القومي في حكومة الظل، إن منح الموافقة على المشروع سيعني تسليم الصين «منصة لإطلاق حرب اقتصادية في قلب الجهاز العصبي للبنية التحتية الوطنية الحيوية لدينا».

وأضافت: «المخططات غير المنقّحة تكشف عن غرفة مخفية تمتد مباشرة بمحاذاة كابلات الألياف الضوئية الحيوية لحي المال (السيتي) وكناري وارف. الجميع يعلم التهديدات الواضحة التي يطرحها ذلك، وأساليب الصين في التمويه والخداع - فلماذا تحتاجها حكومة (العمال)؟».

وتشمل مناطق أخرى حُجبت تفاصيلها بسبب التنقيح، مولدات احتياطية للطوارئ، ومحطة رشّاشات مياه، ومصاعد جديدة، وكابلات اتصالات. كما تُخفي المخططات أيضاً حمّامات ومرافق استحمام، ما قد يسمح للمسؤولين بالبقاء تحت الأرض لفترات طويلة.

ويمتد مشروع السفارة على مساحة 22 ألف متر مربع في موقع دار سكّ العملة الملكية السابقة، ومن شأنه أن يكون أكبر بعثة دبلوماسية صينية في أوروبا.

وقد غرق المشروع في الجدل منذ أن سعت بكين لأول مرة للحصول على إذن التخطيط في عهد الحكومة المحافظة السابقة، لا سيما بسبب قربه من بنى تحتية اتصالية حساسة. وكان دومينيك كامينغز، المستشار السابق لبوريس جونسون، قد قال إن جهازي الاستخبارات البريطانيين «MI5» و«MI6» حذّراه من أن الصين «تحاول بناء مركز تجسس تحت السفارة».

وكانت معظم وثائق التخطيط المقدَّمة إلى مجلس بلدية منطقة «تاور هامليتس» خاضعة لتنقيحات واسعة، بدعوى ما وصفته الصين بـ«أسباب أمنية»، وهي خطوة دفعت أنجيلا راينر، التي كانت تشغل حينها منصب وزيرة الإسكان، إلى تأجيل الموافقة والمطالبة بتوضيحات إضافية.

الغرفة السرّية

من بين الغرف الـ208 التي كشفت عنها «تلغراف»، تبرز بشكل لافت غرفة تقع أسفل مبنى سجلّ البحّارة في الزاوية الشمالية الغربية من موقع دار سكّ العملة الملكية السابقة. ويحاذي الجدار الخارجي لهذه الغرفة شارع مانسيل، وهو شريان مروري مزدحم عند تقاطع منطقة تاور هيل.

وتُظهر المخططات وجود غرفة تحت الأرض ذات شكل مثلث، يصل عرضها إلى نحو 40 متراً وعمقها بين مترين و3 أمتار. والأهم من ذلك، أنها تشير إلى أن الجدار الخارجي للقبو المواجه لشارع مانسيل سيجري هدمه وإعادة بنائه.

ولا يُعرف بعد أي شركة ستعيّنها الصين مقاولاً لتنفيذ مشروع سفارتها الجديدة، ولا الجهة التي ستتولى هدم وإعادة بناء جدار القبو.

لكن أعمال البناء هذه ستضع المسؤولين الصينيين على بُعد يزيد قليلاً على متر واحد من كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت الرصيف، ما يثير احتمال إمكانية التنصّت عليها.

وتُظهر مخططات كابلات الاتصالات التي اطّلعت عليها صحيفة «تلغراف»، أن هذه الألياف الضوئية تعود لشركات من بينها «BT Openreach» و«Colt Technologies» وعملاق الاتصالات الأميركي «Verizon Business».

وتنقل هذه الكابلات إشارات تحمل أدق أسرار الاقتصاد المالي البريطاني؛ إذ تمتد بين مجموعة مراكز البيانات التابعة لشركة «Telehouse» في منطقة دوكلاندز ومراكز أخرى في أنحاء العاصمة. وترتبط هذه الشبكات معاً لتشكّل العمود الفقري لبورصة الإنترنت في لندن (Linx). وخارج لندن، تتصل هذه الكابلات بكابلات عابرة للمحيط الأطلسي تربط بريطانيا بالولايات المتحدة.

وتُعد «Linx» واحدة من كبرى نقاط تبادل الإنترنت في العالم؛ إذ تتعامل مع كميات هائلة من البيانات، تشمل كل شيء من المعاملات المالية إلى الرسائل الفورية والبريد الإلكتروني.

وتحمل كابلاتها بيانات المعاملات المالية التي تعتمد عليها المصارف لتحديث عمليات السحب والإيداع؛ مثل رواتب الناس العاديين ومدفوعات السلع المشتراة عبر الإنترنت.

وتشير رسومات إضافية ضمن مخططات الغرفة السرّية، إلى أنه سيتم تركيب ما لا يقل عن نظامين لاستخراج الهواء، مع تصريف الهواء عبر فتحة إضاءة قائمة وشبكة تهوية جديدة، ما يوحي بالحاجة إلى إخراج كميات كبيرة من الهواء الساخن من القبو.

وأحد التفسيرات لذلك أن الصين تخطط لتركيب بنية تحتية حاسوبية واسعة النطاق ضمن عملية تجسّس مرتبطة بكابلات شارع مانسيل.

إشارة تحذير

وقال البروفسور آلان وودوارد، الخبير الأمني في جامعة «سري» البريطانية: «الصين لن تقول ما الغرض من هذا القبو. قد يكون معدات اتصالات سرّية مشروعة - لكن هذا الوصف يمكن أن يخفي وراءه كثيراً من الأمور المشبوهة».

وأضاف: «لو أرادوا التنصّت على الكابلات، فلن يحتاجوا إلى الذهاب بعيداً، ولن يعرف أحد ما الذي يجري هناك في الأسفل».

وقد تشمل خيارات التجسس على البيانات تحويل مسار الكابلات، أو إدخال وصلة تنصّت، أو حتى وضع جهاز مباشرة فوق الكابلات؛ بل يمكن ثني الألياف الضوئية بحيث يتسرّب الضوء من غلافها، ما يسمح بقراءته باستخدام معدات متخصصة.

ووصف البروفسور وودوارد هدم جدار القبو بأنه «إشارة تحذير».

وقال: «هناك تاريخ طويل من التنصّت على الكابلات من قبل الشرق والغرب على حد سواء. وكل من يستطيع فعل ذلك، فعله بالفعل. التجسّس لا يقتصر على أسرار الدول؛ فالاستخبارات الاقتصادية عنصر أساسي في عمل أجهزة الاستخبارات الأجنبية». وأضاف: «لو كنت مكانهم، فإن وجود هذه الكابلات على عتبة بابي سيكون إغراءً هائلاً».

وبالطبع، قد تكون لدى الصين أسباب بريئة لتركيب أنظمة التبريد؛ فقد يُستخدم المكان مركزَ بيانات لخدمة موظفي السفارة، أو حتى صالة رياضية أو كافتيريا.

ومع ذلك، فإن القرب الشديد من أكثر بنى الاتصالات البريطانية حساسية سيزيد من القلق.


المستشار الألماني: السلطة في إيران تعيش «أيامها وأسابيعها الأخيرة»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
TT

المستشار الألماني: السلطة في إيران تعيش «أيامها وأسابيعها الأخيرة»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

توقع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم (الثلاثاء)، قرب نهاية النظام الحاكم في إيران. وقال: «إذا كان النظام لا يستطيع البقاء في السلطة إلا من خلال العنف، فإنه يكون –عملياً- في نهايته. وأعتقد أننا نشهد الآن بالفعل الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام».

وقال ميرتس إن القيادة الإيرانية «ليست لديها أي شرعية بين الشعب عبر الانتخابات»، مضيفاً أن «الشعب ينتفض الآن ضد هذا النظام»، معرباً عن أمله في «إيجاد فرصة لإنهاء هذا الصراع سلمياً»، وقال: «يجب أن يدرك نظام الملالي ذلك الآن».

وأشار ميرتس إلى أن هناك مشاورات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشأن هذه القضية، وقال: «وزراء الخارجية على اتصال وثيق لضمان حدوث انتقال سلمي في إيران إلى حكومة ديمقراطية شرعية».

وكان ميرتس قد أدان أمس عنف قوات الأمن الإيرانية ضد المتظاهرين السلميين، واصفاً إياه بأنه «غير متناسب» و«وحشي».

وأضاف: «أدعو القيادة الإيرانية إلى حماية شعبها بدلاً من تهديده»، مشيداً بشجاعة المحتجين، قائلاً إنهم يتظاهرون سلمياً من أجل الحرية في بلادهم، وهذا حقهم المشروع.

واستدعت إسبانيا وفنلندا، اليوم، السفيرين الإيرانيين لديهما، لإبداء «الاستنكار والإدانة الشديدين» لحملة القمع التي تقوم بها سلطات طهران للاحتجاجات.

وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس لإذاعة كاتالونيا: «يجب احترام حق الإيرانيين، رجالاً ونساء، في الاحتجاج السلمي وحرية التعبير، ويجب الكف عن الاعتقالات التعسفية».

وكتبت وزيرة الخارجية الفنلندية إلينا فالتونن على منصة «إكس»: «نظام إيران قطع الإنترنت ليتمكن من القتل والقمع في صمت».

وأضافت: «هذا لن يُقبَل. نحن نقف إلى جانب الشعب الإيراني، نساءً ورجالاً على حد سواء»، مشيرة إلى أنها «ستستدعي السفير الإيراني هذا الصباح».

كما قالت فالتونن إن الدولة الاسكندنافية «تبحث أيضاً -بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي- في إجراءات للمساعدة على إعادة الحرية إلى الشعب الإيراني».

ويتظاهر إيرانيون منذ أكثر من أسبوعين ضد النظام الحاكم. واتسع مدى الاحتجاجات التي اندلعت بسبب أزمة اقتصادية، لتشمل أنحاء متفرقة من البلاد. ووقعت اشتباكات عنيفة واضطرابات خطيرة في المدن، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى قمعها بقوة مفرطة. وتعد هذه أشد احتجاجات تشهدها إيران منذ سنوات.