يوم أربعاء حاسم للأوروبيين لمحاولة «لجم» اندفاعة ترمب «المتساهلة» نحو بوتين

هواجسهم ستُطرح بمناسبة 3 قمم عن بعد إحداها مع الرئيس الأميركي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)
TT

يوم أربعاء حاسم للأوروبيين لمحاولة «لجم» اندفاعة ترمب «المتساهلة» نحو بوتين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في هلسنكي عام 2018 (أ.ف.ب)

خابت آمال القادة الأوروبيين في نجاح دعواتهم الملحة لضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى القمة الثنائية المرتقبة، الجمعة، في مدينة أنكريدج (ألاسكا) التي ستجمع للمرة الأولى الرئيسين الأميركي والروسي منذ عودة الأول إلى البيت الأبيض بداية العام الحالي. دونالد ترمب أقفل الباب أمام الأوروبيين وغيرهم ممن أملوا منه أن يعدل موقفه، ويحول القمة الثنائية إلى ثلاثية. وجاء ذلك في مؤتمره الصحافي الكبير، مساء الاثنين، في البيت الأبيض، حيث قال إن زيلينسكي «لم تتم دعوته، وقد سبق له أن شارك في كثير من الاجتماعات خلال 3 سنوات ونصف السنة، لكن شيئاً لم يحدث»، مضيفاً أنه يأمل أن «يكون الاجتماع التالي ثلاثياً» إذا دعت الحاجة لحضوره إلى جانب زيلينسكي وفلاديمير بوتين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماع بهلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ف.ب)

3 قمم في يوم واحد

بيد أن الأوروبيين لن يوقفوا ضغوطهم، بل إنهم يضاعفون حراكهم الدبلوماسي على أعلى المستويات. ومن المنتظر أن يشهد بعد ظهر الأربعاء (بتوقيت أوروبا) تتويجاً لجهودهم من خلال 3 قمم، قمتين إحداهما رئيسية والأخرى «عن بعد»: الأولى، لقادة ما يسمى «تحالف الراغبين» الذي يضم نحو 30 بلداً، بدعوة من الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني. والتحالف المذكور أنشئ لتوفير الدعم لأوكرانيا، خصوصاً لتوفير «الضمانات الأمنية» الصلبة التي تطالب بها كييف لقبول أي اتفاق لإنهاء الحرب بينها وبين روسيا عن طريق مرابطة قوات أوروبية وربما غير أوروبية (بانضمام كندا وأستراليا...) على الأراضي الأوكرانية تكون مهمتها «ردع» أي اعتداء روسي مستقبلي على أوكرانيا.

والقمة الثانية سوف تضم القادة الأوروبيين والحلف الأطلسي، وسيكون محورها الضمانات الأمنية لأوكرانيا إضافة إلى مناقشة الجوانب المتعلقة بطموحات موسكو في السيطرة على مناطق أوكرانية تحتلها راهناً، بيد أن القمة الأهم التي تلتئم بمبادرة من المستشار الألماني فريدريتش ميرتس، بمشاركة الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس، ستضم 6 قادة أوروبيين الأكثر انخراطاً في الحرب الأوكرانية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا وإيطاليا وفنلندا) إضافة لرئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي والأمين العام للحلف الأطلسي وبمشاركة زيلينسكي الذي أكثر في الأيام الأخيرة من تأكيد أن بلاده «لن تقدم أراضيها هدية للمحتل الروسي». ويستبطن هذا الاجتماع طابعاً «استراتيجياً»؛ لأنه يتناول تحديات رئيسية تحدد مستقبل أوكرانيا، ولكن أيضاً مستقبل القارة الأوروبية بأكملها.

طموحات ومخاوف أوروبية

تقول مصادر أوروبية واسعة الاطلاع في باريس إن الأوروبيين يسعون للتعرف على توقعات ترمب من لقائه مع بوتين وتقديم «مقترحات» بشكل «خطة بديلة» تم إيصالها إلى نائبه فانس خلال اجتماع في لندن، السبت الماضي. وسبق للقادة الأوروبيين الستة ورئيسة المفوضية الأوروبية أن حددوا «الخطوط الحمراء» التي يرون أن على الرئيس الأميركي الامتناع عن تجاوزها، وهو ما أكده بيان كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي الذي صدر، الاثنين، بعد اجتماع «عن بعد» دعت إليه بمشاركة جميع وزراء خارجية الاتحاد.

وما يريده الأوروبيون حقيقة هو التأكد من أن ترمب لن يتفاوض مع بوتين على اتفاق ثنائي يضرب بعرض الحائط المصالح الأوكرانية والأوروبية بما فيها الاعتراف بالمكاسب التي حققتها القوات الروسية في أوكرانيا ميدانياً. وسبق لترمب أن أشار عدة مرات إلى «تبادل للأراضي» وأبدى استياءه من تردد زيلينسكي في قبول ذلك. ويريد الأوروبيون تحقيق هدفين: الأول، تحذير ترمب مما قد يعرضه بوتين الذي يصفه زيلينسكي بـ«المخادع» أو بالمسؤول الذي «لا يمكن الوثوق به»، وفق كلام كير ستارمر بمناسبة اتصاله برئيس وزراء كندا. ونبه ستارمر بأن السلام «يجب أن يُبنى مع أوكرانيا، لا أن يُفرض عليها»، وأن مستقبل أوكرانيا «يجب أن يكون مستقبل حرية وسيادة وتقرير مصير».

والهدف الثاني للأوروبيين تجنب «تهميشهم» من خلال إبعادهم عن المحادثات. ويبدو أن رسالتهم المكررة وصلت إلى البيت الأبيض؛ إذ أعلن ترمب أنه «سيُطلع» الأوروبيين وكذلك زيلينسكي على نتائج قمته مع بوتين فور انتهائها. وأخيراً، يريد الأوروبيون الذين يرحبون بجهود ترمب في كل مداخلاتهم أن يعرفوا موقفه من مطلب «الضمانات الأمنية» على أساس أن دولاً رئيسية في «تحالف الراغبين» مثل بولندا وألمانيا وبريطانيا (إلى حد ما) تربط مشاركتها في القوة التي قد ترابط على الأراضي الأوكرانية بحصولها على «ضمانات أميركية»؛ الأمر الذي رفض ترمب الالتزام به حتى اليوم.

حظوظ النجاح والفشل

يرى كثير من المحللين أن حظوظ نجاح قمة الجمعة «محدودة» وأنها «غير مضمونة النتائج». وهذا التخوف ليس بعيداً عن البيت الأبيض؛ فالرئيس الأميركي قال في مؤتمره الصحافي إنه يتوقع «محادثات بناءة» مع بوتين، لكنه، في الوقت عينه، لم يكتم تخوفه من الوصول إلى طريق مسدود إذا لم تقبل أوكرانيا، المدعومة أوروبياً، ما يخطط لها من تنازل عن شبه جزيرة القرم ومنطقة الدونباس وربما أيضاً عن مقاطعتي خيرسون وزابوريجيا، وهي تشكل 20 في المائة من مساحة البلاد.

صورة مركبة تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) ونظيره الأميركي دونالد ترمب (وسط) والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وبدا ترمب كأنه بصدد تهيئة الأذهان لفشل القمة؛ ما قد يسمح له بالتنصل من الصراع. وأشار إلى ذلك بقوله: «الآن، قد أرحل وأقول (حظاً سعيداً)، وهذا كل شيء. يمكنني أن أقول: (لن يتم حل هذه المشكلة)». وثمة عنصر آخر ركزت عليه الصحافة الأوروبية، الثلاثاء، ومنها صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية التي ذكرت أن لقاء الساعات الثلاث الذي ضم الرئيس بوتين وستيف ويتكوف، مبعوث ترمب قد يكون شجع الأخير على قبول القمة مع الرئيس الروسي، لكن يبدو أن هذا التشجيع استند إلى «خطأ»؛ حيث إن ويتكوف فهم من بوتين أنه قد يكتفي بقبول السيطرة على منطقتي لوغانسك ودونيتسك بالكامل (التي لا تسيطر عليها قواته تماماً) مقابل استعادة كييف لمنطقتي خيرسون وزابوريجيا».

ومن هنا جاء حديث ترمب عن «تبادل للأراضي». وتقول «لو فيغارو» إنه «تبيّن لاحقاً أن ويتكوف كان مخطئاً تماماً في هذا الشأن، وأن موسكو لن تتنازل عن سنتيمتر واحد من هذين الإقليمين، بل إنها تطالب بالسيطرة على كامل منطقة دونباس مقابل موافقتها فقط... على وقف إطلاق نار بسيط» وهذا الخطأ يضع ترمب في موقف حرج. وفي أي حال، لا يتوقع ترمب أن تأتي القمة بنتائج حاسمة. من هنا، جاء وصفه إياها بـ«الاستشرافية».

ثمة من يرى أن مصلحة بوتين تكمن في «إعطاء شيء ما» لترمب لإبقائه إلى جانبه، ولتحميل أوكرانيا مسؤولية الفشل إذا أصرت على رفض التنازل عن بعض أراضيها. والتصور الأرجح أن يقبل بوتبن سحب قواته من مساحات محددة في مقاطعتي زابوريجيا وخيرسون مقابل سيطرته التامة على لوغانسك ودونيتسك ما سيوفر لترمب إمكانية الحديث عن «تبادل للأراضي» التي كلها أوكرانية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ترأس اجتماعاً حول القضايا الاقتصادية في موسكو يوم 12 أغسطس (رويترز)

يبدو من الصعوبة بمكان توقُّع ما سيحدث في ألاسكا وما ستكون عليه ردة فعل ترمب خصوصاً أنه بدَّل مقاربته لملف أوكرانيا العديد من المرات ما يقلق شركاءه الأوروبيين. لذا، فإن هؤلاء يرون في قمم الأربعاء «الفرصة الأخيرة» لجذبه إلى معسكرهم الذي لا يحيد عن مرتكزاته والتي أكدها بيان قادة 26 دولة أوروبية (باستثناء المجر)، الثلاثاء. وأول المرتكزات رفض تغيير الحدود الدولية بالقوة واعتبار أن أي «سلام عادل ودائم» يجب أن يحترم القانون الدولي، بما في ذلك مبادئ الاستقلال والسيادة وسلامة الأراضي. وشدد الأوروبيون على دعمهم حق أوكرانيا التي «لا يمكن تقرير مسار السلام فيها بعيداً عنها»؛ إذ إن «لها الحق وحدها في تقرير مستقبلها». أما المفاوضات فلن تكون ممكنة إلا في إطار وقف إطلاق نار أو خفض الأعمال العدائية. وواضح أن شروط أوروبا لا تتطابق مع الرؤية الأميركية. فهل سيأخذ ترمب ببعض منها أم أنه عازم على السير بخطته حتى النهاية من غير الالتفات لما يطلبه شركاؤه؟ الجواب سيتظهر يوم الجمعة المقبل.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

تحليل إخباري بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

كان الخامس من فبراير 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

أنطوان الحاج
الولايات المتحدة​ صورة التُقطت في 28 يناير الماضي للباحث في جامعة ستانفورد هربرت لين والرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس والأستاذ الفخري بجامعة برينستون روبرت سوكولو ومديرة قسم علوم الحياة في شركة «ستيرلينغ باي» سوزيت ماكيني وهم يشاركون في إعلان «ساعة القيامة» لعام 2025 التي ضُبطت على 89 ثانية قبل منتصف الليل في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

طلبت إدارة الرئيس دونالد ترمب انضمام الصين إلى محادثات مع روسيا حول الحد من الترسانات النووية بعد انتهاء صلاحية معاهدة «نيو ستارت»، وهذا ما رفضته بكين.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وخلفه الرئيس دونالد ترمب (رويترز)

واشنطن تدعو إلى مفاوضات تشمل موسكو وبكين للحد من الأسلحة النووية

دعت الولايات المتحدة إلى إطلاق مفاوضات متعددة الأطراف تشمل الصين لوضع قيود جديدة على الأسلحة النووية، وذلك غداة انتهاء مفاعيل معاهدة «نيو ستارت».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتحدث على هامش مؤتمر صحافي للرئيس دونالد ترمب بالبيت الأبيض 29 يناير (أ.ف.ب) p-circle

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش... وموسكو تتشدد حيال «دعاة الحرب» الأوروبيين... بينما يضيق الخناق على نفطها

إيلي يوسف (واشنطن) رائد جبر (موسكو)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».


زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
TT

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)

كشف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات، مضيفاً أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين للوفاء به.

وقال زيلينسكي في حديثه إلى الصحافيين: «يقترح الأميركيون أن ينهي الطرفان الحرب بحلول بداية هذا الصيف، ومن المحتمل أن يمارسوا ضغوطاً على الطرفين وفقاً لهذا الجدول الزمني تحديداً». وأضاف زيلينسكي أن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتم حظر نشر تصريحات زيلينسكي حتى صباح السبت. وأضاف: «ويقولون إنهم يريدون القيام بكل شيء بحلول يونيو. وسيبذلون قصارى جهدهم لإنهاء الحرب. ويريدون جدولاً زمنياً واضحاً لجميع الأحداث».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وتابع أن «الولايات المتحدة اقترحت عقد الجولة التالية من المحادثات الثلاثية، الأسبوع المقبل، بها للمرة الأولى. على الأرجح في ميامي. لقد أكدنا مشاركتنا».

يأتي الموعد النهائي في أعقاب محادثات ثلاثية بوساطة أميركية عقدت في أبوظبي ولم تسفر عن أي تقدم، حيث يتمسك الجانبان المتصارعان بمطالب حصرية. وتضغط روسيا على أوكرانيا للانسحاب من دونباس، حيث لا يزال القتال محتدماً، وهو شرط تقول كييف إنها لن تقبله على الإطلاق. وأقرَّ الطرفان بأن المحادثات كانت صعبة.

وأعرب زيلينسكي مراراً عن استيائه لمطالبة بلاده بتقديم تنازلات غير متناسبة بالمقارنة مع ما يُطلب من روسيا. واقترحت أوكرانيا تجميد النزاع على خطوط الجبهة الحالية، لكن روسيا رفضت ذلك.

قال زيلينسكي السبت، كما نقلت عنه وكالات دولية عدة، إن ممثلي الولايات المتحدة في أبوظبي اقترحوا مجدداً هدنة في مجال الطاقة، وافقت أوكرانيا عليها، لكن روسيا لم تقدم موافقتها بعد، حسبما أفادت وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (يوكرينفورم). وأضاف زيلينسكي: «اقترحت الولايات المتحدة أن يدعم الجانبان مجدداً مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لخفض التصعيد فيما يتعلق بمجال الطاقة، حيث أكدت أوكرانيا دعمها للاقتراح، ولكن روسيا لم ترد بعد». وأشار زيلينسكي إلى أن الروس عادة ما يردون على مثل هذه المبادرات بعد العودة إلى روسيا. وأضاف عارضاً نتائج المحادثات التي جرت الأربعاء والخميس في أبوظبي أن «أوكرانيا أعطت موافقتها على هذا اللقاء الجديد».

كثَّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الأسابيع الأخيرة، مساعيها لوضع حد للحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات، غير أن هذه المساعي لا تزال تتعثر عند مسألة المناطق التي تطالب بها موسكو.

الوفد الأوكراني برئاسة رستم عمروف (رويترز)

وتطالب روسيا التي تحتل نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية بالسيطرة على كامل منطقة دونيتسك الشرقية ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب، ما يعني انسحاب القوات الأوكرانية من المساحات التي لا تزال تسيطر عليها في المنطقة. وتهدد موسكو باحتلالها بالقوة في حال فشل المفاوضات.

في المقابل، ترفض أوكرانيا هذا المطلب، وتطالب من أجل توقيع أي اتفاق أن ينصَّ على ضمانات أمنية بعدم التعرُّض لغزو روسي جديد في المستقبل.

مفاوضات أبوظبي الثلاثية أفضت إلى عملية تبادل أسرى وجثامين جنود قتلى من دون إحراز تقدم بشأن مسألة الأراضي الشائكة.

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتضغط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على موسكو وكييف لوضع حد للحرب المستمرة بينهما منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي سيدخل عامه الخامس مع نهاية الشهر الحالي. وأكد زيلينسكي مرة جديدة أن بلاده لن تقبل باتفاقات تبرمها الولايات المتحدة مع روسيا ولا تشارك كييف في المحادثات بشأنها. وقال زيلينسكي: «إن أي اتفاق بشأن أوكرانيا لا يمكن أن يتعارض مع الدستور والقوانين الأوكرانية».

شنَّت روسيا هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، بحسب ما أفادت شركة تشغيل الكهرباء، السبت. وبدورها أكدت وزارة الدفاع الروسية استهداف صواريخها مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات وقصف البنية التحتية، خصوصاً مرافق الطاقة. وقالت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني، السبت، إن القوات الأوكرانية قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وأضافت، في بيان على تطبيق «تلغرام»، أن القوات قصفت أيضاً مراكز عدة للتحكم في الطائرات المسيّرة موجودة في الأراضي التي تحتلها روسيا.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في منشور على «إكس»، السبت، إن محطات الطاقة النووية الأوكرانية خفَّضت إنتاجها؛ بسبب تأثير تجدد الأنشطة العسكرية على محطات الكهرباء الفرعية، وفصل بعض خطوط الكهرباء.

وقال الرئيس الأوكراني إن روسيا استهدفت أوكرانيا ليلاً بأكثر من 400 طائرة مسيّرة، ونحو 40 صاروخاً من أنواع مختلفة. وأكد زيلينسكي، في منشور عبر منصة «إكس»، أن الغارات الليلية الروسية استهدفت بشكل رئيسي شبكة الطاقة ومحطات التوليد والتوزيع، وتم الإبلاغ عن وقوع أضرار في مناطق كثيرة من البلاد.

وانتقد الرئيس الأوكراني روسيا قائلاً إنها تختار شن مزيد من الهجمات كل يوم عن الدبلوماسية الحقيقية. وطالب دول العالم التي تدعم المفاوضات الثلاثية بين بلاده والولايات المتحدة وروسيا بالرد على تلك الهجمات. وأردف: «يجب حرمان موسكو من قدرتها على استخدام الطقس البارد سلاحاً ضد أوكرانيا».

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إن الهجمات الروسية أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن المدن والمجتمعات، خصوصاً في غرب أوكرانيا، وطالب بمحاسبة المسؤولين عنها. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الجمعة، فرض حظر كامل على الخدمات البحرية المتعلقة بالنفط الخام الروسي ضمن الحزمة العشرين من العقوبات على روسيا.

موظف بشركة طاقة يتفقد محولاً كهربائياً بعد أن ألحقت غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة وصواريخ أضراراً بالغة بالبنية التحتية المدنية الحيوية في كييف (رويترز)

من جانب آخر أعادت السلطات البولندية فتح مطارَي لوبلين وجيشوف، اليوم (السبت)، بعد إعلانها انتهاء عمليات ​جوية عسكرية شملت تحليق طائرات لحلف شمال الأطلسي في المجال الجوي للبلاد، وذلك بسبب القصف الروسي في أوكرانيا. وذكرت قيادة العمليات بالقوات المسلحة البولندية أنه لم تقع أي انتهاكات للمجال الجوي للبلاد. وفي منشور على منصة ‌«إكس»، شكرت القيادة ‌حلف شمال الأطلسي ‌والقوات ⁠الجوية ​الألمانية «التي ‌ساعدت طائراتُها في ضمان السلامة في الأجواء البولندية اليوم». وقالت: «انتهت عمليات الطيران العسكري في مجالنا الجوي، المتعلقة بالضربات التي شنتها روسيا الاتحادية على أوكرانيا».