مشاورات فرنسية - أميركية لتجديد مهمة «اليونيفيل» في جنوب لبنان

دبلوماسيون يتحدثون عن «معركة صامتة» ومشاورات رفيعة نحو قرار جديد

مركبة تابعة لقوات «اليونيفيل» تعبر قرب موقع غارة إسرائيلية على بلدة دير سريان في قضاء مرجعيون بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
مركبة تابعة لقوات «اليونيفيل» تعبر قرب موقع غارة إسرائيلية على بلدة دير سريان في قضاء مرجعيون بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

مشاورات فرنسية - أميركية لتجديد مهمة «اليونيفيل» في جنوب لبنان

مركبة تابعة لقوات «اليونيفيل» تعبر قرب موقع غارة إسرائيلية على بلدة دير سريان في قضاء مرجعيون بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
مركبة تابعة لقوات «اليونيفيل» تعبر قرب موقع غارة إسرائيلية على بلدة دير سريان في قضاء مرجعيون بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

عبّر مسؤولون ودبلوماسيون في نيويورك، في الأيام الأخيرة، عن خشيتهم من احتمال نجاح «جهود» تمارسها إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة بـ«التخلي» عن دعم الدور الراهن الذي تضطلع به القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل» منذ زهاء نصف قرن لحفظ الاستقرار على جانبي الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، وسط مشاورات رفيعة بين فرنسا والولايات المتحدة لخطة تستجيب للتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الـ12 الأخيرة.

وكانت مهمة «اليونيفيل» أنشئت في مارس (آذار) 1978 بموجب قراري مجلس الأمن 425 و426، وانتشرت في الجنوب على أثر الغزو الإسرائيلي الأول للبنان، ثم جرى تطويرها في أغسطس (آب) 2006 بموجب القرار 1701 مع انتهاء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله». وجرت العادة منذ ذلك الحين على التجديد لها سنوياً بصورة تقنية من دون إدخال أي تعديلات جوهرية على تفويضها.

معلومات متضاربة

وإذا أخفق مجلس الأمن في التمديد لـ«اليونيفيل» بحلول منتصف ليل 31 أغسطس الحالي، فسينتهي تفويضها الراهن بموجب القرار 2749 في الـ31 من الشهر الحالي.

ووسط معلومات متضاربة حيال مستقبل «اليونيفيل»، تعقد الدول الـ47 المساهمة بقوات في هذه البعثة الأممية اجتماعاً مغلقاً، الخميس، مع أعضاء مجلس الأمن في نيويورك، ضمن تقليد متعارف عليه لتجديد التزامات هذه الدول حيال حجمها وأدوارها في القوة المؤقتة المؤلفة من زهاء 10500 عنصر حالياً.

ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن جلسة مشاورات مغلقة في 18 الحالي، يستمع خلالها إلى إحاطات من مسؤولين كبار في المنظمة الدولية. وعلى الأثر، يتوقع أن توزع فرنسا - بوصفها حاملة القلم لشؤون لبنان في مجلس الأمن - مشروع قرار يستجيب من حيث المبدأ لمطلب الحكومة اللبنانية التي دعت إلى تجديد مهمة «اليونيفيل» لعام إضافي ينتهي في 31 أغسطس 2026، على أن يحصل التصويت في مجلس الأمن على مشروع القرار في جلسة حدد موعدها الاثنين 25 أغسطس الحالي.

وخلال هذه الاجتماعات، يتوقع أن تعقد لقاءات أخرى ثنائية أو لعدد من الدول في سياق المشاورات الجارية لتجديد مهمة «اليونيفيل».

أعمدة الدخان تتصاعد بعد غارة إسرائيلية في خراج مدينة النبطية بلبنان (د.ب.أ)

وأكد مصدر دبلوماسي في نيويورك لـ«الشرق الأوسط» أن أعضاء مجلس الأمن يترقبون توزيع مشروع القرار الفرنسي لمعرفة ما إذا كانت الدبلوماسية الفرنسية ستنجح على غرار السنوات الماضية في «التجديد التقني»، طبقاً لمطلب الحكومة اللبنانية من دون إدخال أي تعديلات جوهرية على التفويض الممنوح لها بموجب القرار 1701 لعام 2006، أو أن تعديلات يمكن أن تدخل عليه في ضوء المشاورات الجارية على مستويات رفيعة بين فرنسا والولايات المتحدة، علماً بأن الدبلوماسية الروسية «تبدو مرتاحة» أيضاً إلى أن «التجديد سيحصل وفقاً كالمعتاد، رغم احتمال إدخال تعديلات على التفويض من جانب الأميركيين».

معركة صامتة

ورغم «المعركة الصامتة» الدائرة على مستقبل «اليونيفيل»، لا تعكس هذه التصريحات مخاوف عبّر عنها دبلوماسيون من احتمال استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لـ«منع التجديد الاعتيادي لليونيفيل». وأشار أحدهم إلى «احتمالات عدة يشمل بعضها خفض حجم القوة»، مع إمكانية إدخال تعديلات على التفويض الحالي الممنوح للقوة، بما يسمح لها بـ«هامش أوسع» من حرية الحركة لتمكينها من القيام بالواجبات الملقاة عليها بموجب القرار 1701 لعام 2006، وما تلاه من قرارات سنوية لتجديد هذا التفويض، مع إدخال بعض التعديلات والملاحق الخاصة بحرية الحركة ومنع تهريب الأسلحة.

تلازم وتزامن

وعزا الدبلوماسي الذي طلب عدم نشر اسمه التأخير في توزيع مشروع قرار حتى الآن إلى «استمرار المشاورات» الفرنسية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أملاً في التوافق على «رؤية موحدة» من أجل «المضي قدماً» في عمل «اليونيفيل» على ضوء «التغييرات الجوهرية التي شهدها الوضع بين لبنان وإسرائيل خلال الحرب الأخيرة مع (حزب الله)، واتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024»، فضلاً عن إعلان حكومة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الموافقة على خطة المبعوث الأميركي توم برّاك لحصر سلاح «حزب الله» وغيره من الجماعات المسلحة تحت سلطة مؤسسات الدولة اللبنانية ضمن جدول زمني واضح. وتسود توقعات بأن مشروع القرار الفرنسي سيأخذ في الاعتبار كل هذه العوامل بالتشاور المتواصل مع الجانب الأميركي، علماً بأن دبلوماسيين نقلوا عن الرئيس سلام أنه «سمع تطمينات» من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «التجديد لليونيفيل سيحصل كالمعتاد».

وكان مجلس الأمن أصدر قرارات تجديد سابقة لـ«اليونيفيل» تتضمن تعديلات مهمة، ولكن من دون الذهاب إلى وضعها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يتيح استخدام وسائل مختلفة تراوح من استخدام العقوبات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية إلى استخدام القوة العسكرية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن. ولعل التعديلات الأوسع التي أقرها المجلس جاءت بالقرارات 2539 لعام 2020 و2591 لعام 2021 و2650 لعام 2022 و2695 لعام 2023. ويتوقع أن يشمل القرار الجديد تغييرات أكثر جوهرية هذا العام.

جنود من الجيش اللبناني يحملون نعش الجندي محمد شقير الذي كان بين 6 جنود قُتلوا بانفجار في أثناء تفقدهم مستودع أسلحة لـ«حزب الله» في منطقة وادي زبقين بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

ونبه المصدر أيضاً إلى «ضرورة عدم الأخذ بتقارير عن موقف أميركي وإسرائيلي واحد من قضية التمديد لليونيفيل؛ لأن هناك تباينات واضحة بين الطرفين. ففي الوقت الذي تدفع فيه إسرائيل نحو إنهاء التفويض لهذه القوة الأممية بذريعة عدم فاعليتها، يتعامل الجانب الأميركي بمنظور مختلف، مع أنه يوافق على بعض الحجج الإسرائيلية»، في وقت اتخذت فيه إدارة ترمب إجراءات حازمة لخفض أو وقف نسبة تمويل الولايات المتحدة لبعثات حفظ السلام الأممية، والتي كانت تصل إلى 26 في المائة، فضلاً عن خفض التمويل الأميركي للأمم المتحدة بمجملها. وهذا ما يمكن أن يحجب جزءاً رئيسياً من التمويل الذي تحصل عليه «اليونيفيل» سنوياً.

وبحسب المصادر، يأخذ الأميركيون في الاعتبار أن الجيش اللبناني نشر حتى الآن أكثر من ستة آلاف جندي في جنوب لبنان، ويستعد لنشر المزيد، مما يمكن أن يغطي أي خفض محتمل في عديد «اليونيفيل».

وبدا أن هناك «تلازماً وتزامناً» بين الجهود الفرنسية للتجديد لـ«اليونيفيل» وتلك التي برزت أخيراً في مذكرة التفاهمات التي توصل إليها المبعوث الخاص للرئيس ترمب إلى لبنان وسوريا السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، بالتشاور مع كل من رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وإن لم يلتزم بالتعديلات والأولويات التي طلبوها منه.

رسالة لبنان

وكانت الحكومة اللبنانية وجهت رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئاسة مجلس الأمن، تطلب فيها «تجديداً تقنياً» للمهمة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل».

وجاء في الرسالة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، أنه «تأكيداً للالتزام القوي من لبنان حيال التنفيذ الكامل للقرار 1701 وسلامة حفظة السلام من اليونيفيل وأمنهم»، فإن الحكومة اللبنانية وطبقاً لقرار اتخذته في 14 مايو (أيار) الماضي، «تطلب تمديد تفويض اليونيفيل لعام إضافي ينتهي في 31 أغسطس 2026، بما يتفق تماماً مع أحكام» القرار 1701، مذكِّرة بـ«أهمية المحافظة على تفويض المهمة وقدرتها العملانية لتمكينها من القيام بوظائفها بفاعلية في أجواء تزداد تعقيداً وحساسية».

وأضافت أن «الوجود المتواصل لليونيفيل لا يزال جوهرياً لصون الأمن والاستقرار في جنوب لبنان، ولدعم القوات المسلحة اللبنانية على بسط سلطة الدولة اللبنانية في منطقة عملياتها، وتحديداً عبر تكثيف السيطرة المشتركة والتنسيق العملاني»، مذكرة بأن «اليونيفيل اضطلعت أيضاً بدور حيوي» عقب «إعلان وقف الأعمال العدائية والالتزامات ذات الصلة في شأن التدابير الأمنية المعززة، وفي اتجاه تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1701» الذي وافق عليه مجلس الوزراء اللبناني في 27 نوفمبر 2024.

وأوضحت الرسالة اللبنانية أن لبنان «يكرر مطالبته بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل الأراضي اللبنانية، ويدعو إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لسيادة لبنان وسلامة أراضيه»، مشيرة إلى أن «اليونيفيل تحظى بإشادة واسعة بوصفها لاعباً محايداً ونزيهاً في المراقبة والإفادة حيال تنفيذ القرار 1701». كما أنها «منخرطة فعلاً في إعادة تأهيل البنية التحتية، وإزالة الأجسام غير المنفجرة، وتيسير المهمات الإنسانية، وتنفيذ مشاريع التنمية، وتوفير الخدمات الطبية بالتعاون مع الشركاء الوطنيين والدوليين». وهي «تضطلع بدور حيوي في دعم المجتمعات المحلية، وأدى دعمها إلى تحقيق تحسينات ملموسة على الحياة اليومية للسكان في جنوب لبنان»، مشددة على أن «وجودها ينظر إليه من السكان في الجنوب ليس فقط باعتباره رمزاً للتضامن الدولي، بل أيضاً بوصفه مصدراً للأمان والاستقرار». وبناء عليه، كرر «التزام لبنان (حق) احتكار الأسلحة، وفقاً لما نص عليه البيان الوزاري» لحكومة رئيس الوزراء نواف سلام، ومن أجل «بسط سلطة الدولة اللبنانية - بقواها الذاتية - على كل أراضيها الوطنية، بما يتفق مع اتفاق الطائف لعام 1989».


مقالات ذات صلة

غارات إسرائيلية تستهدف وسط بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع

المشرق العربي تتصاعد ألسنة اللهب من شقة استُهدفت بغارة جوية إسرائيلية في حي زقاق البلاط بوسط بيروت اليوم (أ.ف.ب) p-circle

غارات إسرائيلية تستهدف وسط بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع

نفّذ الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، عدة غارات على بيروت وعدد من قرى الجنوب اللبناني، مخلفة 6 قتلى، حسب وزارة الصحة.

«الشرق الأوسط» (بيروت )
المشرق العربي مركبات قتالية إسرائيلية تشق طريقها وسط قرية مدمرة في جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا تحذر من عواقب هجوم بري إسرائيلي على لبنان

قالت كندا ​وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، في بيان مشترك، الاثنين، إنه يجب تجنب «هجوم بري ‌إسرائيلي ‌كبير» ​في لبنان، لما ​قد يترتب عليه ⁠من عواقب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي حريق ضخم عقب قصف إسرائيلي استهدف محطة للطاقة الشمسية ومحطة لتوليد الكهرباء في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

فرنسا تعيد لبنان إلى دائرة «العناية الدولية»... بدعم أميركي

تحركت فرنسا بقوة لدعم لبنان عبر جلسة طارئة لمجلس الأمن أعادت البلاد إلى دائرة العناية المركزة دولياً، وسط تنديد واسع بقرار «جرّ» البلاد إلى حرب جديدة.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في وحدة المدفعية يعملون على حدود جنوب لبنان في الجليل الأعلى (أ.ف.ب)

إسرائيل تعزز حشودها على حدود لبنان بقوات مقاتلة

تتجه إسرائيل لتعزيز وحداتها العسكرية المحتشدة على الحدود مع لبنان، بقوات مقاتلة من لواء «غولاني»، استعداداً لتوغلات داخل الأراضي اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية نظام اعتراض الصواريخ بالليزر «الشعاع الحديدي» الذي طورته إسرائيل في 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل تجرّب «مدفع ليزر» حديثاً في إسقاط الصواريخ والمسيّرات

بدت الصناعات الحربية الإسرائيلية مبتهجة، يوم الاثنين، عندما عبرت تجربة نظام الليزر القتالي «أور إيتان» (Iron Beam) بنجاح في إسقاط طائرات مسيّرة انطلقت من لبنان.

نظير مجلي (تل أبيب)

ممارسات «الميليشيات الولائية» تهدد بإعادة بغداد إلى العزلة

مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)
مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)
TT

ممارسات «الميليشيات الولائية» تهدد بإعادة بغداد إلى العزلة

مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)
مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)

دعت مصادر عراقية مطلعة في أربيل حكومة محمد شياع السوداني إلى التمعن في قراءة بيان «السداسي العربي» الذي اتهم «ميليشيات عراقية باستهداف دول الجوار العربي»، لافتة إلى أن «ممارسات الميليشيات الولائية تنذر بإعادة العراق إلى حالة من العزلة العربية والدولية، كانت بذلت في السنوات الماضية جهود حثيثة للخروج منها».

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن بيان «السداسي العربي» صدر عن دول «عارضت الحرب وسعت إلى منع وقوعها، ورفضت صراحة استخدام أجوائها ممراً للحرب على إيران»، مشيرة إلى أن الدول المذكورة كانت «اتخذت في عهد حكومة الرئيس مصطفى الكاظمي سلسلة من الخطوات الإيجابية على الصعيدين السياسي والاقتصادي امتد تأثيرها الفعلي إلى الحكومة الحالية، بهدف تعزيز العلاقات مع العراق»، مشيرة إلى إسهام هذه الدول في «تحسين صورة النظام العراقي وإعادة إحياء دوره في العائلة العربية وخارجها».

وأشارت المصادر العراقية إلى أن «دول البيان السداسي ترى مصلحة للعرب في عودة العراق دولة عربية طبيعية تضطلع بدور فاعل في محيطها، ودون اشتراطات حول الوضع العراقي الداخلي أو حول علاقات بغداد الإقليمية والدولية»، مذكرة بأن «الحكومة العراقية لم تعلن أي شكوى من سياسات هذه الدول أو تتهمها بأي تدخل في شؤونها الداخلية»، فضلاً عن «تبادل زيارات كثيرة فتحت أبواب الاستقرار والاستثمار».

وعدّت دول البيان أن إحياء العلاقات السياسية والاقتصادية مع العراق سيمكن حكومته من متابعة بناء المؤسسات والتغلب على جروح الفترة العصيبة التي عاشها العراق في أعقاب الغزو الأميركي، ولاحقاً بعد ظهور «تنظيم داعش» الإرهابي.

الحكومة العراقية ارتكبت خطأً حين حققت ما يشبه المزج شبه الكامل بين الجيش و«الحشد الشعبي» (أ.ف.ب)

«خطأ بغداد الكبير»

وفق المصادر، فإن الحكومة العراقية «ارتكبت خطأ كبيراً حين حققت ما يشبه المزج شبه الكامل بين الجيش العراقي والحشد الشعبي ومن دون ضمان أن لافتة (الحشد) لن تستخدم من قبل ميليشيات ولائية تعتمد عملياً سياسة (إيران أولاً) بدلاً من سياسة (العراق أولاً) التي تتحدث عنها الحكومة العراقية».

وذكرت المصادر العراقية أن «الميليشيات الولائية لطالما كانت تتموضع خلف مظلة الحشد الشعبي بذريعة أن الأخيرة مؤسسة حكومية، بينما يجري اليوم استدراج الجيش العراقي إلى منزلق خطير يندفع إليه الحشد الشعبي بعنوانه ومضمونه».

ويشيع على نطاق واسع في العراق استخدام وصف «الميليشيات الولائية» للإشارة إلى الفصائل المسلحة التي ترتبط عقائدياً بنظام «ولاية الفقيه» وتنظيمياً بـ«الحرس الثوري» في إيران، وغالبيتها تمتلك ألوية داخل «الحشد الشعبي» الممول من الحكومة العراقية.

ولم تتمكن السلطات العراقية من اتخاذ موقف فاعل وحاسم منذ تردد أنباء عن قيام «الميليشيات الولائية» بإطلاق صواريخ ومسيّرات في اتجاه أهداف مدنية في الدول الخليجية بذريعة استهداف ما تسميه إيران القواعد الأميركية في المنطقة.

وقالت المصادر إنه «لطالما بذلت الحكومة العراقية في السنوات الماضية جهوداً للزعم بأن العراق دولة طبيعية صاحبة حق في السيادة على أراضيها، وأنها ليست مجرد ساحة لمواجهة أميركية - إيرانية»، بينما تبين عكس ذلك مع «انخراط ميليشيات ولائية في الحملة العسكرية الإيرانية لتوسيع دائرة النار في الحرب الحالية».

وحذرت المصادر من «إعادة العراق إلى موقع الساحة مجدداً، وأن يستدرج جيشه وسلطته إلى سلوك يعيد البلاد إلى دائرة العزلة، مع ما تعنيه من خسائر سياسية واقتصادية».

ولا يتردد مسؤولون عراقيون في القول إن اقتصاد بلادهم المنهك غير قادر بالتأكيد على احتمال أثمان الوصول إلى قطيعة كاملة مع أميركا، ما يعني بالضرورة أن الخسائر ستكون مضاعفة إذا انزلقت البلاد إلى مواجهة حامية معها.

وقالت المصادر إن «سلوك الميليشيات الولائية، ورغم وجود مؤيدين له في العراق، فإنه بالتأكيد لا يحظى بتعاطف فئات ومكونات عراقية أخرى لا تخفي معارضتها عودة إيران إلى الاستئثار بحصة كبيرة في صناعة القرار العراقي وتوجهات البلاد».

القوى المعتدلة في «الإطار التنسيقي» مطالَبة بالتدارك قبل انزلاق العراق إلى مواجهة حامية (وكالة الأنباء العراقية)

قبل فوات الأوان

ودعت المصادر ما وصفتها بـ«القوى العاقلة» في «الإطار التنسيقي» إلى «تدارك الموقف قبل فوات الأوان»، خصوصاً إذا تعثرت محاولات التفاوض الأميركية الحالية مع إيران، ونفذ الرئيس دونالد ترمب تهديده بإعادة «فتح أبواب الجحيم».

وقالت المصادر إن «العراق ليس مضطراً لدفع ثمن أي خيارات انتحارية يمكن أن يقدم عليها (الحرس الثوري) الإيراني رغم ما أظهرته الحرب من خلل فاضح في ميزان القوى بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى».

وفي هذا السياق، عدّت المصادر العراقية أن «البيان السداسي يحض السلطات العراقية على منع الانزلاق في هذا الاتجاه»، مشدداً على «تغيير سريع في الأولويات السياسية بجعل المصلحة العراقية العامة في صدارتها».


خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية، وأخرى مخابراتية بلباس مدني تتبع كافة القوى الأمنية للإمساك بالوضع الأمني وقطع الطريق على من يحاول الإخلال به، والإساءة لاستيعاب واحتضان أهالي بيروت للنازحين، وللحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي، على أن تتلازم مع تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيفهم لتفويت الفرصة على إسرائيل في رهانها على إحداث فتنة مذهبية مع تدفّق مزيد من موجات النزوح.

خيام للنازحين الهاربين من الجنوب والضاحية الجنوبية في وسط بيروت (رويترز)

فبيروت الإدارية اليوم غير ما كانت عليه قبل استقدام التعزيزات للإمساك بالوضع مع بدء الجيش بمؤازرة القوى الأمنية بتطبيق خطة متكاملة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري رفيع أن التحضير للخطة الأمنية التي بوشر بتنفيذها بدأ على مراحل بترؤس رئيس الجمهورية العماد عون الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الأعلى، وأتبعه بلقاء القيادات العسكرية والأمنية، تُوّج بوضع اللمسات الأخيرة عليها، وحُددت ساعة الصفر لتنفيذها، على أن تشمل بيروت الإدارية باعتبارها الحاضنة للعدد الأكبر من موجات النزوح، وتتبعها تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيف النازحين لطمأنتهم وتبديد ما لدى مضيفيهم من هواجس ومخاوف من التجاوزات التي تحصل، وعلى رأسها وجود أفراد يتجولون بأسلحتهم بين المراكز المخصصة لإيوائهم.

وكشف المصدر أن الاجتماعات التي عقدها عون تباعاً مع رئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي، والحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، جاءت في سياق التحضير للمناخ السياسي المواتي لوضع تنفيذ الخطة الأمنية على نار حامية، وقال إن استقبال برّي لوزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار هو للتأكيد على أن اللعب بالأمن خط أحمر ولا يمكن السماح لأي كان بتهديده، وأن الخطة تحظى بتأييد برّي لتدارك حصول احتكاكات أو إشكالات بين النازحين ومضيفيهم، مبدياً ارتياحه لاحتضانهم واستيعابهم وللحملات التضامنية بالتعاون مع القوى السياسية في العاصمة والأماكن الأخرى لتأمين احتياجاتهم الضرورية.

وأكد أن برّي لم يتردد في طلب التشدُّد لضمان تنفيذ الإجراءات والتدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع أي تفلُّت أمني يفتح الباب أمام إغراق العاصمة في فتن مذهبية متنقلة، ووجوب التدخل فوراً لوأدها بملاحقة المخلين بالأمن ومحاسبتهم أمام القضاء المختص، ما يشكل شبكة أمان لقطع الطريق على إسرائيل التي تراهن على أن تدفق موجات النازحين إلى بيروت الإدارية سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى قنابل موقوتة سرعان ما تنفجر ويصعب السيطرة عليها، وتؤدي إلى إقحامها في نزاعات مذهبية. وقال إن التقارير التي ترد يومياً إلى عون من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية تشير إلى أن 80 في المائة من الإشكالات تحصل بين النازحين أنفسهم، في حين أن 20 في المائة منها يعود إلى إشكالات فردية بين النازحين والمضيفين تتطلب معالجتها فوراً للسيطرة عليها لعدم تعكير علاقتهم بمضيفيهم.

لا يزال مئات النازحين ينامون في خيام بوسط بيروت رافضين الانتقال إلى مراكز للنزوح في الشمال أو جبل لبنان (رويترز)

ولفت المصدر إلى أن التنسيق قائم بين القيادات الأمنية والمعنيين بملف النزوح في حركة «أمل» و«حزب الله» بغية التعاون لتفادي التجاوزات التي تحصل من دون مبرر لها، ومعظمها يتعلق بمرور سيارات حزبية في شوارع العاصمة يصر أصحابها على بث الأناشيد والخطب، ومعظمها للأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل، وهذا يستدعي تدخلهم لوضع حد لهذه التصرفات التي ترتد سلباً على تضامن البيارتة مع النازحين. وأكد أن مسؤولين في «حزب الله» ممن يهتمون بالنازحين يشكون باستمرار، في اتصالاتهم بالقيادات العسكرية والأمنية ووزراء، من وجود حملات تحريض على النازحين، وتحديداً ضد الجماعات المنتمية للحزب، ما يرفع من منسوب الاحتقان، وهم يغمزون من قناة حزب معين، في إشارة إلى «القوات اللبنانية»، بذريعة أنه يضيّق الحصار عليهم ويمنعهم من الإقامة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وقيل لمسؤولي الحزب، كما علمت «الشرق الأوسط»، إنه لا مشكلة تعوق معالجة ما يشكو منه بعض النازحين شرط أن يتجاوب الحزب مع رغبتهم في منع تنقل بعضهم، وإن كانوا قلة، بسلاح لا مبرر له ولا يخدم التضامن مع النازحين. فالشكوى في هذا الخصوص لا تقتصر على حزب معين، وإنما تكاد تكون شائعة لدى أهالي بيروت.

كما طالبوهم بضبط أداء مسؤوليه ومنعهم من استخدام المواقف والخطب النارية من العيار الثقيل التي تولد حالات من الحذر والريبة، وتذكّر أهالي العاصمة باجتياحه مدينتهم في مايو (أيار) 2008 احتجاجاً على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك بتفكيك شبكة الاتصال الخاصة التابعة للحزب. فالضرورة تقضي، بحسب المصدر، بالحفاظ على التعايش في العاصمة والمناطق التي تستضيف النازحين بدلاً من اتباع بعض المجموعات سلوكاً لا يخلو من الاستفزاز.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن نواباً سألوا زملاءهم في كتلة «الوفاء للمقاومة» عن الجدوى من تهديد أمين عام الحزب نعيم قاسم اللبنانيين بالحرب الأهلية، وملاقاته من قبل نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بإطلاق تهديدات ببتر اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة، وانضمام مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق في الحزب وفيق صفا لاحقاً إليهما بتهديده بالنزول إلى الشارع ما لم تتراجع الحكومة عن قرارها الأخير المتعلق بالجناح العسكري للحزب؟

وتوقف هؤلاء النواب المنتمون إلى كتل متعددة أمام اضطرار برّي للتدخل في حينها لدى الحزب لمنع توجّه محازبيه بمسيرات سيّارة إلى بيروت بذريعة الاحتجاج على ما يسمونه بـ«الخطيئة» التي ارتكبتها الحكومة بدعوة الحزب لتسليم سلاحه تطبيقاً لحصريته بيد الدولة، مبدين ارتياحهم لرد فعله أمام زواره على تهديد صفا الذي لا مبرر له وكان في غنى عنه، ما يضع قاسم أمام مسؤوليته حيال برّي، الذي يسعى جاهداً لتنقية الأجواء من الشوائب التي تعتريها والتي تعود إلى تجاوزات لا جدوى منها سوى أنها ترفع منسوب الاحتقان الذي وحدها إسرائيل هي المستفيدة منه بزرع الشقاق بين اللبنانيين، وتهديد وحدتهم التي هي بمنزلة سلاح معنوي في تصديهم للأخطار التي تهدد بلدهم. ويبقى على الحزب أن يستجيب للإجراءات والتدابير التي وحدها توفر شبكة الأمان للنازحين ومضيفيهم في آن واحد، وهذا يتطلب منه بالدرجة الأولى التصدي لحالات الانفلاش التي تُقلق مضيفيهم.


الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
TT

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

مع تصاعد الضربات الأميركية التي طالت مواقع عسكرية في العراق خلال الأيام الأخيرة، عادت الحبّانية إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاستهداف طال وحدات من الجيش العراقي، في موقع مشترك دون تسجيل خسائر في صفوف «الحشد الشعبي»، رغم أن القاعدة تُستخدم غالباً موقع انتشار مشتركاً.

وحسب بيان وزارة الدفاع العراقية، فإن الضحايا الذين سقطوا في القصف هم من منتسبي الجيش، في تطور لافت يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك، في واحدة من أكثر المناطق حساسية غرب البلاد.

جنود عراقيون يتفقدون موقعاً مُدمَّراً في قاعدة الحبّانية استُهدف بغارة جوية 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الصحراء والدولة

تقع الحبّانية على مسافة نحو 85 كيلومتراً من بغداد، وعلى مسافة قريبة من الفلوجة، وتجمع بين بيئة صحراوية من الغرب ومراكز حضرية من الشرق. وتُعد بحيرتها، التي تمتد على مئات الكيلومترات المربعة، واحدة من أبرز المسطحات المائية في غرب العراق؛ ما منحها أهمية زراعية وسياحية على حد سواء.

لكن أهمية الحبّانية لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، بل تتجاوزها إلى دورها التاريخي في تشكل الدولة العراقية الحديثة.

صورة متداولة... منظر عام لبحيرة الحبّانية

سيادة عراقية

تعود جذور الحبّانية الحديثة إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين أنشأت بريطانيا قاعدة RAF Habbaniya، لتكون إحدى أهم ركائز نفوذها العسكري في البلاد. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً؛ إذ وفر المسطح المائي والفضاء المفتوح بيئة مثالية للتدريب والعمليات الجوية.

وبرز دور القاعدة بشكل حاسم خلال حرب 1941 في العراق، حين تحولت مركزاً للمواجهة بين القوات البريطانية والجيش العراقي، في واحدة من أولى اللحظات التي تداخل فيها العامل العسكري مع الصراع السياسي في العراق الحديث.

وجعل هذا الإرث الحبّانية، في وعي الضباط العراقيين لاحقاً، رمزاً للنفوذ الأجنبي، وهو ما انعكس على المزاج العسكري الذي مهّد لثورة ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام مرحلة الانقلابات.

أرشيفية تعود لعام 1956 لمطار الحبّانية العسكري

ظل الانقلابات

خلال عقدي الخمسينات والستينات، لم تكن الحبّانية مركزاً مباشراً للانقلابات، لكنها بقيت جزءاً من البنية العسكرية التي تقوم عليها موازين القوة. فالقواعد الجوية، ومنها الحبّانية، كانت عنصراً حاسماً في أي تحرك عسكري، سواء لضمان السيطرة على الأجواء أو لتأمين خطوط الإمداد.

ومع انسحاب البريطانيين أواخر الخمسينات، تحولت القاعدة إلى منشأة عراقية خالصة، لتدخل ضمن شبكة مواقع عسكرية لعبت أدواراً غير مباشرة في الصراعات السياسية المتلاحقة.

صورة التقطها جندي أميركي عام 2009 لمدخل مقبرة الجنود البريطانيين في الحبّانية (إنستغرام)

عمق الحرب

خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اكتسبت الحبّانية وظيفة مختلفة؛ إذ تحولت قاعدةً خلفية بعيدة نسبياً عن جبهات القتال المباشرة. واستُخدمت في التدريب وإعادة تنظيم الوحدات، فضلاً عن كونها جزءاً من العمق اللوجيستي للقوة الجوية العراقية.

هذا الموقع «الآمن نسبياً» جعلها منطقة استقرار عسكري، مقارنة بالقواعد القريبة من الحدود الشرقية التي تعرضت لهجمات متكررة.

إلى جانب دورها العسكري، عُرفت الحبّانية بصفتها وجهةً سياحية بارزة منذ السبعينات، مع تطوير منتجعها المطل على البحيرة، الذي افتُتح أواخر عهد الملكية وتوسع لاحقاً في السبعينات والثمانينات.

في تلك الفترة، كان المنتجع يعدّ من أبرز المصايف في العراق، ووجهةً للأزواج الجدد، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً بفعل الحروب والعقوبات ثم الفوضى الأمنية بعد 2003.

وتعرضت منشآته لدمار واسع خلال سنوات العنف، خصوصاً بعد سيطرة جماعات إرهابية على أجزاء منه بين 2006 و2007، قبل أن تستعيده القوات العراقية لاحقاً، دون أن يستعيد بريقه السابق.

صورة من أرشيف العريف تايلر ب. بارستو لجندية من المارينز الأميركي داخل المقبرة البريطانية في الحبّانية صيف 2009 (إنستغرام)

جفاف

بيئياً، تعكس بحيرة الحبّانية تقلبات حادة. فهي تعتمد بشكل كبير على الأمطار والإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات؛ ما يجعلها عرضة للجفاف في سنوات الشح.

وخرجت البحيرة عن الخدمة جزئياً خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض مناسيب المياه؛ ما أدى إلى اختلالات بيئية دفعت حيوانات برية، بينها الخنازير، إلى الاقتراب من المناطق السكنية.

لكن الموسم المطري الأخير أسهم، وفق وزارة الموارد المائية، في إنعاش البحيرة جزئياً، بعد توجيه إيرادات مائية عبر ناظمي الورار والذبان، في محاولة لإعادة التوازن البيئي وتعزيز الخزين المائي.

وتعود الحبّانية إلى دائرة الضوء، لكن ليس بصفتها منتجعاً ولا قاعدة تدريب، بل بصفتها ساحةً ضمن صراع إقليمي معقد. وبينما تتغير طبيعة الأدوار، تبقى القاعدة ثابتة في موقعها: نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.

فمن قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق نفسه، بلد تتقاطع فيه الحروب مع الذاكرة، والطبيعة مع السياسة.