12 طريقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في العمل

رقمنة الأعشاب وسبر أغوار الدماغ البشري وكشف استخدامات الطلاب له

12 طريقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في العمل
TT

12 طريقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في العمل

12 طريقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في العمل

تلا إطلاق «تشات جي بي تي» (ChatGPT) للجمهور في أواخر عام 2022 موجة من التجارب. والآن، يدمج كثير من الناس أحدث النماذج والأنظمة الذكية المُخصصة في عملهم اليومي، كما كتب لاري بوكانان وفرنسيسكا باريس*.

يستخدم الطهاة الذكاء الاصطناعي لابتكار وصفات الطعام؛ ويستخدمه الأطباء لقراءة صور الرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي المحوسب؛ ويكشف العلماء النقاب عن اكتشافات جديدة. كما يُساعد الذكاء الاصطناعي العاملين في مهامهم اليومية: كتابة الرموز البرمجية، وتلخيص رسائل البريد الإلكتروني، وابتكار الأفكار، ووضع المناهج الدراسية؛ على الرغم من أنه لا يزال يرتكب كثيراً من الأخطاء.

استخدامات متنوعة

وأظهرت استطلاعات رأي حديثة أن ما يقرب من واحد من كل خمسة من العاملين الأميركيين يقولون إنهم يستخدمونه بشكل شبه منتظم على الأقل في العمل. وقد أخبرنا 21 شخصاً كيف يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي، نورد هنا آراء 12 منهم.

رقمنة النماذج العشبية وكتابة الرموز الكومبيوترية

1- «رقمنة الأعشاب»: يقول جوردان تيشر، وهو أمين عام ومدير معشبة حديقة ميسوري النباتية في سانت لويس، إنه توجد في المعشبة 8 ملايين عينة نباتية مجففة. والآن، يُساعد الذكاء الاصطناعي في تحديدها.

ويضيف تيشر إن خبراء التصنيف ذوي الخبرة يستطيعون التعرف بسرعة على معظم العينات، ولكن ذلك يتطلب سنوات من التدريب. لذا، تُنشئ هذه الحديقة نموذج ذكاء اصطناعي باستخدام البيانات الطيفية (نمط الضوء الذي ينعكس عن النبات). يُعاد مسح أوراق أنواع مختلفة من النباتات، وتُوسم، وتُضاف إلى النموذج كبيانات تدريب. بعد ذلك، يُمكن للنباتات الجديدة أن تخضع للعملية نفسها، وسيُحددها النموذج. إذا كان النموذج متأكداً تماماً من أن البيانات الطيفية تُطابق ما هي عليه بالنسبة للنباتات الأخرى، فسيُظهر ذلك. وإلا، يُمكن للنبات أن يُعرض على خبير.

وتُوضع الأوراق على صفيحة سوداء لقياس «أطياف الانعكاس» الخاصة بها، كجزء من بناء نموذج ذكاء اصطناعي يُمكنه تحديد العينات الجديدة.

2- كتابة الرموز الكومبيوترية: يقول كريس أوسوليفان رئيس قسم التكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «DraftPilot» وهي شركة قانونية للذكاء الاصطناعي تساعد المحامين في مراجعة العقود، إن كتابة الرموز الكومبيوترية تعتبر من أبسط استخدامات الذكاء الاصطناعي وأكثرها شيوعاً. وهي طريقة يعتمد عليها حتى مهندسو الذكاء الاصطناعي. وتستخدم الشركة «Claude Code» من «Anthropic» بشكل متكرر.

خطط المعلمين للدروس وكشف استخدامات الطلاب

3- وضع خطط دروس تُلبي المعايير التعليمية: يقول مانويل سوتو (مُعلّم اللغة الإنجليزية بوصفها لغة ثانية في بورتوريكو) إن الجانب الإداري من عمله قد يستغرق وقتاً طويلاً: كتابة خطط الدروس، واتباع المنهج الدراسي المُعتمد من قِبل وزارة التعليم في بورتوريكو، والتأكد من توافقه مع المعايير والتوقعات. وتُساعده إرشادات حول هذا الجانب من «تشات جي بي تي» في تقليل وقت تحضيره إلى النصف.

4- كشف ما إذا كان الطلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي:

ماثيو مور، معلم لغة إنجليزية في المرحلة الثانوية، يستخدم برنامجي «Magic School A.I» و«تشات جي بي تي» لإنشاء أوراق عمل ومعايير تقييم وصور وألعاب تعليمية لمختلف فصول اللغة الإنجليزية التي يدرِّسها. ويستخدمها طلابه أيضاً. وهو يقول: «أشعر بالنفاق عندما أطلب منهم عدم استخدامه بينما استخدمه». ولكنه يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي للتأكد من أنهم يستخدمونه بالطرق المسموح بها.

يتذكر طالباً في الصف التاسع سلَّم «مقالاً خالياً من الأخطاء النحوية، أطول من ضعف ما طلبته منه». قال: «صُدمتُ، وزادت صدمتي عندما أدركتُ أن مقاله برمته لم يكن هو الواجب المطلوب».

ويضيف: «أخبرني برنامج كشف الذكاء الاصطناعي آنذاك أن الموضوع المكتوب من صنع الذكاء الاصطناعي. أخبرني عقلي بذلك أيضاً. كان قراراً سهلاً».

قائمة مراجع وملصقات وتسريبات

5- إنشاء قائمة مراجع: أما كارين دي بروين، أستاذة اللغة الفرنسية والباحثة في الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر، فتقول إن أي شخص سبق له إعداد قسم «المراجع» يعرف التنوع الهائل في الأساليب والتنسيقات وقواعد الترقيم المحددة المطلوبة في قائمة المراجع. ما هي قاعدة أسلوب شيكاغو في كيفية الاستشهاد بالكتب؟ هل تستخدم علامات الاقتباس أم التسطير؟ أم أنها مائلة؟ ماذا عن أسلوب الجمعية الأميركية لعلم النفس (APA)؟ لقد حرّر الذكاء الاصطناعي دي بروين من أكثر أجزاء المهمة إزعاجاً.

وتضيف: «لا مزيد من مراجعة الكتيبات الإرشادية، وأوراق الغش، والقلق بشأن علامات الترقيم الصحيحة، وما إذا كانت الإرشادات قد تغيرت... إلخ». استُبدل بكل هذا -على حد تعبيرها- «السلام والسكينة»، مع «كلود» (نموذج اللغة الذكي الواسع).

6- أفضل الملصقات: يقول دان فريزر، مصمم وصاحب مشروع صغير، إنه يصمم ويبيع منتجات مثل ملصقات التحذير من الاصطدام واللافتات المغناطيسية. ولمساعدته في التصميم الغرافيكي، يستخدم ميزة «التعبئة التوليدية» في برنامج «أدوبي فوتوشوب» (Adobe Photoshop’s Generative Fill)، وهي ميزة ذكاء اصطناعي عمرها عامان تساعد في تعديل الصور تلقائياً.

ويضيف: «إذا التقطتُ صورة لمنتج، ولم يعجبني الوهج أو الانعكاس الذي أراه على سطح لامع، فيُمكنني استخدام (التعبئة التوليدية) لـ(تخيُّل) ذلك الجزء من الصورة، وعادة ما تكون إحدى الصور الناتجة مقبولة بالنسبة لي». وقدّر أن المشكلة التي كان من الممكن أن تستغرق 20 دقيقة لمعالجتها، تستغرق الآن 20 ثانية.

7- اكتشاف التسريبات في نظام المياه: يقول تيم جيه ساذرنز، رئيس شركة «حلول المياه الرقمية» إنه عندما يحدث تسرب في نظام المياه، قد لا تلاحظه حتى يصبح مشكلة كبيرة. لذا تسعى الشركة إلى اكتشاف التسريبات مبكراً عن طريق وضع أجهزة استشعار صغيرة داخل الصنابير المخصصة لإطفاء الحرائق، لتسجيل صوت تدفق المياه عبر الأنابيب. تُغذي هذه البيانات نموذجاً للتعلم الآلي يبحث عن أنماط معينة تشير إلى وجود تسرب.

ملاحظات طبية ودماغ وهمي لفهم الدماغ البشري

8- كتابة الملاحظات الطبية: الدكتور ماتيو فالنتي طبيب رعاية أولية، زُوِّد نظام السجلات الطبية الإلكتروني في مستشفاه بأداة ذكاء اصطناعي تُدعى «Abridge» لتدوين الملاحظات عند مقابلة المرضى. تستمع الأداة إلى محادثته مع المريض، ثم تُنشئ سجلاً منظماً للزيارة، وهو النوع الذي كان سيضطر إلى إعداده يدوياً.

يُقدِّر أن هذه الأداة تُوفر عليه نحو ساعة يومياً: «لكن الفائدة الحقيقية تكمن في أنها تُوثّق تفاصيل كنت سأنساها لولاها». إذا حضر مريض يُعاني من مرض السكري، ولكنه ذكر آلام الظهر بإيجاز، فإن هذه التفاصيل تُسجّل في السجل سواء تذكّرها أم لا. ويُمكّنه ذلك من التركيز على إجراء محادثة حقيقية مع المرضى، دون الحاجة إلى نسخ كل كلمة.

9- تجارب لمعرفة كيفية ترميز الدماغ للغة: آدم مورغان، زميل ما بعد الدكتوراه، في إطار بحثه في علم الأعصاب الإدراكي، يعمل مع مرضى جراحة الأعصاب. وبينما تكون أدمغتهم مكشوفة، يُجري تجارب تحاول دراسة كيفية ترميز الدماغ لأشياء مثل اللغة والمعنى؛ غالباً من خلال طرح أسئلة عليهم مع قياس نشاطهم العصبي مباشرة.

ونظراً لمحدودية الوقت والأشخاص الذين يُمكنه إجراء التجارب عليهم، عليه تحديد أولويات مواضيع البحث. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي.

ومثل الدماغ البشري، تأخذ الشبكات العصبية الاصطناعية نوعاً من المُدخلات (مثل الكلمات) وتُنتج مُخرجات (كلمات أخرى). بالنسبة للدماغ البشري، ما يحدث في المنتصف أشبه بصندوق أسود، ولكننا نعلم أن الكلمات التي نسمعها تُترجَم إلى نشاط عصبي يُمثل المعنى، ثم تُفك شفرتها إلى كلمات أخرى.

يقول السيد مورغان، إن الشبكات العصبية الاصطناعية تفعل شيئاً مُشابهاً باستخدام الأرقام فقط. ويضيف: «هناك أدلة قوية ومتزايدة على أن البرامج الذكية تُشفِّر قواعد اللغة والكلمات بطريقة مشابهة للدماغ».

ولكن على عكس الدماغ، يُمكن فحص عمليات التشفير هذه مباشرة في نموذج لغوي كبير، بمجرد النظر إلى الشفرة. لذا، يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كدماغ وهمي لاختبار فرضيات حول اللغة يصعب اختبارها في الأدمغة الحقيقية.

10- مراجعة الأدبيات الطبية: مايكل بوس، عالِم تصوير طبي، يشرف على استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي المحوسب وفحوصات أخرى في التجارب السريرية، ويضمن إجراء التصوير وفقاً للبروتوكول. يقرأ الأدبيات الطبية يومياً تقريباً، ويستخدم «ChatGPT»، و«Perplexity»، و«Undermind»، وأدوات أخرى لذلك.

تحقيقات قانونية وإنجاز الأعمال

11- التحقق من الوثائق القانونية في مكتب المدعي العام: كريس هاندلي، مدير العمليات ورئيس قسم الابتكار في مكتب المدعي العام لمقاطعة هاريس في هيوستن، ثالث أكبر دائرة قضائية في البلاد، طوَّر أخيراً نموذجاً لغوياً كبيراً مُخصصاً يُساعد المدعين العامين والشرطة على تجنب الأخطاء عند تقديم أوراق الاعتقال.

بعد حجز شخص ما، تُدوِّن الشرطة روايته للأحداث، ويُرسَل هذا التقرير إلى مكتب المدعي العام. ثم يُنقل مباشرة إلى برنامج ذكي لدى هاندلي الذي يُجري سلسلة من عمليات التدقيق، بحثاً عن أي مشكلات قد يرصدها القاضي لاحقاً: خطأ مطبعي، أو معلومة مفقودة حول الاعتقال، أو تهمة غير صحيحة بشكل طفيف، أو اسم كامل لضحية اعتداء جنسي بدلاً من الأحرف الأولى، وكلها قد تُبطئ العملية، وهي تُبطئها بالفعل.

ويقول هاندلي: «عندما يُفكّر الناس في الذكاء الاصطناعي، تتبادر إلى أذهانهم برامج الدردشة الآلية، أو تقنية التعرف على الوجوه. نحن لا نفعل أياً من ذلك. بالنسبة لنا، هناك كثير من الثمار السهلة المنال. كل ما يهمنا هو التأكد من خلوِّ أوراقنا من الأخطاء».

12- إنجاز الأعمال المُرهقة: سارة غرينليف، منسقة مشاريع تعمل لدى مستشار تأمين صحي، وعديد من مهامها إدارية: صياغة وثائق العقود، وجدولة الاجتماعات، وتحرير شرائح «باور بوينت»، وتسجيل الحضور في المؤتمرات، وما إلى ذلك. تلجأ إلى «تشات جي بي تي» لإنجاز جميع هذه المهام. يساعدها هذا في تلخيص «بنود العمل» من سلسلة طويلة من رسائل البريد الإلكتروني؛ ومراجعة رسائلها؛ وإنشاء نماذج عقود؛ والبحث في مستندات طويلة مثل ملخصات المزايا؛ ومقارنة المستندات عند الشك في وجود اختلافات طفيفة.

* باختصار، خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

الاقتصاد خطوط نقل طاقة تمر عبر محطة فرعية على طول شبكة الكهرباء في ميامي (أ.ف.ب)

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة استراتيجية تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف بناء محطات طاقة جديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق صورة تظهر شعار «غروك» (رويترز)

والدة أحد أطفال ماسك تقاضي شركته للذكاء الاصطناعي

رفعت والدة أحد أطفال إيلون ماسك دعوى قضائية ضد شركة الذكاء الاصطناعي الخاصة به.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «شات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد من داخل معرض «سيمكون تايوان» للرقائق في تايبيه (أرشيفية - رويترز)

تايوان تطرق أبواب واشنطن بـ«سلاح» الذكاء الاصطناعي

تهدف تايوان إلى أن تصبح شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي بعد إبرام اتفاقية لتخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز استثماراتها في البلاد.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».