«هدنة غزة»: كيف تضغط إسرائيل على الوسيطين المصري والقطري؟

فلسطينيون في شارع الرشيد غرب جباليا بعد تسلُّمهم مساعدات إنسانية شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون في شارع الرشيد غرب جباليا بعد تسلُّمهم مساعدات إنسانية شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: كيف تضغط إسرائيل على الوسيطين المصري والقطري؟

فلسطينيون في شارع الرشيد غرب جباليا بعد تسلُّمهم مساعدات إنسانية شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون في شارع الرشيد غرب جباليا بعد تسلُّمهم مساعدات إنسانية شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

في حين تؤكد القاهرة والدوحة «استمرار المفاوضات من أجل التوصُّل لاتفاق لوقف إطلاق النار في غزة بوساطة مصرية - قطرية، وشراكة مع الولايات المتحدة»، فإن خبراء أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «إسرائيل تمارس ضغوطاً على مصر وقطر؛ بهدف إرباكهما ودفعهما لتبني رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو».

وكانت وزارتا الخارجية المصرية والقطرية أكدتا، أكثر من مرة خلال الأيام الماضية، إحراز بعض التقدم في جولة المفاوضات المكثفة الأخيرة، التي استمرَّت 3 أسابيع بين حركة «حماس» وإسرائيل.

ورداً على ما أعلنته إسرائيل من أن المفاوضات التي عُقدت في الدوحة قد فشلت، فإن القاهرة والدوحة شدَّدتا على أن «تعليق المفاوضات جاء لعقد المشاورات قبل استئناف الحوار مرة أخرى»، وأكدتا أن ذلك يعد «أمراً طبيعياً في سياق هذه المفاوضات المعقدة».

وأشارت القاهرة والدوحة إلى أنهما تواصلان «جهودهما الحثيثة في ملف الوساطة بقطاع غزة، من أجل الوصول إلى اتفاق يضع حداً للحرب، وينهي المعاناة الإنسانية في القطاع، ويضمن حماية المدنيين، وتبادل المحتجزين والأسرى». وعبَّرتا عن استيائهما من المعالجات الإعلامية والتصريحات الإسرائيلية التي تحاول تحميلهما مسؤولية ما يتردد عن فشل المفاوضات، وكذلك محاولة تحميل مصر مسؤولية حصار وتجويع أهل غزة.

الكاتب والمحلل السياسي المختص في الشؤون الفلسطينية والعربية، أشرف العشري، قال: «دون شك، استخدمت إسرائيل ورقة الاحتلال الكامل لقطاع غزة والتلويح بذلك طيلة الأسبوعين الماضيين، حتى اعتماد القرار في (الكابينت)، الجمعة، بوصفها ورقة ضغط ثلاثية الأبعاد، أولاً على (حماس) لتقبل بإنهاء وجودها العسكري والقيادي، وتسليم سلاحها، واختفائها من المشهد بغزة في المرحلة المقبلة، حيث إن إسرائيل رهنت موقفها للوسطاء في الاتصالات الأخيرة بأنها لن تنهي أو توقف الحرب والاحتلال للقطاع، إلا إذا استجابت (حماس) لهذا المطلب».

أضاف العشري أن «إسرائيل أيضاً تستخدم هذه الورقة للضغط على الوسيطَين المصري والقطري؛ للتدخل وتقديم مقاربات ومبادرات بشأن إنهاء وضع (حماس) وسلاحها في القطاع، إضافة إلى القبول بآلية قوات عربية تتولى الأمور في القطاع بمجرد إنهاء السيطرة الإسرائيلية هناك، حيث إن هذه الآلية مرفوضة مصرياً وقطرياً وأردنياً، وحجة هذه الأطراف أن إدارة القطاع يجب أن تكون فلسطينية فقط، وتستمر لمدة من 6 أشهر إلى عام، من خلال (لجنة الإسناد المجتمعي) المكونة من 15 شخصية فلسطينية تكنوقراط، ثم تتولى السلطة الفلسطينية الأمر بعد ذلك».

تصاعد الدخان إثر غارة إسرائيلية في وقت سابق على جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وفي تقدير العشري: «ما زالت هناك فرصة لإنقاذ الأوضاع في غزة من خلال الاتصالات والتحركات التي تقودها كل من مصر وقطر والسعودية والأردن عبر القنوات الدبلوماسية مع واشنطن، مقابل تحرك مصري - قطري مع حكومة إسرائيل للعمل على العودة للمفاوضات من جديد، ولمدة 10 أيام لإنهاء القضايا العالقة كلها، بما فيها تبادل الأسرى والسجناء وخرائط الانسحاب الإسرائيلي»، وكذلك البت في مطلب إسرائيل بشأن مستقبل «حماس» في القطاع، على أن يتم كل ذلك عبر «صفقة واحدة شاملة ونهائية، مع الأخذ في الاعتبار تحذيرات القاهرة خلال الساعات الماضية من عواقب احتلال إسرائيل لقطاع غزة على علاقات البلدين».

وأعلن مكتب نتنياهو، الجمعة، أن «(الكابينت) وافق على اقتراح رئيس الوزراء بالسيطرة على مدينة غزة». وهو ما أدانته القاهرة والدوحة، وحذَّرتا من أنه «يُفشل كل الجهود الرامية لحل القضية الفلسطينية، وينذر بعواقب وخيمة على المنطقة».

الأكاديمي والمحلل السياسي القطري، الدكتور عبد الله الخاطر، يرى أن «ضغوط إسرائيل لم تنجح في التأثير على الوسيطَين المصري والقطري، ولذلك فهي تستخدم طُرقاً مختلفة، في محاولة لاستغلال أي مَواطن ضعف تستطيع منها فرض خطتها بوصفها شرطاً لأي هدنة، لكن قطر ومصر قادرتان على إدارة المفاوضات بكل جدارة وكفاءة، ولذلك تستمر إسرائيل في زيادة الأعباء على سكان غزة المدنيين من تدمير وتجويع وتعطيش ومنع الدواء وتدمير مقومات الحياة، دون مراعاة للقانون الدولي والإنساني، مع تخاذل المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة وأوروبا».

فلسطينية تحمل طفلها والذي تظهر عليه علامات سوء التغذية داخل خيمتهما في مخيم الشاطئ للاجئين غرب غزة (أ.ف.ب)

وأوضح الخاطر أنه «في أجواء مثل هذه، فإن جهود الوسيطَين القطري والمصري تظل غير كافية لتغيير الوضع على الأرض، لكن يظل ما تقوم به إسرائيل من جرائم، وآخرها السعي لاحتلال كامل قطاع غزة، يضعها في مأزق داخلي وأمام العالم والتاريخ الإنساني، وأصبح وصف (إبادة جماعية ممنهجة) لما تفعله إسرائيل يتردد في العالم كله».

وفي وجهة نظر المحلل السياسي المختص بالشؤون الإسرائيلية، فراس ياغي، فإنه «لم تكن يوماً (هدنة غزة) المعيار في محاولة إسرائيل الضغط على الوسيطَين القطري والمصري، لأن مفهوم الهدنة يعني التوصُّل إلى حلول وسط يقدمها الوسيطان، لكن إسرائيل تطلب من الوسيطين التماهي مع شروطها، التي في مجملها أن يصبح موقف الدوحة والقاهرة، هو موقف نتنياهو نفسه».

وذكر أن «إسرائيل بعد أن أفشلت مفاوضات الدوحة، التي كانت وصلت تقريباً إلى اتفاق، تنقل للقطريين والمصريين أن الهدف ليس وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، إنما هو أن تمتثل (حماس) لما تريده إسرائيل، وتحت عنوان أن الحركة انهزمت وعليها أن تستسلم من أجل تحقيق أمنية نتنياهو، المسماة بـ(النصر المطلق)».

أشخاص يتفقدون أنقاض مبنى متضرر إثر قصف إسرائيلي في مخيم البريج للاجئين خلال وقت سابق (أ.ف.ب)

وبحسب ياغي فإن الشكوى المصرية والقطرية تأتي في سياق أن الإعلام الإسرائيلي يحاول تحميل القاهرة والدوحة المسؤولية، بدعوى «أنهما لم تستطيعا أن تفرضا على (حماس) منطق نتنياهو في التفاوض»، ومن جهة أخرى يحاول نتنياهو أن يحمِّل مسؤولية فشل المفاوضات لدور الوسيطَين المصري والقطري، رغم أن الداخل الإسرائيلي بأقطابه المتعددة يعلم أن «مَن أفشل المفاوضات هو نتنياهو ووزراؤه المتطرفون».

وشدَّد المحلل السياسي المختص بالشؤون الإسرائيلية على أن «المعضلة أمام الوسيطَين المصري والقطري، هي تماهي الموقف الأميركي مع ما يريده نتنياهو، لذلك الشكوى المصرية - القطرية لن تجد لها آذاناً مصغية؛ بسبب عدم توفر الإرادة الأميركية للضغط على إسرائيل، خصوصاً أن (حماس) تؤكد أنها لن تستسلم أو ترفع الراية البيضاء».


مقالات ذات صلة

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

شمال افريقيا أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب) play-circle

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

تشكلت الأجهزة التنفيذية الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وبقيت «قوة الاستقرار الدولية» تحيطها الأسئلة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي عائلات بدوية فلسطينية تفكك خيامها في رأس عين العوجا استعداداً للمغادرة بسبب تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين (إ.ب.أ) play-circle

عائلات بدوية تُخلي مساكنها في الضفة هرباً من عنف المستوطنين

يقول سكان محليون وجماعات لحقوق الإنسان إن غور الأردن وهو منطقة قليلة السكان نسبياً تقع بالقرب من نهر الأردن تتعرض الآن لضغوط كثيرة من المستوطنين

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يدعو السيسي لـ«مجلس السلام» في غزة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى الانضمام لـ«مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي العلَم الإسرائيلي ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة 14 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

دعا الاتحاد الأوروبي حكومة إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة جديدة بالضفة الغربية، ووصف الخطوة بأنها «استفزاز خطير».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
TT

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)

وسط تأكيد سعودي على الاستمرار في دعم اليمن لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الاثنين، على ضرورة احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات ومنع أي تشكيلات عسكرية خارج سلطة الدولة.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض قائد «القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية» في اليمن، الفريق الركن فهد بن حمد السلمان، حيث يأتي اللقاء ضمن جهود التنسيق المستمر بين اليمن و«التحالف» لتعزيز قدرات القوات المسلحة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وضمان الأمن في المناطق المحررة.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن العليمي تأكيده على أن احتكار الدولة السلاح «خطوة حاسمة لتعزيز سيادة المؤسسات الحكومية وتحقيق الاستقرار في المحافظات المحررة، ومنع أي تشكيلات عسكرية أو أمنية خارج نطاق الدولة».

كما أشاد بالدعم السعودي المستمر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، إلى جانب الدعم المباشر من الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، في مواجهة الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

اجتماع للقيادات العسكرية اليمنية في عدن لمناقشة إخراج معسكرات القوات خارج المدينة (سبأ)

وأشار العليمي إلى النجاحات النوعية التي حققتها «القوات المشتركة» خلال عملية تسلم المواقع العسكرية، وما رافقها من تقدم ملموس في تأمين العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

كما أعرب عن تقديره الجهود الإنسانية والمشروعات التنموية السعودية المصاحبة، بما في ذلك تمويل رواتب الموظفين؛ مما أسهم في دعم الاستقرار المحلي وتعزيز التنمية الاقتصادية.

استمرار الدعم

وجدد الفريق السلمان، قائد «القوات المشتركة»، التأكيد على استمرار دعم السعودية اليمن في المجالات العسكرية والأمنية والتنموية، مشدداً على التزام «التحالف» مساندة القيادة اليمنية في تحقيق تطلعات الشعب اليمني نحو الأمن والسلام والتنمية المستدامة؛ وفق ما نقله الإعلام الرسمي اليمني.

كما قدم الفريق السلمان تهانيه للعليمي بالمكاسب الأخيرة والقرارات التي من شأنها تعزيز الاستقرار ودعم المواطنين في المناطق المحررة.

يأتي هذا اللقاء في وقت تتواصل فيه جهود استعادة الدولة اليمنية وإعادة هيكلة القوات المسلحة لضمان سيادة الدولة ووقف انتشار التشكيلات المسلحة خارج نطاقها، في خطوة محورية نحو تعزيز الأمن الوطني وتحقيق السلام الدائم.


الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، دولة الإمارات العربية المتحدة باستغلال مشاركتها ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن لتحقيق أجنداتها الخاصة، مؤكداً أن ممارساتها في المحافظة شكلت صدمة للسلطات المحلية ولأبناء حضرموت.

وقال الخنبشي، خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة المكلا، الاثنين، إن السلطات المحلية كانت تعوّل على أن تكون الإمارات «سنداً وعوناً» لليمنيين في إطار التحالف، إلا أن تصرفاتها على الأرض جاءت «مخالفة للتوقعات»، مشيراً إلى أن حضرموت عانت من هيمنة مجموعات مسلحة تابعة لعيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر من أبوظبي.

وأوضح الخنبشي أن المحافظة تحررت من تسلط عيدروس الزبيدي والهيمنة الإماراتية»، متهماً المجموعات المسلحة التابعة له بنهب مقرات الدولة، وترويع الأهالي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالأمن والاستقرار في حضرموت خلال المرحلة الماضية.

وأكد الخنبشي أن السلطات ستتخذ «الإجراءات القانونية كافة» تجاه الإمارات والمجموعات المسلحة التابعة للزبيدي، مشدداً على أن العدالة ستُطبَّق، وأن القانون «سيأخذ مجراه دون استثناء»، مع التعهد بدعم ضحايا الانتهاكات ومحاسبة جميع المتورطين.

وكشف عضو مجلس القيادة الرئاسي عن اكتشاف «عدد كبير من السجون السرية» قال إنها كانت تدار بدعم إماراتي داخل حضرموت، إضافةً إلى العثور على متفجرات جرى تخزينها في معسكر مطار الريان، وُصفت بأنها كانت معدة لاستهداف أبناء المحافظة وتنفيذ عمليات اغتيال.

وأشار الخنبشي إلى أن حضرموت طوت «صفحة مريرة وخطيرة» من تاريخها، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا الدعم أسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مرحلة من الفوضى والانتهاكات.

يأتي المؤتمر الصحافي للخنبشي في ظل جهود حثيثة لإعادة تطبيع الأوضاع الأمنية في حضرموت، وسط مطالب محلية متزايدة بتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء أي وجود مسلح خارج الأطر الرسمية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية.


دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
TT

دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)

في خطوة تؤكد استعادة ملف الجنوب اليمني بوصفه قضية مركزية في مسار السلام في اليمن، احتضنت الرياض «اللقاء التشاوري الجنوبي» تمهيداً لمؤتمر حوار جنوبي شامل، حيث جمع اللقاء قيادات ومكونات جنوبية، بمن فيهم المطالبون باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب والشرق اليمني قبل الوحدة الاندماجية مع الشمال في 1990.

ويأتي اللقاء التشاوري، الذي حضره نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي وقرأ بيانه الختامي، في إطار مسار سياسي تسعى السعودية لرعايته، بعيداً عن الاستقطابات الداخلية، والتدخلات الخارجية المثيرة للجدل، سعياً لحلول «عادلة، وآمنة، ومستدامة» وفق البيان الختامي للقاء.

وتظهر السعودية، من خلال رعايتها لهذا اللقاء، تحولاً في أدائها الإقليمي من طرف داعم عسكرياً يقود التحالف الداعم للشرعية إلى راعٍ سياسي رئيس للحل الشامل. وقد عبّر البيان عن هذا الدور بوضوح، مشيراً إلى أن المملكة «لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار» جنوبي، شرط أن يكون نتاج حوار جنوبي-جنوبي شامل، وغير مُحتكر.

جانب من الحضور في المؤتمر التشاوري الجنوبي المنعقد في الرياض (أ.ب)

وإضافة إلى الطبيعة المباشرة والشاملة للرعاية السعودية، تجاوز ذلك الدعم السياسي إلى معالجات اقتصادية عاجلة، ومنها تخصيص 1.9 مليار ريال سعودي لدعم الاقتصاد، وضمان صرف مرتبات الموظفين والعسكريين.

ويؤكد مراقبون أن هذه الخطوات تُعطي الرعاية السعودية مصداقية عملية، وتُقيم ارتباطاً مباشراً بين الاستقرار المعيشي ونجاح المسار السياسي.

رفض التدخل الفوضوي

في المقابل، حمل البيان الختامي للقاء التشاور الجنوبي، والمواقف المصاحبة له نقداً لاذعاً، وإن كان غير مباشر، للدور الإماراتي، الذي يتهمه مراقبون بتعزيز الانقسامات الجنوبية عبر دعم أطراف محددة، هي التي كانت مستفيدة من كل ما حولها بقيادة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي هرب إلى أبوظبي بعد رفضه الانخراط في الحوار الذي ترعاه الرياض.

ويشير التحليل الضمني إلى أن الرياض تُقدم نفسها بوصف أنها نموذج مضاد للتدخلات الإماراتية «الفوضوية»، عبر التركيز على الحوار الجامع للجنوبيين، ودعم مؤسسات الدولة ضمن مسار يقود لاحقاً إلى ترتيب كامل الجغرافيا اليمنية، وصولاً إلى سلام شامل في الشمال والجنوب على حد سواء.

وفيما يتطلع فريق من القيادات الجنوبية إلى الانفصال عن الشمال، واستعادة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة الاندماجية، يتطلع فرقاء آخرون إلى صيغ أخرى، حيث يفضلون البقاء ضمن يمن اتحادي يحظى بأقاليم تحكم نفسها ذاتياً، فيما يتطلع فرقاء آخرون إلى حلول أخرى يرون أنها ستكون أكثر إنصافاً وبعداً عن الهيمنة، والتبعية المركزية المجحفة.

اللقاء التشاوري الجنوبي أكد على رفض استغلال المظاهرات لإحداث الفوضى (أ.ف.ب)

كل هذه الرؤى والتطلعات –بحسب المراقبين- تضع السعودية في موقع الوسيط الحريص على توحيد الجنوبيين، فيما قد يُنظر إلى أبوظبي على أنها طرف يغذي التفتيت، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتنفيذ أجندات مشبوهة.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي طلب من الإمارات مغادرة اليمن عسكرياً، ووقف التدخل في شؤونه الداخلية بعد أن قامت بدعم ورعاية التحركات الأحادية التي قادها الزبيدي عسكرياً لإخضاع حضرموت والمهرة بالقوة.

تحديات داخلية

ويكشف اللقاء الجنوبي التشاوري والبيان الختامي عن إدراك عميق للتحديات الداخلية التي أنهكت القضية الجنوبية، فقد شدد المشاركون على رفض «احتكار التمثيل»، أو «اختزال القضية» في مكون أو شخص، في إشارة واضحة إلى ممارسات سابقة لبعض القيادات، يتصدرهم عيدروس الزبيدي.

كما ميّز البيان بوضوح بين «عدالة القضية» بوصف أنها مطلب سياسي وحقوقي مشروع، وبين «الممارسات الفردية» لبعض القيادات التي ألحقت ضرراً بالقضية عبر «توظيفها في صراعات إقليمية»، أو «قضايا فساد وسوء إدارة». وسط الكشف عن قضايا فساد كبيرة مرتبطة بالزبيدي، والمقربين منه.

ويبدو أن هذا النقد الذاتي، لا سيما في أوساط من كانوا منتمين للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل حلّه بقيادة الزبيدي، يعد تطوراً ملحوظاً، حيث يُظهر رغبة في تصحيح المسار، واستعادة المصداقية المفقودة أمام الشارع الجنوبي، والمجتمع الدولي.

اللقاء التشاوري الجنوبي انعقد بحضور عبد الرحمن المحرّمي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني (رويترز)

كما أن الدعوة الموجهة لجماهير الجنوب لدعم المسار الراهن «بوعي، ومسؤولية» تأتي في سياق محاولة استعادة الشرعية الشعبية للعملية السياسية، بعيداً عن توظيف الاحتجاجات الشعبية في عدن لأغراض ضيقة، كما يريد لها المراهنون على الفوضى التي تريد الإمارات تغذيتها عبر أدواتها، والرافضون لمنطق الحوار.

كل ذلك يشير إلى أن «القضية الجنوبية» باتت الآن في طريقها للبحث عن هيكلة جديدة، يكون الحوار والتمثيل الجامع أساسها، بدلاً من الزعامات الفردية، والخضوع للرغبات الأحادية المعتمدة على قوة السلاح.

فرصة تاريخية

ويصف البيان الختامي للقاء التشاوري مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل المرتقب انعقاده بأنه «فرصة تاريخية نادرة»، وهي فرصة تكمن في توفر رعاية سعودية تدفع للحوار من ناحية، ومن ناحية ثانية في وجود إجماع جنوبي مبدئي على الاحتكام لطاولة المفاوضات باعتبار أنه مسار وحيد، وآمن.

الأهم من كل ذلك، هو أن الحل السياسي للقضية الجنوبية أصبح يُنظر إليه، إقليمياً ودولياً، على أنه «مدخل أساسي» لأي تسوية شاملة في اليمن، مما يرفع سقف الأهمية والتركيز عليه.

شخصيات جنوبية تاريخية حضرت اللقاء التشاوري في الرياض يتصدرهم حيدر أبوبكر العطاس (رويترز)

لكن هذه الأرضية واعدة ومحفوفة بالمخاطر في الوقت ذاته، حيث إن الخطر الأكبر يتمثل في «محاولات العبث» بهذه الفرصة، سواء عبر «خلق استقطابات داخلية» مدعومة إقليمياً، أو «الزج بالجنوب في صراعات جانبية»، فضلاً عن تراكم المظالم والانقسامات الجنوبية-الجنوبية العميق، وهو ما سيجعل مهمة الحوار بحاجة إلى أكبر قدر من المسؤولية السياسية والتاريخية.

إلى ذلك، يظهر اللقاء التشاوري الجنوبي على أنه محاولة لإعادة تدوير القضية الجنوبية من مسار الصراع والانقسام إلى مسار الحوار والتسوية، لكن النجاح سيبقى مرهوناً بقدرة القيادات الجنوبية على تجاوز إرث الاحتكار والصراع وتوحيد كلمتهم، إلى جانب الجهد السعودي الذي سيتواصل لتحييد التدخلات المعيقة، وإقناع المجتمع الدولي بدعم هذا المسار باعتبار أنه جزء من حل يمني شامل.