«قواعد» إسرائيل لإنهاء حرب غزة تُصعب مهمة الوسطاء

«حماس» عدّتها «انقلاباً» على مسار التفاوض

فلسطينيون يراقبون تصاعد عمود من الدخان خلال غارة إسرائيلية على حي الزيتون جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يراقبون تصاعد عمود من الدخان خلال غارة إسرائيلية على حي الزيتون جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«قواعد» إسرائيل لإنهاء حرب غزة تُصعب مهمة الوسطاء

فلسطينيون يراقبون تصاعد عمود من الدخان خلال غارة إسرائيلية على حي الزيتون جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يراقبون تصاعد عمود من الدخان خلال غارة إسرائيلية على حي الزيتون جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)

أضافت إسرائيل في خضم الإعلان عن إقرار خطتها لاحتلال كامل قطاع غزة، 5 قواعد لإنهاء الحرب المتصاعدة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بينها نزع سلاح حركة «حماس» وإقامة إدارة مدنية غير تابعة للسلطة الفلسطينية، وهو ما عدَّته الحركة «انقلاباً على المفاوضات» المتعثرة منذ أواخر يوليو (تموز) الماضي.

تلك الخطوة التي لاقت انقساماً بين الوسطاء بين تأييد أميركي لحليفتها إسرائيل ورفض مصري، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تصعب من مهمة الوسطاء وتضع الجميع أمام سيناريوهين الأول، أن تلك الخطة ورقة ضغط تفاوضية إسرائيلية للعودة للمفاوضات المجمدة بمكاسب أكبر وتنازلات من «حماس»، والثاني انهيار قد يطول للمحادثات.

وبعد أسبوعين من تعليق مفاوضات للهدنة منذ أواخر يوليو الماضي، عقب انسحاب أميركي - إسرائيلي للتشاور، أقر مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي، ليل الخميس – الجمعة، خطة طرحها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو لاحتلال غزة، وخمس قواعد لإنهاء الحرب تتمثل في «نزع سلاح (حماس)، وإعادة جميع الأسرى - أحياء وأمواتاً، ونزع سلاح قطاع غزة، والسيطرة الأمنية الإسرائيلية على قطاع غزة، وإقامة إدارة مدنية بديلة لا تتبع (حماس) ولا السلطة الفلسطينية».

وفي إسرائيل، أعلن منتدى عائلات الرهائن في بيان أن هذا الموقف الإسرائيلي الجديد «يعني التخلي عن الرهائن (المقدرين بـ 49 داخل القطاع، بينهم 27 تقول إسرائيل إنهم لقوا حتفهم)، وعدّه زعيم المعارضة، يائير لابيد، عبر «إكس»، «كارثة ستؤدي لقتل الرهائن والعديد من الجنود، وتكلفة لدافعي الضرائب الإسرائيليين بمليارات الدولارات».

ورأت «حماس» في بيان أنّ ما طرحه نتنياهو «سعي للتخلص من أسراه من أجل مصالحه الشخصية وانقلاب صريح على مسار المفاوضات»، مشددة على أن «أي توسيع للعدوان على شعبنا لن يكون نزهة، بل سيكون ثمنه باهظاً ومكلفاً على الاحتلال وجيشه». وأكدت أنها قدمت «كل ما يلزم من مرونة وإيجابية لإنجاح جهود وقف إطلاق النار، ولن تألو جهداً في اتخاذ كل الخطوات التي تمهّد الطريق للتوصل إلى اتفاق، بما في ذلك الذهاب نحو صفقة شاملة للإفراج عن جميع أسرى الاحتلال دفعة واحدة، بما يحقق وقف الحرب وانسحاب قوات الاحتلال».

أطفال فلسطينيون يصطفون لتلقي وجبة ساخنة في نقطة توزيع طعام في النصيرات (أ.ف.ب)

وتحدث استطلاع رأي نقلته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، الجمعة، عن أن 57 في المائة من الإسرائيليين يؤيدون «صفقة شاملة» لإطلاق جميع الأسرى ووقف الحرب، فيما يرى 30 في المائة وجوب احتلال غزة على حساب حياة الأسرى، ويعارض 46 في المائة من الإسرائيليين خطة نتنياهو لاحتلال غزة بالكامل ويفضلون مقترح رئيس الأركان لتطويقها.

وكان مصدر مطلع من حركة «حماس» قال لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، إن «خطة احتلال غزة» المطروحة في الجانب الإسرائيلي ما هي إلا ورقة ضغط تفاوضية لانتزاع تنازلات على مائدة المفاوضات «المهددة بألا تعود بسبب هذه الإجراءات».

ويرى أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، الدكتور طارق فهمي، أن القرار الإسرائيلي سواء باحتلال غزة أو وضع قواعد لإنهاء الحرب «يصعب مهمة الوسطاء ويفتح مساراً جديداً للتأثير على الوسيطين مصر وقطر في ظل تحركات لهما، لا سيما القاهرة لإعادة المفاوضات لمسارها».

ويتوقع فهمي، في ضوء ذلك سيناريوهين؛ الأول: بدء تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة للضغط على «حماس» لتقديم تنازلات، والثاني: الاستمرار في التصعيد بضوء أخضر أميركي وهذا يهدد الاتصالات والمحادثات ويجعلها مجمدة لفترة، داعياً لترقب التحركات الإسرائيلية الساعات المقبلة مقابل الرفض العربي والدولي لمعرفة مسار تلك الضغوط الجديدة في ظل مأزق كبير تعيشه «حماس».

فلسطينيون يتفقدون الدمار الذي خلفته غارة إسرائيلية استهدفت جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، يرى أن «قواعد إنهاء الحرب التي تتكرر بحلة جديدة مع خطة احتلال غزة قد تكون ورقة ضغط إسرائيلية على الوسطاء الذين يتحركون حالياً لإعادة المفاوضات من جديد»، مشيراً إلى أن أميركا وإسرائيل يبدو أنهما ستدفعان خلال خطتهما ببديل لحكم غزة من مجموعات مسلحة مناهضة لـ«حماس»، مستدركاً: «لكن يتوقع أن تواجه إسرائيل مقاومة في أثناء التنفيذ وقد تجبرها مواجهات الاستنزاف من نقطة صفر على إعادة موقفها تجاه المفاوضات».

بالمقابل، لم يصدر عن الوسطاء مصر والولايات المتحدة وقطر، موقف مشترك بشأن الخطة، وانقسموا إزاءها، وقال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في تصريحات صحافية، الخميس، إن «إسرائيل هي من تحدد في النهاية ما يجب فعله من أجل أمنها»، مؤكداً أنه «لن يكون هناك سلام في غزة أبداً طالما أن حماس موجودة، إنها تشعر بجرأة وغير مستعدة لتقديم تنازلات»، بعد يومين من تأكيد الرئيس دونالد ترمب، أن احتلال غزة بالكامل «يعتمد إلى حد كبير على إسرائيل».

وأكدت مصر في بيان لـ«الخارجية» أنها تدين بأشد العبارات خطة إسرائيل التي «تهدف لمواصلة حرب الإبادة في غزة».

وقالت الرئاسة المصرية في بيان إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال اتصال مع نظيره الفلسطيني محمود عباس «موقف مصر الثابت والداعم للشعب الفلسطيني واستمرار الجهود والمساعي المصرية المكثفة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة».

فلسطينيون يحملون أكياس دقيق حصلوا عليها من شاحنات مساعدات دخلت غزة عبر معبر زيكيم في جباليا (أ.ف.ب)

ورفض الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، وأدان بأشد العبارات خطة أُعلن عن مصادقة مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر عليها، وتقضي بـ«إعادة» احتلال قطاع غزة. وأكد أبو الغيط، الجمعة، أن «الجامعة العربية قد حذّرت مراراً من مغبة ترك الحبل على غاربه لإسرائيل لتخوض حربها الإجرامية الجنونية، التي لا تعرف نهاية، ضد الشعب الفلسطيني بهدف تصفية قضيته والقضاء عليه كجماعة قومية»، مشدداً على أن «الوقت قد حان لموقف حازم من المجتمع الدولي لوقف هذا المسلسل الدموي». وعدّ أبو الغيط الخطة انعكاساً حقيقياً للنيات والأهداف الإسرائيلية منذ بداية الحرب، التي تتمثل في إعادة احتلال القطاع بالكامل، وطرد أكبر عدد ممكن من سكانه إلى خارجه، وهو ما يرفضه الجانب العربي رفضاً قاطعاً شاملاً، بل ويرفضه ويدينه العالم كله.

في سياق ذلك، ينتظر أن يزور وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، مصر، السبت، لبحث التطورات في غزة ومحادثات وقف إطلاق النار، وفق ما نقلته «رويترز» عن مصادر بوزارة الخارجية التركية، الجمعة، وأكدت السفارة التركية بالقاهرة موعد الزيارة.

فهمي أوضح أن الموقف الأميركي الداخلي ليس واحداً بشأن الخطة، رغم تصريحات روبيو وترمب، لافتاً إلى أن الوسيط المصري سيتحرك كعادته عبر قنواته للبحث عن حلول عاجلة، خصوصاً أن إسرائيل تواجه صعوبات كبيرة لتنفيذ كامل الخطة سواء بإقرار ميزانية لها في غياب الكنيست أو اكتمال الاستدعاءات الجديدة للاحتياطي.

ويتوقع الرقب أن الموقف المصري والعربي سيستمر في رفض مثل هذه التحركات مدعوماً بموقف دولي، بينما سيستمر الضوء الأخضر الأميركي لإسرائيل في المضي في تلك العملية، مؤكدا أن ذلك كله سيعقد مسار المفاوضات وسيجعل العودة إليها حالياً أو قريباً شبه مستحيلة، خاصة أن نتنياهو يضحي بأسراه ولا يدرك أنه مقبل على مخاطر وليس مكاسب فقط.


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل فلسطيني يقف أمام جندي إسرائيلي في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز) p-circle 01:48

البيت الأبيض: ترمب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية

أكد مسؤول في ‌البيت الأبيض، ‌الاثنين، ⁠مجدداً ​معارضة ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضم إسرائيل للضفة ⁠الغربية، رابطاً استقرار الضفة بالحفاظ على ​أمن إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، الاثنين، عن القلق البالغ إزاء قرار مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي السماح بسلسلة من التدابير غير القانونية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا جانب من إسعاف المصابين الفلسطينيين بواسطة «الهلال الأحمر المصري» الاثنين (هيئة الاستعلامات المصرية)

«لجنة إدارة غزة» لوضع خطة مناسبة لإدخال مواد الإغاثة إلى القطاع

أشاد شعث بالكفاءة العالية التي شاهدها في «مستشفى العريش العام»، واصفاً الخدمات الطبية وتجهيزات استقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين بأنها «ممتازة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.