العلاقات السورية - الروسية وإعادة تقييم اتفاقيات البلدين

خبراء يتحدثون عن الطرق الوعرة بين موسكو ودمشق

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (أ.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (أ.ب)
TT

العلاقات السورية - الروسية وإعادة تقييم اتفاقيات البلدين

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (أ.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (أ.ب)

في تلميح إلى دور روسي ممكن لدعم الاستقرار في سوريا، عبّر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارته إلى روسيا، عن الأمل بوقوف موسكو إلى جانب دمشق في مسار الحفاظ على سوريا «موحدة وقوية».

وفي المقابل، دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الرئيسَ السوري أحمد الشرع لحضور القمة الروسية - العربية في موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

جاءت تلك التطورات في حين تخوض دمشق في ملفات داخلية معقدة في ظل تدخل إسرائيلي مباشر. فما هي المؤشرات التي يحملها انفتاح دمشق على موسكو وطرح إعادة تقييم الاتفاقيات بين البلدين، لا سيما العسكرية منها، على قاعدة استقلال القرار؟

تحدث خبراء ومحللون لـ«الشرق الأوسط» عن الطرق الوعرة بين موسكو ودمشق، مشيرين إلى أن الاتفاقيات السورية ـ الروسية تمثل تحدياً كبيراً أمام إعادة تفعيل العلاقات بين البلدين، لا سيما تلك التي تم توقيعها في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، وتشمل كافة المجالات، باعتبارها اتفاقيات فيها «إجحاف» بحق السوريين وتمس السيادة السورية، وفقاً للأكاديمي والباحث السياسي محمود الحمزة الذي قال إن تلك الاتفاقيات كُتبت من قبل الروس ولصالح روسيا على حساب الشعب السوري، خاصة اتفاقية ميناء طرطوس.

وأضاف: «مثلاً هناك حصانة للروس مطلقة، ولا يحق للسوريين أن يسألوا أي روسي ماذا يحمل في سيارته وماذا جلب من موسكو، ولا يحق للسوريين الدخول إلى القواعد الروسية على الأراضي السورية». وهذا يفسر إصرار القيادة السورية الجديدة على أن «تكون الاتفاقيات تراعي وتلتزم بسيادة سوريا، ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشأن الداخلي».

الاتفاقيات العسكرية

رئيس هيئة الأركان العامة في قوات النظام السابق مع قائد القوات الروسية وعدد من الضباط الروس عام 2022 (سانا)

رشيد الحوراني، الضابط والباحث المختص في الشؤون العسكرية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن التعاون العسكري بين البلدين يعود إلى ستينيات القرن الماضي، و«اليوم بعد استهداف إسرائيل معظم المعسكرات والأسلحة السورية ذات المنشأ الروسي، أصبحت هناك حالة عدم تكامل بين الأسلحة البرية والبحرية والجوية المتبقية في سوريا». وأضاف أنه «يمكن إبرام اتفاقيات لسد هذا الخلل، لكن من غير المتوقع إبرام اتفاقيات جديدة؛ لسببين: الأول تصاعد الدور التركي ونيته إبرام اتفاقية أمنية ودفاعية مع سوريا، كما أن تركيا هي أول من عيّن ملحقاً عسكرياً لها في سوريا لتقديم المشورة والدعم للجيش السوري الجديد. والثاني الانفتاح السوري على المعسكر الغربي سياسياً وعسكرياً، واستقبالها العديد من الوفود العسكرية لدول أوروبية كهولندا وبريطانيا. وما يقوي هذا الانفتاح أن تركيا تنتمي إلى المعسكر الغربي في ما يتعلق بالتسليح؛ إذ إنها عضو في حلف (الناتو)».

وفيما يتعلق بإمكانية إلغاء بعض الاتفاقيات، قال الحوراني إن إلغاءها «يتعلق بمسألة بيروقراطية طويلة ومعقدة، وقد تتمكن سوريا من فسخ بعض الاتفاقيات إذا تم الإخلال بشروط العقد بين الطرفين، أو لاعتبارات قانونية دقيقة». ولفت في الوقت ذاته إلى أبرز العقبات التي تمنع تفعيل الاتفاقيات، وهي «رؤية الإدارة السورية الجديدة لأساليب عمل القوات بطريقة مختلفة عن عمل القوات التقليدية؛ فهي توظف التكنولوجيا مثلاً بأساليب عمل جديدة كالطائرات المسيّرة (شاهين)»، مشيراً إلى مشاركة وزارة الدفاع السورية في معرض التسليح الذي أقيم في تركيا مؤخراً، وكان تركيز الوفد السوري على الطيران المسيّر والقوى البحرية في المعرض.

وبحسب رأي الحوراني، فإن «الإدارة السورية لن تنسى الموقف الروسي منها قبل سقوط النظام، وما فعلته أسلحتها بالشعب والحواضر السورية، لكن السياسة لا تُبنى على العواطف. وترى الإدارة السورية أن بقاء علاقتها مع روسيا لتحقيق التوازن مع الغرب؛ لأن ابتزاز روسيا لا يزال قائماً حتى الآن من خلال سيطرتها على بعض معسكرات القوات البحرية السورية في طرطوس قرب قاعدتها، كما أنها كانت دليلاً للضربات الجوية الإسرائيلية».

من جانبه، رأى الباحث محمود الحمزة أنه يمكن الاستفادة من إمكانية التعاون مع روسيا من جهة التسليح والتدريب العسكري، لكن على أن يتم ذلك بـ«طلب من الحكومة السورية، وضمن أطر محددة، كأن لا يكون هناك تدخل في الشأن الداخلي، وألا يُمس بالسيادة الوطنية كما كان يحصل مع النظام السابق». وأشار إلى «وجود عشرات الاتفاقيات في مجالات عدة وقعها النظام السابق ولم يطبق منها إلا شيئاً بسيطاً. وكنت أسمع من المسؤولين الروس قولهم إن بشار الأسد يرحب بأي عمل واتفاق ويبذل الوعود، لكن بعدما نغادر دمشق لا ينفذ أي شيء. لقد كانت هذه صبغة ثابتة في العلاقات الروسية ـ السورية في عهد بشار الأسد».

خطوة مهمة

مناورة عسكرية مشتركة بين القوات السورية والروسية عام 2022 (سانا)

ويرى الكاتب والسياسي علي العبدالله أن التطورات التي شهدها الداخل السوري فرضت على دمشق الانفتاح على روسيا، لافتاً إلى أن «روسيا لم تقف عند سقوط النظام البائد، وباشرت بالانفتاح على السلطة الجديدة، لكن الأخيرة (لم تستجب للرسائل الودية)، مدفوعة بعاملين: صورة روسيا في الوعي الشعبي السوري كقوة دافعت عن النظام البائد وقتلت السوريين ودمرت قراهم وبلداتهم ومدنهم...».

وأضاف العبدالله: «لا ينفصل توجه السلطة السورية الجديدة للانفتاح على روسيا عن تصاعد التنافس التركي - الإسرائيلي في سوريا وحاجة تركيا إلى إشراك قوى وازنة في التجاذبات في سوريا؛ ما دفعها لنصح السلطة السورية بالانفتاح على روسيا كوسيط وكموازن في ضوء تقديرها لحدود قدرتها في مواجهة إسرائيل، خاصة إذا كانت تتحرك بضوء أخضر أميركي».

وبعد سقوط نظام الأسد شهدت العلاقات الروسية ـ السورية حالة من الجمود، ولكن «الخطوة المهمة التي حصلت في العلاقات الروسية ـ السورية خلال زيارة الوفد السوري إلى موسكو مؤخراً، تشير إلى أن حواراً ومفاوضات وتنسيقاً كان يحصل بطريقةٍ ما بين الجانبين، وحين نضجت الظروف تحققت الزيارة وكانت ناجحة».

من جهة أخرى، يرى محمود الحمزة أن المفاوضات كانت «مثمرة، والطرفان تعاملا بإيجابية، بدليل استقبال الرئيس فلاديمير بوتين وزيرَ الخارجية السوري أسعد الشيباني»، وذلك رغم عدم الكشف عما دار في المناقشات. وعلى سبيل المثال، لم نعرف ما إذا تم طرح ملف تسليم بشار الأسد لسوريا، مشيراً إلى أن هذا الموضوع سبق أن طُرح بقوة خلال زيارة نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف إلى دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وأكد الحمزة أن هذا الموضوع بالنسبة للروس «مغلق بقوة»، مرجحاً أن الجانب الروسي لن يسلم بشار الأسد لدمشق باعتبار أن «هذا موضوع شخصي للرئيس بوتين». وفي المقابل، كان لافتاً تصريح وزير الخارجية السوري بأن دمشق «تنتظر من موسكو موقفاً واضحاً وصريحاً حول تطبيق العدالة الانتقالية»؛ ما يشير إلى أن السوريين يعولون على مسار العدالة الانتقالية، وأول المسار هو مصير بشار الأسد.

تجميع أوراق

جلسة مفاوضات بين وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في وزارة الخارجية الروسية بموسكو (د.ب.أ)

توجه دمشق نحو موسكو تزامن مع تأزم عدة ملفات داخلية؛ ما يشير إلى دور محتمل لروسيا في حلحلة تلك الملفات، مع أن «أوراق روسيا في سوريا صارت ضعيفة، وكذلك الثقة في الموقف الروسي»، وفق ما ذكر الحمزة، منوهاً بوجود تأثير للروس في الملف الداخلي السوري. وقال إن «الروس لديهم تأثير على العلويين وعلى الأكراد، وحتى على الدروز، ويمكن التعاون معهم في حلحلة بعض الملفات الشائكة».

وخلال الفترة الماضية جمعت روسيا أوراقاً مؤثرة في التوازن الداخلي السوري، وفق رأي علي العبدالله الذي قال إن «أبرزها هو احتضان عدد كبير من قوات فلول النظام البائد ونقلهم إلى شمال سوريا وشرقها، بالإضافة إلى تعزيز وتطوير وجودها في مطار القامشلي وتحويله إلى قاعدة بديلة لقاعدة حميميم، إلى تمتين علاقتها مع (قوات سوريا الديمقراطية)... وجميعها أوراق تؤثر سلباً على قدرة السلطة السورية في إدارة الملفات الداخلية في سياق توجهها لبسط سيطرتها على كل الأرض السورية». وأضاف أن «ما حصل في محافظة السويداء والتدخل الإسرائيلي لمصلحة القوى الدرزية الرافضة لتوجهات السلطة السياسية والأمنية، زاد من أهمية الانفتاح على روسيا كوسيط محتمل مع إسرائيل وكمصدر للأسلحة والذخيرة والمواد الأولية، كالقمح والنفط».

وفي المقابل، يرى الحمزة أن «الروس مضطرون إلى أن يتأقلموا مع الوضع الجديد والسياسة الجديدة في سوريا، ومضطرون للتفاهم مع هذه المطالب، وأن يتعاونوا مع التركيز على الأمور المشتركة التي تحقق مصالح الطرفين والمنفعة المتبادلة، ويكون القرار مستقلاً تماماً».

استرجاع «الأموال المنهوبة»

من جانبه، قال أسامة قاضي، الخبير الاقتصادي، إنه «ينبغي فهم الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السوري لروسيا ضمن إطار فهم توجهات الاقتصاد السياسي السوري؛ إذ وُضعت كل الاتفاقيات السابقة على الطاولة من أجل إعادة التفاهم حولها، ولا أعتقد أن الاتفاقيات الاقتصادية السابقة زمن نظام الأسد ذات أهمية لدى الطرف الروسي؛ إذ يعتبرها اتفاقيات مع شركات روسية خاصة، وليست مع شركات حكومية، وما يهمه في رأيي عملياً هو الوجود ولو الرمزي في المياه الدافئة».

وأضاف: «أعتقد شخصياً أن مصير الأسد وزوجته، وكذلك مسألة استرجاع كل أو جُلّ الأموال التي نهبها مع عائلته وحاشيته، هي من المسائل التي قد تكون جزءاً من الصفقة النهائية مع الروس، وهي موضوعة على الطاولة بقوة. ورغم ترجيحي لموافقة الروس على ذلك، فإن الخلاف قد يكون حول الجدول الزمني؛ إذ بدأ العد التنازلي لمصير الأسد وزوجته وأموالهما المنهوبة منذ حطّت طائرة الشيباني بأرض موسكو».

إن استعادة العلاقات مع روسيا قد «لا تكون مرحّباً بها شعبياً لدولة جربت 340 نوعاً من السلاح الروسي على الأبرياء الذين ينتظرون اعتذارها، يضاف إلى ذلك حساسية استعادة العلاقات؛ فقد تثير حفيظة الأوروبيين والأميركيين المقبلين على الاستثمار في سوريا. واعتقادي الشخصي أن هناك قبولاً أميركياً».


مقالات ذات صلة

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

المشرق العربي عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

أكدت وزارة الداخلية السورية اليوم الاثنين جاهزيتها الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم «داعش» في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (رويترز)

إردوغان يشيد بالعملية العسكرية «الحكيمة» للجيش السوري ضد الأكراد

أشاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين، بالعملية العسكرية «الحكيمة» التي نفذها الجيش السوري ضد المقاتلين الأكراد في شمال شرقي البلاد.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول الركن قيس المحمداوي (وكالة الأنباء العراقية)

الأحداث السورية تثير قلقاً في العراق... والسلطات تُطمئن المواطنين

انعكس الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع مع قوات «الإدارة الذاتية» في سوريا على شكل مخاوف وتحذيرات بالعراق عبَّرت عنها شخصيات سياسية ودينية.

فاضل النشمي (بغداد) فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي عنصران من القوات الحكومية السورية في الرقة الأحد (أ.ف.ب)

تضم 8950 مقاتلاً... ماذا نعرف عن سجون عناصر «داعش» في سوريا؟

بعد هزيمة تنظيم «داعش» ميدانياً عام 2019، لم يختفِ التنظيم؛ بل أعاد تنظيم صفوفه سراً في شمال شرقي سوريا، بحسب تقرير للحكومة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي عبد الرحمن سلامة (يمين) مع محافظ حلب (وسط) خلال حملة تبرعات «حلب ست الكل» (سانا)

محافظ الرقة الجديد... «رجل الظل» وأبرز الأذرع الاقتصادية في حكومة إدلب السابقة

كشفت مصادر حكومية سورية عن تعيين عبد الرحمن سلامة محافظاً للرقة

سعاد جروس (دمشق)

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
TT

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

أكدت وزارة الداخلية السورية اليوم الاثنين جاهزيتها الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم داعش في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد، بما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار.

كما أعلنت الوزارة في بيان استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأميركي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.

وحمل البيان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) «المسؤولية الكاملة عن أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر تنظيم داعش من السجون الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما ما جرى في سجن الشدادي، وتعتبر ذلك خرقا أمنيا خطيرا يهدد الأمن السوري والإقليمي والدولي».

سجن يضم عناصر من «داعش» في القامشلي بالحسكة تحت حراسة قوات «قسد» (رويترز)

وقالت الوزارة إنها أتمت تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام وتأمين محيط السجن وإدارته الداخلية، وضمان تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز، ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب.

وأكدت الوزارة رفضها القاطع لما وصفتها «محاولات قسد استخدام ملف معتقلي داعش كورقة ابتزاز سياسي وأمني ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى ‘خطر السجون‘».

كان الجيش السوري أعلن قبل قليل السيطرة على مدينة الشدادي، وبدء عمليات لتأمين المنطقة واعتقال عناصر داعش الفارين الذين أطلقت «قسد» سراحهم.

وقالت قسد في وقت سابق إن سجن «الشدادي»، الذي يضم آلاف السجناء من عناصر تنظيم داعش، خرج عن سيطرتها بعد هجمات متكررة نفذتها فصائل مسلحة تابعة للحكومة المركزية في دمشق. وذكرت أيضا أن 9 من مقاتليها قتلوا وأصيب 20 آخرون في اشتباكات مع فصائل تابعة للحكومة قرب سجن «الأقطان» بالرقة الذي يضم معتقلي تنظيم داعش.


استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
TT

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)

سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية إثر استفزازات إسرائيلية للضغط عليه للانسحاب من نقاط تموضع فيها، في ظلّ تصعيد ميداني وغارات جوية متواصلة على الجنوب.

وفي سياق مواصلة الجيش اللبناني تعزيز انتشاره الميداني وتثبيت نقاط تموضع جديدة في بلدات الحافة الأمامية، عمد الاثنين إلى تثبيت نقطة جديدة في منطقة خلة المحافر جنوب بلدة عديسة، مقابل الجدار الحدودي لمستعمرة مسكاف عام، وذلك بعد تثبيت نقطة سابقة في وسط بلدة كفركلا.

عسكري لبناني إلى جانب جرافة عسكرية تقوم بإزالة العوائق بمنطقة حدودية في جنوب لبنان (قيادة الجيش)

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إنه أثناء عملية تثبيت النقطة الجديدة، أقدم الجيش الإسرائيلي على استفزاز مباشر تمثّل في تحريك دبابة «ميركافا» خارج الجدار الحدودي وتوجيه مدفعها نحو الجنود اللبنانيين، في محاولة واضحة للضغط عليهم ودفعهم إلى الانسحاب من المواقع المتقدمة، إلا أن الجيش اللبناني واجه هذا التهديد باستنفار مماثل رافضاً التراجع، وعمد إلى تثبيت مركز له في المنطقة.

تصعيد جوي إسرائيلي

ويأتي هذا التوتر الميداني بالتوازي مع تصعيد جوي؛ إذ شنّ الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، سلسلة غارات على جنوب لبنان، حيث قال إنها تستهدف مواقع يستخدمها «حزب الله» لتدريب عناصره. وقال في بيان إنه يهاجم «أهدافاً تابعة لـ(حزب الله) في الجنوب»، مشيراً إلى أن «هذه المواقع كانت تُستخدم لإجراء تدريبات تمهيداً لمهاجمة قوات إسرائيلية ومدنيين»، من دون أن يحدد مواقع هذه الغارات.

تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في المقابل، أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفّذ سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت بلدات أنصار والزرارية، ومجرى نهر الشتى عند أطراف بلدة اللويزة في منطقة إقليم التفاح، إضافة إلى بلدة كفرملكي، ما أدى إلى حالة من الخوف والقلق في صفوف الأهالي.

وتواصل إسرائيل شن غاراتها على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرت أكثر من عام، وتقول إن اعتداءاتها تستهدف «حزب الله»، وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه الجيش اللبناني الأسبوع الماضي إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن إسرائيل شككت بهذه الخطوة واعتبرتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطالبتها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
TT

بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

مرّ أكثر من عام على انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، ولا يزال عدد كبير من اللبنانيين نازحين؛ يعيشون ظروفاً حياتية صعبة للغاية، خارج قراهم الجنوبية؛ نتيجة الوضع الأمني الهشّ وعدم حصولهم على أموال إعادة الإعمار، وهم اليوم مهددون بخسارة سكنهم المؤقت إذا لم يحصلوا على بدل إيواء جديد؛ مما سيضاعف معاناتهم أكثر.

وبدل الإيواء هو مبلغ مالي دفعه «حزب الله» للنازحين الذين دُمرت منازلهم؛ كي يتمكنوا من دفع إيجار مسكنهم المؤقت لمدة عام، وهم الآن يحتاجون إلى مبلغ مالي إضافي حتى تؤمَّن عودتهم إلى قراهم وتُبنى منازلهم الخاصة من جديد.

في انتظار العودة البعيدة

«محمد.ح» (56 سنة) أحد هؤلاء النازحين، الذين نزحوا قبل عامين، أيّ منذ دخول «حزب الله» حرب «الإسناد» في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023... يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نزحت وعائلتي المؤلفة من 6 أشخاص، ولا نزال ننتظر عودتنا حتّى اللحظة؛ لدينا أمل، ولكنه ضئيل راهناً. أعتقد أن العودة وإعادة الإعمار تحتاجان مزيداً من الوقت!».

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ومحمد ابن بلدة شيحين الجنوبية التي تقع على الحدود اللبنانية الجنوبية، وهو أب لأربعة أولاد، ونازح يقيم في مدينة صور (جنوب لبنان)، دمرت إسرائيل منزله... يقول: «خسرت منزلي. أدفع نحو ثلثي راتبي؛ بدل إيجار وخدمات أساسية؛ الوضع الاقتصادي، كما الأمني، صعب للغاية هنا».

ومحمد أحد الآلاف من أبناء قرى حدودية عدة ما زالوا نازحين قسراً خارج قراهم؛ يعانون ظروفاً حياتية صعبة وغير طبيعية، وهم مهددون اليوم بخسارة مأواهم إذا لم يحصلوا على بدل إيواء مرة أخرى.

ووفق أرقام «اتحاد بلديات صور»، فإن أعداد النازحين المسجلين لديه تبلغ 15 ألفاً و600 شخص؛ هم 4500 عائلة. في حين تشير أرقام «مجلس الجنوب» إلى أن عدد النازحين من القرى الحدودية والخلفية بلغ 9585 عائلة، من أصل 17 ألفاً و106 عائلات، كانت تسكن بلدات الحافتين الأمامية والخلفية وعددها 40.

يروي محمد كيف تبدو البلدة راهناً: «مدمرة بنسبة 90 في المائة، ولا يقطنها أحد؛ غالبية أهلها نازحون قسراً ويقيمون في صور وضواحيها». ويقول: «محزِن جداً أننا لا نقصد بلدتنا سوى للضرورة؛ لدفن أحد موتانا أحياناً كثيرة»، علماً بأن بعض الأهالي يقصدون البلدة لأخذ حاجياتهم التي لم تتضرر جراء الاستهدافات الإسرائيلية.

ويضيف: «وُعدنا ببدل إيواء جديد، ربما في الأشهر الثلاثة المقبلة؛ صرفنا أموال الإيواء في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولم يبق منها أي شيء».

حُرمنا أبسط متطلبات الحياة

وعن المساعدات العينية التي تصل إلى النازحين، يقول محمد: «عادة ما نحصل عليها من جمعيات بالتنسيق مع (اتحاد بلديات صور)؛ لكنها باتت شحيحة للغاية في الأشهر الأخيرة، وغير ذلك، فهي عبارة عن مواد غذائية (كالمعلبات والحبوب) وأدوات تنظيف، ولا تكفي وحدها».

ويُعلق: «بالتأكيد نعاني راهناً من تبعات النزوح... بعض الناس حُرم أبسط متطلبات الحياة والأساسية منها، كاللباس الجيد والطعام الجيد، بحيث بات معظمهم يأكلون ويلبسون بهدف البقاء على قيد الحياة؛ ليس أكثر».

جانب من مبنى مستهدف في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ويضيف: «نأمل دائماً أن نعود إلى قرانا وحياتنا السابقة رغم الوضع الأمني المأزوم»، علماً بأن عودة النازحين تحتاج إلى أموال لإعادة الإعمار وتجهيز بنى تحتية، من مياه وكهرباء وطرقات؛ كي تكون الحياة ممكنة في تلك البلدات والقرى. ويختم: «نعلم أن منح لبنان الأموال اللازمة لإعادة الإعمار أمرٌ مشروط، ويتطلب تنازلات جمّة؛ لذا لا يمكننا تحميل الدولة مسؤولية ما نحن عليه اليوم، إذ إن هناك واقعاً يفرض نفسه».

من جانبه، يقول محسن عقيل، نائب رئيس بلدية جبين، إحدى قرى قضاء صور: «مرّ أكثر من عام وأنا أعيش تجربة النزوح مع عائلتي، وعائلة ابني أيضاً، وعددنا 9 أفراد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «نسكن جميعاً في منزل واحد بمنطقة برج الشمالي (صور)؛ بسبب بدلات الإيجار المرتفعة نسبياً بالنسبة إلينا».

مناطق جنوب لبنان تتعرض لقصف إسرائيلي دائم رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وعقيل عسكري متقاعد في الجيش اللبناني... «بنيتُ منزلي في قريتي عام 2009، وبقيت منذ ذلك هناك أنا وزوجتي وخلال (حرب الإسناد)، إلى أن خرجنا منها قبل قليل من بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان». ويقول: «نهاية العام قبل الماضي حصلنا على بدل إيواء؛ لا نعلم أين ستذهب الناس في حال لم يُدفع هذا البدل مرة أخرى».

أمنية العودة ولو إلى خيام...

ويتحدث عقيل عن أقصى أمنياته وأمنيات جميع النازحين في العام الجديد بالقول: «نتمنى أن تحمل لنا السنة الجديدة عودة قريبة، حتى ولو اضطر بعضنا إلى السكن في خيام بقريته»... سئم النازحون العيش حياة غير مستقرة ومؤقتة بعيداً عن أرضهم: «كنا نعيش حياة كريمة في منازل واسعة شيدناها من طوابق عدّة، وكانت لنا متاجر وممتلكات خاصة، لكن للأسف أعادتنا إسرائيل إلى نقطة الصفر راهناً».

وعن البلدة المهجورة حالياً، التي لطالما اشتهرت بزراعة التبغ والحنطة سابقاً، يقول عقيل: «تمّ جرف جميع منازل البلدة المهدمة بالتنسيق مع (مجلس الجنوب)، باستثناء 13 منزلاً بقيت على حالها قيد الإنشاء؛ لأنها كانت سكناً للجيش الإسرائيلي»...

يزور عقيل البلدة بشكل شبه يومي، وحينما تتطلب الحاجة، بمؤازرة الجيش، ويقول: «نعوّل على الدولة اللبنانية، خصوصاً رئيس مجلس النواب، نبيه بري؛ كي تتأمن عودة الأهالي إلى قراهم الحدودية... دمرت إسرائيل منازلنا وقرانا وهجرت سكانها، حتى إننا حُرمنا أولادَنا الذين سافروا خارج البلاد بحثاً عن مكان أفضل أماناً».