العلاقات السورية - الروسية وإعادة تقييم اتفاقيات البلدين

خبراء يتحدثون عن الطرق الوعرة بين موسكو ودمشق

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (أ.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (أ.ب)
TT

العلاقات السورية - الروسية وإعادة تقييم اتفاقيات البلدين

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (أ.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (أ.ب)

في تلميح إلى دور روسي ممكن لدعم الاستقرار في سوريا، عبّر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارته إلى روسيا، عن الأمل بوقوف موسكو إلى جانب دمشق في مسار الحفاظ على سوريا «موحدة وقوية».

وفي المقابل، دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الرئيسَ السوري أحمد الشرع لحضور القمة الروسية - العربية في موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

جاءت تلك التطورات في حين تخوض دمشق في ملفات داخلية معقدة في ظل تدخل إسرائيلي مباشر. فما هي المؤشرات التي يحملها انفتاح دمشق على موسكو وطرح إعادة تقييم الاتفاقيات بين البلدين، لا سيما العسكرية منها، على قاعدة استقلال القرار؟

تحدث خبراء ومحللون لـ«الشرق الأوسط» عن الطرق الوعرة بين موسكو ودمشق، مشيرين إلى أن الاتفاقيات السورية ـ الروسية تمثل تحدياً كبيراً أمام إعادة تفعيل العلاقات بين البلدين، لا سيما تلك التي تم توقيعها في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، وتشمل كافة المجالات، باعتبارها اتفاقيات فيها «إجحاف» بحق السوريين وتمس السيادة السورية، وفقاً للأكاديمي والباحث السياسي محمود الحمزة الذي قال إن تلك الاتفاقيات كُتبت من قبل الروس ولصالح روسيا على حساب الشعب السوري، خاصة اتفاقية ميناء طرطوس.

وأضاف: «مثلاً هناك حصانة للروس مطلقة، ولا يحق للسوريين أن يسألوا أي روسي ماذا يحمل في سيارته وماذا جلب من موسكو، ولا يحق للسوريين الدخول إلى القواعد الروسية على الأراضي السورية». وهذا يفسر إصرار القيادة السورية الجديدة على أن «تكون الاتفاقيات تراعي وتلتزم بسيادة سوريا، ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشأن الداخلي».

الاتفاقيات العسكرية

رئيس هيئة الأركان العامة في قوات النظام السابق مع قائد القوات الروسية وعدد من الضباط الروس عام 2022 (سانا)

رشيد الحوراني، الضابط والباحث المختص في الشؤون العسكرية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن التعاون العسكري بين البلدين يعود إلى ستينيات القرن الماضي، و«اليوم بعد استهداف إسرائيل معظم المعسكرات والأسلحة السورية ذات المنشأ الروسي، أصبحت هناك حالة عدم تكامل بين الأسلحة البرية والبحرية والجوية المتبقية في سوريا». وأضاف أنه «يمكن إبرام اتفاقيات لسد هذا الخلل، لكن من غير المتوقع إبرام اتفاقيات جديدة؛ لسببين: الأول تصاعد الدور التركي ونيته إبرام اتفاقية أمنية ودفاعية مع سوريا، كما أن تركيا هي أول من عيّن ملحقاً عسكرياً لها في سوريا لتقديم المشورة والدعم للجيش السوري الجديد. والثاني الانفتاح السوري على المعسكر الغربي سياسياً وعسكرياً، واستقبالها العديد من الوفود العسكرية لدول أوروبية كهولندا وبريطانيا. وما يقوي هذا الانفتاح أن تركيا تنتمي إلى المعسكر الغربي في ما يتعلق بالتسليح؛ إذ إنها عضو في حلف (الناتو)».

وفيما يتعلق بإمكانية إلغاء بعض الاتفاقيات، قال الحوراني إن إلغاءها «يتعلق بمسألة بيروقراطية طويلة ومعقدة، وقد تتمكن سوريا من فسخ بعض الاتفاقيات إذا تم الإخلال بشروط العقد بين الطرفين، أو لاعتبارات قانونية دقيقة». ولفت في الوقت ذاته إلى أبرز العقبات التي تمنع تفعيل الاتفاقيات، وهي «رؤية الإدارة السورية الجديدة لأساليب عمل القوات بطريقة مختلفة عن عمل القوات التقليدية؛ فهي توظف التكنولوجيا مثلاً بأساليب عمل جديدة كالطائرات المسيّرة (شاهين)»، مشيراً إلى مشاركة وزارة الدفاع السورية في معرض التسليح الذي أقيم في تركيا مؤخراً، وكان تركيز الوفد السوري على الطيران المسيّر والقوى البحرية في المعرض.

وبحسب رأي الحوراني، فإن «الإدارة السورية لن تنسى الموقف الروسي منها قبل سقوط النظام، وما فعلته أسلحتها بالشعب والحواضر السورية، لكن السياسة لا تُبنى على العواطف. وترى الإدارة السورية أن بقاء علاقتها مع روسيا لتحقيق التوازن مع الغرب؛ لأن ابتزاز روسيا لا يزال قائماً حتى الآن من خلال سيطرتها على بعض معسكرات القوات البحرية السورية في طرطوس قرب قاعدتها، كما أنها كانت دليلاً للضربات الجوية الإسرائيلية».

من جانبه، رأى الباحث محمود الحمزة أنه يمكن الاستفادة من إمكانية التعاون مع روسيا من جهة التسليح والتدريب العسكري، لكن على أن يتم ذلك بـ«طلب من الحكومة السورية، وضمن أطر محددة، كأن لا يكون هناك تدخل في الشأن الداخلي، وألا يُمس بالسيادة الوطنية كما كان يحصل مع النظام السابق». وأشار إلى «وجود عشرات الاتفاقيات في مجالات عدة وقعها النظام السابق ولم يطبق منها إلا شيئاً بسيطاً. وكنت أسمع من المسؤولين الروس قولهم إن بشار الأسد يرحب بأي عمل واتفاق ويبذل الوعود، لكن بعدما نغادر دمشق لا ينفذ أي شيء. لقد كانت هذه صبغة ثابتة في العلاقات الروسية ـ السورية في عهد بشار الأسد».

خطوة مهمة

مناورة عسكرية مشتركة بين القوات السورية والروسية عام 2022 (سانا)

ويرى الكاتب والسياسي علي العبدالله أن التطورات التي شهدها الداخل السوري فرضت على دمشق الانفتاح على روسيا، لافتاً إلى أن «روسيا لم تقف عند سقوط النظام البائد، وباشرت بالانفتاح على السلطة الجديدة، لكن الأخيرة (لم تستجب للرسائل الودية)، مدفوعة بعاملين: صورة روسيا في الوعي الشعبي السوري كقوة دافعت عن النظام البائد وقتلت السوريين ودمرت قراهم وبلداتهم ومدنهم...».

وأضاف العبدالله: «لا ينفصل توجه السلطة السورية الجديدة للانفتاح على روسيا عن تصاعد التنافس التركي - الإسرائيلي في سوريا وحاجة تركيا إلى إشراك قوى وازنة في التجاذبات في سوريا؛ ما دفعها لنصح السلطة السورية بالانفتاح على روسيا كوسيط وكموازن في ضوء تقديرها لحدود قدرتها في مواجهة إسرائيل، خاصة إذا كانت تتحرك بضوء أخضر أميركي».

وبعد سقوط نظام الأسد شهدت العلاقات الروسية ـ السورية حالة من الجمود، ولكن «الخطوة المهمة التي حصلت في العلاقات الروسية ـ السورية خلال زيارة الوفد السوري إلى موسكو مؤخراً، تشير إلى أن حواراً ومفاوضات وتنسيقاً كان يحصل بطريقةٍ ما بين الجانبين، وحين نضجت الظروف تحققت الزيارة وكانت ناجحة».

من جهة أخرى، يرى محمود الحمزة أن المفاوضات كانت «مثمرة، والطرفان تعاملا بإيجابية، بدليل استقبال الرئيس فلاديمير بوتين وزيرَ الخارجية السوري أسعد الشيباني»، وذلك رغم عدم الكشف عما دار في المناقشات. وعلى سبيل المثال، لم نعرف ما إذا تم طرح ملف تسليم بشار الأسد لسوريا، مشيراً إلى أن هذا الموضوع سبق أن طُرح بقوة خلال زيارة نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف إلى دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وأكد الحمزة أن هذا الموضوع بالنسبة للروس «مغلق بقوة»، مرجحاً أن الجانب الروسي لن يسلم بشار الأسد لدمشق باعتبار أن «هذا موضوع شخصي للرئيس بوتين». وفي المقابل، كان لافتاً تصريح وزير الخارجية السوري بأن دمشق «تنتظر من موسكو موقفاً واضحاً وصريحاً حول تطبيق العدالة الانتقالية»؛ ما يشير إلى أن السوريين يعولون على مسار العدالة الانتقالية، وأول المسار هو مصير بشار الأسد.

تجميع أوراق

جلسة مفاوضات بين وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في وزارة الخارجية الروسية بموسكو (د.ب.أ)

توجه دمشق نحو موسكو تزامن مع تأزم عدة ملفات داخلية؛ ما يشير إلى دور محتمل لروسيا في حلحلة تلك الملفات، مع أن «أوراق روسيا في سوريا صارت ضعيفة، وكذلك الثقة في الموقف الروسي»، وفق ما ذكر الحمزة، منوهاً بوجود تأثير للروس في الملف الداخلي السوري. وقال إن «الروس لديهم تأثير على العلويين وعلى الأكراد، وحتى على الدروز، ويمكن التعاون معهم في حلحلة بعض الملفات الشائكة».

وخلال الفترة الماضية جمعت روسيا أوراقاً مؤثرة في التوازن الداخلي السوري، وفق رأي علي العبدالله الذي قال إن «أبرزها هو احتضان عدد كبير من قوات فلول النظام البائد ونقلهم إلى شمال سوريا وشرقها، بالإضافة إلى تعزيز وتطوير وجودها في مطار القامشلي وتحويله إلى قاعدة بديلة لقاعدة حميميم، إلى تمتين علاقتها مع (قوات سوريا الديمقراطية)... وجميعها أوراق تؤثر سلباً على قدرة السلطة السورية في إدارة الملفات الداخلية في سياق توجهها لبسط سيطرتها على كل الأرض السورية». وأضاف أن «ما حصل في محافظة السويداء والتدخل الإسرائيلي لمصلحة القوى الدرزية الرافضة لتوجهات السلطة السياسية والأمنية، زاد من أهمية الانفتاح على روسيا كوسيط محتمل مع إسرائيل وكمصدر للأسلحة والذخيرة والمواد الأولية، كالقمح والنفط».

وفي المقابل، يرى الحمزة أن «الروس مضطرون إلى أن يتأقلموا مع الوضع الجديد والسياسة الجديدة في سوريا، ومضطرون للتفاهم مع هذه المطالب، وأن يتعاونوا مع التركيز على الأمور المشتركة التي تحقق مصالح الطرفين والمنفعة المتبادلة، ويكون القرار مستقلاً تماماً».

استرجاع «الأموال المنهوبة»

من جانبه، قال أسامة قاضي، الخبير الاقتصادي، إنه «ينبغي فهم الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السوري لروسيا ضمن إطار فهم توجهات الاقتصاد السياسي السوري؛ إذ وُضعت كل الاتفاقيات السابقة على الطاولة من أجل إعادة التفاهم حولها، ولا أعتقد أن الاتفاقيات الاقتصادية السابقة زمن نظام الأسد ذات أهمية لدى الطرف الروسي؛ إذ يعتبرها اتفاقيات مع شركات روسية خاصة، وليست مع شركات حكومية، وما يهمه في رأيي عملياً هو الوجود ولو الرمزي في المياه الدافئة».

وأضاف: «أعتقد شخصياً أن مصير الأسد وزوجته، وكذلك مسألة استرجاع كل أو جُلّ الأموال التي نهبها مع عائلته وحاشيته، هي من المسائل التي قد تكون جزءاً من الصفقة النهائية مع الروس، وهي موضوعة على الطاولة بقوة. ورغم ترجيحي لموافقة الروس على ذلك، فإن الخلاف قد يكون حول الجدول الزمني؛ إذ بدأ العد التنازلي لمصير الأسد وزوجته وأموالهما المنهوبة منذ حطّت طائرة الشيباني بأرض موسكو».

إن استعادة العلاقات مع روسيا قد «لا تكون مرحّباً بها شعبياً لدولة جربت 340 نوعاً من السلاح الروسي على الأبرياء الذين ينتظرون اعتذارها، يضاف إلى ذلك حساسية استعادة العلاقات؛ فقد تثير حفيظة الأوروبيين والأميركيين المقبلين على الاستثمار في سوريا. واعتقادي الشخصي أن هناك قبولاً أميركياً».


مقالات ذات صلة

براك: اكتشاف الأسلحة الكيميائية من حقبة الأسد محطة مهمة لسوريا

المشرق العربي براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

براك: اكتشاف الأسلحة الكيميائية من حقبة الأسد محطة مهمة لسوريا

رأى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، الخميس، أن اكتشاف وتأمين الأسلحة الكيميائية غير المعلنة من حقبة الأسد يعدّ محطة مهمة لسوريا الجديدة وللأمن…

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد المتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» وأبرز قيادات النظام في الرقة

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي أطفال نازحون يلهون في دروب مخيم الكرامة شمال سوريا (أ.ب)

سوريون في المخيمات يطالبون الحكومة بأن تضعهم فوق كل اعتبار

اعتقدت صبحية الصالح أنها ستغادر خيمتها أخيراً، وتعود إلى منزلها لحظة إطاحة هجوم للمعارضة أواخر عام 2024 بالرئيس بشار الأسد، منهياً بذلك أكثر من عقد من الصراع.

«الشرق الأوسط» (أطمة، سوريا)
المشرق العربي جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

الاختبار الأكبر ليس في عدد الجنرالات السابقين الذين سينتهي بهم المطاف في السجن، بل في قدرة الحكومة الجديدة على إرساء عدالة انتقالية شفافة، وتعزيز سيادة القانون.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولون سوريون يؤدون صلاة العيد في جامع عبد الله بن عباس بمدينة حلب (حساب الرئاسة)

​الشرع يؤدي صلاة الأضحى في حلب... والسوريون يزورون قبور أحبتهم

أدى الرئيس أحمد الشرع صلاة العيد صباح اليوم في جامع «عبد الله بن عباس» بمدينة حلب وهي المرة الأولى التي يؤديها بمدينة غير العاصمة دمشق منذ توليه الرئاسة

«الشرق الأوسط» (دمشق)

براك: اكتشاف الأسلحة الكيميائية من حقبة الأسد محطة مهمة لسوريا

براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
TT

براك: اكتشاف الأسلحة الكيميائية من حقبة الأسد محطة مهمة لسوريا

براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

رأى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، الخميس، أن اكتشاف وتأمين الأسلحة الكيميائية غير المعلنة من حقبة الأسد يعدّ محطة مهمة لسوريا الجديدة وللأمن الدولي.

وقال براك في منشور له عبر منصة «إكس»: «بفضل العمل الشجاع الذي قامت به السلطات السورية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وبدعم من رئيس الولايات المتحدة الأميركية والشركاء الدوليين، تحقق تنفيذ اتخاذ خطوة أخرى نحو القضاء نهائياً على الإرث الوحشي للأسلحة الكيميائية في سوريا».

وأضاف براك: «إن سوريا الأكثر أماناً، وذات السيادة، والخاضعة للمساءلة، يصبّ في مصلحة الشعب السوري والعالم بأسره».

وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، قد أكد، في وقت سابق، سوريا حققت تقدماً جديداً في ملف إزالة مخلفات الأسلحة الكيميائية لحقبة النظام البائد.

من جهته، أوضح الشيباني في منشور عبر منصة «إكس» أن الفرق الوطنية المختصة نجحت في العثور على ذخائر ومواد تدخل في التصنيع، ومعدات مزج وتخزين، والتي جرى تأمينها ونقلها إلى مرافق متخصصة تمهيداً لتدميرها.

خبير أسلحة كيماوية تابع للأمم المتحدة يحمل عينات من أحد مواقع الهجوم بالأسلحة الكيماوية في حي عين ترما بدمشق (أرشيفية - رويترز)

وأشار إلى أن التقدم جاء نتيجة أشهر طويلة من العمل الوطني والاستخباراتي والفني، شملت جمع المعلومات وتحليلها والوصول إلى مواقع عالية الخطورة، بالإضافة إلى تسهيل زيارات فرق التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) إلى عشرات من هذه المواقع، وإحراز تقدم في ملاحقة المتورطين في البرنامج الكيميائي السابق.

وكان مسؤول سوري أكد، في لاهاي قبل أيام، العثور على بقايا لبرنامج الأسلحة الكيماوية السري الذي كان ‌يُديره ‌الرئيس ‌السابق بشار الأسد، ​بما في ذلك مواد خام وذخائر مماثلة لتلك التي استخدمت في شن هجمات غاز مميتة خلال ‌الحرب ‌الأهلية ​الطويلة ‌التي شهدتها البلاد.

ونقلت وكالة «رويترز» عن المندوب الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ‌في لاهاي، محمد كتوب، أن السلطات اعتقلت 18 شخصاً للاشتباه بتورطهم في برنامج الأسد للأسلحة الكيماوية، بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وتقنيون ​كبار في النظام السابق.

وقال المصدر نفسه إنه تم العثور أيضاً على «مكونات غاز السارين المستخدم من قبل قوات الأسد»، مضيفاً أنه جرى انتشال أكثر من 70 صاروخاً وقنبلة كانت تُستخدم للأسلحة الكيماوية.


القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
TT

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد داخل إحدى المزارع بريف المحافظة، في عملية أمنية نفذت بناء على متابعة ميدانية دقيقة، ويعد الموقوف من أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المجرمين في المحافظة خلال فترة النظام البائد والمتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني.

يعرف البوحمد، واسمه الحقيقي تركي مخلف المرعي، بكونه أحد قيادات ميليشيا قوات مقاتلي العشائر التي ارتبطت بشعبة الاستخبارات العسكرية، حيث برز اسمه خلال السنوات الأولى من الثورة في سوريا.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

عرفت مجموعته باسم بـ«مغاوير الصحراء» التابعة لميليشيا الدفاع الوطني السابقة. وقد ارتبط اسمه بعمليات نهب وسلب وتعذيب طالت معظم سكان المناطق التي دخلتها تلك الميليشيا، فضلاً عن مساهمته في اعتقال عدد كبير من مؤيدي الثورة السورية. ونشرت مواقع سورية فيديو لـ«قصر» يملكه المدعو تركي مخلف المرعي بين قريتي البوحمد وغانم - العلي في ريف الرقة الشرقي.

يُعتبر البوحمد مسؤولاً عن ارتكاب العديد من الجرائم بحق أبناء المنطقة الشرقية منذ عام 2017، بما في ذلك جرائم الحرب، والتهجير القسري، كما يُعدّ من أبرز المسؤولين عن تجنيد الشباب في المنطقة للانضمام إلى صفوف الميليشيات الإيرانية.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق مع رموز نظام الأسد ويبدو فيها اثنتان منهما مع العميد سهيل الحسن بنظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وكان موقع «الذاكرة السورية» قد وثّق أنه عمل لصالح الأجهزة الأمنية في بدايات الثورة السورية، وساهم باعتقال المتظاهرين والمتعاطفين مع الجيش الحر. وفي منتصف عام 2014 شكّل مع «عمر العلاوي» الأمين العام لـ«حركة الاشتراكيين العرب» ميليشيا مسلحة تدعى «قوات مقاتلي العشائر» للقتال إلى جانب قوات الأسد في الرقة ودير الزور، وتتبع الميليشيا لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتخضع لتدريب من روسيا و«حزب الله»، وربطته علاقة متينة مع سهيل الحسن وروسيا التي منحت الأخير 15 وساماً، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية في العلوم العسكرية.

يُعد البوحمد أحد أبرز قادة الميليشيات التي قـاتلت إلى جانب النظـام السوري السابق في ريف الرقة الجنوبي الشرقي كما شارك في المعارك التي شهدها ريف دمشق وسط اتهـامات بارتكـاب انتـهاكات وجـرائم حـرب بحق المدنيين.

ارتبط اسمه خلال سنوات سيطرة ميليشياته على مناطق ريف الرقة بسلسلة من الانتهاكات بحق المدنيين، شملت وفق مصادر محلية عمليات نهب وابتزاز، إضافة إلى فرض قيود على عودة السكان إلى قراهم، حيث جرى اشتراط انخراط مقاتلين من بعض العائلات للسماح لهم بالعودة، إلى جانب منع عائلات أخرى لأسباب تتعلق بالانتماء أو المواقف السياسية.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

في عام 2017، أعلن البوحمد نفسه شيخ عشائر «البوشعبان» خلال فعالية أقامتها مجموعته، وهو ما أثار حالة من الجدل والاستياء داخل أوساط اجتماعية وعشائرية، في ظل رفض بعض أبناء العشيرة لهذا التوصيف والانقسام حوله.

تركي البوحمد الذي يُلقب شعبياً بـ«كركاعة»، هو من قرية البوحمد شرق الرقة ونسب نفسه إليها في اسمه. وبعد تشكيله ميليشيا مقاتلي العشائر بدأ بعمليات نهب وسرقة وخطـف وابتــزاز بحق مدنيين في المناطق التي دخلها عناصره. وبحسب مصادر محلية، فإن تركي له علاقة بعمليات استهداف رُعاة الأغنام في البادية السورية وسرقة مواشيهم، وتعفيش منازل المدنيين في قرى حطلة وخشام ومراط خلال سيطرة النظام البائد على هذه القرى.

وكان موقع «الرقة تذبح بصمت» قد نشر في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن قوى الأمن الداخلي في معدان ألقت القبض على عناصر خلية مسلحة مرتبطة بالمدعو «تركي البوحمد» العامل تحت جناح ميليشيا#قسد وذلك في بلدة معدان شرق الرقة.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق البوحمد مع رموز نظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وبعد اعتقال البوحمد اليوم تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي مع الخبر ودعم معظمها القبض على أحد رجالات الأسد من مجرمي الحرب، وأشارت إلى أن بعض المتنفذين يتواصلون مع السلطات السورية للإفراج عنه.

إلا أن حساب «إعلاميون بلا حدود - الرقة»، نشر أنه بعد الأنباء المتداولة عن خروج المدعو «تركي البوحمد» المعروف بلقب «كركاعة»، والمتهم بالتورط بعدة انتهاكات وتجاوزات بحق المدنيين في مدينة الرقة وريفها الشرقي، إضافة لورود اسمه ضمن شهادات وملفات متداولة تتعلق بقضايا تعذيب وانتهاكات بحق عدد من أبناء المنطقة؛ أطلق عدد من الأهالي مناشدات للجهات المعنية بضرورة تحويله إلى القضاء وفتح كامل الملفات المرتبطة به ومحاسبة جميع المتورطين وفق القانون، مؤكدين أن الجهات الأمنية تتحمل كامل المسؤولية أمام الأهالي والرأي العام في حال تم الإفراج عنه أو إغلاق ملفه دون محاسبة قانونية واضحة وعادلة.


التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
TT

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

على الرغم من التصريحات التي توحي بأن التصعيد الحربي الإسرائيلي على لبنان جاء لـ«سحق (حزب الله)»، كما قال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ولأجل «تدمير ما تبقى من قدرات للحزب»، كما يقول الجيش، ومن أجل تحطيم القوة المتنامية لحركة «حماس» في قطاع غزة، يبدو أن الأمر الحاسم فعلاً هو الحسابات الداخلية التي يجريها القادة السياسيون والعسكريون في تل أبيب.

فالحكومة تتعرض لانتقادات لاذعة، ليس فقط من أحزاب المعارضة، بل من الجمهور الواسع والصحافة وحتى من بعض الشخصيات اليمينية، لأن الجميع يجد أن أهداف الحرب لم تتحقق. وكل الوعود الرسمية العلنية، بتصفية المشروع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام في طهران، والقضاء على الأذرع العسكرية الإقليمية، وتفكيك «حزب الله» من سلاحه وإلحاق ضربة قاضية بـ«حماس»، تبخرت. صحيح أن هذه القوة تلقت ضربات قاسية جداً، ولم تستطع حماية كبار قادتها من الاختراق الأمني الإسرائيلي والاغتيالات، إلا أن إيران تحافظ على نحو نصف ترسانتها، وتواصل تهديداتها، و«حزب الله» يجعل حياة سكان الشمال الإسرائيلي كابوساً، ويقوّض قدرات الحكومة اللبنانية على إدارة مفاوضات واشنطن من موقع قوة، و«حماس» تفرض سيطرتها بالقوة في قطاع غزة.

بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير خلال جلسة للكنيسيت في 23 مايو 2026 (أ. ب)

ويسخر الإسرائيليون من تصريحات نتنياهو، التي يعلن فيها مرتين في اليوم أنه والرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صديقان، وعلى تنسيق تام في المواقف، بينما يقول ترمب إن «نتنياهو ولد جيد يفعل كل ما أطلبه منه». ويسخرون أيضاً من ترمب الذي «لم يفِ بوعوده حول أهداف الحرب».

ويتعرض الجيش الإسرائيلي لهزة في هيبته؛ فالحكومة نفسها تتهمه بالعجز عن توفير الأمن، وتتهمه بالإهمال. وقد ظهر نتنياهو بنفسه يدعي بأنه عندما ظهرت الطائرات المسيّرة بالألياف البصرية في حرب أوكرانيا، تنبه إلى خطورتها، وحذر جيشه، وطلب الاستعداد لمواجهتها. وسكان الشمال الإسرائيلي، الذين يضطرون إلى الركض إلى الملاجئ أكثر من 20 مرة في اليوم الواحد، يتهمون الجيش بالفشل في حمايتهم، ويطالبونه باستغلال كل قدراته للقضاء على «حزب الله» حتى لو كان الأمر يتطلب احتلال لبنان كله.

وسكان الجنوب يروون أنهم كلما رأوا كيف تتصرف «حماس» يستعيدون ذكريات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

لذلك، انطلق نتنياهو إلى التصعيد، لأن الانتقادات ضده تتغلغل في نفوس الجمهور الواسع، وهو في عزّ معركته الانتخابية. ومع أن منافسيه من المعارضة يعانون من الشرذمة والضعف ولا يطرحون بديلاً مقنعاً لسياسته، فإنه يخشى من هزيمة. وهو يحتاج إلى لهيب الحرب للتغطية على فشله، وربما يستغل الحرب لتأجيل الانتخابات «بسبب حالة الطوارئ الحربية».

فلسطينيون يعاينون الدمار قرب مبنى استهدفته غارة إسرائيلية مدينة غزة الخميس (رويترز)

والجيش، الذي لا يطيق اعتباره ضعيفاً أمام الجمهور وأمام أهالي جنوده وضباطه، ويحاول الظهور كأقوى جيش في الشرق الأوسط، ويدير حملات حربية شرسة لا ترحم طفلاً أو امرأة في لبنان أو غزة، يوسع نطاق احتلاله ويدمر العمارات والبنى التحتية أكثر، ويشرد مئات الألوف، ويعيث فساداً ونهباً للبيوت التي يجتاحها، ويفرض معادلة مريعة: «مقابل كل إسرائيلي يقتله (حزب الله) نقتل 30 لبنانياً»، و«مقابل كل جدار تدمره مسيرات (حزب الله) في البلدات الإسرائيلية ندمر عشرات العمارات في لبنان»، ويطلق موجة جديدة من عمليات الاغتيال في قطاع غزة، وفي لبنان (حاولوا اغتيال نعيم قاسم مرتين على الأقل). وجنباً إلى جنب مع ذلك، رد بحملة يلقي فيها باللائمة على الحكومة.

في البداية، قال إنه حقق إنجازات عسكرية هائلة، لكن الحكومة لم تنجح في استثمارها سياسياً. ثم قال إن سحق «حزب الله» هو شعار شعبوي، وإن نزع سلاح «حزب الله» يحتاج إلى قرار سياسي باحتلال لبنان كله، وحتى في هذه الحالة لا نضمن القضاء على كل بندقية.

والأمر نفسه في قطاع غزة. لكنه راح لاحقاً يتهم الحكومة بأنها تقيد يديه، ولا تصدر القرارات السياسية المناسبة.

وقد اضطر نتنياهو إلى إلقاء المسؤولية على ترمب، قائلاً إنه لا يريد أن يقصف بيروت، أو أن يتخذ قرارات حربية واسعة تخرب على ترمب في مفاوضاته مع إيران، «وهو أكبر صديق لإسرائيل في التاريخ الأميركي».

دمار بمبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان الخميس (أ. ب)

من هنا، فإن الصراعات الداخلية في إسرائيل، الغارقة في المصالح الشخصية والحزبية لنتنياهو وحكومته من جهة، والمصالح الذاتية التي تتعلق بالهيبة للجيش، من جهة ثانية، هي التي تحكم التصرفات وتملي التصعيد. وفي ممارسات «حزب الله» و«حماس» ما يجدون فيه دائماً حجة يتذرعون بها، ويقنعون الرئيس ترمب بدعمهم في «معالجتها» بمزيد من التصعيد. وعلى الطريق، يجربون مزيداً من الأسلحة الفتاكة لتصبح قابلة للبيع بأسعار تفضيلية خدمةً لشركات الأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي تُعتبر أكبر الرابحين من هذه الحرب.