قراءة فرنسية في تفاقم التوتر بين باريس والجزائر

باريس تراهن على استخدام «سلاح التأشيرات» وتستعين بأوروبا

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

قراءة فرنسية في تفاقم التوتر بين باريس والجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

من منتجعه المتوسطي في «حصن بريغونسون»، حيث يمضي أيام عطلته الصيفية، وجه الرئيس الفرنسي رسالته إلى رئيس حكومته، فرنسوا بايرو، داعياً إياه للتشدد في التعامل مع الجزائر، بعد أن ضمنها «مضبطة اتهامات» كاملة بحق الدولة، التي زارها صيف عام 2022، وتوافق مع رئيسها عبد المجيد تبون على طي صفحة الخلافات، وإطلاق علاقات «متميزة» في كل المجالات.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الداخلية الفرنسي ورئيسة الوزراء الفرنسية بالجزائر نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

بيد أن رسالة ماكرون إلى الملك المغربي محمد السادس في 30 يوليو (تموز) من العام الماضي، والتي «اعترف» بموجبها بسيادة المغرب على صحرائه، دفعت العلاقات بين البلدين إلى دائرة التوتر والتصعيد.

وحاول الرئيسان، من خلال الاتصال الهاتفي الذي جرى بينهما في 31 مارس (آذار) الماضي، ثم الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الفرنسية، جان نويل بارو، إلى الجزائر يوم 6 أبريل (نيسان) الماضي، تجاوز الخلافات، وهو الأمر الذي ظهر بقوة في البيان المشترك، والذي جاء فيه: «لقد اتفق الرئيسان على أن قوة الروابط - لا سيما الإنسانية - التي تجمع بين فرنسا والجزائر، والمصالح الاستراتيجية والأمنية لكل من البلدين، والتحديات والأزمات التي تواجه أوروبا والمتوسط وأفريقيا، تفرض العودة إلى هذا الحوار على قدم المساواة». كما اتفقا «مبدئياً على لقاء قريب».

تخفيف الاحتقان

كان الغرض من الاتصال تخفيف الاحتقان، الذي شاب علاقات الطرفين بسبب مجموعة من المآخذ المتبادلة التي تتناول ملف الهجرات، والتعاون القنصلي، ورفض الجزائر استعادة كثير من رعاياها الذين صدرت بحقهم أحكام بمغادرة الأراضي الفرنسية، وتواصل اعتقال الكاتب بوعلام صنصال، الذي منحه الرئيس ماكرون الجنسية الفرنسية، واحتجاز الصحافي الرياضي كريستوف غليز. وتفاقمت الأمور مؤخراً بعد الحكم على صنصال بالسجن لخمس سنوات، بتهمة «المس بالوحدة الوطنية»، فيما حكم على الثاني بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

الكاتب المسجون بوعلام صنصال (متداولة)

وفي رسالته المطولة (من 1011 كلمة)، يركز ماكرون على مسألتي الهجرات والتعاون الأمني ليبرر، منذ بدايتها، مضمونها المتشدد، الذي فسر في باريس، على أنه «تبنٍّ» لمقاربة وزير الداخلية برونو روتايو، داعية إلى الدخول في عملية «ليّ ذراع» مع الطرف الجزائري. وقال ذلك بوضوح: «ستحدد استجابة السلطات الجزائرية لمطالبنا في مجال التعاون في شؤون الهجرة، والشؤون القنصلية الخطوات التالية التي سنتخذها».

وبكلام آخر، يريد ماكرون أن يقول إنه في غياب التعاون المأمول من الجانب الجزائري، فإن باريس ستقدم على إجراءات إضافية تتعدى «تجميد» اتفاقية عام 2013 الخاصة، التي تعفي الحاصلين على جوازات سفر دبلوماسية من طلب تأشيرة للدخول إلى الأراضي الفرنسية.

وزير الداخلية الفرنسي تصدّر التوترات بين الجزائر وباريس منذ عام (متداولة)

ولأن باريس مقتنعة بأن وسيلة الضغط الرئيسية على الجزائر هي منح التأشيرات، فإن ماكرون طلب من وزير الداخلية التواصل مع نظرائه في الدول المنضمة إلى اتفاقية «شنغن» لحثهم على التشاور مع باريس، قبل منح تأشيرات لمسؤولين جزائريين، أو لحاملي الجوازات الدبلوماسية لمنعهم من الالتفاف على الإجراء الفرنسي.

وفي السياق عينه، يريد ماكرون تفعيل المادة 47 من قانون «ضبط الهجرة وتحسين الإندماج»، التي تنص على آلية «رافعة التأشيرة - الإعادة»، وأهميتها أنها «تتيح رفض تأشيرات الإقامة القصيرة لحاملي جوازات الخدمة والجوازات الدبلوماسية، وكذلك تأشيرات الإقامة الطويلة لجميع أنواع المتقدمين». ويريد ماكرون البدء بتنفيذها «على الفور»، وإبلاغ السلطات الجزائرية بذلك.

غياب التعاون

ثمة ملف آخر يثير حفيظة باريس، عنوانه فقدان التعاون من جانب القنصليات الجزائرية في فرنسا، بخصوص توفير «التأشيرة»، التي من دونها يصعب ترحيل المطلوب ترحيلهم.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 مارس الماضي (الرئاسة الجزائرية)

ورغم الشكوى، فإن باريس رحّلت في عام 2024، وفق رسالة ماكرون، 4 آلاف مواطن جزائري على الرغم من الخلافات بين الجانبين. وما يثير قلقها أكثر هو مصير «المواطنين الجزائريين الأكثر خطورة»، الذين يغادرون السجون والذين «يستحيل طردهم بسبب انعدام التعاون» من الجانب الآخر.

لذا طلب ماكرون من روتايو أن «يعثر بأسرع وقت على السبل والطرق من أجل تعاون مفيد مع نظيره الجزائري». كما يريد ماكرون من وزيره وأجهزته أن تعمل «بلا كلل ولا توقف لمواجهة جرائم الجزائريين الموجودين في فرنسا في وضع غير نظامي». ورداً على الإجراءات الجزائرية بحق السفارة الفرنسية، فقد طلب ماكرون من وزارة الخارجية إبلاغ الجزائر بأن للعودة إلى «التعاون العادي يفترض أن تتمتع سفارتنا بكامل وسائلها للقيام بمهماتها»، وهو شرط ضروري لعودة السفير لممارسة عمله في الجزائر.

اجتماع سابق لأطر «ميديف» الفرنسي ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري في مايو 2022 (منظمة أرباب العمل الجزائرية)

ولا يغفل ماكرون في رسالته الحاجة لمعالجة «القضايا الحساسة» بين الطرفين؛ ومنها ديون الاستشفاء المترتبة على الجزائر، وعمل الأجهزة الجزائرية على الأراضي الفرنسية، فضلاً عن إيجاد حلول لمسائل الذاكرة المشتركة، والمواقع التي أجرت فيها فرنسا تجارب ذرية.

وما سبق، يدفع ماكرون للقول إنه يتعين على فرنسا «أن تتصرف بمزيد من الحزم والعزم. وهذا ما أطلبه من الحكومة». غير أن الرئيس الفرنسي ما زال يؤكد أن هدفه هو «استعادة علاقات فعّالة وطموحة مع الجزائر... ما يتطلب ليس فقط إيجاد حلول لمشكلات اليوم، بل أيضاً الإقرار بأن لدينا مصالح مشتركة، وقدرة على العمل معاً لما فيه مصلحة الشعبين الفرنسي والجزائري، في إطار احترام تاريخنا وروابطنا الإنسانية، وتطلعاتنا المتبادلة». والهدف نفسه أكده رئيس الوزراء، الذي رأى أن بلاده «لا تتبنى المواجهة الدائمة» مع الجزائر، وتأمل في أن «تستعيد معها يوماً ما علاقات متوازنة وعادلة».

فهل الهدف ممكن التحقيق؟

واضح أن التصعيد المتبادل بين الجانبين في أوجّه، وربما يذهب أبعد من ذلك في حال رغبت باريس في إعادة النظر مثلاً باتفاقية 1968، التي توفر للجزائريين ميزات في الاستقرار والعمل في فرنسا. والواضح أيضاً أن ابتعادها عن الجزائر يدفع الأخيرة لبناء صداقات جديدة، كما مع إيطاليا مثلاً، والإضرار بالمصالح الفرنسية الاقتصادية والتجارية مع شريكها المتوسطي. لكنّ لهذه العلاقات بعداً داخلياً طاغياً، إذ يستخدمها الجانبان لتحقيق أهداف سياسية، ما يدفعها لمزيد من التفاقم.


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».