دوريات روسية في القامشلي تتجاهل «قسد» وتعكس تفاهمات موسكو ودمشق

إعادة التموضع الروسي في سوريا... احترام وحدة البلاد وضمان مصالح الطرفين

مركبات مدرعة روسية تمر بالقرب من قاعدة حميميم الجوية جنوب شرقي اللاذقية 16 ديسمبر في أعقاب سقوط نظام الأسد (أ.ب)
مركبات مدرعة روسية تمر بالقرب من قاعدة حميميم الجوية جنوب شرقي اللاذقية 16 ديسمبر في أعقاب سقوط نظام الأسد (أ.ب)
TT

دوريات روسية في القامشلي تتجاهل «قسد» وتعكس تفاهمات موسكو ودمشق

مركبات مدرعة روسية تمر بالقرب من قاعدة حميميم الجوية جنوب شرقي اللاذقية 16 ديسمبر في أعقاب سقوط نظام الأسد (أ.ب)
مركبات مدرعة روسية تمر بالقرب من قاعدة حميميم الجوية جنوب شرقي اللاذقية 16 ديسمبر في أعقاب سقوط نظام الأسد (أ.ب)

عكست خطوة تسيير دورية عسكرية روسية قبل يومين في مدينة القامشلي السورية بروز تبدل ملموس في التحالفات الجديدة في منطقة شمال شرقي سوريا، خصوصاً على خلفية أن التحرك الميداني الروسي جاء بعد تفاهمات جرت خلال زيارة وزيري الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو، أخيراً، واستبعاد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) التي كانت في السابق جزءاً من التنسيق الثلاثي للتحركات في المنطقة.

تحركت الدورية الروسية في مناطق شرق مدينة القامشلي في ريف محافظة الحسكة، رفقة مروحيتين، في استعراض لافت كون هذه المرة الأولى التي تظهر فيها تحركات ميدانية روسية علنية منذ سقوط النظام المخلوع، نهاية العام الماضي، مما أوحى بوجود تنسيق مباشر مع الحكومة السورية الجديدة، وفق وسائل إعلام محلية.

ومع تكتم موسكو التقليدي على كل ما يرتبط بالتحركات العسكرية وغياب أية معطيات رسمية حولها، رأت وسائل إعلام أن الخطوة تعد «مؤشراً واضحاً على تغير قواعد الاشتباك والتنسيق الأمني بعد التحولات السياسية في دمشق»، خصوصاً في ظل استبعاد قوات «قسد» التي «منعتها القوات الروسية من الوجود أو المرافقة»، في دلالة واضحة على تغيّر قواعد التنسيق على الأرض، بعد المرحلة السياسية الجديدة في دمشق.

زيارة الشيباني وأبو قصرة

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط على زيارة ناجحة قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة الروسية، على رأس وفد رفيع، التحق به بعد وصوله بساعات وزير الدفاع مرهف أبو قصرة الذي عقد اجتماعاً مطولاً مع نظيره الروسي أندريه بيلوسوف لم يتم تركيز الأنظار الإعلامية عليه كثيراً، بسبب الانشغال باستقبال الوفد السوري الرفيع في الكرملين.

جلسة مفاوضات بين وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في وزارة الخارجية الروسية بموسكو (د.ب.أ)

وشهدت المباحثات الروسية السورية نقاشات موسعة حول مستقبل العلاقة بين البلدين، وتنسيق المواقف ومناقشة الأوضاع الأمنية والعسكرية في الجنوب السوري، وكذلك في مناطق شمال شرقي سوريا.

وقال مصدر روسي اطلع على مضمون المحادثات في الشق العسكري منها، لـ«الشرق الأوسط»، إن الطرفين توصلا إلى تفاهم حول تنسيق خطوات مشتركة وتوجيه الجهد نحو ضمان الالتزام بمبدأ وحدة وسلامة الأراضي السورية، وهو المبدأ الذي تتطابق فيه وجهات نظر موسكو ودمشق تماماً.

بهذا المعنى، فإن التحرك الميداني على محدوديته حالياً، يظهر أن الطرفين انتقلا إلى تطبيق التفاهمات الأولية التي جرى التوصل إليها.

أولويات موسكو

وهنا من المهم التذكير بأن موسكو خلال الأسابيع الماضية، دأبت على التأكيد وعلى مختلف المستويات، أنها تتعامل مع الواقع الجديد في سوريا انطلاقاً من مبدأ ضمان مصالحها التي وصفت بأنها «مشروعة».

في هذا الإطار، تعمل موسكو بقوة على عدم الظهور بمظهر «الخاسر استراتيجياً» بسبب سقوط نظام الأسد. وتسعى لذلك لإقامة نوع من التوازنات الجديدة في العلاقة تحافظ فيها على الحدود الدنيا لمكاسبها السابقة، بما في ذلك الوجود العسكري على ضفاف البحر المتوسط. وبالتأكيد تعي موسكو جيداً أنه سوف يتوجب على الطرفين مراجعة الاتفاقات السابقة، بما في ذلك طبيعة هذا الوجود ومدته الزمنية ورقعته الجغرافية.

مركبة عسكرية روسية قرب مدخل قاعدة حميميم الجوية غرب سوريا في 15 ديسمبر (رويترز)

بهذا المعنى، يرى خبراء روس أن أحد الخيارات المطروحة الاكتفاء بوجود عسكري روسي في قاعدة طرطوس البحرية، استناداً إلى اتفاق قديم مبرم في عام 1972، يمنح موسكو هذه الإطلالة على البحر المتوسط من خلال «نقطة لوجيستية» لخدمة السفن الروسية. مع إعادة النظر بوضع قاعدة «حميميم» الجوية التي نقلت موسكو منها بالفعل كل العتاد الثقيل وأنظمة الدفاع الجوي ومنظومات الرادار وغيرها من المعدات، إلى مناطق في شمال شرقي سوريا.

تنسيق مع تركيا

في المقابل، تبدي موسكو استعداداً واسعاً لدعم السلطات السورية في ملفات إعادة الإعمار جزئياً، وفي ملفات سياسية مهمة للغاية.

في هذا السياق، كان لافتاً أن نقل العتاد الثقيل بما في ذلك المروحيات والطائرات إلى مطار القامشلي، دخل في إطار إعادة تموضع روسيا العسكري في سوريا بشكل يهيئ الظروف لتفاهمات مستقبلية مع دمشق حول دور ووجود هذه القوات في المنطقة.

وكانت تقارير تحدثت سابقاً عن نقل العتاد الثقيل من حميميم، وتجهيز مطار القامشلي ليغدو قاعدة جوية متكاملة.

دورية روسية مشتركة سابقة مع «قسد» (أرشيفية)

لكن المهم في هذا الموضوع، أنه وخلافاً لتقديرات بعض الخبراء السوريين بأن موسكو ذهبت إلى تلك المنطقة لدعم «قسد» والتلويح بعمل انفصالي محتمل، فإن التحركات الروسية جرت بتنسيق كامل مع تركيا، وبغض نظر من جانب الولايات المتحدة. لذلك، فهي لا يمكن أن تحمل أبعاداً تهدد وحدة وسيادة سوريا، كون هذا الملف فيه تطابق بوجهات النظر بين موسكو وأنقرة في معارضة النزعات الانفصالية في المنطقة. وأكثر من ذلك، ترى موسكو في هذا الوجود الذي قد يحظى بموافقة سورية مستقبلية كونه ضامناً استراتيجياً لعدم تهديد وحدة سوريا، أنه بديل محتمل عن الوجود في «حميميم» لاحقاً في إطار ترتيبات قد يتم الاتفاق عليها مستقبلاً.

أفراد طاقم يدخلون مركبات برادلي القتالية في قاعدة عسكرية أميركية في موقع غير معلن شمال شرقي سوريا 11 نوفمبر 2019 (أ.ب)

يذكر أن الجيش الأميركي، سحب قواته بالكامل في منتصف تموز (يوليو) الماضي، وبشكل مفاجئ، من قاعدة «تل بيدر» العسكرية شمال محافظة الحسكة السورية.

وذكرت المصادر أنه علاوةً على الانسحاب الميداني من القاعدة المذكورة، أقدم الجيش الأميركي على تفكيك برج المراقبة التابع له في مرصد «جبل عبد العزيز» جنوب الحسكة.

على الصعيد السياسي، تنطلق موسكو من حاجة دمشق الملحة، إلى إقامة نوع من التوازن في العلاقات الخارجية يساعدها على مواجهة التوغل الإسرائيلي والتدخلات الخارجية الواسعة، وكذلك في مواجهة النزعات الانفصالية في مناطق شمال شرقي سوريا.

ويمنح هذا المدخل الوجود الروسي في سوريا هوية وأهدافاً مختلفة في ظل التفاهم على الالتزام بوحدة وسلامة الأراضي السورية، وبما يضمن مصالح الطرفين الروسي والسوري.

أحد أفراد الشرطة العسكرية الروسية قرب الجولان السوري المحتل (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال محمود الحمزة، الخبير السوري المطلع على الشأن الروسي لـ«الشرق الأوسط»، إن إعادة التموضع الروسي يلبي مصالح وأهداف الطرفين، ورأى أن الخبر المتعلق بتسيير الدورية الروسية في القامشلي «مثير للغاية لكنه منطقي»، ويعد امتداداً طبيعياً للتطورات السابقة.

في هذا الإطار أشار الحمزة، إلى أن خطوة نقل العتاد إلى مطار القامشلي وتحضيرها ليغدو قاعدة جوية متكاملة، شكلت استجابة للتطورات التي شهدتها سوريا، و«كان لموسكو حضور سابق منذ عام 2015 في مطار القامشلي بالاتفاق مع الجانبين التركي والأميركي، وأيضاً مع قوات «قسد».

وبعد سقوط النظام السابق ونقل الجزء الأكبر من القوات والعتاد إلى هذه القاعدة، برزت أسئلة لدى قوات «قسد» حول أهداف إعادة التموضع الروسي». وقال الخبير إن الجديد بعد زيارة الشيباني وأبو قصرة، أنه «يبدو أن الحكومة السورية نجحت في إحداث اختراق في الموقف الروسي من خلال الاتفاق على إبقاء القواعد العسكرية، مع احتمال أن تلعب روسيا دوراً في الجنوب السوري من خلال إنشاء نقاط مراقبة في القنيطرة، مثلاً، مما يحد من التوغلات الإسرائيلية».

صورة بالقمر الاصطناعي تُظهر القسم الشمالي من قاعدة «حميميم» الجوية الروسية بالقرب من اللاذقية (رويترز)

وزاد أن التفاهمات قد تكون شملت احتمالاً لتحرك روسي في السويداء من خلال جهود وساطة، وأيضاً «في القامشلي وشرق الفرات هذه يمكن أن تكون الساحة الرئيسية للدور الروسي الجديد من خلال التنسيق الروسي مع الحكومة ومع العشائر لفرض حل ما على (قسد)».

وقال إن الدوريات من دون مشاركة «قسد» مؤشر واضح، لبروز «أجندة مستقلة بعيدة عن (قسد) مع الحكومة السورية في المنطقة، تقوم على مبدأ وحدة الأراضي السورية». في الوقت ذاته رأى أن هذا الدور الروسي يمكن أن يكون عاملاً مطمئناً للمكون الكردي، أن موسكو في إطار إعادة تموضعها وتحركاتها الجديدة، سوف تكون ضامن لمصالح الأكراد وتسهيل الحوارات مع دمشق.

دعم روسي بمجلس الأمن

تنطلق موسكو من حاجة سوريا الجديدة إلى «نظام دولي جديد يحدِث توازناً بعد الفراغات التي تركها الموقف الغربي».

ويكتسب هذا الملف أبعاداً مهمة في إطار مساعي التنسيق الجديدة بين موسكو ودمشق، خصوصاً أن روسيا تكرر فكرة استعدادها لتقديم الدعم السياسي المطلوب بقوة حالياً لدمشق. وهنا من المهم الالتفات، كمثال، إلى أن روسيا سوف تتولى رئاسة مجلس الأمن في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مما يمنح فرصة لطرح ملفات للمناقشة في المجلس، بينها مبدأ وحدة وسلامة سوريا وضرورة وقف الاعتداءات والتدخلات الخارجية فيها.

وزيرا الخارجية الروسي سيرغي لافروف والسوري أسعد الشيباني في مؤتمر صحافي مشترك في موسكو (أ.ب)

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التزام موسكو بهذا المبدأ ليس ورقة تفاوضية مع دمشق وحسب، بل إنه يعكس بشكل مباشر المصالح الروسية في سوريا.

وخلافاً للفكرة الشائعة بأن موسكو قد تدعم توجهاً انفصالياً في مناطق الساحل، لتأمين حضورها العسكري هناك في حال وصلت المفاوضات مع دمشق إلى طريق مسدود، فإن المنطق الروسي يقوم على رفض فكرة وجود قاعدة عسكرية روسية في منطقة أو كيان لا يحظى باعتراف دولي ومعزول وغير آمن. تفضل موسكو أن يكون وجودها في إطار اتفاقات محدثة مع سوريا الجديدة الموحدة، وهي بذلك ترى أن مصالحها تنطلق من إقامة علاقات جيدة مع دمشق تستحضر تاريخ العلاقات التقليدية بين الشعبين والبلدين وتسقط من الذاكرة حقبة بشار الأسد.


مقالات ذات صلة

ماكرون أول رئيس غربي يزور دمشق

المشرق العربي وزيرة الخارجية الكندية ميلاني جولي تتحدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمر سوريا بباريس بحضور وزير الخارجية الأردني (رويترز)

ماكرون أول رئيس غربي يزور دمشق

الرئيس إيمانويل ماكرون أول رئيس غربي يزور دمشق، وباريس تسعى لتعزيز مواقعها في سوريا توطئةً لانطلاق عملية إعادة الإعمار.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو 2025 (أ.ب) p-circle

الرئاسة السورية تعلن عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إلى دمشق

أعلنت رئاسة الجمهورية السورية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيزور دمشق في المستقبل القريب، من دون تحديد الموعد، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الخليج الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية السعودي (واس)

عبد العزيز بن سعود يشدد على دعم السعودية لأمن واستقرار سوريا

أكد الأمير عبد العزيز بن سعود وزير الداخلية السعودي، في اتصال هاتفي مع نظيره السوري أنس خطاب، السبت، إدانة المملكة واستنكارها الشديدين للتفجير الإرهابي بدمشق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي قصر العدل في دمشق (الشرق الأوسط)

توقف المحاكم السورية ساعتين الأحد حداداّ على ضحايا تفجير قرب القصر العدلي

تتوقف المرافعات لمدة ساعتين صباح الأحد في جميع المحاكم السورية، حداداً على أرواح ضحايا التفجير الذي وقع في ‌‏محيط القصر العدلي وتضامناً مع المحامين.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي مقر مجلس الشعب السوري (سانا)

مجلس الشعب السوري يلتئم الاثنين في أولى جلساته بعد الإطاحة بالنظام السابق

الاعتداءات الأمنية بدت كرسائل متزامنة مع استكمال البناء القانوني لمؤسسات الدولة الجديدة، وصولاً إلى اعتماد دستور دائم وإجراء ‏انتخابات تشريعية جديدة للبلاد.

سعاد جروس (دمشق)

ماكرون أول رئيس غربي يزور دمشق

المشاركون في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
المشاركون في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

ماكرون أول رئيس غربي يزور دمشق

المشاركون في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
المشاركون في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وتسلُّم أحمد الشرع، الرئيس الانتقالي، زمام الأمور في سوريا، كانت باريس سباقة في الانفتاح عليه.

وبرزت هذه السياسة من خلال ثلاث خطوات: الأولى، دعوة الاتحاد الأوروبي إلى رفع العقوبات التي كانت مفروضة على النظام السابق، وهو ما حصل بالتدرج. والثانية، الدعوة إلى مؤتمر اقتصادي استضافته باريس في 13 فبراير (شباط) 2025، أي بعد أسابيع قليلة على سقوط الأسد، لدعم سوريا، ونتجت عنه «خريطة طريق» سياسية واقتصادية واجتماعية، ومجموعة من التوصيات الخاصة بالحوكمة الرشيدة، وحماية الأقليات، والدعوة لنظام يتسع للجميع.

أما الخطوة الثالثة، فهي دعوة الشرع لزيارة باريس، وقد تمت في 7 مايو (أيار)، وكانت باريس أول عاصمة غربية تفتح أبوابها أمام الرئيس الشرع. وكان من نتائجها تشجيع العواصم الأوروبية على الاقتداء بها. كذلك، تجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، كان أول وزير غربي يزور دمشق صحبة نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك يوم 3 يناير (كانون الثاني) من العام الماضي. وبهذه المناسبة، أعيد فتح السفارة الفرنسية في دمشق «نظرياً»، باعتبار أن طاقمها ما زال يعمل من بيروت بانتظار انتهاء أعمال الترميم.

خلال لقاء القائد العام للإدارة الجديدة في سوريا أحمد الشرع ووزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في دمشق يوم 3 يناير 2025 (رويترز)

ما سبق يعكس رغبة ماكرون في أن يكون «سبَّاقاً» في الانفتاح على النظام السوري الجديد، وهو يسعى -كما يقول سفير فرنسي سابق في المنطقة- «للتأثير عليه واحتوائه، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار البلاد. وذلك أيضاً بسبب العلاقات الخاصة لباريس مع الأكراد و(قوات سوريا الديمقراطية) تحديداً، فضلاً عن اهتمامها بملف العلاقات السورية- اللبنانية؛ حيث ترى أنها قادرة على تسهيل التواصل بين دمشق وبيروت، وحثهما على تسوية ملف الحدود المشتركة».

ويضيف السفير السابق أن باريس دفعت وسَعت إلى «مواكبة عملية انتقال سياسي سلمي وشامل». ولم تتردد في التنديد بما جرى من أحداث أمنية خطيرة متنقلة من الشاطئ السوري إلى شمال شرقي البلاد وجنوبها، مطالبة بملاحقة المسؤولين ومحاكمتهم. إلا أن مصادرها كانت تعتبر أن «الأمور تسير -بشكل عام- في الاتجاه الصحيح».

وزيرة الخارجية الكندية ميلاني جولي تتحدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمر سوريا بباريس بحضور وزير الخارجية الأردني (رويترز)

ومنذ أسابيع، تتداول الأوساط الدبلوماسية والإعلامية خبر زيارة يقوم بها الرئيس ماكرون إلى سوريا، تُعد الأولى من نوعها لرئيس غربي إلى دمشق. وتعود آخر زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا إلى عام 2009، عندما قام الرئيس نيكولا ساركوزي وقتها بزيارة رسمية إلى دمشق يومي 3 و4 سبتمبر (أيلول)، وجاءت في إطار إعادة إطلاق العلاقات الفرنسية السورية، وعقب استقبال الرئيس الأسد في باريس في شهر يوليو (تموز) من العام نفسه.

ومن بين الزيارات اللافتة كانت تلك التي قامت بها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى دمشق، في يناير من العام الجاري، وتلتها بعد ثلاثة أشهر زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

قلق أمني

ليس معلوماً ما إذا كانت زيارة ماكرون ستحصل قبل قمة الحلف الأطلسي في أنقرة يومي 7و 8 يوليو الجاري أم بعدها. وسبق لـ«الشرق الأوسط» أن سألت مصدراً رسمياً فرنسياً عن هذا الأمر، فكان جوابه أن «التاريخين ممكنان»، ولكن أخيراً تم اختيار حصولها قبل القمة الأطلسية.

اللافت في موضوع الزيارة أمران: الأول، أن أي إعلان رسمي بخصوصها لم يكن قد صدر حتى عصر الأحد عن قصر الإليزيه، وذلك على غير عادته. وتحاشت مصادره، في الأيام الأخيرة، الحديث عن الزيارة. والثاني أن جان نويل بارو اتصل مساء السبت بنظيره السوري أسعد الشيباني، ولم يُعرف شيء من مصدر رسمي عن محتوى الاتصال.

وتقدِّر أوساط فرنسية أن الدوافع الأمنية تعد السبب الرئيسي لـ«التستر» حول الزيارة، ربطاً بالتفجير الكبير الذي حصل في قلب دمشق الخميس الماضي، وأودى بحياة 10 محامين، كما أوقع ما لا يقل عن 20 جريحاً. ويعد التفجير الأخير الأكبر الذي شهدته العاصمة السورية منذ أشهر.

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يحضر المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس في فبراير 2025 (إ.ب.أ)

ورغم ندرة المعلومات الرسمية من الجانب الفرنسي عن أهداف وبرنامج الزيارة، فمن الواضح أنها تتم في مرحلة بالغة الأهمية بالنسبة لسوريا، سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً واقتصادياً. والمرتقب أن يرافق الرئيس ماكرون وفد كبير يتشكل من مجموعة من الوزراء، على رأسه وزير الخارجية ومجموعة من رجال الأعمال.

وتثير سوريا اهتماماً ملحوظاً من قبل الذين يراهنون على انفتاح سوري على الخارج، وعلى العلاقات الجيدة بين باريس ودمشق، ما من شأنه أن يساعد الشركات الفرنسية لتكون حاضرة في مسار إعادة الإعمار في سوريا.

وبالنظر للدعم السياسي الذي وفرته باريس للنظام الجديد الذي يذكِّر بالدور الذي حاول جاك شيراك (الرئيس الأسبق) أن يلعبه مع بشار الأسد مباشرة عقب توليه السلطة في دمشق، فإن باريس تراهن على قدرتها على تعزيز موقعها الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي على الخريطة السورية.

وجاءت قمة الأطلسي يومَي الثلاثاء والأربعاء لتوفر للرئيس ماكرون فرصة زيارة سريعة لسوريا ستساهم بالدرجة الأولى في دفع علاقات البلدين قدماً، وتوثيق التشاور بينهما بخصوص العلاقات الإقليمية، ومواصلة محاربة الإرهاب، واستكشاف فرص التعاون بينهما في كافة القطاعات؛ حيث تريد باريس أن تتمكن من مواكبة الطرف السوري، كما فعلت منذ وصول النظام الجديد إلى السلطة.


مصادر: اجتماعات قريبة في القاهرة لسد فجوات «اتفاق غزة»

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة في فبراير 2025 (رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة في فبراير 2025 (رويترز)
TT

مصادر: اجتماعات قريبة في القاهرة لسد فجوات «اتفاق غزة»

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة في فبراير 2025 (رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة في فبراير 2025 (رويترز)

أفادت مصادر من حركة «حماس» وفصائل فلسطينية، بأن اجتماعات جديدة قريبة ستعقد في العاصمة المصرية القاهرة خلال يومين لـ«سد الفجوات» بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة.

وتخرق إسرائيل الاتفاق المكون من عدة مراحل، وأعلن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقتلت أكثر من 1000 فلسطيني، واغتالت قيادات كبيرة من حركة «حماس»، بينما يسعى الوسطاء وأبرزهم مصر وقطر وتركيا، لتثبيت البنود والانتقال إلى مراحل متقدمة من بنوده لإحلال الهدوء في القطاع الذي يعاني ويلات حرب إبادة منذ 3 سنوات تقريباً.

وبحسب مصدرين من «حماس» وثالث من فصيل فلسطيني تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، الأحد، فإن القاهرة ستستضيف خلال 48 ساعة تقريباً اجتماعات جديدة بمشاركة الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها «حماس».

معلومات عن مشاركة ملادينوف

كما أشارت المصادر إلى معلومات عن وصول الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف إلى مصر، للمشاركة في تلك اللقاءات بحضور مسؤولين أميركيين يعملون في «مجلس السلام» وقوات الاستقرار الدولية.

ولم يتسن التأكد من مصدر في فريق ملادينوف بشأن مشاركته، غير أنه سبق أن رهنت مصادر قريبة منه مشاركته في جولة المفاوضات بإحراز تقدم حول بنود الاتفاق، في ضوء أحدث رد من «حماس» والفصائل على تعديلاته.

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة في فبراير 2025 (رويترز)

ووفقاً لأحد المصادر من «حماس»، فإنه «خلال وجود بعض من أعضاء وفد الحركة في القاهرة، فجر الخميس، تم سد الفجوات مع الوسطاء عبر مشاورات مستمرة أضيف إليها لقاءات واتصالات عُقدت في تركيا بمشاركة مسؤولين قطريين ومصريين»

وتستهدف النقاشات الجارية التوصل إلى صيغة توافقية حول بنود خريطة الطريق التي قدمها ملادينوف، في أبريل (نيسان) الماضي، وبينما تشدد «حماس» على التدرج في حصر وتسليم السلاح إلى جهة فلسطينية، وضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ الانسحاب من المواقع التي تحتلها وتمثل نحو 70 في المائة من مساحة القطاع.

وأكد المصدران من «حماس» أن هناك «صياغة جديدة» يتم العمل على تقريب وجهات النظر بشأنها لـ«سد الفجوات فيما يتعلق بالبند الثامن المتعلق بالسلاح» على أن يتم التوافق بشكل موسع مع جميع الجهات بشأن جميع البنود الأخرى.

وتسعى «حماس» إلى تسريع دخول «لجنة إدارة غزة» إلى القطاع لبدء تولي مهامها، وتتهم ملادينوف برهن إدخال اللجنة بالاتفاق على «حصر السلاح».

تسليم المهام للجنة غزة

قال حازم قاسم الناطق باسم «حماس»، في بيان، مساء السبت، إن حركته «تعاملت بإيجابية ومسؤولية عالية خلال جولة المفاوضات الأخيرة، والأمور تسير إلى الأمام، ونسعى إلى التوصل لمقاربات بشأن جميع القضايا، بما يتضمن وقف الحرب، والبدء بإغاثة حقيقية، وإعادة إعمار لجميع مناطق القطاع»، مشدداً على أنه «لا تراجع عن مسار تسليم جميع ملفات إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية» وتمكينها من أداء مهامها.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، السبت، أن «غزة لم تعد تشكل تهديداً» مرجعاً ذلك إلى وجود قوات الجيش في «منطقة نفوذ جديدة» داخل غزة نفسها.

وقال: «يمكن لسكان غزة حرية الاختيار، فمن يرغب في المغادرة يمكنه ذلك، ومن يختار البقاء فلا يمكن أن يشكل تهديداً لنا، ولا مجال لإعادة إعمار غزة من دون نزع السلاح».

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، أن قوة شرطية فلسطينية ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة تدريبات لتولي مهام حفظ النظام في المناطق التجريبية برفح، وسيتم تزويدها بمسدسات صعق كهربائية، مشيرةً إلى أنه «سيتم اختيار منطقتين تجريبيتين تحت مسؤولية قوة الاستقرار الدولية لهذا الغرض ضمن خطة تهدف لنقل الغزيين غير المنتمين لحركة (حماس) للعيش فيها، في محاولة لتقويض الحركة».


«الوطني الحر» بين المعارضة المستقلة والتمهيد لتحالفات لبنانية جديدة

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

«الوطني الحر» بين المعارضة المستقلة والتمهيد لتحالفات لبنانية جديدة

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل (الوكالة الوطنية للإعلام)

طرحت الزيارة التي قام بها رئيس «التيار الوطني الحر» النائب اللبناني جبران باسيل الأسبوع الماضي إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري أكثر من علامة استفهام حول تموضع «التيار» راهناً، وهو الذي قرر بعد حرب إسناد غزة التي أطلقها «حزب الله»، الافتراق عنه بعد سنوات من التحالف الاستراتيجي.

ولطالما جمعت «التيار» وبري علاقة خصومة شديدة، ما جعل الكثير يقاربون اللقاء بينهما في هذه المرحلة من زاوية التموضعات السياسية الجديدة التي قد تنشأ بعد «اتفاق الإطار» الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وأعلن «الثنائي الشيعي» (أمل وحزب الله) معارضتهما الشديدة له.

وترددت معلومات عن مساع لإنشاء جبهة سياسية لمحاولة إسقاط هذا الاتفاق الذي انتقده أيضاً «التيار الوطني الحر» كما الحزب «التقدمي الاشتراكي». إلا أن الرئيس السابق للحزب وليد جنبلاط أعلن صراحة أنه لن يكون جزءاً من ائتلاف لإسقاط هذا الاتفاق.

أما باسيل فخرج بعد لقائه بري ليتحدث عن تفاهم معه على أمرين: «أولاً رفض الفتنة التي تطل برأسها كل فترة، وثانياً حماية البلد من خلال حماية رمز الوحدة الوطنية فيه أي المؤسسة العسكرية وعدم المساس بها».

العلاقة مع رئيس الجمهورية

وتتأرجح علاقة باسيل مع القوى السياسية منذ فترة بعدما لجأ وحيداً إلى صفوف المعارضة إثر رفضه التصويت للعماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية. لكنه وبعد انتخابه تجنب مهاجمة العهد.

وتوضح مصادر «الوطني الحر» أن العلاقة الحالية مع عون «تنطلق من ثابتة احترام موقع الرئاسة بالرغم من عدم موافقتنا على آلية التفاوض التي أدت إلى اتفاق الإطار الذي تم إقراره».

من لقاء سابق بين باسيل وأمين عام «حزب الله» الراحل حسن نصر الله (أرشيفية - مواقع التواصل)

ويرى عضو كتلة «التيار الوطني الحر» النائب جيمي جبور أن المشكلة في «اتفاق الإطار» أنه «لم يرسم أي إطار لاستعادة السيادة اللبنانية، خصوصاً أن الانسحاب الإسرائيلي أو إعادة الانتشار حسبما ورد حرفياً في الاتفاق بقي مرهوناً بخطوات تنفيذية على الجيش اللبناني أن يقوم بها مسبقا، وتخضع تالياً للتقييم الإسرائيلي، وبالتالي فإننا نعده وصفة مسمومة للداخل اللبناني وللفتنة المنشودة إسرائيلياً».

ويشدد جبور، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن موقف «التيار الوطني الحر»، «بقي مربوطاً بالمصلحة الوطنية اللبنانية لا بسواها»، مذكّراً بأن قيادة التيار رفضت الحرب، وأيدت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني على كل الأراضي اللبنانية، «ولكننا لم نسلم بما رأى فيه نتنياهو اعترافاً لبنانياً بحق إسرائيل بالبقاء ومواجهة أي تهديد، وبالتالي هذا الموقف هو البوصلة خارج اصطفافات المعارضة والموالاة».

ويضيف: «نحن لم نعترض على مبدأ التفاوض، وإن كان مباشراً، ولكن النتيجة لم ترض الحد الأدنى مما كان يمكن للمفاوض اللبناني أن يرضى به».

رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ونواب في كتلته بعد تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة (أرشيفية - رويترز)

ويشير جبور إلى أن «التيار الوطني الحر»، «يشكل حالة المعارضة الوحيدة في المجلس النيابي اللبناني، إذ إن كل باقي القوى السياسية يتشارك في حكومة الرئيس نواف سلام. إن ما يتم رسمه للبنان إن كان في مفاوضات واشنطن أو في المسارات الأخرى، يتجاوز بتقييمنا له مسألة المعارضة أو الموالاة، لذلك ننطلق بالتقييم مما نراه مصلحة للبنان ونبقي على معارضتنا في مراقبتنا للعمل الحكومي وللأداء الوزاري تحديداً».

أما عن العلاقة مع «حزب الله» فيصفها بأنها «طبيعية فلا قطيعة ولا تفاهم، إنما خلاف حول مقاربة المسائل الوطنية المطروحة».

لعب بالوقت الضائع

من جهته، يعد الناشط السياسي المحامي أنطوان نصر الله أن «كل القوى في الداخل تلعب بالوقت الضائع، لأن ما يطبخ فعلياً لا يحصل في الداخل اللبناني إنما في الخارج سواء بإطار مسار التفاوض اللبناني - الإسرائيلي في واشنطن أو بإطار مسار التفاوض الإيراني - الأميركي».

ويرى نصر الله، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «البعض يتحرك داخلياً ليقول أنا موجود، مثل (التيار الوطني الحر)، ولدي موقف متمايز عن (حزب الله)، لكنني بالوقت نفسه لست في الخندق الثاني، وبذلك هو لا يرضي أي طرف من طرفي الصراع».

ويخلص نصر الله إلى أن «كل هذه التحركات والمواقف المتناقضة لن تؤدي راهناً إلى تموضعات سياسية جديدة بانتظار اتضاح المشهد العام في المنطقة ككل».