برناردو كاستروب: الحب هو القوة التي توحدنا

العالم الهولندي يرى أن الوعي هو الأساس الجوهري للواقع وليس المادة

برناردو كاستروب
برناردو كاستروب
TT

برناردو كاستروب: الحب هو القوة التي توحدنا

برناردو كاستروب
برناردو كاستروب

في زمنٍ يكاد يهيمن المنهج المادي على الخطاب العلمي والفلسفي، يظهر صوتٌ مغاير، يجادل بأن الوعي هو الأساس الجوهري للواقع، وأن العالم المادي ينبثق من الوعي، وليس العكس. هذا الصوت هو برناردو كاستروب، الفيلسوف والعالم الهولندي الذي يدافع عن مدرسة فلسفية جديدة أسماها «المثالية التحليلية» تطرح فكرة جذرية قديمة-جديدة؛ الواقع ليس مادياً، بل عقلي في جوهره.

ولد كاستروب في نيتيروي بالبرازيل عام 1974، لكنه يحمل الجنسية الهولندية. وحصل على دكتوراه في الهندسة الحاسوبية من جامعة أيندهوفن، حيث ركز بحثه على الذكاء الاصطناعي والحوسبة القابلة لإعادة التكوين. ثم نال دكتوراه ثانية في الفلسفة من جامعة رادبود، تناولت أطروحته فيها الأنطولوجيا وفلسفة العقل.

بدأ مسيرته المهنية في مؤسسات علمية رفيعة مثل المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية بجنيف (CERN)، وبرز كعالم بارع في مجال النمذجة الحاسوبية. لكن اهتمامه لم يبقَ حبيس المختبرات وأروقة الأكاديميا. إذ شيئاً فشيئاً، أخذه عمله نحو الأسئلة الوجودية الكبرى؛ ما هو الوعي؟ ما هي المادة؟ هل يعكس العلم الواقع كما هو، أم هو مجرد تمثيل له؟ أسئلة دفعته إلى كسر الحدود بين العلوم النظريّة والفلسفة، وإطلاق مشروع فكري متكامل ونقد لاذع للفلسفة الماديّة، نشر في سياقه عشرات الكتب، والمقالات، ومقاطع الفيديو والبودكاست التي تشرح أفكاره للجمهور العريض.

مثالية كاستروب التحليلية تمثل في هذه اللحظة أعتى نقد موجه للفلسفة المادية التي تزعم أن العالم مكوّن من مادة فقط، وأن الوعي ظاهرة ثانوية ناتجة عن تفاعلات مادية في الدماغ. وفي كتبه مثل «لماذا المادية محض هراء؟» و«فكرة العالم»، يقدّم ما يسميه نظرية نقيضة تجعل الوعي أساس الوجود، وأن العالم المادي ليس إلا تمظهراً لهذا الوعي.

يستشهد كاستروب بما يُعرف في دنيا الفلسفة بـ«المشكلة المعقدة للوعي»، كما صاغها الفيلسوف ديفيد تشالمرز في مقالته الشهيرة بذات العنوان، التي تطرح سؤالاً تأسيسياً حرجاً؛ كيف يمكن للصفات الفيزيائية أن تشرح الخبرات الذاتية؟ كيف تفسر الكتلة أو الزخم أو التسارع مسائل مثل الإحساس بالحب، أو الخوف، حتى مذاق الفراولة؟ وجهة نظره؛ لا يمكنها ذلك، ولن يمكنها أبداً.

من هنا، يرى أن العقل لا يمكن أن يكون نتيجة للمادة، بل العكس؛ المادة هي مجرد شكل يظهر فيه العقل حين يُنظر إليه من الخارج. وكما أن الدموع على وجه الحزين لا تختزل الحزن ذاته، فإن الكون المادي لا يعكس جوهر الواقع، بل هو تمثيله الخارجي فقط.

ويقول كاستروب إن المادة، كما تفهمها الفيزياء الحديثة، لا تملك واقعية قائمة بذاتها. فهي تتحلل في النهاية إلى «حقول كميّة» مجرّدة، لا وجود محسوساً لها. بل إن هذه الحقول، كما يقول، «أدوات رياضية نفترض وجودها لأن العالم يتصرف كما لو كانت موجودة». أما الزمان والمكان، فهما أيضاً ليسا إطارين مطلقين كما ظنّ نيوتن، بل مجرد «طرائق معرفية» تساعدنا على فهم العالم، والفيزياء المعاصرة - خاصة مع نظريات النسبية العامة والجاذبية الكميّة – تؤكد ذلك؛ أن الزمان والمكان ليسا أساسيين، بل طارئان.

من هنا، ينتقد كاستروب الوضع الراهن، حيث يعامل كثير من العلماء الماديّة على أنها حقيقة لا جدال فيها، بينما هي مجرد فرضية تفسّر العالم بطريقة واحدة. لكنها، في رأيه، طريقة معيبة، تفتقر إلى التماسك، وتفشل في تفسير الوعي، وتقوم على نموذج كوني يعترف بأنه لا يفسّر سوى 5 في المائة من الكون، بينما يظل الباقي في ظلمة «المادة المظلمة» و«الطاقة المظلمة».

ومن هنا، يقدّم كاستروب استعارة بديعة؛ الواقع يشبه كتاباً مكتوباً بلغة مادية، لكنه يشير إلى ما هو خلفه، إلى المعنى. فإذا تعاملنا مع المادة بوصفها نهاية المطاف، أصبح العالم مسطحاً، خانقاً، خالياً من المعنى، أما إذا أدركنا أن المادة مجرد مظهر لعقلٍ كوني أعمق، أصبح الكون كله رسالة يجب فك شيفرتها.

في صلب رؤية كاستروب يقبع مفهوم الحب بوصفه القوة التي توحّد، وتقابل الخوف الذي يفرّق. عندما نؤمن بأننا كيانات منفصلة، نعيش في عزلة وانفصال. لكن إذا فهمنا أن كلّ ما نراه – من نجوم ومجرات إلى أجسادنا – ليس سوى تمثيل لمجال عقلي واحد شامل، فإننا نبدأ رحلة الاندماج من جديد في مصفوفة الكينونة، كما يسميها. وهذا الاندماج، في نظره، هو جوهر الحب.

وهو يعترف بأن نقل هذه الأفكار إلى جمهور علمي ليس بالأمر السهل. فالفلسفة تُجبره على استخدام لغة رمزية، بينما يتطلّب الخطاب العلمي دقة رياضية وتجريبية. واللغة، كما يقول، مشبعة بأطرنا المعرفية المسبّقة، فهي تُبنى على مفاهيم مثل المكان والزمان، ليست بالضرورة موجودة في الواقع الموضوعي. لذلك، فإن إحدى المهام الأساسية لديه هي تفكيك فكرة أن الإدراك يعكس العالم كما هو. لا، بل الإدراك مشفّر، انتقائي، متحيز. إنه واجهة تشغيل، لا نافذة شفافة. وهذا يجعل من التفكير الفلسفي الميتافيزيقي ضرورة، لا ترفاً.

مثالية كاستروب التحليلية تمثل في هذه اللحظة أعتى نقد موجه للفلسفة المادية التي تزعم أن العالم مكوّن من مادة فقط

يدرك كاستروب أن كلمة «ميتافيزيقا» قد تثير عند البعض صوراً روحية أو غامضة أقرب للصلاة والتصوّف، لكنه يُعيد تعريفها ببساطة؛ هي دراسة ما هو موجود. الفيزياء تدرس كيف تتصرف الأشياء، أما الميتافيزيقا فتسأل؛ ما هي الأشياء أصلاً؟

لكن هل تبقى هذه الأفكار طليقة سماء التجريد وملاعب الجدل الفلسفي فحسب؟ ليس بالضرورة. إذ يرى أن تبنّي هذا النموذج المثالي التحليلي للعالم يمكن أن يغيّر طريقة فهمنا للذات، وللرعاية الصحية. فإذا كنا في جوهرنا كائنات عقلية، لا مادية، فإن الصحة العقلية يجب أن تُعامل كأساس، لا كمجرد بعد ثانوي. وحينها، يصبح العقل وسيلة للشفاء، لا مجرد متلقٍّ للعلاج.

قد يتفق المرء مع كاستروب، أو يختلف معه. لكن المؤكد أن ما يقدّمه ليس مجرّد طرح فلسفي آخر، بل دعوة حقيقية لتوسيع أفق فهمنا للوجود، وإعادة النظر في كثير من البديهيات والمسلمات. ونصيحته؛ لا تأخذوا «الواقع» كما يُقدَّم لكم. راقبوا، واسألوا، وتأمّلوا. فقد تكون «المادة» مجرّد قناع يرتديه العقل.


مقالات ذات صلة

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كتب «برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي»، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية.

حمزة عليوي
كتب محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

يحضر التاريخ في «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، ليس بوصفه مجرد حدث يعتمد عليه السرد وينطلق منه مؤسساً عليه ومستعيناً به، بل بوصفه نقطةً...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

صدر حديثاً عن دار نشر أمازون (Amazon Publishing) كتاب جديد للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون مفارقات ساخرة ومصاير موجعة

مفارقات ساخرة ومصاير موجعة

بين السخرية والوجع، تمضي نصوص المجموعة القصصية الجديدة «جامع العملات القديمة»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب شريف عبد المجيد، الذي راكم تجربة لافتة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

في قالب تشويقي روائية متسارعة تطرح رواية «غرينلاند، البلد الذي لم يكن للبيع» أسئلة صعبة تجد صدى قوياً في هذه الفترات المتوترة التي يعيشها العالم: هل للوطن ثمن؟

أنيسة مخالدي (باريس)

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.


محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»
TT

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

يحضر التاريخ في «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، ليس بوصفه مجرد حدث يعتمد عليه السرد وينطلق منه مؤسساً عليه ومستعيناً به، بل بوصفه نقطةً درامية مشحونة بالمشاعر وهى تجسد التحول ومرارة الفقد إثر سقوط الأندلس في لحظة تمتزج فيها المتناقضات بين ما هو جميل وما هو واقعي وما هو متخيل.

هذا ما يذهب إليه الناقد والباحث المصري الدكتور محمود الضبع في كتابه «مراوغة التاريخ – في الآداب والفنون البصرية» الصادر أخيراً عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، مشيراً إلى أن سقوط الأندلس لم يكن يعني انتهاء تاريخ وحضارة فقط، إنما كان يعني سقوط الإنسان العربي وتقهقر حياته إلى الوراء. تأكد ذلك بخاصة مع أولئك الذين عايشوا سنوات التحول ولحظاته هنالك، حيث الحياة مغامرة غير محسوبة لا يمكن للمرء أن يتصور ماذا يمكن أن يؤول إليه الحال في اللحظة المقبلة، فربما يموت أو يُسجن أو يُحرق أو يُجبر على الرحيل، وإن لم يكن ذلك مصيره هو، فقد يكون مصير أحد أفراد أسرته أو أحد أقاربه أو جيرانه أو أبناء حيه.

وحسب النص، فإن كل شيء في غرناطة يحكي تاريخ هذا التحول: الحارات التي ألفت ساكنيها، وأشجار الزيتون التي صنعت حياتهم، والبيوت القديمة التي زيَّنها أهلوها بالخط العربي الجميل، والصناعات والحرف التي نشأت متأثرة بحضارة الشام ومصر والمغرب، واللغة التي ارتبطت بالقرآن والسنة، والثقافة التي تكونت عبر أجيال، والدين الذي آنسته القلوب وأنماط الحياة والبشر، كل شيء يتحول في اتجاه واحد لا يحيد عنه فيتخذ مساره نحو التقهقر والتراجع والفقد والمرارة.

من يرحل عن غرناطة طواعية لا يعود، ومن يُلقى عليه القبض لا يعود، ومن يعبّر عن أي مظهر يدل على عروبته لا يعود، ومن يرفع صوته بالآذان ومن يقرأ القرآن ومن يتحدث باللغة التي نشأ عليها وعبّر عن حبه ومشاعره وحاجاته، كل من يفعل ذلك يرحل فلا يعود.

تبدأ الرواية برسم مشهد سريالي بين الواقعي والمتخيل يخاله «أبو جعفر» حلماً، لكنه في حقيقته هو المشهد الافتتاحي الذي يلخص عبر الرمز والدلالة أحداث الرواية ويحدد المسار الذي سيتخذه التاريخ منذ تلك اللحظة. رأى «أبو جعفر» امرأة تنحدر في اتجاهه من أعلى الشارع كأنها تقصده. اقتربت المرأة أكثر فأيقن أنها لم تكن ماجنة ولا مخمورة، كانت صبية بالغة الحسن، ميادة القد، وشعرها الأسود مرسل يغطي كتفيها، وعيناها الواسعتان يزيدهما الحزن اتساعاً في وجه شديد الشحوب.

ولما كان الشارع مهجوراً والحوانيت لم تزل مغلقة وضوء النهار لم يبدد بنفسج السحر بعدـ فقد بدا لأبي جعفر أن ما شاهده رؤيا من رؤى الخيال، حدّق وتحقق ثم غالب دهشته وقام إلى المرأة وخلع ملفه الصوفي وأحاط به جسدها ليغطيه، وسألها عن اسمها ودارها، فلم يبدُ أنها رأته أو سمعته. تركها تواصل طريقها وظل يتابع مشيتها الوئيدة وحركة خلخاليها الذهبيين حول كاحلين لوثهما وحل طريق تخوض فيه قدماها الحافيتان.

ورغم البرد القارس وصفير رياح تعصف بأشجار الجوز المغروسة على جانبي الطريق، بقي «أبو جعفر» واقفاً بباب حانوته حتى أرسلت الشمس خيوطاً صفراء واهية حددت معالم الشارع. كان المشهد إشارة رمزية، فالأندلس كأنها تتعرى شيئاً فشيئاً وترحل بلا رجعة، ساهمة ذاهلة حافية القدمين وئيدة، كما أن الأمل في الثورة والحرب وانتظار مدد من بلاد العرب أصبح حلماً أيضاً بلا رجعة، فماذا تبقي من غرناطة والأندلس للبكاء؟

لم يتبق سوى بعض أولئك الذين يصارعون من أجل بقائهم أحياء، فضلاً عن بعض المخطوطات والكتب التي تم إنقاذها من الحرق وبعض الظلال الوارفة التي هربت من أشعة الشمس القشتالية. هل يمكن العودة إلى الظلام بعد النور، وهل تنطوي هكذا صفحات التاريخ على أجيال تغلغلت جذورها ونمت فروعها فطالت أعنان السماء؟

تحكي الرواية سيرة العرب الأندلسيين «المورسكيين» في أيامهم الأخيرة عبر ثلاثة أجزاء، هي «غرناطة» و«مريمة» و«الرحيل»، تغطي قرناً وستة عشر عاماً من الزمان بدءاً من اجتماع «الحمراء» وتوقيع آخر ملوك الأندلس المسلمين أبو عبد الله محمد الصغير على اتفاقية تسليم البلاد عام 1492.

في الجزء الأول «غرناطة»، تبدو الحياة هادئة لا يكدر صفوها إلا أخبار سقوط الممالك المجاورة، مثل مالقة وبلنسية وهروب بعض الصغار إلى غرناطة فيستقبلهم أبو جعفر الذي يعمل خطاطاً ويمتلك حانوتا في حي «الوراقين» ويسكن حي «البيازيين» مع زوجته وحفيديه حسن وسليمة اللذين مات أبوهما شاباً.

ويحكى الجزء الثاني تاريخ «مريمة» أم البنات اللائي تزوجن ورحلن إلى ممالك أخرى، و«هشام» الذي يتزوج عائشة وينجب «علي» ويعمل قاطعاً للطريق على القشتاليين ويختفي وتموت «عائشة» ويبقى «علي» في حوزة جدته «مريمة» وجده «حسن» الذي يعلمه العربية فيكون آخر قارئ لها في الأندلس، ثم يموت الجد وتكمل «مريمة» المسيرة لترصد تاريخ التحول في غرناطة والمدن المحيطة.

ويحكي الجزء الثالث «الرحيل» قصة رحيل علي إلى بلنسية بحثاً عن عماته، ويقوده البحث إلى قرية تتبعها اسمها الجعفرية فيلتقي شيخها عمر الشاطبي ويخبره أن عماته رحلن منذ عامين إلى المغرب العربي ويعرض عليه البقاء؛ فيبقى الأمل في المدد وطلب المعونة بالاتصال بالأمراء الثوار.

وهكذا، لم تكن «ثلاثية غرناطة» على هذا النحو مجرد رواية ترصد تاريخ سقوط أجمل مدن الأندلس فقط، ولكنها وثيقة تعيد إلى الذاكرة العربية تاريخها وماضيها وتدفع المخيلة إلى استشراف أفق المستقبل في ظل تحولات جديدة، وتاريخ موغل في القدم.


الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية
TT

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

صدر حديثاً عن دار نشر أمازون (Amazon Publishing) كتاب جديد للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية (Ethics of Artificial Intelligence in Healthcare)، وهو عمل فكري يناقش واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الطب المعاصر، المتعلقة بالتحولات الأخلاقية التي يفرضها الاستخدام المتسارع للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

ويقدّم المؤلف، وهو طبيب وباحث أكاديمي عراقي-بريطاني، وأحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، قراءة تحليلية عميقة للعلاقة المعقدة بين الخوارزميات الطبية والقرار السريري، مسلطاً الضوء على التحديات الأخلاقية المرتبطة بالتشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وإدارة البيانات الصحية، وحدود المسؤولية عند وقوع الخطأ.

ينطلق الكتاب من جذور تاريخية لأخلاقيات الطب، تبدأ من مسلّة حمورابي التي أرست مبدأ مساءلة الطبيب، مروراً بحكمة ابن سينا وفلسفة ابن رشد في ربط المعرفة الطبية بالمسؤولية الأخلاقية، وصولاً إلى الأسئلة المعاصرة التي تطرحها أنظمة الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي.

ويناقش الكتاب محاور أساسية، من بينها:

دور وحدود الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي، والشفافية والمساءلة القانونية والأخلاقية، والعدالة الصحية والتحيز الخوارزمي، وخصوصية وملكية بيانات المرضى، ومستقبل دور الطبيب في عصر الرعاية الصحية الذكية.

ويرى المؤلف في هذا العمل أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطوّر، لا يمكن أن يكون بديلاً عن ضمير الطبيب أو إنسانيته، بل أداة ينبغي توجيهها أخلاقياً لخدمة الإنسان لا اختزاله في بيانات.

وقد صدر باللغة الإنجليزية اولا،  ثم صدرت الطبعة العربية لاحقاً، ضمن مشروع يهدف إلى إغناء المكتبة العربية بأدبيات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي.