قيادي في «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: نأخذ تهديدات إسرائيل بكل جدية وهي تسيطر فعلياً على القطاع

باسم نعيم يقول إن المفاوضات متوقفة

فلسطيني ينظر إلى الدمار الناجم عن هجوم إسرائيلي في النصيرات وسط قطاع غزة يوم الأربعاء (د.ب.أ)
فلسطيني ينظر إلى الدمار الناجم عن هجوم إسرائيلي في النصيرات وسط قطاع غزة يوم الأربعاء (د.ب.أ)
TT

قيادي في «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: نأخذ تهديدات إسرائيل بكل جدية وهي تسيطر فعلياً على القطاع

فلسطيني ينظر إلى الدمار الناجم عن هجوم إسرائيلي في النصيرات وسط قطاع غزة يوم الأربعاء (د.ب.أ)
فلسطيني ينظر إلى الدمار الناجم عن هجوم إسرائيلي في النصيرات وسط قطاع غزة يوم الأربعاء (د.ب.أ)

بينما تلوّح إسرائيل من جديد باستخدام ورقة «احتلال» قطاع غزة، بوصفها فرصة لتمرير مشاريع تخدم سياسات رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وبعض وزراء اليمين المتطرف من جهة، وللضغط على حركة «حماس» عسكرياً من جهة أخرى لمحاولة إجبارها على تقديم تنازلات بشأن مطالبها للقبول بوقف إطلاق النار وتسليم الرهائن، أكد قيادي في الحركة أنها تأخذ التهديدات الإسرائيلية «بكل جدية».

ومن المقرر أن يعرض نتنياهو، الخميس، على المجلس الوزاري السياسي والأمني المصغر (الكابينت) مقترحاً يتعلق باحتلال قطاع غزة، وسيطلب فيه من رئيس أركان الجيش إيال زامير، استعراض خطته المتعلقة بذلك.

ويعارض زامير خيار «الاحتلال»، ويفضل خيارات أخرى مثل تقطيع أوصال القطاع، وفرض حصار مشدد على بعض المناطق، وتنفيذ عمليات برية محدودة بحيث لا تؤثر على حياة الرهائن الإسرائيليين.

أما موقف «حماس» وكيفية تعاملها ميدانياً وسياسياً مع تحرك إسرائيل نحو احتلال القطاع، في حال اتخاذ هذا القرار وتنفيذه فعلياً، فغير معروف.

د. باسم نعيم القيادي في حركة «حماس»... (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لكن باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» عن قطاع غزة، قال لـ«الشرق الأوسط» إن حركته تأخذ التهديدات الإسرائيلية بكل جدية؛ مشيراً في الوقت ذاته إلى أن القطاع فعلياً تحت السيطرة الكاملة للاحتلال الإسرائيلي، براً وبحراً وجواً.

وأضاف: «الاحتلال دخل كل شبر في قطاع غزة على مدار 22 شهراً، وفشل في تحقيق أيٍّ من أهدافه، فماذا سيفعل أكثر من ذلك إلا مزيداً من القتل والتجويع والتدمير؟».

أوامر نزوح جديدة

وفعلياً دخلت القوات الإسرائيلية غالبية مناطق قطاع غزة منذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023؛ وهي تهدد حالياً بدخول مدينة غزة التي انسحبت جزئياً من أحيائها الشرقية منذ نحو أسبوع بعد عمليات تدمير واسعة، فيما لا يزال بعض قواتها في حي التفاح والأجزاء الشرقية والجنوبية من حيي الشجاعية والزيتون.

يأتي هذا وسط تهديدات جديدة بتوسيع العملية في بعض المناطق القريبة من تلك الأحياء بعد إصدار أوامر نزوح جديدة، فيما تردد في وسائل الإعلام العبرية أن من الخطط التي طرحها الجيش الإسرائيلي الدخول لعمق وغرب مدينة غزة، وهي مناطق مكتظة بالسكان والنازحين من شمال القطاع وشرق المدينة.

وكانت القوات الإسرائيلية قد دخلت هذه المناطق لأشهر عدة مرات، وألحقت بها دماراً واسعاً، وتهدمت أبرز معالمها الحكومية والخدماتية، ومنها مجمع الشفاء الطبي.

فلسطينيون ينظرون إلى الدمار في محيط مركز طبي تابع لـ«أونروا» يؤوي نازحين بعد هجوم إسرائيلي يوم الأربعاء (رويترز)

كما تهدد إسرائيل بالعمل في مخيمات وسط القطاع، وهي التي تعرض بعض أجزائها الشرقية والجنوبية والشمالية لدخول بري محدود، في حين شهدت غالبية المناطق قصفاً جوياً ومدفعياً عن بعد.

«قتل البَشَر وتدمير الحَجَر»

وقال قيادي في حركة «حماس» من داخل قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كانت إسرائيل تريد الدخول براً وتحتل قطاع غزة في هذه الفترة، فماذا كانت تفعل من قبل؟!»، معتبراً هذا دليلاً على فشل العمل العسكري طوال فترة الحرب، وهو ما يناقض تصريحات نتنياهو الذي تحدث عن قرب حسم المعركة وتحقيق النصر المطلق، على حد قوله.

وأضاف القيادي، الذي فضَّل عدم الإفصاح عن هويته لأسباب أمنية: «نحن لا نتعامل مع تهديدات وسيناريوهات الاحتلال من خلال ما يريد رسمه في الإعلام، ونأخذ تلك التهديدات على محمل الجد، لكننا نعمل وفق ظروف الميدان وما يُفرض فيه عليه من حرب ومعركة ما زالت الحركة تقودها وتواصلها بما لديها من إمكانات، ووفق ما تحدده الظروف الميدانية».

فلسطينيات ينتحبن خلال تشييع قتلى من منتظري المساعدات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

وتابع: «إذا أرادوها معركة مفتوحة لسنوات، فنحن لها، وجنودنا في الميدان حاضرون. وإن أرادوا المفاوضات والاتفاق، فنحن أيضاً منفتحون ونريد تجنيب شعبنا ويلات هذه الحرب الإجرامية».

وواصل حديثه قائلاً: «الاحتلال لا يفعل شيئاً في غزة سوى قتل البَشَر وتدمير الحَجَر، ويسعى بكل قوة لأن تكون غزة مجردة من كل معاني الحياة».

مفاوضات متوقفة

تأتي التهديدات الإسرائيلية باحتلال القطاع وسط توقعات بأنها جزء من عملية تكتيكية يقودها نتنياهو داخلياً محاولةً لإرضاء وزراء اليمين المتطرف من جانب، وخارجياً لنقل رسائل إلى «حماس» والفصائل الفلسطينية لإعادتها المفاوضات وتحريكها من جديد.

ويقول باسم نعيم، وهو أحد قادة «حماس» المنخرطين في ملف مفاوضات وقف إطلاق النار بغزة: «حتى الآن لا يوجد تواصل لاستئناف المفاوضات، وكل ما نسمعه هي التهديدات الإسرائيلية بالتصعيد».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «حماس» سلَّمت ردها منذ أسبوعين للوسطاء، ولا تزال تنتظر من الاحتلال الإسرائيلي رداً رسمياً عبر الوسطاء على موقفها؛ لافتاً إلى أن حركته «أبلغت الوسطاء بعدم جدوى التفاوض في ظل المجاعة والموت الذي يفرضه الاحتلال على شعبنا في قطاع غزة».

وتؤكد مصادر من «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى لـ«الشرق الأوسط أن الاتصالات مع الوسطاء لم تنقطع، ولكنها تخلو حتى الآن من «أي اختراق حقيقي» يتيح استئناف المفاوضات.

ووفقاً للمصادر، فإن الموقف الأميركي الداعم لموقف حكومة نتنياهو هو ما يُعقّد المشهد، ويمنع أي فرصة لتقدم فعلي تجاه التوصل إلى أي اتفاق، الأمر الذي يفرض تساؤلات حقيقية حول النيات الأميركية والإسرائيلية تجاه الوصول إلى اتفاق وصفقة لتبادل الأسرى رغم ما يردده الطرفان في وسائل الإعلام وعبر تصريحات مسؤولين في الجانبين من أنهما معنيَّين بإعادة المحتجزين في غزة.

واقع معقَّد

وعلى الأرض، طلبت إسرائيل، الأربعاء، من سكان مناطق في غرب خان يونس، جنوب القطاع، وفي جنوب مدينة غزة مثل حي الزيتون وأجزاء من حي الصبرة، إخلاءها والنزوح منها.

فلسطينيون يهرعون إلى موقع إسقاط مساعدات جواً في النصيرات وسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن بعض المناطق المطلوب إخلاؤها يقع في خان يونس بالقرب من مواصي المحافظة، وأن جزءاً منها يقع في قلب منطقة مجمع ناصر الطبي الذي طُلب عدم إخلائه، فقد طالب الجيش الإسرائيلي سكان أحياء جنوب مدينة غزة بالنزوح إلى المواصي التي يصفها بأنها منطقة إنسانية، رغم الاستهداف المتكرر فيها للفلسطينيين وخيامهم.

يأتي هذا وسط ظروف ميدانية وإنسانية صعبة يعيشها قطاع غزة، وتتفاقم فيها المعاناة مع استمرار سقوط الضحايا الذين ترتفع أعدادهم يومياً، خصوصاً في صفوف منتظري المساعدات.

وتزداد كذلك أعداد المتوفين نتيجة المجاعة وسوء التغذية المتفشيَين. وسجلت وزارة الصحة في غزة، في آخر 24 ساعة (من ظهيرة الثلاثاء إلى الأربعاء) 5 حالات وفاة، ليرتفع العدد إلى 193 منهم 96 طفلاً منذ بداية الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

فلسطيني يحمل دلوَي ماء فيما ينتظر آخرون لتعبئة بعض المياه بمدينة غزة وسط شح حاد يوم الأربعاء (رويترز)

وسجلت الوزارة مقتل 138 وإصابة 771 فلسطينياً خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، مما رفع حصيلة الحرب منذ بدايتها إلى 61158 قتيلاً، و151442مصاباً، من بينهم 9654 قُتلوا منذ فجر الثامن عشر من مارس (آذار) الماضي بعد استئناف إسرائيل الحرب على غزة في أعقاب وقف إطلاق نار مؤقت استمر شهرين.

كما سُجل وصول 87 قتيلاً و570 مصاباً إلى مستشفيات القطاع في آخر 24 ساعة، من بين منتظري المساعدات، ليرتفع إجمالي الضحايا في صفوفهم منذ نهاية مايو (أيار) الماضي إلى 1655 قتيلاً و11800 جريح.


مقالات ذات صلة

قبل شهر من «7 أكتوبر».... إسرائيل طلبت زيادة الأموال من قطر لغزة

شؤون إقليمية فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

قبل شهر من «7 أكتوبر».... إسرائيل طلبت زيادة الأموال من قطر لغزة

كشفت مصادرفي تل أبيب أن إسرائيل كانت قد طلبت من قطر، في بداية شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2023 زيادة مبلغ الأموال التي تنقلها إلى قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

خاص «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل

قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ما تمتلكه الحركة في قطاع غزة هي أسلحة خفيفة، ليس لها أي تأثير حقيقي أو يمكن أن تشكل خطراً حقيقياً على الاحتلال الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح (أ.ف.ب) play-circle

تحليل إخباري «اتفاق غزة»: «فتح معبر رفح» خطوة مرتقبة تختبر إمكانية بدء المرحلة الثانية

تسريبات إسرائيلية جديدة تتحدث عن استعداد لفتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني الذي تحتله إسرائيل منذ مايو 2024 تحت ضغوط أميركية

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (أ.ف.ب)

زامير: 2026 سيكون «عاماً حاسماً» لأمن إسرائيل

قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الأربعاء إن إسرائيل عازمة على نزع سلاح حركة «حماس» الفلسطينية واصفاً عام 2026 بأنه «عام حاسم» لأمن الدولة العبرية

«الشرق الأوسط» (القدس)
تحليل إخباري مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

تسريبات إسرائيلية عن اتفاق مع واشنطن على استعجال نزع سلاح حركة «حماس»، وحديث عن مهلة محتملة لنحو شهرين لإنهاء المهمة، وسط ترقب لبدء المرحلة الثانية المتعثرة.

محمد محمود (القاهرة)

جريح بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

جريح بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)

شن الطيران الحربي الإسرائيلي، الجمعة، سلسلة غارات جوية عنيفة على جنوب لبنان.

واستهدف الطيران الإسرائيلي بغارات سهل عقماتة وأطراف الريحان في منطقة جبل الريحان، واتبعها بعد دقائق بسلسلة غارات عنيفة مستهدفاً المنطقة الواقعة بين بلدتي أنصار والزرارية ملقياً عدداً من الصواريخ من نوع «جو - أرض».

وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة بيان أعلن أن «غارة العدو الإسرائيلي اليوم على بلدة أنصار قضاء النبطية أدت إلى إصابة مواطن بجروح».

كما تعرضت الوادي الواقعة بين بلدتي كفروة وعزة في قضاء النبطية لـ3 غارات جوية إسرائيلية.

من جهته، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن قواته نفذت غارات على مواقع لـ«حزب الله» في عدة مناطق بجنوب لبنان.

وأكد أدرعي عبر منصة «إكس» أن الجيش استهدف «بنى تحتية إرهابية» تابعة لـ«حزب الله» منها مجمع تدريبات لوحدة قوة الرضوان ومبانٍ عسكرية قال إنها كانت تُستخدم لتخزين وسائل قتالية.

وقال المتحدث إن «وجود البنى التحتية التي تم استهدافها إلى جانب إجراء التدريبات العسكرية يُشكّل خرقاً للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان».

وجرى التوصل إلى هدنة بين إسرائيل و«حزب الله» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بوساطة أميركية بعد قصف متبادل لأكثر من عام، لكن إسرائيل ما زالت تسيطر على مواقع في جنوب لبنان رغم اتفاق الهدنة وتواصل شن هجمات على شرق البلاد وجنوبها.


«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
TT

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)

رغم المواقف الحاسمة للبطريركية المارونية المتمسكة بحصرية السلاح، وباتفاق هدنة مع إسرائيل، فإن قيادة «حزب الله» تبدو متمسكة بإبقاء قنوات التواصل فاعلة مع بكركي (مقر البطريركية) بعدما كانت قد شهدت خلال فترة حرب إسناد غزة وما تلاها، نوعاً من البرودة.

وأعطت الزيارة التي قام بها وفد من «حزب الله» إلى بكركي، وضم النائبين علي فياض ورائد برو، وعضوي المكتب السياسي في الحزب أبو سعيد الخنسا وعبد الله زيعور للتهنئة بالأعياد وعرض الأوضاع الراهنة على الساحتين المحلية والإقليمية مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، زخماً للعلاقة بين الطرفين، وأظهرت نية واضحة لدى «حزب الله» بإبقاء التواصل قائماً مع البطريركية المارونية، رغم الخلاف بينهما في مقاربة ملفات استراتيجية.

حوار ضمن ثوابت بكركي

وأكد مصدر كنسي فضّل عدم ذكر اسمه أن «العلاقة والتواصل لم يتوقفا بين الحزب وبكركي حتى خلال الحرب الأخيرة، وإن كانت لم تُسجل زيارات لاعتبارات أمنية مرتبطة بـ(حزب الله)»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «النقاشات الحاصلة بين الطرفين كانت ولا تزال قائمة ضمن ثوابت بكركي التي يشكل اعتمادها طريق خلاص لبنان». وأضاف المصدر: «البطريركية مصرة على أن خلاص لبنان بحياده وبحصرية السلاح، وتطبيق القرارات الدولية وصولاً لإطلاق بحث جدي بموضوع الهدنة».

وأشار المصدر إلى أن «(حزب الله) يُظهر انفتاحاً في مقاربة كل هذه الملفات، ولا يعلن رفضاً قاطعاً لأي طرح... حتى إنه يقول إنه مع حصرية السلاح، ولكن وفق ظروف ومعطيات معينة وأنه مع الهدنة لا الاستسلام»، لافتاً إلى أن ما يسعى الحزب إليه راهناً، «هو إظهار أنه جاهز للحوار والتلاقي مع الداخل، ولا يريد الصدام، وقد يكون ذلك يندرج بإطار سعيه لكسب الوقت معولاً على متغيرات معينة بالمنطقة».

حوار عميق

يصف الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع من كثب على موقف «حزب الله»، الزيارة التي قام بها وفد الحزب إلى بكركي بـ«المهمة جداً»، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن «حوار عميق بين الحزب والبطريركية المارونية لم ينقطع منذ سنوات عدة؛ ولذلك هذا اللقاء الهام هو استكمال للحوار وليس مجرد تهنئة بروتوكولية بمناسبة الأعياد».

ويشير قصير إلى أن «(حزب الله) يشارك في حوار فكري وسياسي بإشراف بكركي حول مختلف التحديات التي تواجه لبنان، خصوصاً تطبيق اتفاق الطائف وملف الانتخابات البرلمانية والسلاح ودور لبنان في المنطقة»، موضحاً أن «هناك لقاءات حوارية تُعقد في جامعة القديس يوسف باشراف بكركي ومشاركة مؤسسة ألمانية، ويشارك الحزب فيها دورياً، وهناك جلسة ستُعقد، الأسبوع المقبل، وتشارك فيها 40 شخصية لبنانية».

إدارة الخلاف

من جهته، يرى جاد الأخوي، المعارض الشيعي اللبناني، ورئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» أن «حزب الله» يحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع بكركي «لاعتبارات تتجاوز المجاملات البروتوكولية، وتدخل في صلب حساباته الوطنية والاستراتيجية»، موضحاً أن «المواقف العالية النبرة الصادرة عن البطريركية، لا سيما فيما يتصل بالسلاح أو بالسيادة أو بالحياد، تُدرَك في بيئة الحزب على أنها تعبير عن هواجس تاريخية لدى المسيحيين أكثر مما هي اصطفاف كامل في محور سياسي معادٍ؛ لذلك يفضّل بعض الحزبيين إدارة الخلاف عبر الحوار، لا تكريسه عبر القطيعة».

ويرى الأخوي: «بالنسبة للحزب، فإن إبقاء العلاقة مع بكركي يندرج في إطار استراتيجية لتظهير نفسه قوةً لبنانيةً لا طائفيةً، قادرة على التواصل مع جميع المكوّنات، لا كتنظيم مذهبي منغلق. هذا الأمر له أهمية خاصة في مراحل الضغط الداخلي والخارجي، حيث يحتاج الحزب إلى تثبيت صورة (الشريك الوطني) لا (الطرف المعزول)». ويضيف: «يفضّل الحزب علاقة متوترة، ولكن مفتوحة مع بكركي، في بلد تُدار أزماته دائماً على حافة الانقسام الوجودي».

نظرة تاريخية

كانت العلاقة بين الراعي والحزب اهتزت، الصيف الماضي، على خلفية مواقف عالية النبرة أطلقها البطريرك الماروني رأى فيها أن «المقاومة ليست خضوعاً لإملاءات إيران»، ووجَّه حينها رسالة إلى الحزب قائلاً: «رسالتي إلى (حزب الله): أعلِن ولاءك النهائي للبنان». وقال إن حرب إسناد غزة التي بدأها «حزب الله» قد «أتت بالخراب على أبناء لبنان»، معلناً أنه «لا مانع من السلام مع إسرائيل مستقبلاً عندما تكون الظروف مناسبة».

وكثيراً ما تولت لجنة مشتركة تضم ممثلين عن بكركي و«الثنائي الشيعي» تنظيم العلاقة بين الطرفين، والخوض في نقاشات شتى لتقريب وجهات النظر بينهما. وقد فعّلت نشاطها بعد تولي البطريرك الراعي سدة البطريركية على أساس أن علاقة بكركي والحزب ساءت جداً في عهد البطريرك الراحل نصر الله صفير نظراً لمواقفه السلبية الصريحة من «الحزب» وسلاحه والنظام السوري.

كذلك لم تستقر علاقة الطرفين منذ تولي الراعي مهامه؛ إذ ساءت في عام 2014 مع قرار الراعي زيارة القدس لملاقاة البابا فرنسيس. ونبّه «حزب الله» في وقتها الراعي من «مخاطر وتداعيات» الزيارة التي كانت في حينها الأولى من نوعها لبطريرك ماروني إلى القدس منذ إنشاء دولة إسرائيل عام 1948.


انقسام حول تسمية الرئيس العراقي قبل المهلة الدستورية

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
TT

انقسام حول تسمية الرئيس العراقي قبل المهلة الدستورية

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)

لا يزال ملف اختيار مرشح كردي لمنصب رئاسة الجمهورية العراقية، المخصص عرفاً للكرد، محاطاً بالغموض والتباينات السياسية بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وسط ترقب لإعلان الاسم النهائي للمرشح عن الاتحاد الوطني.

وقال مصدر مقرب من الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لم يقدم مرشحه الرسمي حتى الآن، ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن الاسم النهائي يوم الاثنين المقبل، وهو الموعد النهائي لتسليم قائمة المرشحين إلى رئيس البرلمان».

وأضاف المصدر أن «وسائل الإعلام تتداول قائمة أسماء غير رسمية، ولم يجر الاتفاق على مرشح نهائي».

وأكدت مصادر سياسية أن الرئيس الحالي عبد اللطيف رشيد رشح نفسه من جديد للمنصب، في خطوة فاجأت قيادات كردية، فيما يسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الدفع بمرشح تسوية، حتى لو كان من الاتحاد الوطني أو مقرباً منه، في إطار سعيه لإعادة صياغة التوازنات التقليدية داخل البيت الكردي.

اجتماعات للحسم

من المتوقع أن تعقد قيادتا الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان اجتماعين منفصلين، غداً السبت، في محافظتي أربيل والسليمانية، لمناقشة موقف كل حزب بشأن المنصب.

ووفق وكالة «شفق نيوز»، فإن الاتحاد الوطني سيعرض خلال اجتماعه أسماء مرشحيه، أبرزهم نزار آمدي وخالد شواني، تمهيداً لاتخاذ القرار النهائي بحضور رئيس الحزب بافل طالباني.

في المقابل، سيجتمع الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة زعيمه مسعود بارزاني، وبحضور نائبيه نيجيرفان ومسرور بارزاني، لبحث ترشيح كل من ريبر أحمد وزير داخلية الإقليم الحالي، وفؤاد حسين وزير الخارجية، للمنصب ذاته.

ويتوقع أن يتبع الاجتماعين عقد لقاء موسع يضم قيادات الحزبين، في محاولة للتوصل إلى توافق سياسي يفضي إلى اختيار مرشح واحد يمثل البيت الكردي، وهو ما تطالب به الكتل السياسية الأخرى لضمان تمرير الاستحقاق دون تعقيدات.

الرئيس العراقي الحالي عبد اللطيف رشيد (موقع رئاسة الجمهورية)

خلافات كردية

وتتسع دائرة الخلافات الكردية - الكردية، من دون سجالات علنية، بسبب آلية اختيار الرئيس المقترحة من زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، في وقت تشهد فيه العملية السياسية برمتها توازنات هشة داخل المكونات الرئيسية الثلاثة، وسط مخاوف من أن تنعكس هذه الخلافات على الاستحقاقات الدستورية المقبلة.

ويخصص العرف السياسي في العراق منصب رئيس الجمهورية للكرد منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بينما تذهب رئاستا الحكومة والبرلمان إلى القوى الشيعية والسنية، ضمن صيغة المحاصصة التقليدية.

وقد ظل المنصب، منذ عام 2005، من حصة الاتحاد الوطني بموجب تفاهمات غير مكتوبة، مقابل احتفاظ الحزب الديمقراطي بالمناصب السيادية داخل الإقليم.

آلية انتخاب

في نهاية 2025، دعا بارزاني إلى تغيير آلية انتخاب رئيس الجمهورية الكردي، مقترحاً ثلاث آليات: أن يسمي برلمان الإقليم شخصية تمثل الكرد، أو أن تتفق جميع الأطراف الكردستانية على مرشح واحد، أو أن تختار الكتل والنواب الكرد في البرلمان العراقي مرشحاً للمنصب. وأكد بارزاني أن الأهم هو تحقيق إجماع كردي، وأن يكون الرئيس «ممثلاً لشعب كردستان في بغداد»، من دون ربطه بحزب محدد.

غير أن هذا المقترح فتح باباً جديداً للنقاش داخل البيت الكردي، خصوصاً بين الحزبين الرئيسيين؛ إذ يرى الاتحاد الوطني في المنصب ركناً أساسياً من نفوذه السياسي، بينما يطمح الحزب الديمقراطي إلى كسر العرف التقليدي لضمان دور أكبر له في توزيع المناصب السيادية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار الخلافات الكردية، حتى وإن بقيت صامتة، قد ينعكس على مسار التفاوض داخل بغداد، خصوصاً مع ترابط استحقاق رئاسة الجمهورية بتوازنات أوسع تشمل اختيار رئيس الوزراء وترتيبات التحالفات داخل البرلمان.