مزارعون في جنوب العراق يتوجهون للصحراء مع تفاقم أزمة المياه

صورة جوية تُظهر نخيلاً يُروى بآبار ارتوازية في صحراء البصرة مع ازدياد ملوحة التربة الذي يحول أراضي شط العرب إلى مناطق قاحلة (رويترز)
صورة جوية تُظهر نخيلاً يُروى بآبار ارتوازية في صحراء البصرة مع ازدياد ملوحة التربة الذي يحول أراضي شط العرب إلى مناطق قاحلة (رويترز)
TT

مزارعون في جنوب العراق يتوجهون للصحراء مع تفاقم أزمة المياه

صورة جوية تُظهر نخيلاً يُروى بآبار ارتوازية في صحراء البصرة مع ازدياد ملوحة التربة الذي يحول أراضي شط العرب إلى مناطق قاحلة (رويترز)
صورة جوية تُظهر نخيلاً يُروى بآبار ارتوازية في صحراء البصرة مع ازدياد ملوحة التربة الذي يحول أراضي شط العرب إلى مناطق قاحلة (رويترز)

تجبر الملوحة المتزايدة بمجرى شط العرب المائي في العراق المزارعين على هجر أراضيهم الزراعية والانتقال إلى مناطق صحراوية في غرب البصرة حيث توفر المياه الجوفية بديلا أكثر استقرارا.

وتعتمد البصرة بشكل أساسي على مجرى شط العرب والمياه القادمة من نهر دجلة عبر نهر الغراف وقناة اصطناعية حفرت في عام 1997. لكن مع انخفاض تدفقات المياه من المنبع وتفاقم المشكلة بسبب الجفاف وإقامة مشروعات سدود عند المنبع، ومعظمها في تركيا، تدفقت مياه البحر من الخليج إلى شط العرب مما رفع الملوحة إلى مستويات غير مسبوقة.

ونقل المزارع عبد الواحد أمين الشاوي (51 عاما) مزرعته في عام 2010 من أبي الخصيب في شرق البصرة على مجرى شط العرب إلى منطقة الشعيبة الصحراوية في غرب المدينة.

وذكر الشاوي أن الإنتاج «وفير» الآن ويصل إلى طن يوميا في ذروة الموسم بسبب عوامل بيئية ولوجيستية. وقال لوكالة «رويترز» إن «المد الملحي إللي إجه لأبي الخصيب في 2018 هو أحد الأسباب الرئيسية إللي صارت بسبب الأملاح إللي إجت للأرض، اتجهنا للآبار، مياه الآبار بصورة عامة نقول ثابتة لا تزيد لا تنقص، نوعية المياه لا تتغير».

مزارع يحمل تموراً طازجة جرى حصادها من بستان على ضفاف شط العرب حيث تهدد زيادة الملوحة وشح المياه إنتاج التمور في البصرة (رويترز)

وأضاف: «أنا في أبي الخصيب كنت لا أملك 100 نخلة وكنت طوال النهار أشتغل فيها ولم تسد مصاريفها أو أرباحها قليل، صار بها المد الملحي وضعف النخل بصورة عامة وما عندك سعة أو مساحات إللي تزرع بيها هاي الكثافة، فاتجهت إلى البر بالعكس، كانت عندي 100 (نخلة)، أنا حاليا عندي 4000 راجعة إلي (ملكي) و6000 أنا أشرف عليها، إنتاج غزير وبالعكس الصحراء متسعها للحركة كآليات، ومنطقة سكن، كتصرف، تكون أسهل من أبي الخصيب بنقل الأسمدة، بالعمالة، بالآليات إللي بتشتغل، كلها أرخص».

وظل مزارعون آخرون، مثل يالي سالم ثجيل، بالقرب من النهر وانخفض إنتاج مزارعهم. وقال ثجيل، الذي باتت مزرعته مدمرة الآن لأنها تروى بقنوات متصلة بشط العرب، إن محصوله من التمور انخفض من حوالي 3800 كيلوغرام في موسمي 2022 و2023 إلى حوالي 1200 كيلوغرام في موسم هذا العام.

وأردف يقول: «هذه المياه مياه آبار هي مياه جوفية بديلة لمياه شط العرب، هاي المياه مياه حلوة صالحة للزراعة، طبعا لو نخلصها من المعادن والكبريت (ستصبح) حتى صالحة للشرب... هاي تقريبا أعذب ماي موجودة نقول بالبصرة، والدليل على إنها أعذب ماي تعطينا إنتاج صورناه وشفناه، تعطينا خشونة وطعم ورائحة، والنخل ما شاء الله عليه ممتاز جدا».

تُظهر لقطة جوية أشجار نخيل ميتة ومحترقة في مزرعة مهجورة بمحافظة البصرة جنوبي العراق حيث أجبر شح المياه وارتفاع نسبة الملوحة المزارعين على ترك أراضيهم 30 يوليو الماضي (رويترز)

وأضاف: «تأتي الماي من شط العرب على شط حمدان على الحنتوشية ويجيلنا فرع، هسه ماكو (لا يوجد) ماي، ماي مالح منتهي (لا يصلح)، درجة الملوحة صارت 33، لا نخلة تستقبله ولا شجرة أبدا، شوف هذا هسه هذا ناعم بسبب الماي المالح... راح ننتظر الشتاء شهر 11 أو 12 إذا جالنا المطر وإذا ما جالنا مطر هتظل هاي».

وذكر مدير قسم النخيل في مديرية زراعة البصرة جاسم محمد ضمد أن العديد من المزارعين يعتمدون الآن على المياه الجوفية معتدلة الملوحة وعلى الري بالتنقيط لإدارة استخدام المياه.

وأضاف: «كثير من المزارعين الذين كانوا يسكنون في شط العرب وعلى ضفاف شط العرب بدأوا ينشئون مزارع خارج هذه المدينة، أي في مناطق الزبير وسفوان وكذلك أبو الخصيب عن طريق المياه الجوفية الموجودة حيث بعض الآبار تكون الماي نسبة الملوحة قليلة تصل إلى 2000 أو 3000 ملي موز (وحدة قياس) هاي ممكن تكون ناجحة في الزراعة بالإضافة إلى استخدام التقنية الحديثة، طريقة الري بالتنقيط، راح تقنن المياه بصورة عامة، وقلة التبذير في هذه المياه راح يستفاد منها المزارع للنخيل أيضا وللزراعات البينية إللي يزرعها بين النخيل».

صورة جوية تُظهر نخيلاً يُروى بآبار ارتوازية في صحراء البصرة مع ازدياد ملوحة التربة الذي يحول أراضي شط العرب إلى مناطق قاحلة (رويترز)

ويأتي هذا التحول وسط مخاوف أكبر بشأن الأمن المائي في العراق لأن اعتماد البلاد على نهري دجلة والفرات أصبح غير مستقر في السنوات القليلة الماضية. وانخفضت كمية المياه في النهرين بشكل حاد، وتفاقمت المشكلة بسبب السدود التي أقيمت على المنبع، ومعظمها في تركيا.

وزار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بغداد في أبريل (نيسان) 2024 وتعهد باتفاقية مدتها عشر سنوات لإدارة المياه وتلبية احتياجات العراق منها بشكل أفضل، لكن البصرة لم تشهد أي نتائج بعد.


مقالات ذات صلة

بغداد تدين هجمات صاروخية استهدفت الكويت

شؤون إقليمية السلطات الكويتية أعلنت في 12 مايو الحالي القبض على 4 متسللين تابعين لـ«الحرس ‌الثوري» الإيراني بعد محاولتهم دخول البلاد عن طريق البحر (كونا)

بغداد تدين هجمات صاروخية استهدفت الكويت

أدان العراق، الجمعة، استهداف دولة الكويت بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في موقف جاء عقب إعلان الكويت تعرض أراضيها لهجمات قالت إنها إيرانية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي الزيدي يتحدث قبل تقديم حكومته إلى البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (أ.ف.ب)

ترقُّب عراقي لأولى خطوات الزيدي لنزع سلاح الفصائل

قالت مصادر عراقية، الجمعة، إن رئاسة الوزراء ستجري مشاورات مكثفة بعد عيد الأضحى، في إطار خطة تهدف إلى إعادة تنظيم ملف الفصائل المسلحة.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية الأسترالي غراهام أرنولد مدرب منتخب العراق (أ.ف.ب)

أرنولد يعول على «شكيمة العراقيين» لتحقيق المفاجأة بالمونديال

يعوّل المدرب الأسترالي، غراهام أرنولد، على شكيمة العراقيين لتحقيق المفاجأة في مونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي دراجة نارية تمر أمام لافتة لمقتدى الصدر نُصبت على أحد شوارع بغداد 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يمهل جناحه العسكري أسبوعاً للاندماج في الحكومة

حدد زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، مهلة أسبوع لإكمال انفكاك جناحه العسكري وإلحاقه بالمؤسسات الحكومية.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية (الاتحاد العراقي لكرة القدم)

إلغاء كأس العراق يثير جدلاً واسعاً في الشارع الكروي

أشعل قرار الاتحاد العراقي لكرة القدم بإلغاء ما تبقى من منافسات بطولة كأس العراق للموسم الحالي حالة واسعة من الجدل داخل الوسط الكروي العراقي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

أعلن ​الاتحاد الأوروبي، اليوم (الجمعة)، فرض عقوبات إضافية على حركتي ‌«حماس» ​و«الجهاد ‌الإسلامي» ⁠في ​فلسطين.

وجاء في بيان للاتحاد: «قرّر ⁠الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق إجراءاته التقييدية ⁠المتعلقة بـ(حماس) ‌وحركة (الجهاد ‌الإسلامي) ​في ‌فلسطين ‌لتشمل أيضاً أعضاء المكتب السياسي لـ(حماس)، الذين ‌يروجون لأعمال العنف ويدافعون عنها ⁠ويبررونها».

ويأتي ⁠هذا الإجراء بعد يوم من فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بعض ​المستوطنين ​الإسرائيليين.


إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان، الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مشارف الأراضي اللبنانية المحتلة، توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وعبور قواته نهر الليطاني، فيما قال رئيس الأركان إيال زمير إن «الخط الأصفر لا يقيّدنا»، وإن جيشه سيعمل «في كل مكان نرصد فيه تهديداً».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة الجمعة، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله عرض للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأكد الرئيس عون، خلال الاتصال، ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الوزير روبيو «جدّد التزام الإدارة الأميركية بالاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، كما دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقّه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره».

نتنياهو

وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، بمطلب لبناني حاسم بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية إن «القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضد (حزب الله) في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي «يعمل دون توقف على مختلف الجبهات».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «عبرت نهر الليطاني وتجاوزته»، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله» ضمن ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير خلال زيارته جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

تخطي الخط الأصفر

بالموازاة، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييماً للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في هار دوف (مزارع شبعا المحتلة) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالاً وغرباً في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، حسبما قال الجيش الإسرائيلي، في بيان.

وقال زمير: «هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضد (حزب الله)، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصناً لـ(حزب الله)، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة». وتابع: «الخط الأصفر لا يقيّدنا، في كل مكان نرصد فيه تهديداً وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور. كل ضربة لـ(حزب الله) هي أيضاً ضربة للمحور الإيراني والاستثمار الإيراني في المنطقة. نحن مستعدون لأي تطور، ونحافظ على جاهزية عالية أيضاً في مواجهة إيران».

وقال زمير إن «هدفنا واضح، تعميق ضرب (حزب الله)، وإبعاد التهديد، وتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال. هذا هو الهدف المركزي الذي يوجّه كل عمل وكل قرار. حتى في هذه اللحظات قواتنا تتقدم وتعمل. كل إنجاز إضافي على الأرض يعزز أمن السكان ويساهم في خلق ظروف أفضل لترتيبات أمنية مستقبلية محسّنة من موقع قوة».

وإذ أعلن عن قتل 7500 مقاتل في «حزب الله»، بينهم 2500 منذ بدء الحرب الحالية، قال إن «تهديد الطائرات المسيّرة هو تحدٍ، لكننا سننتصر عليه. ساحة المعركة ليست نظيفة، ولن تكون كذلك، لكننا نستثمر فيها أفضل الموارد والعقول والقدرات في جيش الدفاع»، لافتاً الى «حلول عملياتية وتكنولوجية في مراحل التطوير والتطبيق، وسنواصل إدخالها إلى ساحة المعركة بسرعة».

قلق بريطاني

ويثير التصعيد الإسرائيلي قلقاً دولياً. وقال السفير البريطاني لدى لبنان هاميش كول: «نحن قلقون جداً إزاء الوضع في جنوب لبنان»، لافتاً إلى مقتل مدنيين، بينهم مسعفون، وهدم القرى والبنى التحتية المدنية والمخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية العالمية.

وقال، في تصريح: «هناك حاجة ماسة إلى خفض التصعيد، كما على الأطراف جميعهم احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقانون الدولي الإنساني».

وتابع: «تُشكل المحادثات بقيادة الولايات المتحدة فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، وهو السبيل الوحيد الذي يُمكّن المجتمعات على جانبي الحدود من العودة بثقة إلى العيش بسلام. وستعمل المملكة المتحدة مع شركائها على دعم إنهاء هذا الصراع غير المرغوب فيه وغير الضروري بشكل دائم».

تداعيات إنسانية

ومع توسع الحرب، رفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، مستوى التحذير من التداعيات الإنسانية للتصعيد، معتبراً أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر للأعمال العدائية وأوامر التهجير.

وقال ريزا إن أوامر الإخلاء الواسعة وغير الواضحة في صور والنبطية ومناطق جنوب الزهراني تسببت بحالة واسعة من الذعر والمعاناة، وأجبرت أعداداً كبيرة من العائلات على النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.

وأشار إلى أن القطاع الصحي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، موضحاً أن 182 هجوماً استهدفت مرافق وعاملين صحيين منذ الثاني من مارس (آذار)، وأسفرت عن مقتل 125 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 311 آخرين.

وأضاف أن مراكز الإيواء بلغت طاقتها القصوى، فيما لا تزال المدارس تُستخدم لاستضافة النازحين، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم.

صورة مركبة لغارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالتوازي مع التحذيرات الإنسانية، حذّر وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة من المخاطر التي تهدد مواقع أثرية أساسية في لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية.

ودعا سلامة منظمة «اليونيسكو» إلى تعيين مفوض خاص، وإرسال لجنة تحقيق لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، فور التوصل إلى هدنة، مشيراً إلى أن لبنان وضع إشارات الحماية الدولية الخاصة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن القصف استمر رغم ذلك.


مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.