صندوق النقد الدولي يشيد بسياسات السعودية المالية وبنجاح استراتيجيات التنوع

رئيس البعثة لـ«الشرق الأوسط»: لا حاجة لخفض إضافي في الإنفاق حتى لو تراجع النفط

صندوق النقد الدولي يشيد بسياسات السعودية المالية وبنجاح استراتيجيات التنوع
TT

صندوق النقد الدولي يشيد بسياسات السعودية المالية وبنجاح استراتيجيات التنوع

صندوق النقد الدولي يشيد بسياسات السعودية المالية وبنجاح استراتيجيات التنوع

أشاد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بالأداء القوي للاقتصاد السعودي وقدرته على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية، وبسياسات المملكة المالية ونجاح استراتيجيات التنوع الاقتصادي، مؤكداً أن الآفاق المستقبلية لا تزال قوية، رغم تصاعد حالة عدم اليقين العالمي وتراجع أسعار السلع الأولية. كما شدد على أهمية مواصلة الإصلاحات الهيكلية للحفاظ على النمو في القطاع غير النفطي، والدفع نحو تحقيق تنويع اقتصادي شامل، بصرف النظر عن تطورات أسعار النفط.

يعكس هذا التقييم الدولي نجاح السياسات الاقتصادية السعودية في استمرار تنفيذ مستهدفات «رؤية 2030» وتحقيق توازن بين الاستقرار المالي والتحول الهيكلي، بما يعزز من قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية وتحقيق أهدافها التنموية طويلة المدى. ورحب وزير المالية السعودي محمد الجدعان بنتائج التقرير، وبما «تضمّنه من إشادات بمتانة اقتصادنا المتنوع وقدرته على الصمود في وجه الصدمات العالمية، والذي نسير من خلاله بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030»، وفق ما كتب على حسابه الخاص على منصة إكس.

ووفقاً لبيان صدر بعد اختتام المجلس التنفيذي مشاورات المادة الرابعة مع المملكة، يوم الاثنين، فإن الاقتصاد السعودي يواصل إظهار مرونة ملحوظة، مدعوماً بنمو الأنشطة غير النفطية، واحتواء التضخم، بالإضافة إلى انخفاض معدلات البطالة إلى مستويات قياسية وصلت إلى 7 في المائة في الربع الرابع من العام 2024، متجاوزةً مستهدف «رؤية 2030» في وقت مبكر والذي تم تحديثه ليصبح 5 في المائة بحلول العام 2030.

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا ووزير المالية السعودي محمد الجدعان خلال اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة للصندوق (أ.ف.ب)

كانت بعثة من الصندوق، برئاسة أمين ماتي، قد زارت المملكة في الفترة بين 12 و26 مايو (أيار) الماضي، حيث أجرت مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، ثم أصدرت بيانها الختامي في 26 يونيو (حزيران)، لترفع بعدها تقريرها إلى المجلس التنفيذي؛ لاتخاذ القرار النهائي.

وجاء تقرير المادة الرابعة بعد أيام على رفع الصندوق توقعاته للنمو الاقتصادي في المملكة إلى ما نسبته 3.6 في المائة في 2025، من 3 في المائة في توقعاته السابقة لأبريل (نيسان)، و3.9 في المائة لعام 2026 (من 3.7 في المائة).

رئيس بعثة صندوق النقد الدولي أمين ماتي خلال لقائه وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم (الوزارة)

لا حاجة لخفض الإنفاق

وقال ماتي خلال مؤتمر صحافي عرض خلاله أبرز ما جاء في تقرير المجلس التفيذي، إن المملكة خفضت إنفاقها بشكل كافٍ هذا العام، وقد لا تحتاج إلى إجراء المزيد من التعديلات المالية حتى في حال ضعف أسعار النفط الخام.

أضاف في رده على سؤال «الشرق الأوسط» حول توصية الصندوق انتهاج سياسة مالية معاكسة للاتجاهات الدورية، أن الصندوق «لا يعتقد أن هناك حاجة لاتخاذ المزيد من الإجراءات لخفض الإنفاق أو التعديل المالي لهذا العام».

وكانت المملكة أعلنت في أواخر عام 2024 أنها ستخفض نفقاتها لعام 2025 إلى 1.285 تريليون ريال (342 مليار دولار)، بعد تجاوزها الأهداف السابقة بهدف تسريع التقدم في خطط تنويع الاقتصاد.

ويتوقع الصندوق أن يرتفع عجز الموازنة إلى 4 في المائة هذا العام، وهو مستوى وصفه ماتي، بأنه «مناسب تماماً» نظراً للمستوى الكافي من الاحتياطيات الأجنبية للمملكة. وتتوقع الحكومة السعودية عجزًا أقل بنسبة 2.3 في المائة لهذا العام.

نمو غير نفطي وتوصيات للسياسة المالية

وأكد الصندوق في تقريره أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي غير النفطي حقق نمواً بنسبة 4.5 في المائة خلال عام 2024، مدفوعاً بقطاعات حيوية مثل التجارة بالتجزئة والضيافة والبناء، وذلك في تأكيد على نجاح استراتيجيات التنوع الاقتصادي التي تنفذها المملكة تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030».

وفي المقابل، أدى قرار خفض الإنتاج، بموجب اتفاق «أوبك بلس»، إلى انخفاض إجمالي الناتج المحلي النفطي بنسبة 4.4 في المائة، وتراجع النمو الكلي إلى 2 في المائة. ورغم ذلك، ظل التضخم قيد الاحتواء مع استمرار تباطؤ الارتفاع في إيجارات المساكن، ووصل معدل بطالة المواطنين السعوديين إلى أدنى مستوى قياسي له.

ولفت الصندوق إلى أن الميزان التجاري قد تحوّل من فائض نسبته 2.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى عجز طفيف بلغ 0.5 في المائة، يجري تمويله من خلال الاقتراض الخارجي والحد من تراكم الأصول بالنقد الأجنبي في الخارج. ومع ذلك، تظل هوامش الأمان الاحتياطية لدى البنك المركزي السعودي «ساما» قوية، حيث استقر صافي الأصول الأجنبية لدى «ساما» عند 415 مليار دولار، وهو ما يغطي 187 في المائة من مقياس صندوق النقد الدولي لكفاية الاحتياطيات.

توقعات مستقبلية

وتوقّع الصندوق أن يبقى الطلب المحلي قوياً، وأن يدفع النمو غير النفطي إلى مستوى أعلى من 3.5 في المائة على المدى المتوسط، وذلك بفضل الاستمرار في تنفيذ مشروعات «رؤية 2030»، واستضافة فعاليات دولية كبرى.

كما توقّع تسارع وتيرة إجمالي الناتج المحلي الحقيقي إلى 3.9 في المائة بحلول عام 2026، يدعمه الإلغاء التدريجي المستمر لخفض الإنتاج، بموجب اتفاق «أوبك بلس».

ومن المتوقع أن يظل التضخم قيد الاحتواء، في حين يُتوقع استمرار عجز الحساب الجاري على المدى المتوسط نتيجة زيادة الواردات المرتبطة بالاستثمار والتدفقات الخارجة من تحويلات العاملين الوافدين. كما توقّع أن تظل هوامش الأمان الاحتياطية ملائمة، حيث يُتوقع تمويل عجز الحساب الجاري، من خلال السحب من الودائع، والحد من تراكم الأصول بالنقد الأجنبي في الخارج، وزيادة الاقتراض الخارجي.

مساحة إلى الأسواق الخارجية

وتوقّع التقرير أن تسجل نسبة الدين إلى الناتج المحلي ما نسبته 29.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، وأن ترتفع إلى 32.6 في المائة خلال عام 2026. ويرى أنه لا يزال لدى السعودية مساحة للوصول إلى الأسواق الخارجية، مع زيادة طفيفة في حصة الدين بالعملة الأجنبية بمرور الوقت.

وسجل الدين العام للمملكة انخفاضاً إلى 26.2 في المائة من الناتح المحلي الإجمالي في 2024، محققاً أحد أفضل المعدلات بين دول مجموعة العشرين.

وتوقع الصندوق أن يرتفع إجمالي الدين العام للبلاد بشكل معتدل، بمرور الوقت، «لكنه سيبقى ضمن المعدلات الطبيعية، مدعوماً بجهود ضبط الأوضاع المالية واستراتيجيات إصدار الديون».

ومن جهة أخرى، أشار الصندوق إلى مخاطر التطورات السلبية المحتملة على المدى القريب، مثل ضعف الطلب على النفط نتيجة التوترات التجارية، وانخفاض الإنفاق الحكومي، والمخاطر الأمنية الإقليمية. وفي المقابل، أشار إلى أن ارتفاع إنتاج النفط أو تنفيذ استثمارات إضافية ضمن «رؤية 2030» يمكن أن يدعم النمو.

سياسة مالية تدعم النمو

أثنى المديرون التنفيذيون على التقدم الذي حققته السلطات في تقوية مؤسسات المالية العامة. وحثوا على مواصلة الجهود لتعزيز إطار المالية العامة متوسط الأجل. وأثنوا على انتقال الحكومة إلى التخطيط المالي متوسط المدى لمدة خمس سنوات، والنهج الاستباقي المتبع في تحديد سقوف الإنفاق لجميع الجهات حتى العام 2030. وأوصوا بانتهاج سياسة مالية معاكسة للاتجاهات الدورية على المدى القريب لدعم النمو.

إحدى الأسواق السعودية (واس)

إصلاحات مالية ومصرفية تعزز الاستقرار

وفيما يخص القطاع المصرفي، أكد المديرون أنه لا يزال يتمتع بمستويات جيدة من رأس المال والربحية، مع أوضاع سيولة كافية. ورحّبوا بمواصلة التقدم في تنفيذ الإصلاحات التنظيمية والرقابية، وحثّوا على سرعة اعتماد نظام المصارف، والانتهاء من وضع إطار شامل لإدارة الأزمات. كما أشادوا بيقظة البنك المركزي السعودي في رصد المخاطر المحتملة واستخدامه الاستباقي لأدوات السلامة الاحترازية الكلية، مثل تحديد هامش أمان رأسمالي معاكس للتقلبات الدورية.

في نهاية العام 2024، سجل القطاع المصرفي السعودي متانة عالية مع انخفاض القروض المتعثرة إلى 1.2 في المائة.

ورحّب المديرون كذلك بمواصلة التقدم في تعميق السوق المالية المحلية، وهو أمر مهم للمساعدة على تنويع مصادر التمويل.

وسلّط الصندوق الضوء على التقدم الكبير في شفافية المالية العامة. كما أشاد بالجهود المبذولة في تحليل المخاطر، بما فيها الالتزامات المحتملة. وأشار المديرون إلى أن ضيق فروق العائد على السندات السيادية بعد إصدارها مؤخراً يعكس زيادة ثقة المستثمرين في استدامة سياسات المالية العامة.

إحدى الفعاليات في الرياض التي شهدت مشاركة واسعة (الشرق الأوسط)

استضافة مباريات كاس العالم

ووفق تقرير الصندوق، تتضمن استعدادات المملكة لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2034 إنفاق ما يقرب من 26 مليار دولار على البنية التحتية، بما يتماشى مع «رؤية 2030»، متوقعاً أن تسهم بما يتراوح بين 9 مليارات و14 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي للسعودية.

وسلط التقرير الضوء على قانون الاستثمار المحدث، مؤكداً أنه يضمن المساواة في المعاملة بين المستثمرين المحليين والأجانب من حيث الحقوق والالتزامات.

زخم الإصلاح الهيكلي للمستقبل

أشاد المديرون التنفيذيون بالإصلاحات الهيكلية «المثيرة للإعجاب» التي قامت بها المملكة منذ عام 2016، مؤكدين أهمية الحفاظ على هذا الزخم، بغضّ النظر عن تقلبات أسعار النفط. ورحّبوا، بشكل خاص، بالتحسن في البيئة التنظيمية وبيئة الأعمال، وبمشاركة المرأة في سوق العمل، وتطوير رأس المال البشري. ودعوا إلى مواصلة الجهود لجذب استثمارات القطاع الخاص للمُضي قُدماً في تنويع النشاط الاقتصادي.

واختتم الصندوق بيانه بالإشادة بدور المملكة القيادي في المنطقة، ودورها في تحقيق الاستقرار، ومشاركتها الفعالة في المنتديات الدولية متعددة الأطراف مثل مجموعة العشرين، مؤكداً أهمية استمرار مساهماتها في معالجة التحديات العالمية.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

استطلاع: المركزي الأوروبي يتجه لرفع الفائدة للمرة الثانية والأخيرة في سبتمبر

الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

استطلاع: المركزي الأوروبي يتجه لرفع الفائدة للمرة الثانية والأخيرة في سبتمبر

أظهر استطلاع رأي أجرته «رويترز» ونُشرت نتائجه يوم الخميس أن البنك المركزي الأوروبي سيرفع أسعار الفائدة في 10 سبتمبر للمرة الثانية والأخيرة.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت برلين )
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

رحب صندوق النقد الدولي بإقرار مجلس النواب اللبناني تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، واصفاً الخطوة بأنها «كبيرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

قضت التسوية التي اعتُمدت في إقرار «التعديلات»، وفق مسؤول مالي معني، بضرورة «مسايرة» تعليمات «صندوق النقد»، وحفظ الاستجابة لهواجس السلطة النقدية...

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد مركبات في أحد ميادين دمشق (رويترز)

صندوق النقد الدولي يوافق على برنامج مساعدات فنية لسوريا

أعلن صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، عن موافقته على برنامج مساعدات فنية واسع النطاق لسوريا التي مزقتها الحرب، حيث تعمل الحكومة الجديدة على إعادة بناء الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع ارتفاع النفط وتصاعد توترات الشرق الأوسط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع ارتفاع النفط وتصاعد توترات الشرق الأوسط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الثلاثاء، مع تصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط، ما دفع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر يوليو (تموز)، وزاد من حالة التشاؤم في الأسواق قبيل صدور بيانات التضخم في وقت لاحق من هذا الأسبوع.

ويأتي هذا التراجع بعد فترة من التقلبات الحادة دفعت المستثمرين إلى إعادة النظر في توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة، عقب تصريحات محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر، وصدور تقرير وظائف جاء أقوى من المتوقع.

وسيهيمن على الأسبوع القصير الذي يلي عطلة عيد العمال تقرير مؤشر أسعار المستهلك المقرر صدوره يوم الجمعة، وبيانات مؤشر أسعار المنتجين المقرر صدورها يوم الخميس.

ويرى بعض المستثمرين أن بيانات التضخم ستكون أكثر أهمية في تحديد مسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي، في ظل تركيز رئيسه كيفين وارش على خفض الأسعار.

ويتوقع المتداولون الآن احتمالاً بنسبة 58.4 في المائة لزيادة التضخم هذا الشهر، وفقاً لأداة «سي إم إي فيدووتش».

وقال صامويل تومبس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «بانثيون ماكرو إيكونوميكس»: «ما زلنا نعتقد أن بيانات التضخم للأشهر القليلة المقبلة ستكون معتدلة بما يكفي لكي يمتنع أغلبية الأعضاء عن تشديد السياسة النقدية».

وفي تمام الساعة 4:48 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 476 نقطة، أي بنسبة 0.89 في المائة، وتراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 30 نقطة، أي بنسبة 0.39 في المائة، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 51.75 نقطة، أي بنسبة 0.18 في المائة.

مخاطر الحرب تتصدر المشهد

لا تزال الحرب الأميركية الإيرانية، التي دخلت شهرها السابع، تلقي بظلالها على أسواق الأسهم. وتصاعدت التوترات مجدداً في المنطقة، ما يزيد خطر اندلاع صراع أوسع.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.25 في المائة إلى 99.18 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ 24 يوليو.

وقال كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في «كابيتال دوت كوم»: «تزداد صورة التضخم غموضاً بسبب ارتفاع أسعار النفط. ويُبقي النشاط العسكري على علاوة مخاطر كبيرة في أسواق الطاقة، وسط تزايد احتمالية حدوث اضطرابات أعمق، وأطول أمداً في الإمدادات العالمية».

وشهدت أسهم شركات الطاقة ارتفاعاً في التداولات قبل افتتاح السوق، إذ صعد سهما «ماراثون بتروليوم» و«أوكسيدنتال بتروليوم» بنسبة 1.62 في المائة و2.03 في المائة على التوالي.

وتراجعت أسهم شركات العملات الرقمية مع انخفاض سعر «البتكوين» عن مستوى 80 ألف دولار. وانخفض سهم كوين بيس بنسبة 1.84 في المائة، بينما تراجع سهم «ستراتيجي» بنسبة 2.38 في المائة.

وصعدت أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، مدعومة بالتفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي. وارتفع سهم «إنتل» بنسبة 2.47 في المائة، وسهم «إيه إم دي» بنسبة 1.30 في المائة، بينما ارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة طفيفة بلغت 0.20 في المائة.

وكتب بن ماي، مدير أبحاث الاقتصاد الكلي العالمي في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «يُظهر التاريخ أن تزايد المضاربات والمخاوف بشأن الإفراط قد يستمر لفترة من الزمن دون حدوث تصحيح».


دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

تتقلّص عائدات النفط الإيرانية بسرعة، مع استمرار الحصار البحري الأميركي الذي يُعرقل شحنات الخام من الخليج، في وقت تتراجع فيه كميات النفط الإيراني الموجودة بالفعل على متن الناقلات خارج نطاق الحصار، مما يحرم طهران تدريجياً من أهم مصادر العملة الصعبة التي تحتاج إليها لدعم اقتصادها وتمويل وارداتها.

وحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تعبر أي شحنات من الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

ولا تزال إيران تحمل كميات محدودة من النفط على الناقلات داخل الخليج، لكن هذه الشحنات تظل عالقة ولا تستطيع الوصول إلى المشترين خارج المنطقة.

وفي الوقت نفسه، انخفض حجم الخام الإيراني الموجود بالفعل على متن السفن خارج الحصار، الذي كان يمثّل شرياناً مالياً مهماً لطهران، إلى نحو 29 مليون برميل، مقارنة بنحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو، وفق «كبلر».

وترى الصحيفة أن هذه الكميات قد تنفد بحلول الشهر المقبل، ما يعني أن قدرة إيران على الاعتماد على مخزون النفط الموجود في البحر لتوليد الإيرادات تقترب من نهايتها.

النفط... شريان العملة الصعبة

بعد ستة أشهر من الحرب، تتزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني مع تراجع المصدر الأساسي للعملة الأجنبية، بالتزامن مع انهيار قيمة الريال وارتفاع التضخم ودخول الاقتصاد مرحلة أكثر عمقاً من الأزمة.

ويشكّل النفط عادة نحو ثلث إيرادات الموازنة الإيرانية، كما تُسهم مبيعات الخام بصورة مباشرة في تمويل النظام وأجهزته العسكرية.

وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن القوات المسلحة الإيرانية، بما فيها «الحرس الثوري»، تستخدم شركات مخصصة وشبكات من «أسطول الظل» لبيع النفط وتوفير موارد إضافية لموازناتها.

وفي أغسطس (آب)، لم تتجاوز كميات النفط الإيراني التي حُمّلت على ناقلات داخل الخليج 255 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 85 في المائة عن متوسط الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان)، وفق بيانات «كبلر».

لكن هذه الكميات الجديدة لا تزال عالقة خلف خط الحصار، ولم تصل إلى المشترين.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

شريان سابق يوشك على النفاد

وكانت فترة التهدئة التي أعقبت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف يونيو (حزيران)، والتي تضمّنت توقفاً للحصار استمر عدة أسابيع، قد أتاحت لطهران نقل كميات كبيرة من النفط إلى الخارج لتسليمها في وقت لاحق.

وتعتمد إيران حالياً على العائدات المتأتية من بيع تلك الشحنات.

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، الجمعة، إن عملية بيع النفط وتسليمه إلى العملاء «تمت على بُعد آلاف الكيلومترات من الخليج وبحر عُمان».

لكن هذا الشريان المالي بدأ الاختفاء.

وتُقدّر «كبلر» أن عمليات التسليم الحالية، البالغة نحو مليون برميل يومياً، التي تذهب غالبيتها إلى الصين، قد تستنزف مخزون النفط الإيراني الموجود على متن السفن بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).

كما قد تتوقف المدفوعات الخاصة بشحنات سبق تسليمها بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول).

ولا يقتصر الخطر على انخفاض الإيرادات الجديدة، إذ إن تحصيل المدفوعات نفسها قد يصبح أكثر صعوبة مع استهداف العقوبات الأميركية الجديدة البنوك والقنوات المالية التي تسهل المعاملات الإيرانية.

الصين تبحث عن بدائل

بدأ بعض المشترين الصينيين التوجه إلى خامات من السعودية والعراق والإمارات لتعويض النفط الإيراني، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة الخليجي للصحيفة الأميركية.

ومع تراجع المعروض الإيراني، أصبحت بعض شحناته أغلى بالنسبة إلى المصافي من الخامات المنافسة، على الرغم من المخاطر المرتبطة بالتعامل معها.

وفي المقابل، عرض العراق خصومات تقترب من 30 دولاراً للبرميل على بعض درجات الخام، فيما كان خام برنت يُتداول حول 97 دولاراً للبرميل الاثنين.

ويشير تحول المشترين لخامات خليجية أخرى إلى أن الحصار لا يؤثر فقط في قدرة إيران على التصدير، وإنما يغير أيضاً خريطة تدفقات النفط إلى السوق الآسيوية التي تمثّل الصين أهم وجهاتها.

الحصار يضغط على الإنتاج

ولا يقتصر تأثير القيود على صادرات النفط، إذ بدأت تداعيات الحصار تضغط على مستويات الإنتاج الإيرانية نفسها.

وتشير بيانات المخزونات إلى أن مخزونات النفط داخل إيران لم ترتفع بصورة كبيرة، ما يرجح أن طهران خفّضت إنتاجها ليقترب من مستويات الاستهلاك المحلي، وفق هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في «كبلر».

ويعني ذلك أن السيناريو الذي توقعه محللون خلال الحصار الأول في الربيع بدأ يتحقق: اضطرار إيران إلى خفض الإنتاج لتجنّب امتلاء منشآت التخزين بالنفط الذي لا تستطيع تصديره.

أما البدائل البرية فلا توفر سوى متنفس محدود.

وحسب فلاكشاهي، لا تستطيع إيران نقل أكثر من نحو 40 ألف برميل يومياً بواسطة الشاحنات، وهي كمية ضئيلة جداً مقارنة بصادراتها قبل الحرب التي كانت تقترب من مليوني برميل يومياً.

كما تفتقر إيران إلى عدد كافٍ من عربات السكك الحديدية المصممة لنقل النفط الخام والمنتجات المكررة.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

أزمة تمتد إلى البتروكيميائيات

وامتد أثر الحصار إلى قطاع البتروكيميائيات، الذي يمثل ثاني أكبر مصدر لإيران للعملة الأجنبية بعد النفط.

ويعتمد القطاع بدرجة كبيرة على الصادرات البحرية، وقد انخفضت عمليات تحميل شحناته بنحو الثلثَين بحلول أغسطس مقارنة ببداية عام 2026، وفق تقديرات «كبلر».

وفي المقابل، تمكّن منتجو النفط الخليجيون الآخرون من مواصلة تدفق كميات كبيرة من الخام رغم الحرب.

وهكذا، لا تواجه إيران المشكلة نفسها التي تواجهها الدول المنتجة الأخرى في الخليج؛ ففي حين تستمر هذه الدول في تصدير النفط عبر مسارات بديلة، تتقلص الخيارات المتاحة أمام طهران بصورة حادة.

الريال الإيراني يدفع ثمن تراجع النفط

وتزداد حدة الأزمة الاقتصادية الإيرانية مع تراجع صادرات النفط، إذ تحرم الإيرادات المنخفضة طهران من العملة الصعبة اللازمة لدعم الريال وتمويل الواردات، بما فيها المواد الخام التي تحتاج إليها المصانع.

ويؤدي ارتفاع تكلفة الواردات بدوره إلى زيادة التضخم، في حلقة تضخمية يصعب كسرها مع استمرار ضعف العملة.

وحسب الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، هَمَد حسين، فقد الريال الإيراني نحو 15 في المائة من قيمته أمام الدولار منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة الضغط الاقتصادي في أغسطس.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن التضخم في إيران تجاوز 80 في المائة على أساس سنوي، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المائة خلال العام الحالي، وهو أسوأ أداء منذ ثمانينيات القرن الماضي.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

التجارة لم تتوقف... لكنها أصبحت أكثر تكلفة

ولم تتوقف التجارة الإيرانية بالكامل، إذ صدّرت البلاد ما يقرب من 15 مليار دولار من السلع غير النفطية بين منتصف مارس (آذار) ومنتصف أغسطس، وفق وسائل إعلام إيرانية، رغم انخفاض القيمة مقارنة بالعام السابق.

لكن أحد أهم منافذ التجارة الإيرانية بدأ يضيق. فقد توقفت التجارة الرسمية عبر الإمارات إلى حد كبير، بعدما أعلنت أبوظبي الشهر الماضي تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران، وفق مسؤولين مطلعين على الأمر، رغم استمرار جزء من النشاط عبر شركات وشبكات غير رسمية.

وتتحول بعض التجارة إلى مسارات عبر تركيا والعراق وعُمان وباكستان، إلا أن هذه البدائل تضيف وقتاً وتكاليف إلى عمليات التجارة.

هل يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى التراجع؟

يبقى السؤال الأهم: هل يؤدي خنق صادرات النفط إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات لإنهاء الحرب؟

تبدو الإجابة غير واضحة. فالولايات المتحدة تراهن على أن زيادة الضغط الاقتصادي ستجبر إيران على تقديم تنازلات، لكن محللين يحذرون من أن تضييق الخناق الاقتصادي قد يدفع النظام الإيراني إلى مزيد من التصعيد بدلاً من التراجع.

وقال حمد حسين إن الكثير سيتوقف على مقدار الألم الاقتصادي الذي يكون النظام الإيراني مستعداً لتحمله لتحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية.

كما حذّرت مسؤولة شؤون إيران في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إيلي جيرنمايه، من أن الضغوط الاقتصادية، رغم تأثيرها الكبير في الأسر الإيرانية، قد لا تكون كافية لدفع النظام إلى الاستسلام على طاولة المفاوضات. وقالت إن الأدلة المتاحة تشير إلى أن النظام الإيراني «من المرجح أن يقاوم».

النفط بوصفه سلاحاً اقتصادياً

وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه إدارة ترمب تحويل عائدات النفط الإيرانية إلى نقطة ضغط رئيسية على طهران. فمع انخفاض كميات الخام المتاحة للتصدير، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم، وانكماش الاقتصاد، تتقلّص قدرة إيران على الحصول على العملة الصعبة التي تحتاج إليها لتأمين احتياجاتها الأساسية وتمويل مؤسسات الدولة.

لكن المفارقة أن الضغط الاقتصادي نفسه قد يزيد دوافع طهران للرد العسكري، وهو ما يجعل معركة النفط جزءاً من مواجهة أوسع بكثير من مجرد صراع على صادرات الخام.

فإذا نفدت الكميات الموجودة حالياً على متن السفن خلال أسابيع، كما تتوقع «كبلر»، فإن طهران ستواجه اختباراً جديداً: كيف تحافظ على تدفق العملة الصعبة إلى اقتصادها في ظل إغلاق شريانها الرئيسي للتصدير؟


«بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
TT

«بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)

قد يختار «بنك اليابان» رفع سعر الفائدة بمقدار محدود هذا الشهر، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء مخاطر التضخم وتجنب إحداث صدمة في الاقتصاد والأسواق، في وقت يراقب فيه المستثمرون ما إذا كان «البنك المركزي الياباني» سيقدِم على زيادة أكبر من المعتاد.

كانت آخر مرة رفع فيها «البنك المركزي الياباني» سعر الفائدة الرئيسي بمقدار نصف نقطة مئوية في عام 1989، عندما كانت أسعار الأصول في اليابان قد بلغت مستويات قياسية خلال ذروة الفقاعة العقارية التي انفجرت بعد ذلك بفترة قصيرة، لتدخل البلاد في مرحلة طويلة من الركود عُرفت باسم «العقد الضائع».

وبعد 37 عاماً، يتساءل المستثمرون عمّا إذا كان «بنك اليابان» قد يكرر زيادة بهذا الحجم في اجتماعه المقبل، المقرر يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول) الحالي.

إلا إن التوقعات السائدة تشير إلى أن «البنك» سيختار زيادة تقليدية قدرها 25 نقطة أساس، ترفع سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة، في ظل اختلاف الظروف الحالية جذرياً عن حقبة الثمانينات.

وتكمن المعضلة الأساسية أمام «بنك اليابان» في الحفاظ على ثقة الأسواق بأنه لا يتأخر عن منحنى التضخم، من دون أن يذهب في الاتجاه الآخر ويُحدث تشديداً نقدياً مفاجئاً قد يضر بالنشاط الاقتصادي.

زيادة ربع نقطة هي السيناريو الأرجح

ويشير أشخاص مطلعون على تفكير «البنك المركزي» إلى أن صانعي السياسة لا يميلون إلى رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس هذا الشهر، في ظل احتواء ضغوط الأسعار على المدى القريب، فضلاً عن مخاطر إحداث صدمة لدى مجتمع اعتاد عقوداً من تكاليف الاقتراض القريبة من الصفر.

ووفق المصادر، فإذا قرر «بنك اليابان» رفع الفائدة، فمن المرجح أن يكتفي بالزيادة المعتادة البالغة 25 نقطة أساس، بما يسمح له بتجنب اضطراب الأسواق وإتاحة الوقت لتقييم تأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض على نشاط الشركات والأسر.

لكن في المقابل، أدت عوامل عدة إلى زيادة الضغوط على «البنك» لتسريع وتيرة رفع الفائدة، من بينها الحرب في الشرق الأوسط، وضيق سوق العمل اليابانية، وارتفاع تكاليف الواردات نتيجة ضعف الين، وهي عوامل تزيد الضغوط التضخمية.

وتدرس السلطات النقدية، وفق المصادر، إمكانية رفع الفائدة بوتيرة تقارب مرة كل 3 أشهر، بدلاً من وتيرة الرفع التي اتبعها «البنك» منذ بدء دورة التشديد الحالية.

ويرى محللون أن هذا يمثل سبباً إضافياً لعدم اللجوء إلى زيادة كبيرة في سبتمبر الحالي، إذ إن رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس دفعة واحدة قد يأتي بنتيجة عكسية، من خلال إثارة مخاوف الأسواق من أن «البنك» يشعر بأنه تأخر بالفعل في التعامل مع التضخم.

أشخاص يمرون أمام مقر «بنك اليابان» في طوكيو يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال نوبوياسو أتاغو، المسؤول السابق في «بنك اليابان» وكبير الاقتصاديين حالياً في معهد «راكوتن» للأبحاث الاقتصادية، إن رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس قد يُنظر إليه على أنه علامة على «يأس» البنك المركزي، وقد يحول تركيز السوق إلى مخاطر تأخره عن منحنى التضخم.

وأضاف أن «(بنك اليابان) من المرجح أن يرفع الفائدة إلى 1.25 في المائة هذا الشهر، ثم يُجري زيادة أخرى بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول) أو يناير (كانون الثاني) المقبلين»، في إجراء احترازي لمواجهة تصاعد مخاطر التضخم.

وتابع: «مع اضطراب سوق السندات بالفعل، لا جدوى من أن يفاجئ (بنك اليابان) الأسواق ويتسبب في مزيد من الاضطرابات».

الاحتفاظ ببعض الذخيرة النقدية

بدأ «بنك اليابان» دورة التشديد الحالية في عام 2024، ورفع سعر الفائدة في زيادات قدرها 25 نقطة أساس، بوتيرة تبلغ نحو مرتين سنوياً.

وكان مسؤولو «البنك» قد شددوا في السابق على ضرورة التحرك بحذر، لتجنب إضعاف المعنويات في اقتصاد عانى من الانكماش السعري لنحو 3 عقود.

لكن خلال الأشهر الأخيرة، أدت الضغوط السعرية الأكبر حدة، الناجمة عن الانخفاض الكبير في قيمة الين، إلى زيادة الإحساس بضرورة التحرك، سواء داخل اليابان وخارجها.

كما عززت سلسلة من التصريحات المتشددة من مسؤولي «بنك اليابان»، إلى جانب الضغوط التي مارسها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، التوقعات بأن «البنك» سيرفع أسعار الفائدة هذا الشهر.

وكانت تصريحات عضو مجلس إدارة «بنك اليابان» المتشدد، هاجيمي تاكاتا، قد أثارت تكهنات بإمكانية إقدام «البنك» على زيادة أكبر من المعتاد.

لكن محافظ «بنك اليابان»، كازو أويدا، قال الأسبوع الماضي إن الظروف الاقتصادية والأسعار تتحرك إلى حد كبير بما يتماشى وتوقعات «البنك»، في إشارة إلى أن مخاطر التضخم لم ترتفع بالقدر الكافي لتبرير زيادة استثنائية في أسعار الفائدة.

وقال أويدا: «نأمل مواصلة رفع أسعار الفائدة في ظل بقاء الأوضاع المالية ميسرة»، لكنه أضاف أن البنك «رفع أسعار الفائدة 5 مرات حتى الآن، ولذلك نحتاج إلى تقييم التأثير التراكمي على الاقتصاد بعناية».

محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا في طريقه إلى مؤتمر صحافي سابق بمقر «البنك» في العاصمة طوكيو (رويترز)

كما أدى ارتفاع الين إلى أعلى مستوى له في 7 أشهر عند نحو 153 يناً للدولار، مبتعداً بشكل كبير عن أدنى مستوى له في 40 عاماً قرب 164 يناً الذي سجله في يوليو (تموز) الماضي، إلى تخفيف بعض الضغوط عن «البنك» لاتخاذ خطوة كبيرة لدعم العملة.

وقال أحد المصادر إن «بنك اليابان» يستطيع على الأرجح إجراء زيادتين إضافيتين للفائدة هذا العام، «ولذلك لا توجد حاجة إلى زيادة قدرها 50 نقطة أساس دفعة واحدة».

وأشار مصدر آخر إلى أن البيانات الأخيرة تظهر أن التضخم لم يتسارع بالحدة التي تبرر رفع الفائدة بمقدار أكبر من المعتاد، وهو تقييم أيدته 3 مصادر أخرى مطلعة على تفكير «البنك».

الاقتصاد لا يحتاج إلى تشديد حاد

وتشير البيانات الأخيرة إلى أن الاقتصاد الياباني لا يحتاج في الوقت الراهن إلى تشديد نقدي حاد يستهدف كبح الطلب القوي بصورة مفرطة.

ورغم أن الارتفاع الأخير في أسعار المنتجين يُنظر إليه على أنه عامل قد يزيد الضغوط على أسعار المستهلك خلال الأشهر المقبلة، فإن المؤشرات لا تزال محدودة على دخول الاقتصاد دوامة مقلقة من ارتفاع الأسعار والأجور.

وشدد مسؤولو «بنك اليابان» على ضرورة مراقبة تأثير الزيادات السابقة في الفائدة على الإقراض المصرفي، خصوصاً في ظل عدم اليقين بشأن كيفية استجابة الأسر والشركات لارتفاع تكاليف الاقتراض بعد عقود من السياسة النقدية فائقة التيسير.

ولا تزال الأوضاع المالية ميسرة حتى الآن، مع ارتفاع الإقراض المصرفي بنسبة 5.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي.

الحمائم يدفعون نحو الحذر

وقد يرى أعضاء مجلس إدارة «بنك اليابان» الأميل إلى التيسير النقدي حاجة أكبر إلى التحرك بحذر، مع اقتراب سعر الفائدة من المستويات التي يُعتقد أنها محايدة للاقتصاد.

ويقدر موظفو «البنك» نطاق سعر الفائدة المحايد للاقتصاد الياباني بين 1.1 و2.5 في المائة.

وكان عضو مجلس الإدارة تويتشيرو أسادا، المعارض الوحيد قرار «البنك» في يونيو (حزيران) رفع الفائدة إلى واحد في المائة، قد قال لـ«رويترز» في يوليو الماضي إنه يريد رؤية تضخم مدفوع بالطلب قبل تأييد مزيد من زيادات أسعار الفائدة.

كما قالت أيانو ساتو، وهي عضو آخر تميل إلى التيسير وانضمت إلى مجلس الإدارة في 30 يونيو، إن على «البنك المركزي» ألا يركز فقط على مخاطر ارتفاع الأسعار، بل أن يأخذ أيضاً في الحسبان المخاطر السلبية التي تهدد النمو.

وقالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «نومورا سيكيوريتيز»: «لن أفاجأ إذا رأى بعض أعضاء مجلس الإدارة حاجة إلى اتباع نهج أكبر حذراً في رفع أسعار الفائدة مقارنة بما تتوقعه الأسواق، التي بدأت تتقدم قليلاً على نفسها». وأضافت أن «(بنك اليابان) من المرجح أن يتمسك بزيادة قدرها 25 نقطة أساس في الوقت الراهن».