الجيش اللبناني... بين الحياد والمواجهة في منعطفات كبرى

80 عاماً في ضمانة الاستقرار

آليات للجيش خلال انتشارها في الجنوب بعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي (قيادة الجيش)
آليات للجيش خلال انتشارها في الجنوب بعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي (قيادة الجيش)
TT

الجيش اللبناني... بين الحياد والمواجهة في منعطفات كبرى

آليات للجيش خلال انتشارها في الجنوب بعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي (قيادة الجيش)
آليات للجيش خلال انتشارها في الجنوب بعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي (قيادة الجيش)

طوال 80 عاماً من عمره (تأسس في 1 أغسطس/آب 1945) لم يكن الجيش اللبناني يوماً على هامش المعادلات الكبرى في البلاد. ومنذ انتهاء الحرب الأهلية، ظلّ في قلب الصراعات، ضامناً للاستقرار وسط الصراعات السياسية والتوازنات الداخلية والإقليمية.

ووسط شدّ الحبال السياسية بين القوى المحلية المتصارعة، وضغط السلاح الخارج عن الدولة، تحوّل الجيش، الذي احتفل الجمعة بالذكرى الـ80 لتأسيسه، إلى ما يشبه «خط التماس» بين الدولة والميليشيات، والقانون والواقع المفروض بقوة الأمر الواقع.

من الانقسام إلى إعادة التوحيد

تشكّلت هوية الجيش اللبناني الحديثة بعد عام 1990 على أنقاض جيش منقسم طائفياً في الحرب الأهلية، وتحت إشراف الوصاية السورية التي أعادت هيكلة المؤسسة وربطتها بقرار سياسي إقليمي. لكن، بحسب النائب السابق فارس سعيد، لم يكن الجيش شريكاً فعلياً في القرار السيادي، بل «ضحية مقايضات بين السيادة والاستقرار»، عادَّاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «المؤسسة العسكرية بقيت أداة أمنية وليست سلطة سياسية، رغم توحيدها».

الاحتكاك في الضاحية

أولى المواجهات بعد «اتفاق الطائف» وقعت عام 1993، عندما أطلق الجيش النار على مظاهرة لـ«حزب الله» نظمها احتجاجاً على «اتفاق أوسلو»، وأسفرت عن سقوط قتلى. ثم توالت الاحتكاكات، أبرزها عام 2004 في الضاحية الجنوبية لبيروت، حين وقعت اشتباكات محدودة في مرحلة كانت فيها المؤسسة العسكرية تحاول إثبات حضورها ضمن خطوط حمراء رسمتها السطوة السياسية للحزب.

2005: حياد الجيش في لحظة مفصلية

مع اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري في فبراير (شباط) عام 2005، دخل لبنان مرحلة مفصلية. يقول سعيد إن الجيش «تعامل بانضباط واحترافية مع مظاهرات 14 مارس (آذار)، ولم يضع حواجز أو يعطّل التجمّعات»، رغم وجود قرار رسمي بإزالة خيام المعتصمين، وقد تم تعطيله عبر طعن قضائي.

أما العميد المتقاعد سعيد قزح، فأشار إلى أن اللواء الراحل فرنسوا الحاج، مدير العمليات آنذاك، وجّه الألوية لتسهيل مرور المتظاهرين قائلاً: «نحن جيش وطن، لا نظام». ويضيف قزح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الموقف المشرّف قد يكون أحد أسباب اغتياله لاحقاً».

آليات تابعة للجيش اللبناني وأخرى لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (قيادة الجيش)

نهر البارد 2007: لحظة الالتفاف الوطني

خاض الجيش واحدة من أصعب معاركه في نهر البارد ضد تنظيم «فتح الإسلام» عام 2007، حيث خسر أكثر من 170 شهيداً. يصف سعيد ما حدث بأنه «لحظة نادرة في وحدة اللبنانيين خلف الجيش»، ويضيف: «طرابلس رفضت دفن الإرهابيين، واستقبلت الجنود بالورود».

أما قزح، فيوضح أن التنظيم «أُرسل من النظام السوري بعد انسحابه بهدف إشعال فتنة داخلية»، لكن الجيش «أفشل المشروع ودمّر إمارة شاكر العبسي (زعيم مجموعة فتح الإسلام) قبل أن تولد».

7 مايو 2008: الحياد موضع اتهام

شكّل اجتياح «حزب الله» لبيروت في 7 مايو (أيار) 2008 نقطة تحول في العلاقة بين المواطنين والجيش. يقول سعيد: «وقف الجيش متفرجاً ولم يتدخّل لمنع الاجتياح»، مضيفاً أن ترشيح العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية بعد ذلك بدا «مكافأة على الحياد، لا على المبادرة».

معركة الجرود 2017: نصر بلا تتويج

عام 2017، نفّذ الجيش عملية ناجحة ضد تنظيم «داعش» في جرود القاع ورأس بعلبك في البقاع الشمالي شرق لبنان. لكن، بحسب سعيد، عقد «حزب الله» صفقة لنقل عناصر التنظيم بالباصات إلى الحدود العراقية، بينما مُنع قائد الجيش آنذاك جوزيف عون من إقامة احتفال بالنصر. ويكشف قزح عن أن «الجيش كان على وشك تنفيذ المرحلة الأخيرة من الهجوم، لكن صدر قرار بوقف العملية بحجة صفقة تبادل أسرى»؛ ما أثار أسئلة حول دور (الحزب) والنظام السوري آنذاك في ذلك.

عناصر في الجيش اللبناني خلال معركة الجرود عام 2017 (قيادة الجيش)

17 أكتوبر والطيونة: حارس السلم الأهلي

لعب الجيش دوراً حاسماً خلال حراك أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019؛ إذ، حسب قزح، «رفض قائد الجيش آنذاك جوزيف عون استخدام الذخيرة الحية لفتح الطرقات رغم أوامر رئاسة الجمهورية (الرئيس ميشال عون)»، واستخدم الحد الأدنى من القوة بعد أسبوعين من المظاهرات؛ ما حافظ على السلم الأهلي.

وفي أحداث الطيونة 2021، منع الجيش تفجّر حرب أهلية جديدة، بعدما حاول مسلّحون اقتحام عين الرمانة لفرض مشهد شبيه بـ7 مايو، وفق رواية قزح.

«حزب الله»... المعضلة

اليوم، في خضم «المعارك السياسية» الدائرة لسحب سلاح «حزب الله» بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة وما نتج منها من اتفاق وقف إطلاق النار، يؤكد سعيد أن «الجيش ليس أداة لحل أزمة السلاح، بل يجب أن يبقى قوة وطنية حيادية»، مشدّداً على أن «المعالجة تقع على عاتق الشرعية بكل مستوياتها، لا الجيش».

من جهته، يصف قزح «حزب الله» بأنه «تنظيم عسكري له جناح سياسي، وليس العكس»، قائلاً إن الحزب «يخدم مشروعاً إيرانياً لا علاقة له بالدولة اللبنانية، وسلاحه لا يحمي لبنان، بل يستدرج الضربات».

تدريبات لعناصر في الجيش اللبناني (قيادة الجيش)

تفكيك السلاح: من التصعيد إلى المبادرة

من هنا يدعو قزح إلى مقاربة عقلانية لسلاح (الحزب)، تبدأ بتصنيف وظيفي للأسلحة: «الصواريخ غير الدقيقة يجب إتلافها، والأسلحة المضادة للدروع تُقدَّم للجيش هبةً»، كما يقترح «سحب السلاح الخفيف المنتشر؛ لأن الخطر ليس في السلاح بحد ذاته، بل في التنظيم الذي يملكه».

الجيش خط الدفاع الأخير

يرى سعيد أن المؤسسة العسكرية «تجسّد العيش المشترك وتحظى بثقة كل اللبنانيين»، وهي بذلك «خط الدفاع الأخير عن الوطن». ويضيف: «لا تضعوا الجيش في مواجهة (حزب الله)، لا قرار ولا غطاء، والمواجهة هنا خاسرة سلفاً». ويؤكد أن «الجيش لا يزال الضمانة الوحيدة، شرط ألا يُستنزف في حسابات الطوائف والتوازنات، بل يُحمى ليبقى مؤسسة الدولة، لا ضحيتها».


مقالات ذات صلة

القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

المشرق العربي مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)

القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

أكدت «دار الفتوى» في لبنان أنها لا تتدخل في المسار القضائي الذي يلاحق «رجل دين» متهماً بالاشتراك مع شخص آخر موقوف.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ضابط إسرائيلي يستعرض خلال جولة إعلامية وسائل قتالية ضبطها الجيش في غزة ولبنان وسوريا (أ.ف.ب)

رئيس حكومة لبنان يتعهّد ببسط سلطة الدولة وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بمواصلة مسيرة الاصلاح وبسط سلطة الدولة، وإنهاء الاعتداءات الاسرائيلية وإزالة الاحتلال

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي معبر «العريضة» الحدودي (المركزية)

لبنان يعلن إغلاق معبر العريضة الحدودي مع سوريا مؤقتاً

أعلنت المديرية العامة للأمن العام اللبناني، اليوم (الخميس)، إغلاق معبر العريضة الحدودي مع سوريا بشكل مؤقت بسبب ارتفاع منسوب مياه «نهر الكبير».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)

لبنان: المتضررون من الحرب الإسرائيلية يلجأون إلى «إدارة الخسائر»

وجد آلاف اللبنانيين المتضرّرين من الحرب الإسرائيلية أنفسهم أمام واقع أكثر هدوءاً وأشدّ قسوة بعد نهاية الحرب، يتمثّل بإدارة الخسائر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار يتلو قسم اليمين أمام الرئيس اللبناني جوزيف عون بحضور وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في أبريل 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

القضاء اللبناني يفكك الملفات العالقة تكريساً لمسار استعادة هيبة الدولة

انعكست التغيّرات السياسية التي شهدها لبنان منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون، وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام بصورة مباشرة على الواقع القضائي.

يوسف دياب (بيروت)

«الإدارة الذاتية» بسوريا: من المتوقع بدء تنفيذ بنود «اتفاق 10 مارس» خلال أيام

لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

«الإدارة الذاتية» بسوريا: من المتوقع بدء تنفيذ بنود «اتفاق 10 مارس» خلال أيام

لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

قال ياسر السليمان المتحدث باسم وفد «الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا، والذي يتفاوض مع الحكومة السورية، إنه من المتوقع بدء تنفيذ بنود اتفاق 10 مارس (آذار) خلال أيام.

وأضاف المتحدث في تصريحات نقلها تلفزيون سوريا اليوم (الخميس) أن الطرف الأميركي سيكون حاضراً في الإشراف على تنفيذ الاتفاق مع الحكومة.

وتابع السليمان أن سوريا «لا تحتمل سوى جيش واحد بتشكيلات متنوعة»، حسب تعبيره.

وأضاف: «نعوّل على وطنية الرئيس أحمد الشرع وحرصه على أن تتحقق عملية الدمج من أجل التفرغ لبناء سوريا كما يليق بتضحيات السوريين».

طريق يؤدي إلى مناطق خاضعة لسيطرة «قسد» و«الإدارة الذاتية» (الشرق الأوسط)

ورداً على سؤال حول النفط، قال المتحدث باسم الوفد المفاوض لـ«الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا إن المشتقات النفطية ستكون في متناول جميع السوريين ضمن مؤسسات الدولة، لكنه أشار إلى أن جزءاً من عائدات المشتقات النفطية سيخصص للمناطق التي تُستخرج منها.

وأشار المتحدث إلى أن «هناك الكثير من الخلافات مع تركيا، ونطمح لحلها عبر بنية الدولة السورية».


الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية  (القوات المسلحة الأردنية)
اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية (القوات المسلحة الأردنية)
TT

الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية  (القوات المسلحة الأردنية)
اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية (القوات المسلحة الأردنية)

لا تملك المصادر الأردنية إجابات محددة عن التقديرات الرسمية للخطر القادم من الجنوب السوري بعد أن انتعشت الفوضى فيه مجدداً، بسبب تضارب المصالح لمجموعات وفصائل مسلحة وتجار مخدرات، واستمرار المحاولات الإسرائيلية في خلق واقع جديد يخدم مشروع تقسيم سوريا.

ومؤخراً، عاد سلاح الجو الأردني التابع للقوات المسلحة (الجيش العربي) لقصف بؤر تجارة المخدرات في الجنوب السوري. وعلى مدى يومين، الشهر الماضي، نفذت طائرات سلاح الجو ضربات موجهة لمجموعات من مصنّعي ومروّجي مواد مخدرة في الداخل السوري.

وعشية 25 ديسمبر (كانون الأول)، أعلنت القوات المسلحة الأردنية أنها تعاملت «مع عدد من الجماعات التي تعمل على تهريب الأسلحة والمواد المخدرة على الواجهة الحدودية الشمالية للمملكة»، مبينة أنها تجري تقييماً للموقف عملياتياً واستخبارياً لتحييد تلك الجماعات والتعامل معها، ومنع مختلف أشكال التسلل والتهريب للأسلحة والمخدرات، في إطار دورها في حماية أمن واستقرار المملكة.

وعلى الرغم من تنفيذ سلاح الجو الأردني عدداً من الضربات في الجنوب السوري من دون إعلان رسمي خلال عامَي 2023 و2024، فقد شكّل الإعلان العسكري عن تنفيذ ضربة جوية استهدفت مجموعات إرهابية محسوبة على تنظيم «داعش»، محاولة استعادة نفوذ الأردن في الجنوب السوري، وضرب مهربين وخطوط إنتاج مواد مخدرة، في سابقة هي الأولى من نوعها خلال سنوات الحرب في سوريا.

لا تنفصل القصة عن سياق مشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والذي انضمت له مؤخراً الجمهورية العربية السورية بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع للبيت الأبيض ولقائه الرئيس دونالد ترمب، قبل نحو شهر تقريباً.

بالنسبة لعمّان، فإن جهود مكافحة الإرهاب ستطول مجموعات إرهابية منتمية لجماعات متطرفة، إلى جانب ضرب بؤر صناعة وتجارة المخدرات في الجنوب السوري. لكن على ما يبدو، فإن معلومات مؤكدة دفعت القوات المسلحة الأردنية لتنفيذ ضربة جوية استباقية تحول دون عودة محاولات تهريب المواد المخدرة من الجنوب السوري نحو المملكة.

ويتزامن ذلك مع دخول فصل الشتاء الذي ينشط فيه المهربون بسبب محدودية الرؤية في الأجواء الماطرة والضباب الكثيف، الأمر الذي يرفع من تكلفة حماية الحدود من جانب واحد.

وأحبطت قوات حرس الحدود محاولات تهريب بواسطة المسيّرات و«البالونات» التي حملت كميات من مواد مخدرة وتم إسقاطها. كما أحبط الجيش على الحدود عشرات محاولات تسلل مهربين وعناصر مسلحة قادمة من الجنوب السوري.

تفاهمات أمنية

أكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أنه منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السابق، كان موقف الأردن واضحاً «إلى جانب الشعب السوري وتقديم كل أشكال الدعم والمساندة لتحقيق أمن سوريا واستقرارها، وتلبية تطلعات شعبها نحو مستقبل أفضل».

تضيف المصادر أن المملكة تتعامل مع «الأمر الواقع»، بهدف تأمين المصالح الأردنية على الحدود المشتركة مع الجارة الشمالية سوريا، والتي يبلغ طولها نحو (375 كم) شكّلت على مدى سنوات الأزمة السورية قلقاً أمنياً مضاعفاً للمملكة، في حين بدأت الأزمة منذ وصول أولى دفعات اللاجئين السوريين الذين غادروا مدنهم بحثاً عن الأمن بعيداً عن الحرب.

سيدتان تنتظران المرور من معبر جابر إلى معبر نصيب بعد غياب طويل عن سوريا (أ.ف.ب)

وبينما قالت المصادر إن الأردن «ملتزم بمبدأ العودة الطوعية للاجئين السوريين»، فقد أكدت أنه منذ 8 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024، عاد أكثر من 176 ألف لاجئ سوري من الأردن. وعلى الرغم من تراجع التمويل الدولي للدول المستضيفة، فإن المملكة قدمت «كافة الخدمات الأساسية لضمان العيش الكريم للاجئين السوريين».

موافقة سورية على دور أردني

وأبدت عمّان رسمياً دعمها للنظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع، وبادرت المملكة باستضافة اجتماعات عربية ودولية في مدينة العقبة الجنوبية منتصف ديسمبر 2024، بعد أيام من سقوط النظام، لبحث الأوضاع في سوريا والتنسيق بشأن سبل دعمها، ليكون وزير الخارجية أيمن الصفدي أول وزير خارجية عربي يزور دمشق بعد سقوط النظام، في رسالة واضحة تؤكد أن عمّان في مقدمة الدول الساعية لمساعدة سوريا، وفق ما أفادت به المصادر.

الشيباني والصفدي والمبعوث الأميركي توم برّاك خلال مؤتمر صحافي في دمشق حول خريطة طريق للسويداء (إ.ب.أ)

وتوضح المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن بناء الثقة مع النظام السوري الجديد، مكّن الأردن من العمل مع الحكومة السورية والولايات المتحدة لاحتواء أزمة السويداء عبر خريطة طريق متفق عليها تضمن أمن ووحدة وسيادة سوريا، في إطار دعم الأردن جهود الاستقرار الشامل. وعلى الرغم من التداعيات الحاصلة، ما يزال الأردن فاتحاً على قنوات اتصال مع قيادات في الجنوب السوري بحثاً عن مساندة جهود عودة الاستقرار لتلك المناطق دعماً لوحدة الأراضي السورية.

وكانت «الشرق الأوسط» نقلت في وقت سابق عن مصادر سياسية أردنية مطلعة، أن الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارته الرسمية الأولى لعمّان في السادس والعشرين من فبراير (شباط) الماضي، ولقائه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، قد «أبدى رغبته في أن يكون هناك دور أمني أردني في درعا»، بهدف مساعدة الحكم الجديد في بسط السيطرة على الأراضي السورية كافة، مما يعكس مدى مرونة وتجاوب التنسيق الأمني بين عمّان ودمشق في هذه الفترة.

التهريب من الجنوب السوري

في شهر أغسطس (آب) الماضي، نشرت «الشرق الأوسط» معلومات إحصائية تحدثت عن ارتفاع عدد عمليات التهريب عبر الحدود مع سوريا، في مقابل انخفاض حجم المواد المهربة، بسبب هروب «الفرقة الرابعة» بقيادة ماهر الأسد وميليشيات إيرانية، وأخرى محسوبة على «حزب الله» اللبناني أو تابعة للنظام السوري السابق.

مخدرات وأسلحة مهربة عبر الحدود السورية - الأردنية (القوات المسلحة الأردنية)

لكن مصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن أن كميات كبيرة من المخدرات الموجودة في الجنوب السوري ما زالت في أيادي وسطاء يحاولون التخلص منها في ظل انخفاض الكميات المتوفرة في أسواق التهريب، بعد قتل عدد من كبار التجار والمهربين، وتدمير خطوط إنتاج وتصنيع حبوب «الكبتاغون» ومواد مخدرة مصنّعة كمادة «الكريستال».

وأظهرت بيانات نشرها الإعلام العسكري أنَّ القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) منعت خلال الأشهر الستة الأولى من العام الماضي دخول 14 مليوناً و134 ألفاً و87 حبَّة مخدر، و92 كيلوغراماً و126 غراماً من المخدرات، و10 آلاف و603 كفوف من مادة الحشيش المخدر.

وفي إحصائية غطت المدة الزمنية من 1 يناير (كانون الثاني) إلى 16 يوليو (تموز) من العام الماضي، قال الإعلام العسكري بحسب بيانات منشورة، إن القوات المسلحة الأردنية أسقطت 310 طائرات من دون طيار محملة بالمخدرات، بمعدل 51 طائرة مُسيّرة شهرياً، أو نحو مسيّرتين يومياً، خلال هذه الفترة، وكشفت كل أساليب تجار المخدرات، وضبطت هذه الطائرات قبل أن تصل إلى وجهتها أو تعود إلى أوكار مرسليها.

طائرة مسيّرة من سوريا تحمل مخدرات أسقطها الجيش الأردني في يوليو 2023 (رويترز)

وبحسب البيانات أيضاً، نفذ تجار مخدرات 69 عملية تهريب، و69 عملية تسلل، واستخدموا 84 قطعة سلاح، وحاولوا تغيير أساليبهم واستخدام التكنولوجيا. في حين كشف الإعلام العسكري عن طرق جديدة لتهريب المواد المخدرة؛ فبعد إسقاط مقذوف قادم من الأراضي السورية، تم الكشف عن «بالونات» يتم التحكم بها عن بُعد حتى تصل إلى وجهتها. وبعد إسقاط «البالونات» التي حاولت العبور من الحدود، تبين أنها تحمل في أسفلها 500 غرام من مادة «الكريستال» المخدّر.


القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
TT

القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)

أكدت «دار الفتوى» في لبنان، الخميس، أنها لا تتدخل في المسار القضائي الذي يلاحق رجل دين متهماً بالاشتراك مع شخص آخر موقوف لدى السلطات اللبنانية بتهمة انتحال صفة مسؤول سعودي، ويتواصل مع شخصيات لبنانية بهذه الصفة.

كانت السلطات اللبنانية قد أوقفت الشهر الماضي، لبنانياً يدّعي أن اسمه «أبو عمر»، ينتحل صفة مسؤول سعودي، ويتواصل مع شخصيات لبنانية، مدعياً أنه يساعد في بلورة تحالفات انتخابية، وهي حادثة تكررت بأشكال مختلفة قبيل الاستحقاقات الانتخابية في لبنان في 2018 و2022، علماً بأن سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان كانت قد حذَّرت في بيان سابق لها من «التعامل مع مجهولين يقدمون أنفسهم على أنهم شخصيات سعودية اعتبارية». وإثر التوسع في التحقيق، أوقف القضاء اللبناني، الأربعاء، رجل دين بتهمة الاشتراك مع الموقوف في الجرم.

بيان «دار الفتوى»

وعلى أثر التوقيف، أعلن المكتب الإعلامي في «دار الفتوى» في بيان، أن قضية منتحل الصفة «وملاحقة كل متورط في عهدة القضاء»، مشدداً على أن «ما يجري من توقيف على ذمة التحقيق، لا تتدخل فيه (دار الفتوى) ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، لا من قريب ولا من بعيد، باعتبار ان مَن يُذكر اسمه (رجل الدين) غير موظف لدى دار الفتوى والمؤسسات التابعة لها».

ورداً على حملة استهدفت دار الفتوى بعد توقيف رجل الدين، أكد البيان أن حملة الافتراء والتشويه والأضاليل المبرمجة، تتناقض مع أخلاقيات التعامل مع دار الفتوى التي تعرف حق المعرفة ما يجب لها وعليها، وتتابع كل القضايا بدقة وتأنٍّ».

ادعاء يتكرر منذ 2018

ولا يُنظر إلى هذا الادعاء على أنه جديد، إذ تكرر قبيل انتخابات 2018 وانتخابات 2022 النيابية، ويتكرر الآن قبيل الانتخابات النيابية المزمعة في مايو (أيار) 2026، وتتابع السفارة السعودية لدى لبنان هذه الادعاءات من كثب، وتُحذر منها.

ففي عام 2018، حذّرت سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان من «أشخاص مجهولين يقدمون أنفسهم في لبنان على أنهم شخصيات سعودية اعتبارية، أو ممثلين لجهات معينة، أو باحثين، وغير ذلك، ويعقدون لقاءات مع شخصيات لبنانية مختلفة لأهداف غير معروفة، واتضح أن بعضهم لا يحمل الجنسية السعودية».

وأهابت السفارة بـ«ضرورة التثبت من هويات تلك الشخصيات وصفاتها قبل التعامل معها»، ورحبت «بالتنسيق معها والاستفسار عن أي شخص يدَّعي أنه يمثل جهة سعودية»، كما حذرت من التعامل مع تلك الشخصيات المجهولة. ويكرر سفير المملكة لدى لبنان وليد بخاري، موقف بلاده الداعم لاستقرار لبنان، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.