مؤتمر نيويورك أطلق حراكاً سياسياً لإحياء «حل الدولتين»

وعود الاعترافات بدولة فلسطين تتوالى

وزيرا الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والفرنسي جان نويل بارو خلال الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والفرنسي جان نويل بارو خلال الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر نيويورك أطلق حراكاً سياسياً لإحياء «حل الدولتين»

وزيرا الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والفرنسي جان نويل بارو خلال الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والفرنسي جان نويل بارو خلال الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)

أطلق مؤتمر نيويورك، الذي انعقد في الأمم المتحدة برعاية المملكة العربية السعودية ومشاركة فرنسية، حراكاً سياسياً باتجاه «حل الدولتين»؛ وبرزت معه وعود جديدة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، لحاقاً بإعلان باريس نيتها اتخاذ هذه الخطوة.

ففي بريطانيا، أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر، بعد اجتماع استثنائي للحكومة، عزمه على اللحاق بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر (أيلول) المقبل حال لم تتخذ إسرائيل خطوات لتحسين الوضع في قطاع غزة وإحلال السلام، وهو ما كرره وزير خارجيته ديفيد لامي أمام مؤتمر نيويورك.

ومع ازدياد الضغوط في الداخل، أعلن ستارمر أنه سيُقدم على هذه الخطوة ما لم توقف إسرائيل حربها على غزة، وتفتح المعابر أمام تدفق المساعدات الإنسانية من دون عوائق، وتنخرط في محادثات سلمية جدية لوضع حد للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلقي بياناً في لندن يوم الثلاثاء دعا فيه مجلس الوزراء إلى الانعقاد لبحث الوضع بغزة (رويترز)

ويبدو التجاوب الإسرائيلي مع هذه الشروط مستحيلاً، بالنظر إلى مواقف نتنياهو وفريقه الحكومي، كما يعني عملياً أن لندن -التي تتحمل مسؤولية تاريخية في قيام إسرائيل منذ «وعد بلفور» عام 1917- ستُقدم على هذا التحرك.

ولهذه الخطوة أهمية خاصة، إذ ستكون بريطانيا هي الدولة الثانية في «مجموعة السبع» التي تعترف بالدولة الفلسطينية، بعد فرنسا، والرابعة في مجلس الأمن من بين الدول الخمس دائمة العضوية. كما أن لها أهمية خاصة من حيث أنها تجعل الحراك الغربي «حراكاً جماعياً»، وهو ما كانت تراهن عليه باريس.

وجسَّد «نداء مؤتمر نيويورك» الداعي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية والصادر عن 15 دولة غربية ما يشبه «الزلزال الأرضي»، وفق تعبير وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، إذ إنها المرة الأولى التي يُقدِم فيها الغربيون «جماعياً» على خطوة كهذه.

والدول الخمس عشرة هي: أستراليا، وكندا، وفنلندا، وفرنسا، والنرويج، وإسبانيا، والبرتغال، وآيرلندا، وسلوفينيا، ولوكسمبورغ، ومالطا، ونيوزيلندا، وآيسلندا، وسان مارينو، وأندورا.

ومن بين الدول المذكورة، أعلنت مالطا رسمياً أنها سوف تعترف بالدولة الفلسطينية؛ فيما تتأهب كندا لذلك، وكذلك فنلندا. وترى مصادر فرنسية أن البرتغال مهيَّأة بدورها لهذا الاعتراف.

وقد جاء في إحدى فقرات «النداء»: «لقد اعترفنا، أو عبَّرنا أو نعبّر عن استعداد بلداننا أو نظرتنا الإيجابية للاعتراف بدولة فلسطين، بوصفه خطوة أساسية نحو حل الدولتين؛ وندعو جميع الدول التي لم تقم بذلك بعد إلى الانضمام إلى هذا النداء».

كما ورد فيه: «نعرب عن عزمنا على العمل من أجل وضع هيكلية لليوم التالي في غزة، تضمن إعادة إعمار غزة، ونزع سلاح حركة (حماس)، واستبعادها من الحكم الفلسطيني».

العدوى الدبلوماسية

تنمّ صياغة الفقرة المذكورة عن رغبة جماعية في الإقدام وتشجيع آخرين على اللحاق بالركب. وتعترف بالدولة الفلسطينية، حتى اليوم، 149 دولة.

وتقول مصادر فرنسية إن إعلان ماكرون خطوة الاعتراف قبل أيام كان ذا هدف مزدوج: ممارسة ضغوط على الدول الأوروبية المترددة من جهة، وإعطائها الوقت الكافي حتى 21 سبتمبر، وهو الموعد المبدئي للقمة التي ستوَّجه الدعوة إليها في نيويورك حتى تبلور قرارها.

ونقلت وزارة الخارجية الفرنسية، الأربعاء، عن بارو قوله للأمين العام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن هذا الاعتراف «يندرج ضمن ديناميكية سياسية شاملة دعمها المؤتمر، وتهدف إلى تحقيق الاعتراف بدولة فلسطين، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل ودمجها إقليمياً، وإصلاح الحوكمة الفلسطينية، ونزع سلاح حركة (حماس) واستبعادها بالكامل، وتنفيذ ضمانات أمنية جماعية».

الأمين العام للأمم المتحدة يصافح وزير الخارجية الفرنسي خلال مؤتمر «حل الدولتين» في نيويورك (أ.ف.ب)

ولعل الفقرة الأخيرة من خريطة الطريق تختصر الهدف الأسمى للمؤتمر: «إنها فرصة تاريخية. لقد حان وقت العمل الحاسم والجماعي لإنهاء الحرب، وتحقيق إقامة الدولة الفلسطينية، وضمان السلام والكرامة لكلا الشعبين».

رغم الضغوط والتحذيرات

حظي المؤتمر بحضور واسع، إذ شاركت فيه 125 دولة، وكثير من المنظمات الدولية والإقليمية؛ كالاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، وما لا يقل عن 40 وزيراً للخارجية، رغم الضغوط الإسرائيلية والأميركية.

وإلى جانب تلك الضغوط، حذرت حملة داخلية استهدفت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد إعلانه العزم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية رسمياً في «أسبوع الرؤساء والقادة» في الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر، من تنفيذ بادرة «لن يكون لها أي تأثير» على مسار الأحداث في الشرق الأوسط؛ كما نبّهته من «العزلة الدبلوماسية» التي سيقع فيها لأنه ليست هناك أي دولة أوروبية أو غربية سوف تنضم إليه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

واستبعد «المشككون» انبعاث «ديناميكية دبلوماسية - سياسية» لصالح حل الدولتين الذي أصبح، وفق رؤيتهم، «جزءاً من الماضي»، ليس فقط بسبب التغيرات السياسية والميدانية، ولكن أيضاً بسبب رفض إسرائيل الجذري قيام دولة فلسطينية.

وصوَّت الكنيست العام الماضي على قرار يرفض قيام دولة فلسطينية، كما تبنى الأسبوع الماضي قراراً يدعو الحكومة إلى ضم الضفة الغربية بأغلبية 71 صوتاً. وباختصار، فإن المشككين رأوا في «مؤتمر الدولتين» ضرباً من «الأوهام».

ودأبت السردية الإسرائيلية على التنديد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبرةً إياه «مكافأة لحماس وللإرهاب»، زاعمةً أنه سيؤول إلى «نسف مساعي الحل السلمي» و«الجهود المبذولة لوضع حد للحرب» في غزة.

لكن كل ما سبق لم يتحقق، بل حدث العكس تماماً.

فالرياض وباريس نجحتا في مسعيهما الهادف إلى إعادة إحياء «حل الدولتين» الذي غاب طويلاً.

وخلال يومين فقط، كان تركيز ثلثي بلدان العالم على «خريطة الطريق» التي تمت بلورتها طيلة أسابيع طويلة بفضل جهود ثماني مجموعات عمل مزدوجة الرئاسة، عربية ودولية، انكبَّت على صياغة مقترحات عامة وشاملة وعملية حول كيفية وضع حد للنزاع والذهاب نحو شرق أوسط مندمج أمنياً واقتصادياً وإنسانياً.

وبرز ذلك في «الوثيقة النهائية» المكونة من 7 صفحات والتي صدرت مع انتهاء أعمال المؤتمر، يوم الثلاثاء.

وقال وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إن الوثيقة «تتضمن مقترحات شاملة للمحاور السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية والقانونية والسردية الاستراتيجية، وهي تشكل إطاراً متكاملاً وقابلاً للتنفيذ من أجل تطبيق حل الدولتين وتحقيق السلم والأمن للجميع».

ودعا الوزير السعودي إلى «تأييد الوثيقة الختامية» قبل اختتام الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة عن طريق إبلاغ البعثة السعودية أو الفرنسية في نيويورك بذلك.


مقالات ذات صلة

فرنسا تنظم مؤتمراً لدعم «حل الدولتين» بمقاطعة إسرائيلية وأميركية

شؤون إقليمية ماكرون خلال زيارته معرض «كنوز غزة» في معهد العالم العربي ويظهر ممسكاً بخريطة «فلسطين» مرسومة على قماش (أرشيفية - أ.ف.ب)

فرنسا تنظم مؤتمراً لدعم «حل الدولتين» بمقاطعة إسرائيلية وأميركية

اجتماع في باريس لـ«حل الدولتين» يوجّه «خريطة طريق» إلى قادة «مجموعة السبع»، وسط مخاوف من بقاء الملف الفلسطيني بعيداً عن اهتمامات الأطراف الفاعلة دولياً.

شؤون إقليمية يحضر الاجتماع وزراء خارجية ومسؤولون كبار من عشرات الدول ويُعقد مع مرور عام على إعلان نيويورك المدعوم من الأمم المتحدة الذي وضع خريطة طريق نحو إقامة دولة فلسطينية (رويترز)

مؤتمر في فرنسا يحشد دعماً دولياً للدفاع عن حل الدولتين

تجتمع منظمات مجتمع مدني إسرائيلية وفلسطينية في فرنسا، الجمعة، لحث المجتمع الدولي على عدم التخلي عن حل الدولتين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية ماكرون خلال زيارته معرض «كنوز غزة» في معهد العالم العربي يوم الاثنين ويظهر ممسكاً بخريطة «فلسطين» مرسومة على قماش (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا تسعى لإعادة إحياء «حل الدولتين» عبر المجتمع المدني

تسعى فرنسا إلى إحياء «حل الدولتين» مستعينة بمجموعات المجتمع المدني وتستضيف الاجتماع الثاني الموسع لـ«نداء باريس» الذي ينطلق الجمعة في معهد العالم العربي.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle 11:06

تهديد ألماني يُعرقل «مؤقتاً» مسار إقامة مستوطنات «إي 1» بالقدس

اعترفت جهات إسرائيلية بأن موقفاً ألمانياً ظهر مؤخراً عرقل «مؤقتاً» مشروع البناء الاستيطاني المعروف باسم «إي – 1» على الأقل لعدة شهور مقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الخميس، أن باريس ستستضيف اجتماعاً دولياً في 12 يونيو (حزيران) مخصصاً لحل الدولتين للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«أرض الصومال» يتحدى «الرفض الإقليمي» ويلوّح بـ«قاعدة عسكرية إسرائيلية»

رئيس إقليم أرض الصومال خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
TT

«أرض الصومال» يتحدى «الرفض الإقليمي» ويلوّح بـ«قاعدة عسكرية إسرائيلية»

رئيس إقليم أرض الصومال خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

تحدَّث رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، عن إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في الإقليم، وسط رفض عربي إقليمي متصاعد للتوغل الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي، في خطوة قال خبراء ومحللون إنها تنذر بتفاقم التوترات وتحوُّل هذه المنطقة الاستراتيجية إلى ساحة نفوذ، رغم استبعاد الصدام المباشر.

وعمَّقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال»، المنفصل عن الحكومة الصومالية الفيدرالية منذ عام 1991، بعد أن اعترفت به أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وما أعقب ذلك من تسمية سفراء، في أبريل (نيسان) الماضي، وصولاً إلى زيارة عرو لإسرائيل قبل أيام، وافتتاح سفارة في القدس المحتلة.

وخلال وجوده في إسرائيل، قال عرو، في مقابلة مع قناة «i24NEWS» الإسرائيلية، الأربعاء، إنه «لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أرض الصومال في المستقبل»، مضيفاً أن ذلك «ربما يكون قريباً».

وعند سؤاله عما إذا كان بإمكان «أرض الصومال» أن تلعب دوراً في مكافحة تهديدات الحوثيين بالبحر الأحمر، قال إنها تسعى للحصول على دعم دولي لتعزيز قدرات قوات خفر السواحل لديها.

تصريحات متضاربة

وتتباين تلك التصريحات، بشكل لافت، مع حديث وزير دفاع «أرض الصومال»، محمد يوسف علي، الذي قال، لـ«رويترز»، الأربعاء، من إسرائيل إنه «ليس هناك أي وجود عسكري إسرائيلي في المنطقة، ولا توجد محادثات حول إقامة قاعدة إسرائيلية هناك»، وعدَّ ذلك «شائعات».

تأتي التصريحات المتضاربة بين رئيس الإقليم ووزير دفاعه تزامناً مع تصريح وزير الدفاع يسرائيل كاتس، في بيان لمكتبه، بأن إسرائيل قامت، منذ أعوام، بسلسلة من «الأنشطة السرية» مع «أرض الصومال»، وذلك خلال استقباله رئيس الإقليم الانفصالي، الأربعاء، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان العميد الإسرائيلي المتقاعد أمير أفيفي قد قال، في منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، في مايو (أيار) الماضي، إن «إسرائيل تبني قدرات في أرض الصومال... لدينا قاعدة هناك، الآن».

رئيس إقليم أرض الصومال خلال مؤتمر صحافي مع الرئيس الإسرائيلي (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

ويقول المحلل السياسي الصومالي عبد الكامل أبشر: «إذا تحولت فكرة القاعدة العسكرية الإسرائيلية في أرض الصومال إلى واقع، فقد تسهم في تصعيد التوترات الإقليمية؛ ليس بسبب حجم القوة العسكرية الموجودة هناك، بل لأنها ستُفسَّر من قِبل أطراف مختلفة كجزء من الصراع الأوسع بين إسرائيل وخصومها».

وقد يؤدي ذلك، وفقاً لأبشر، إلى زيادة التنافس بين القوى الإقليمية، وتكثيف النشاط العسكري والاستخباراتي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ورفع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة في حسابات الصراع بين إسرائيل من جانب، وإيران وحلفائها من جانب آخر، مما يخلق ساحاتٍ لتعزيز النفوذ وزيادة عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وخلق مخاطر أمنية إضافية على الموانئ وخطوط الملاحة والبنية التحتية في المنطقة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن القاعدة العسكرية المحتملة تحمل أبعاداً أمنية وجيوسياسية تتجاوز العلاقة الثنائية بين الجانبين، خاصة أن منطقة القرن الأفريقي تُعد من أكثر المناطق حساسية استراتيجياً بسبب إشرافها على مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية.

وحذّر بري من أن القاعدة تمنح إسرائيل موطئ قدم قريباً من باب المندب، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما يرفع التهديدات الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، ويزيد حِدة التنافس الدولي في القرن الأفريقي، مع ما تشهده المنطقة من حضور لقوى متعددة مثل الولايات المتحدة والصين وتركيا، لكنه استبعد حدوث «صدام مباشر» حالياً.

رفض عربي

ومنذ الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي، كان الرفض الصومالي والعربي والإسلامي حاضراً بقوة. وحذّرت جامعة الدول العربية، في مايو الماضي، من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي». ودعت، قبل أيام، المجتمع الدولي لتحمُّل مسؤوليته ووقف الإجراءات التي يقدم عليها إقليم «أرض الصومال» مع إسرائيل.

كما سبق أن أصدر وزراء خارجية 14 دولة عربية وإسلامية والسلطة الوطنية الفلسطينية بياناً مشتركاً أدانوا فيه إقدام الإقليم الانفصالي على افتتاح «سفارة» في القدس.

وقبل أيام، قال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في مقابلة مُتَلفزة، إن «إسرائيل سعت مراراً إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو، لكنها قُوبلت بالرفض في كل مرة لأسباب دينية وإنسانية»، محذّراً من أن «انخراط إسرائيل مع إقليم أرض الصومال ما هو إلا فخ مدبَّر يهدف إلى استغلال الانقسامات الداخلية في الصومال وجرّ المنطقة إلى صراعات جيوسياسية إقليمية».

وعن الموقف الصومالي والعربي، قال بري إن التوجه لإنشاء قاعدة إسرائيلية سيزيد الفجوة مع الحكومة الفيدرالية في الصومال التي ستعدُّ أي اتفاق عسكري خارجي مع «أرض الصومال» انتهاكاً لسيادة الدولة، وسيُعقّد أي مسار محتمل للحوار بينها وبين الإقليم، فضلاً عن أن أي وجود عسكري أجنبي، خاصة إن كان إسرائيلياً، قد يجعل المنطقة هدفاً لتهديدات من جماعات متطرفة أو أطراف إقليمية معارِضة.


فانس: مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران تبدأ اليوم

جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
TT

فانس: مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران تبدأ اليوم

جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)

أعلن جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، الخميس، أن مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران، التي نصت عليها مذكرة التفاهم بين البلدين، تبدأ اليوم الخميس...

فانس يتحدّث أمام تجمّع انتخابي في نيويورك يوم 17 يونيو 2026 (رويترز)

وقال فانس، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض: «سنبدأ الأيام الـ60. سنباشر العد التنازلي اليوم» الخميس.

وقال ​إن ‌على ⁠إسرائيل ​احترام عملية ⁠السلام مع إيران، التي ⁠قال ‌إنها جيدة ‌بالنسبة ​إليهم، ‌مضيفاً ‌أن الهجمات التي ‌تسفر عن سقوط قتلى من ⁠المدنيين ⁠في بيروت «غير مقبولة».

وتابع أن جزءاً من أهداف اتفاق السلام ‌بين واشنطن وإيران ‌يتمثل ​في ‌تمكين ⁠الحكومة ​اللبنانية من ⁠إدارة الأمن في جنوب البلاد، بدلاً من جماعة «حزب الله» ⁠المدعومة من ‌إيران.

وأضاف: «ما ​نريده ‌هو أن ‌تتولى الحكومةُ اللبنانية؛ ممثلةُ الشعب اللبناني المنتخبة، إدارة الأمن ‌في جنوب لبنان، بحيث لا يسيطر ⁠(حزب ⁠الله) على البلاد، ولا يشعر الإسرائيليون بالتهديد، وبالتالي لا يشن الإسرائيليون هجمات على جنوب لبنان أو ​بيروت».


سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
TT

سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته

يتضمن الاتفاق الإطار الموقع بين الولايات المتحدة وإيران بندين، ويتناولان مضيق هرمز. وينص البند الرابع على تعهد أميركي برفع الحصار البحري المفروض على إيران «فوراً»، وسحب القوات الأميركية خلال 30 يوماً.

وينص البند الخامس على تعهد إيراني بـ«ضمان المرور الآمن والمجاني» للسفن التجارية خلال فترة 60 يوماً «فقط»، على أن تُستأنف حركة الملاحة بانتظام خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً، وذلك نظراً إلى حاجة إيران إلى إزالة الألغام التي زرعتها.

أما مستقبل المضيق، فمتروك لحوار إيراني - عماني «بالتشاور» مع دول الخليج، من أجل «تحديد آلية الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز»، ما يترك الباب مفتوحاً أمام إيران لفرض رسوم مرور تحت مسمى «الخدمات».

وتختلف لهجة الاتفاق الإطار عما ورد في بيان قمة السبع في مدينة إيفيان حول مستقبل مضيق هرمز، إذ جاء فيه: «ونؤكد مجدداً أن حق المرور العابر من دون قيود أو رسوم يشكل ركيزة أساسية للتجارة الدولية. ونتفق على أن المبادرة متعددة الجنسيات والمستقلة والدفاعية التي تقودها فرنسا والمملكة المتحدة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تسهيل استئناف حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، من خلال حماية السفن التجارية، وطمأنة شركات الشحن، ودعم التحقق من إزالة جميع الألغام».

ما بين بيان السبع ومضمون الاتفاق الإطار

يتضمن بيان قادة مجموعة السبع، بصرف النظر عن مسألة شروط الإبحار في مضيق هرمز، نقطة مهمة تتعلق بـ«المبادرة متعددة الجنسيات» التي أطلقتها باريس ولندن في أبريل (نيسان) الماضي لضمان «المرور الآمن» في المضيق.

وتشير هذه النقطة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان مستاءً من إحجام الدول الأوروبية والأطلسية عن مساندة القوات الأميركية في جهودها لتأمين حرية الملاحة وسلامتها في هرمز بعد إغلاقه من جانب «الحرس الثوري» منذ الأيام الأولى للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران التي اندلعت ليل 28 فبراير (شباط)، بات أكثر انفتاحاً على الدور الأوروبي.

وعندما سُئل ترمب في الأيام الأولى من الأزمة عن العرض الأوروبي المتعلق بهرمز، أجاب بنبرة فوقية بأنه «لن يحتاج إلى ذلك». لكن تعاطي القادة الأوروبيين معه، وفي مقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب الحاجة الملحة لإعادة فتح المضيق في أسرع وقت ممكن، والاعتقاد بأن الإيرانيين قد لا يمتلكون القدرات الكافية لإزالة الألغام التي زُرعت في مياهه، دفعه إلى تعديل مقاربته، وهو ما انعكس في البيان الختامي لقمة السبع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال توقيعه، عن بعد، ليل الأربعاء الإتفاق الأطار المبرم مع الجانب الإيراني ولها خلفهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو ونظيره الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

وتناول ترمب الدور الأوروبي بالإشارة إلى أهمية إزالة الألغام من المضيق لجعله آمناً أمام الملاحة مجدداً، وتشجيع شركات الشحن على استخدامه، وخفض تكاليف التأمين على السفن العابرة.

وليس سراً أن الأوروبيين، الذين استُبعدوا من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ينظرون إلى الخليج العربي بوصفه البوابة التي قد تمكّنهم من العودة إلى الملف الإيراني. وكان ماكرون قد استبق انطلاق قمة إيفيان بالقول، في مقابلة تلفزيونية بُثت يوم الاثنين، إن المهمة البحرية التي تقودها فرنسا وبريطانيا «يمكن نشرها خلال يومين أو ثلاثة أيام».

وتسعى باريس ولندن إلى إنشاء «مهمة مستقلة عن الولايات المتحدة، ذات طابع دفاعي ومحايد»، بما يسهّل قبولها من مختلف الأطراف. وفي الوقت نفسه، تريد العاصمتان أن تشكل هذه المشاركة وسيلة لإعادة التقارب مع واشنطن، فضلاً عن حماية المصالح الأوروبية في منطقة الخليج.

شروط برلين للمشاركة

رغم تأكيد مصادر رئاسية فرنسية أن ما لا يقل عن 12 دولة جاهزة للمشاركة في هذه المهمة، إلا أن الحقيقة مختلفة بعض الشيء حيث أن جهات لصيقة بالمبادرة أكدت أن خمس دول على الأكثر قادرة عمليا على المشاركة وهي، الى جانب فرنسا وبريطانيا، ألمانيا وإيطاليا وهولندا.

وكانت باريس قد وجهت حاملة الطائرات «شارل ديغول» والقطع البحرية المرافقة لها إلى بحر العرب. وكشفت وزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوتران أن كاسحتي ألغام فرنسيتين غادرتا مرفأ طولون المتوسطي وأبحرتا باتجاه الخليج. واتخذت ألمانيا خطوة مماثلة، فيما جمعت بريطانيا عدداً من قطعها البحرية في المنطقة تحسباً لانتشار سريع. ووفق الرؤية الفرنسية، يتعين نشر قطع بحرية لحماية كاسحات الألغام إذا ساءت الأمور.

وخلال وجوده في بروكسل للمشاركة في اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن دولاً أوروبية «مستعدة للمشاركة» في الجهود الخاصة بمضيق هرمز، من دون أن يغفل الإشارة إلى أن كثيراً من حلفاء واشنطن «خذلوها» عندما طلبت مساعدتهم.

وكشف نظيره الألماني بوريس بيستوريوس، في المناسبة نفسها، أن كاسحتي ألغام ألمانيتين تبحران باتجاه البحر الأحمر، مصحوبتين بقدرات عسكرية متنوعة وقوات حماية. لكنه أضاف أن مهمة إزالة الألغام «ما زالت أمراً مفتوحاً»، مؤكداً الحاجة إلى توافر «إطار قانوني دولي واضح» لإطلاقها.

وفي السياق نفسه، ربط وزير الخارجية الألماني مشاركة بلاده، في حديث لصحيفة «راينيشه بوست»، بتوافر «مجموعة من الشروط»، منها وقف الأعمال القتالية، وتوافق جميع الأطراف على إعادة فتح المضيق، وتلقي ألمانيا «تكليفاً رسمياً»، فضلاً عن موافقة البوندستاغ، البرلمان الألماني.

أما الغطاء الدولي، فيمكن أن يأتي عبر الأمم المتحدة، مضيفاً أنه «يجب أن يكون واضحاً أن كلاً من إيران وسلطنة عمان لا ترفضان انتشار سفننا في مياههما. لا يمكننا ولا نريد تعريض قواتنا المسلحة لأي مخاطر غير ضرورية».

ونبه بيستوريوس إلى أن أموراً كثيرة ستتوقف على مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال الستين يوماً المقبلة. لكنه قال إن برلين «إذا حان الوقت، فستكون مستعدة».

غموض الموقف الإيراني

حتى الآن، لم يصدر أي موقف رسمي من مسقط، لا ترحيباً ولا رفضاً للمبادرة. لكن المؤكد أن الحكومة العمانية لن تعارض مقترحاً يحظى بدعم أميركي وغربي واسع.

غير أن العقدة الأساسية تبقى في الموقف الإيراني، إذ لم يكشف المسؤولون الإيرانيون خلال الأيام الأخيرة عن موقف واضح من المبادرة. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين، إنه «أثار» هذا الملف مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، من دون أن يكشف عن مضمون المحادثات. في المقابل، أفاد مصدر رئاسي فرنسي بأن إيران «لم تقل نعم ولم تقل لا».

لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال الخميس إن إعادة فتح مضيق هرمز تُعد «مسؤولية إيرانية» بموجب مذكرة التفاهم، مشيراً إلى رفض طهران أي مزاعم أو محاولات للتدخل الأجنبي في هذا الملف.

مضيق هرمز وفيه تظهر ، من الجانب العماني، عشرات البواخر الراسية بسبب علاقه منذ عدة أشهر (رويترز)

وفي جميع الأحوال، يصعب فصل تفعيل مهمة إزالة الألغام، التي تدفع باتجاهها مختلف الأطراف وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عن مسار الجولة الجديدة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية المقرر أن تنطلق الجمعة في سويسرا على مستوى رفيع. كما يربط الأوروبيون المضي في هذه المهمة بالحصول على موافقة إيرانية رسمية وعلنية، ما يجعل موقف طهران عاملاً حاسماً في تحديد مصيرها.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت الاثنين عن مسؤول إيراني قوله إن أي وجود لقوات أجنبية، سواء لحماية الملاحة أو لإزالة الألغام، «أمر غير مقبول... فهذه مجرد حيلة لجلب قوات بحرية إلى المضيق، ولن يتم قبولها».

كما نقلت عن مسؤول أمني إيراني قوله إن طهران «لا تثق إطلاقاً بالدول الأجنبية»، مضيفاً أن السيطرة على المضيق تعود لإيران، وإلى حد ما لسلطنة عمان.

وبصورة أكثر وضوحاً، تخشى إيران أن يؤدي قبولها بانتشار قوات أوروبية في المضيق تحت عنوان إزالة الألغام إلى تحول هذا الوجود إلى أمر دائم أو طويل الأمد، وهو ما لا ترغب فيه.

وهكذا تتبدى ملامح مسألة معقدة تمسك طهران بأحد أطرافها وتريد ان تجعلها ورقة رابحة بين يديها في هذه المرحلة الجديدة من عملية شد الحبال مع واشنطن.