«جلد على عظم»... أطفال في غزة لا يقدرون حتى على البكاء

إمدادات علاج سوء التغذية الشديد آخذة في النفاد

وُضعت الطفلة الفلسطينية زينب أبو حليب البالغة من العمر ستة أشهر على سرير بعد وفاتها في مستشفى ناصر بخان يونس بسبب سوء التغذية الحادّ (د.ب.أ)
وُضعت الطفلة الفلسطينية زينب أبو حليب البالغة من العمر ستة أشهر على سرير بعد وفاتها في مستشفى ناصر بخان يونس بسبب سوء التغذية الحادّ (د.ب.أ)
TT

«جلد على عظم»... أطفال في غزة لا يقدرون حتى على البكاء

وُضعت الطفلة الفلسطينية زينب أبو حليب البالغة من العمر ستة أشهر على سرير بعد وفاتها في مستشفى ناصر بخان يونس بسبب سوء التغذية الحادّ (د.ب.أ)
وُضعت الطفلة الفلسطينية زينب أبو حليب البالغة من العمر ستة أشهر على سرير بعد وفاتها في مستشفى ناصر بخان يونس بسبب سوء التغذية الحادّ (د.ب.أ)

على الجدران المطلية باللون الوردي في جناح علاج سوء التغذية لدى الأطفال بمستشفى ناصر في قطاع غزة، رسومات كرتونية لأطفال يركضون ويبتسمون ويلعبون بالورود والبالونات، بحسب «رويترز».

وتحت الصور مجموعة من الأمهات يراقبن أطفالهن الرضع الذين يرقدون دون حركة أو صوت، معظمهم منهكون للغاية بسبب الجوع الشديد، لدرجة أنهم لا يقدرون حتى على البكاء.

وقال الأطباء لـ«رويترز»، إن هذا الصمت شائع في الأماكن التي تعالج مَن يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو علامة على توقف الأجساد عن العمل.

وقالت زينة رضوان، والدة الطفلة ماريا صهيب رضوان البالغة عشرة أشهر: «بتضلها مرخية، مرمية، ما بتتحركش، لا بتقعد ولا بتقف على رجليها... يعني لا بتستجيب معاك».

ولم تتمكن زينة من العثور على الحليب أو الطعام الكافي لطفلتها، ولا تستطيع أن ترضع ابنتها، لأنها أيضاً تعاني من نقص التغذية، وتعيش على وجبة واحدة يومياً.

على مدى الأسبوع الماضي، أمضى صحافيو «رويترز» خمسة أيام في مجمع ناصر الطبي، وهو واحد من أربعة مراكز فقط متبقية في غزة قادرة على علاج الأطفال الذين يعانون من الجوع بدرجة خطيرة.

وخلال فترة وجود «رويترز» هناك، جرى إدخال 53 حالة لأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد، بحسب رئيس القسم.

ونفدت مخزونات غزة من المواد الغذائية، بعد أن قطعت إسرائيل، التي تخوض حرباً مع حركة «حماس»، منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، جميع الإمدادات إلى القطاع، في مارس (آذار) الماضي. وتم رفع هذا الحصار، في مايو (أيار)، ولكن مع قيود تقول إسرائيل إنها ضرورية لمنع تحويل مسار المساعدات إلى الجماعات المسلحة.

ورداً على طلب للتعليق، قالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق التي تشرف على تنسيق المساعدات، إن إسرائيل لا تفرض قيوداً على دخول شاحنات المساعدات إلى غزة، لكن المنظمات الدولية تواجه تحديات في جمع المساعدات داخل القطاع.

وتفاقم الوضع في شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز)، مع نفاد المخزونات، إذ حذرت «منظمة الصحة العالمية» من تفشي المجاعة، وأصابت صور الأطفال المصابين بالهزال العالم بالصدمة.

وتقول وزارة الصحة في غزة إن 154، منهم 89 طفلاً، لاقوا حتفهم بسبب سوء التغذية، ومعظمهم في الأسابيع القليلة الماضية. وقال مرصد عالمي للجوع، أمس (الثلاثاء)، إن سيناريو المجاعة يحدث الآن.

وتقول إسرائيل إنها لا تهدف إلى تجويع غزة. وأعلنت، هذا الأسبوع، عن خطوات للسماح بإدخال مزيد من المساعدات، بما في ذلك وقف القتال في بعض المواقع، وإسقاط المواد الغذائية من الجو، وتوفير طرق أكثر أمناً.

وقالت الأمم المتحدة إن حجم ما هو مطلوب لدرء المجاعة وتجنُّب حدوث أزمة صحية كبير.

وقال الدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم طب الأطفال والولادة في «مجمع ناصر الطبي»: «نحن بحاجة إلى حليب الأطفال، ونحتاج إلى إمدادات طبية، ونحتاج إلى بعض المواد الغذائية، وأغذية خاصة لقسم التغذية... نحن بحاجة إلى كل شيء من أجل المستشفيات».

ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن كثيرين ممن ماتوا وهم يعانون من سوء التغذية في غزة كانوا يعانون من أمراض سابقة. ويقول خبراء المجاعة إن هذا أمر معتاد في المراحل الأولى من أزمة الجوع.

وقال ماركو كيراك، الأستاذ المشارك في كلية لندن للصحة وطب المناطق الاستوائية: «الأطفال الذين يعانون من أمراض سابقة هم أكثر عرضة للخطر؛ فهم يتأثرون في وقت أبكر». وساعد كيراك في وضع المبادئ التوجيهية العلاجية لـ«منظمة الصحة العالمية» لسوء التغذية الشديد.

وقال الفرا إن مستشفاه يتعامل الآن مع أطفال مصابين بسوء التغذية لم تكن لديهم مشكلات صحية سابقة، مثل الطفلة وتين أبو أمونة التي وُلِدت بصحة جيدة منذ ثلاثة أشهر تقريباً، وتزن الآن 100 جرام أقل عن وزنها عند الولادة.

وأضاف: «يعني إحنا خلال التلات شهور ما كسبنا جرام واحد. بالعكس، تراجعت الطفلة في الوزن».

وتابع: «هناك فقدان تام للعضلات. فقط الجلد فوق العظام... دليل على أن الطفلة دخلت في مرحلة من سوء التغذية الشديد، لو لاحظنا حتى وجه الطفلة، فسنجد أن هناك فقداً للنسيج الشحمي الموجود في منطقة الوجنتين لدى الطفل».

وتشير ياسمين أبو سلطان والدة الطفلة إلى أطراف ابنتها التي يساوي عرض ذراعيها عرض إبهام والدتها.

وقالت ياسمين مشيرة إلى ابنتها: «هل ترون؟ هاتان هما ساقاها. انظروا إلى ذراعيها».

نفاد الإمدادات وندرة الأماكن في المستشفى

وقال الفرا و«منظمة الصحة العالمية» لـ«رويترز» إن الأطفال الأصغر سناً على وجه الخصوص يحتاجون إلى تركيبات علاجية خاصة يتم تحضيرها باستخدام المياه النظيفة، مشيرين إلى شح الإمدادات.

وذكرت مارينا أدريانوبولي، رئيسة فريق «منظمة الصحة العالمية» للتغذية المعني بالاستجابة في غزة، أن «جميع الإمدادات الرئيسية لعلاج سوء التغذية الحاد الوخيم، بما في ذلك المضاعفات الطبية، تنفد بالفعل... الوضع حرج حقاً».

وأضافت أن مراكز العلاج تعمل أيضاً فوق طاقتها الاستيعابية.

وفي الأسبوعين الأولين من يوليو (تموز)، تلقى أكثر من خمسة آلاف طفل دون سن الخامسة العلاج في العيادات الخارجية لسوء التغذية، وكان 18 في المائة منهم يعانون من سوء التغذية بأشد صورها.

وقالت «منظمة الصحة العالمية» إن هذا الرقم يمثل ارتفاعاً مقارنة مع 6500 طفل في شهر يونيو (حزيران) بأكمله. ويُعدّ هذا بالفعل أعلى رقم في الحرب، ومن شبه المؤكد أنه أقل من الواقع.

وقالت والدة وتين إنها حاولت إدخالها إلى المستشفى، الشهر الماضي، لكن المركز كان ممتلئاً عن آخره. وبعد عشرة أيام دون أن يتوفر الحليب ومع توفر وجبة طعام واحدة بالكاد في اليوم لبقية أفراد العائلة، عادت، الأسبوع الماضي، لأن حالة ابنتها كانت تتدهور.

ومثل عدد من الأطفال الرضَّع في «مركز ناصر»، تعاني وتين أيضاً من الحمى والإسهال المتكررين، وهي أمراض يكون الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية أكثر عرضة للإصابة بها، مما يجعل حالتهم أكثر خطورة.

وقالت الأم: «إذا ضلت هيك (بقيت على هذه الحالة)، هافقدها».

ولا تزال وتين في المستشفى لتلقي العلاج، حيث تشجعها والدتها على تناول رشفات صغيرة من زجاجة الحليب الصناعي. وقال الأطباء لـ«رويترز» إن أحد الآثار الجانبية لسوء التغذية الحاد فقدان الشهية، على عكس ما هو بديهي. وتعيش الأم ياسمين نفسها على وجبة واحدة في اليوم يقدمها المستشفى.

وغادر أطفال آخرون قابلتهم «رويترز»، مثل ماريا (10 شهور)، المستشفى، مطلع الأسبوع، بعد أن اكتسبوا وزناً، وتم إعطاؤهم حليباً صناعياً ليأخذوه معهم إلى المنزل.

لكن آخرين، مثل زينب أبو حليب (خمسة أشهر)، لم يُكتَب لهم النجاة.

أُصيب جسد الطفلة بالضعف لدرجة أنه لم يعد قادراً على مقاومة العدوى، بسبب سوء التغذية الحاد. توفيت يوم السبت بتسمم الدم، وغادر والداها المستشفى يحملان جثمانها الصغير ملفوفاً بالكفن الأبيض.


مقالات ذات صلة

إسرائيل ترفض إعادة فتح معبر رفح رغم الضغوط الأميركية

شؤون إقليمية دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو (رويترز) play-circle

إسرائيل ترفض إعادة فتح معبر رفح رغم الضغوط الأميركية

قرّر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون الأمنية، مساء الأحد، عدم فتح معبر رفح في الوقت الراهن، رغم طلب تقدّمت به الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية.

نجلاء حبريري (دافوس)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون في مخيم مؤقت بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وفاة رضيعة فلسطينية نتيجة البرد القارس في غزة

توفيت رضيعة فلسطينية، صباح اليوم (الثلاثاء)، نتيجة البرد القارس في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي 
فلسطيني يقف قرب أنقاض منزل عائلته في خان يونس جنوب غزة ويواصل البحث عن أقاربه المدفونين تحت الأنقاض (رويترز)

«حماس» تستعد لخروج قيادات من غزة

كشفت مصادر من حركة «حماس» في غزة أن قيادات من التنظيم تستعد للخروج من القطاع «بشكل آمن» بعد إجراء «ترتيبات تتعلق بمستقبل القطاع في إطار المرحلة الثانية»

«الشرق الأوسط» (غزة)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس (آب) و5 سبتمبر (أيلول) بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

وأضاف عون، خلال استقباله السلك الدبلوماسي: «منذ أكثر من 10 أشهر تمكّن الجيش من السيطرة على جنوب الليطاني ونظّف المنطقة من السلاح غير الشرعي».

وقال: «رغم كل الاستفزازات والتخوين والتجريح والتجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدولة».

وتابع: «نؤكد تطلعنا إلى استمرار مسارنا حتى تعود الدولة كاملة تحت سلطة واحدة، وسنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وختم: «سنعمل كي يكون جنوب لبنان كما كل حدودنا الدولية في عهدة قواتنا المسلحة حصراً».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرّت أكثر من عام. وتقول إسرائيل بشكل أساسيّ إن هذه الضربات تستهدف «حزب الله،» وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

وكان الجيش اللبناني أعلن قبل أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن إسرائيل شككت في الخطوة وعدّتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطلبها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.