عون يغادر الجزائر حاملاً تعهدات مالية وتعاوناً استراتيجياً

تشمل تقديم شحنة وقود كبيرة و200 مليون دولار لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة

الرئيسان الجزائري واللبناني خلال تصريحاتهما الصحافية عقب المحادثات الثنائية (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري واللبناني خلال تصريحاتهما الصحافية عقب المحادثات الثنائية (الرئاسة الجزائرية)
TT

عون يغادر الجزائر حاملاً تعهدات مالية وتعاوناً استراتيجياً

الرئيسان الجزائري واللبناني خلال تصريحاتهما الصحافية عقب المحادثات الثنائية (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري واللبناني خلال تصريحاتهما الصحافية عقب المحادثات الثنائية (الرئاسة الجزائرية)

أنهى الرئيس اللبناني، جوزيف عون، الأربعاء، زيارته إلى الجزائر التي استغرقت أقل من 24 ساعة، وأكدت مصادر صحافية أن الجانب الجزائري تعهّد بتقديم دعم مالي للبنان، بقيمة 200 مليون دولار، مخصصة لإعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها إسرائيل في اعتداءاتها خلال شهر أبريل (نيسان) 2025.

ولم تعلن أية جهة رسمية عن هذه المساعدة المالية، التي لم تتم الإشارة إليها في التصريحات الصحافية، التي تمت بمناسبة هذه الزيارة.

مصافحة حارة بين الرئيس اللبناني ونظيره الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وأكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، مساء الثلاثاء، بمناسبة نهاية محادثاته مع الرئيس اللبناني، أن بلاده «تحرص بقوة وتملك إرادة راسخة، للدفع بالعلاقات الجزائرية - اللبنانية إلى مستوى شراكة حقيقية، يترجمها تعاون معمق، وتشاور سياسي مستمر»، حسبما نقلت الرئاسة الجزائرية عبر موقعها الإلكتروني.

وقال تبون إن زيارة عون «تعد خطوة بالغة الأهمية في مسار العلاقات الأخوية القوية والمتجذرة بين البلدين، وفرصة ثمينة لتعميق التعاون وتوسيعه». مبرزاً أن محادثاتهما «كانت بناءة ومثمرة، وسمحت بالتطرق إلى ملفات كثيرة، ذات صلة بالتعاون القائم، وما يستشرف من آفاق لتكثيفه وتوسيعه».

جانب من مباحثات الرئيسين الجزائري واللبناني (الرئاسة الجزائرية)

وأوضح تبون أنه أجرى مع نظيره اللبناني «تقييماً شاملاً لهذه الملفات، وتم الاتفاق على الإسراع بعقد الدورة الأولى للجنة التعاون المشتركة الجزائرية - اللبنانية، لتكون منطلقاً جديداً، وإطاراً دافعاً لتعاون مثمر ومستدام يندمج فيه رجال الأعمال والمتعاملون الاقتصاديون، من خلال تفعيل مجلس رجال الأعمال المشترك». وقال بهذا الخصوص: «بعد استعراض مجالات التعاون وفرص الاستثمار المتاحة في البلدين، جددت (للرئيس عون) التزام الجزائر الثابت والدائم للتضامن مع الشعب اللبناني الشقيق في كل الظروف، وحرصها على أمن لبنان واستقراره».

وذكّر في هذا السياق بـ«المساعي التي تبذلها الجزائر على مستوى مجلس الأمن الأممي لوقف انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للسيادة اللبنانية، وتعهدها ببذل أقصى الجهود، بما في ذلك دعم قرار الأمم المتحدة تجديد عهدة قوات حفظ السلام في جنوب لبنان».

وأشار تبون إلى أن المحدثات الثنائية تناولت أيضاً «مستجدات القضية الفلسطينية وما تستوجبه، اليوم قبل الغد، لوقف الإبادة وسياسة التجويع ضد أهلنا في غزة، وإحباط خطط تهجير سكانها». مبرزاً «انشغاله العميق بالتطورات التي تشهدها سوريا في الفترة الأخيرة، والاعتداءات على هذا البلد الشقيق، ومحاولات التدخل في شؤونه».

الوفدان الحكوميان الجزائري واللبناني (الرئاسة الجزائرية)

وسمحت المحادثات أيضاً، حسب تبون، بتناول الأوضاع في ليبيا والسودان واليمن، حيث شدّد على «أهمية تضافر الجهود العربية والدولية من أجل دعم ومرافقة هذه البلدان الشقيقة لتجاوز الأزمات المنهكة، التي تعاني منها». مشيراً إلى أنه «من أجل ضمان ديمومة التشاور والتنسيق السياسي بين بلدينا إزاء كل هذه الملفات الحساسة، حرصنا على تفعيل آلية التشاور السياسي».

من جهته، صرح الرئيس عون بأن زيارته إلى الجزائر «تعبر عن عمق العلاقات الأخوية بين البلدين»، مشيراً إلى أن الجزائر «كانت دائماً حاضرة إلى جانب لبنان في أصعب الظروف»، ومشيداً بـ«المساندة الثابتة، التي قدمتها الجزائر للبنان على مدى العقود الماضية، سواء في المحافل الدولية، أو من خلال المساعدات الميدانية المباشرة». كما أشاد بـ«مواقف الجزائر في مجلس الأمن الدولي خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، إضافة إلى المساعدات العاجلة، التي أرسلت إلى بيروت بعد انفجار مرفأ بيروت، والدعم النفطي، واحتضان مئات الطلاب اللبنانيين لمتابعة دراستهم في المدارس والجامعات والمعاهد الجزائرية».

الرئيس اللبناني خلال زيارته لجامع الجزائر (متداولة)

وقبيل مغادرته البلاد، زار الرئيس عون «جامع الجزائر»، وهو معلم ديني بارز يوجد بالضاحية الشرقية للعاصمة، برفقة وزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب. وكان في استقباله عميد الجامع محمد المأمون القاسمي، الذي قدّم «عرضاً مفصلاً حول هذا الصرح الديني، بصفته منارة للمرجعية الدينية الوسطية في الجزائر، ومعلماً يعكس العمق الروحي والحضاري للبلاد»، وفق بيان أصدره الجامع.

وكانت مصادر إعلامية قد تحدثت عشية الزيارة، عن تخصيص شركة النفط والغاز الجزائرية «سوناطراك» شحنة كبيرة من وقود الديزل هدية للجانب اللبناني، بمناسبة زيارة عون، لضمان تشغيل محطات توليد الطاقة وتحسين إمدادات الكهرباء.

ورغم فترات من الفتور، قدّمت الجزائر دعماً ملموساً للبنان في السنوات الأخيرة، إذ تبرعت في العام الماضي بـ30 ألف طن من الفيول، تكفي لتوليد 250 ميغاواط من الكهرباء لمدة 20 يوماً، بعد توقف معمل الزهراني - آخر محطات الكهرباء العاملة في لبنان - بسبب نقص الوقود.

ويعاني قطاع الكهرباء اللبناني من انهيار شبه تام منذ ثلاثة عقود، نتيجة الفساد وغياب الاستثمارات، وعجزه عن تأمين التيار الكهربائي على مدار الساعة.

وترتبط لبنان بتاريخ معقد مع شركة «سوناطراك». ففي عام 2020، أنهت الشركة عقد تزويد الفيول مع لبنان، بعد فضيحة كبيرة كشفت عن فساد واسع وسوء إدارة في قطاع الطاقة اللبناني.

والعقد، الذي بدأ عام 2005 وجُدّد مراراً، سمح لفرع «سوناطراك» الخارجي بتزويد لبنان بالفيول لمحطات الكهرباء، لكنّ تحقيقاً لبنانياً كشف أن الوقود كان غير مطابق للمواصفات، وأن الشركة المتعاقدة فرعياً زوّرت نتائج مخبرية وقدمت الرشى. وقد نفت «سوناطراك» علاقتها بتوريد الوقود الفاسد، ووصفت الرئاسة الجزائرية القضية بأنها «شأن لبناني - لبناني لا علاقة للجزائر به».


مقالات ذات صلة

رياضة عربية حليمة والدة رياض محرز (وسائل إعلام جزائرية)

حليمة محرز... أكثر من تميمة حظ للمنتخب الجزائري

جذبت حليمة، والدة رياض محرز، قائد المنتخب الجزائري، اهتمام وسائل الإعلام في بطولة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم، المقامة حالياً في المغرب، مثلها مثل نجلها.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
شمال افريقيا جلسة مرتقبة في البرلمان لمناقشة مشروع قانون الأحزاب (البرلمان)

الجزائر: قانون الأحزاب الجديد يثير تحفظات المعارضة بسبب «قيود صارمة»

أحالت السلطة التنفيذية قانون الأحزاب الجديد إلى البرلمان، وهو نصٌّ يثير تحفظات المعارضة بسبب القيود الصارمة التي يفرضها على التشكيلات السياسية.

شمال افريقيا شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)

إضراب عام يشلّ قطاع النقل في كل أنحاء الجزائر

دفع الموظفون وطلاب الجامعات الفاتورة الكبرى لهذا الاحتجاج؛ إذ استحال على السواد الأعظم منهم الالتحاق بمكاتبهم أو مدرجاتهم الجامعية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ازدحام في الشارع بسبب نقص حافلات النقل إثر إعلان نقابة القطاع عن إضراب (ناشطون)

الجزائر تعتمد «إجراءات استعجالية» بعد إضرابات واحتقان شديد بقطاع النقل

الجزائر تعتمد «إجراءات استعجالية» بعد إضرابات واحتقان شديد بقطاع النقل نجما عن زيادات مفاجئة في أسعار الوقود وتشديد عقوبات قانون المرور.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
TT

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)

بحث رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس(الأربعاء)، في بورتسودان، مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، تطورات الأوضاع في السودان وسبل وقف الحرب في هذا البلد، حسب بيان لمجلس السيادة السوداني.

بدورها، ذكرت وزارة الخارجية السعودية أن الجانبين بحثا «جهود تحقيق السلام في السودان بما يحقق أمنه واستقراره، ويحافظ على وحدته ومؤسساته الشرعية»، مضيفة أن الخريجي «جدّد حرص السعودية على عودة الأمن والاستقرار للسودان، والحفاظ على وحدة أراضيه بما يحقق تطلعات الشعب السوداني».

وتناول اللقاء الترتيبات الجارية لانعقاد «مجلس التنسيق الاستراتيجي» بين البلدين، الذي «يحظى برعاية كريمة من القيادة في البلدين الشقيقين»، وفق إعلام «مجلس السيادة».


«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
TT

«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)

في وقت تتجه فيه الحكومة المصرية نحو توسيع مساحات الرقعة الزراعية في محاولة لسد «فجوات الغذاء»، اتخذت خطوات تنفيذية نحو إنشاء أول «جامعة للغذاء»، لتبدأ في استقبال الطلاب اعتباراً من العام الدراسي المقبل، وفقاً لوزارة التعليم العالي.

وبحسب البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي في مصر أيمن عاشور لقاءً مع وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق «لمناقشة الخطوات التنفيذية الخاصة بإنشاء (جامعة الغذاء)، وذلك في إطار توجه الدولة نحو استحداث جيل جديد من الجامعات المتخصصة الداعمة للتنمية المستدامة».

وتهدف الجامعة، وفقاً للأمينة العامة لصندوق تطوير التعليم رشا سعد، إلى «ربط الدراسة الأكاديمية باحتياجات الدولة الفعلية، خصوصاً في مجالي الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، إلى جانب التنمية المستدامة»، وذلك مع وجود فجوة غذائية تظهر في فاتورة استيراد السلع الاستراتيجية من الخارج، وفي مقدمتها القمح، والذرة، والزيوت.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الغذاء يمثل 21 في المائة من إجمالي الواردات المصرية، وبلغت قيمته نحو 78 مليار دولار في عام 2024.

وفي الآونة الأخيرة قالت وزارة الزراعة إنها تسعى لزيادة الرقعة الزراعية بنسبة تقترب من 40 في المائة خلال 5 سنوات، بغرض زيادة الإنتاج الزراعي، وتلبية الاحتياجات المحلية والتصديرية المتزايدة.

وأكدت رشا سعد، بحسب بيان صادر عن صندوق تطوير التعليم، الأربعاء، أن الجامعة المرتقبة «تعكس توجّهاً نحو جيل جديد من المؤسسات التعليمية القائمة على العلوم البينية، وتهدف إلى دعم المشروعات القومية من خلال إعداد كوادر مؤهلة، وتقديم استشارات فنية، وعلمية، والمساهمة في تحديد المحاصيل الاستراتيجية، بما يرفع كفاءة الإنتاج الزراعي، ويواكب التطورات العالمية في علوم الغذاء».

ووفق التصور المطروح، ستضم «جامعة الغذاء» خمس كليات متخصصة هي «الزراعة الذكية»، و«الإنتاج الحيواني»، و«إدارة الموارد المائية»، و«تكنولوجيا العمليات الغذائية»، و«الميكنة الزراعية»، إضافة إلى «مركز بحوث للغذاء»، و«حاضنة لريادة الأعمال».

ويجري تنفيذ المشروع بالشراكة مع جامعة هيروشيما اليابانية، وبالتعاون مع جامعتي القاهرة، وبنها، بهدف تقديم تعليم يجمع بين الجانب الأكاديمي، والتدريب العملي.

وقال مصدر مسؤول بوزارة التعليم العالي إن الجامعة الجديدة تعد نموذجاً للجامعات المتخصصة التي تتوسع فيها الحكومة المصرية بالشراكة بين وزارات وهيئات متخصصة في مجالات بعينها وبين وزارة التعليم العالي، وإن «جامعة الغذاء» تأتي على غرار «جامعة النقل» التي بدأت عملية إنشائها فعلياً في سبتمبر (أيلول) الماضي بالشراكة بين «التعليم العالي» ووزارة النقل.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «جامعة الغذاء» ستعمل على تحقيق أهداف اقتصادية تتعلق بتقليل «الفجوة الزراعية»، وستخدم تطورات الإنتاج الزراعي، والتسميد، وترشيد استخدام المياه، وستضم مراكز بحث تستفيد من الإمكانيات البحثية لدى وزارة الزراعة، متوقعاً التوسع في مثل هذا النوع من الجامعات على مستويات وزارات أخرى مثل التجارة، والصناعة، والري والموارد المائية.

ويرى وزير التعليم العالي عاشور أن الجامعات المتخصصة «تُعد أحد محاور تطوير منظومة التعليم العالي، وتهدف لإعداد كوادر مؤهلة بمهارات رقمية، وتخصصات دقيقة عبر برامج مرنة».

وأوضح في البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، أن الخطة تتضمن «إنشاء جيل جديد من الجامعات المصرية المتخصصة بالتعاون مع الجامعات الدولية، والوزارات»، ومن المقرر أن تشمل أيضاً جامعات «علوم الرياضة» و«السياحة» بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

وأشارت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى وصول عدد الجامعات في مصر إلى 128 جامعة، موزعة بين 28 جامعة حكومية، و32 أهلية، و37 جامعة خاصة، و12 جامعة تكنولوجية، إلى جانب 9 فروع لجامعات أجنبية، و10 جامعات أُنشئت وفق اتفاقيات تعاون دولي.

وأشار أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة جمال صيام إلى تحديات قال إنها بحاجة إلى خطط قومية، وتفعيل الأدوات البحثية الموجودة لسد «الفجوة الغذائية الهائلة».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تُعد المستورد الأول للقمح في العالم، ولم تحقق اكتفاء ذاتياً من الذرة، والزيوت، كما أن العدس اختفى تقريباً من الدورة الزراعية».


مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)

في ظل استمرار نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، أكدت مصر «مواصلة تعزيز العلاقات، وأواصر التعاون مع دول حوض النيل»، وذلك خلال اجتماع مشترك عقده وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير الري هاني سويلم لتنسيق الجهود في قضايا المياه على المستويين الإقليمي، والدولي.

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، أكد الوزيران تمسك مصر بتحقيق المصالح التنموية لدول حوض النيل، مع الحفاظ على أمنها المائي، وذلك من خلال الالتزام بالقانون الدولي، والأُطر الحاكمة لنهر النيل.

كما شدد الوزيران على رفض الإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي، وأشارا إلى أن مصر «مستمرة في متابعة التطورات عن كثب، وستتخذ كافة التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية المقدرات الوجودية لشعبها».

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

مخاطر السد

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، قال إن مصر تنفذ مشروعات في إطار علاقتها بدول حوض النيل، وإن هناك لجنة استشارية تحاول أن تجد نوعاً من التقارب بين الدول الأعضاء في «اتفاقية عنتيبي»، مشيراً إلى أن هذا يأتي في ظل استمرار نزاع سد النهضة، «خصوصاً أن المخاطر التي تترتب على المشروع قائمة، ولا يزال الموقف الإثيوبي المتعنت على ما هو عليه».

ولفت إلى أن مخاطر السد تتمثل في فترات الجفاف، والجفاف الممتد في السنوات الشحيحة، واحتمالات انهياره «لأن معيار الأمان لا يتفق مع المعايير الدولية، إضافة إلى التصريفات المائية غير المحسوبة، ومن دون إخطار مسبق، مثل التي وقعت منذ أشهر، وأحدثت أضراراً في السودان؛ ومصر استطاعت أن تحتوي الموقف».

اجتماع مشترك لوزيري الخارجية والري المصريين الأربعاء لتنسيق الجهود في قضايا المياه (مجلس الوزراء)

وأوضح حليمة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن تعميق التعاون هدفه اتخاذ دول حوض النيل موقفاً يدعم الموقف المصري، باعتبار أن هذا التعاون هو سعي أن تكون المصالح مشتركة، وليست أحادية.

وقال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، نادر نور الدين، لـ«الشرق الأوسط» إن تعميق التعاون «يأتي ضمن بروتوكولات قديمة بين مصر وحوض النيل، ويتم تطويرها من وقت لآخر، وهو نوع من تبادل المصالح بهدف حل أي نزاعات بالطرق الدبلوماسية».

وعرض «مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، عدداً من محطات الرفع، وحفر آبار المياه الجوفية التي دشنتها مصر، ومن بينها 28 محطة رفع بجنوب السودان، و180 بئراً جوفية في كينيا، و10 آبار بالسودان، و75 بئراً في أوغندا، و60 في تنزانيا، فضلاً عن إنشاء مراكز للتنبؤ بالأمطار في الكونغو الديمقراطية.

مبادرة حوض النيل

أكد الاجتماع الذي عقده وزيرا الخارجية والري على «دعم مصر التاريخي والمستمر لجهود التنمية في دول حوض النيل الشقيقة، لا سيما دول حوض النيل الجنوبي، حيث تم إطلاق آلية تمويلية بميزانية قدرها 100 مليون دولار لتمويل دراسات ومشروعات تنموية بدول حوض النيل الجنوبي، بالإضافة للدور البارز الذي تقوم به (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، و(المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل) في تعزيز التعاون، بما يحقق المنفعة المشتركة، والحفاظ على الموارد المائية».

جانب من خزان أسوان في مصر (الشرق الأوسط)

وحول «مبادرة حوض النيل»، أكد حليمة أن هناك محاولات لتعديل البنود الخاصة باتفاقية عنتيبي، التي قال إنها «لا تتفق مع القانون الدولي الخاص بالمجاري المائية».

وقال: «الاتصالات المصرية القائمة توحي بأن هناك نوايا إيجابية». وتابع: «النوايا الإيجابية أن يكون أي قرار في أي اتفاق متماشياً مع القانون الدولي؛ والقانون الدولي يشير إلى ضرورة أن يكون هناك توزيع منصف وعادل للمياه».

واتفاقية عنتيبي هي الاتفاق الإطاري الذي قدمته إثيوبيا في عام 2010 لدول حوض النيل للموافقة عليها. وتُنهي الاتفاقية الحصص التاريخية لمصر والسودان المقررة في اتفاقيات المياه مع دول حوض النيل، وأعلنت أديس أبابا دخولها حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد تصديق ست دول عليها هي إثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا، ورواندا، وجنوب السودان، وسط رفض مصري، وسوداني.

«سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ويقول نور الدين: «منذ إنشاء مباردة حوض النيل وهي تصدر أبحاثاً وإحصائيات؛ وأحياناً يحدث خلل فيها نتيجة أن بعض دول المنبع، خاصة إثيوبيا، ترغب في السيطرة على حصص حوض النيل. والادعاء بأن مصر والسودان تأخذان مياه النيل غير صحيح طبقاً لقانون الأمم المتحدة، حيث يشير إلى أن الموارد المائية عبارة عن أمطار، ومياه جوفية، وما يجري بين ضفتي النهر من المياه».

ويضيف: «عندما وُقعت عنتيبي أُلغيت جميع الاتفاقيات السابقة عن حوض النيل. وكان رأي مصر البناء على الاتفاقيات السابقة، وعدم إلغائها؛ ومن ضمن ذلك إلغاء الإخطار المسبق، عبر السماح لأي دولة تريد بناء سد أن تقوم ببنائه من دون النظر إلى ضرر دولتي المصب». وأكد أن «مصر قامت بجهود بعد اتفاقية عنتيبي، وبعض الدول بدأت تقتنع بأن إثيوبيا لها أطماع في مياه النيل».

وفيما يتعلق بالحلول المتاحة لأزمة «سد النهضة»، يرى حليمة أن على إثيوبيا «أن تعيد النظر في موقفها، وتلتزم بالقوانين، والمواثيق الدولية ذات الصلة، أو أن تقوم دولة ما بدور الوسيط لدفع الأطراف إلى التوصل لاتفاق». وأضاف: «هناك اتصالات تجري الآن، ومن قبل، لإمكانية تفعيل الدور الأميركي في هذا الشأن».

وتحدث أيضاً عن مسار آخر، وهو «لجوء مصر مجدداً للأمم المتحدة، ومجلس الأمن باعتبار أن هناك خطراً جسيماً».