عون يغادر الجزائر حاملاً تعهدات مالية وتعاوناً استراتيجياً

تشمل تقديم شحنة وقود كبيرة و200 مليون دولار لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة

الرئيسان الجزائري واللبناني خلال تصريحاتهما الصحافية عقب المحادثات الثنائية (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري واللبناني خلال تصريحاتهما الصحافية عقب المحادثات الثنائية (الرئاسة الجزائرية)
TT

عون يغادر الجزائر حاملاً تعهدات مالية وتعاوناً استراتيجياً

الرئيسان الجزائري واللبناني خلال تصريحاتهما الصحافية عقب المحادثات الثنائية (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري واللبناني خلال تصريحاتهما الصحافية عقب المحادثات الثنائية (الرئاسة الجزائرية)

أنهى الرئيس اللبناني، جوزيف عون، الأربعاء، زيارته إلى الجزائر التي استغرقت أقل من 24 ساعة، وأكدت مصادر صحافية أن الجانب الجزائري تعهّد بتقديم دعم مالي للبنان، بقيمة 200 مليون دولار، مخصصة لإعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها إسرائيل في اعتداءاتها خلال شهر أبريل (نيسان) 2025.

ولم تعلن أية جهة رسمية عن هذه المساعدة المالية، التي لم تتم الإشارة إليها في التصريحات الصحافية، التي تمت بمناسبة هذه الزيارة.

مصافحة حارة بين الرئيس اللبناني ونظيره الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وأكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، مساء الثلاثاء، بمناسبة نهاية محادثاته مع الرئيس اللبناني، أن بلاده «تحرص بقوة وتملك إرادة راسخة، للدفع بالعلاقات الجزائرية - اللبنانية إلى مستوى شراكة حقيقية، يترجمها تعاون معمق، وتشاور سياسي مستمر»، حسبما نقلت الرئاسة الجزائرية عبر موقعها الإلكتروني.

وقال تبون إن زيارة عون «تعد خطوة بالغة الأهمية في مسار العلاقات الأخوية القوية والمتجذرة بين البلدين، وفرصة ثمينة لتعميق التعاون وتوسيعه». مبرزاً أن محادثاتهما «كانت بناءة ومثمرة، وسمحت بالتطرق إلى ملفات كثيرة، ذات صلة بالتعاون القائم، وما يستشرف من آفاق لتكثيفه وتوسيعه».

جانب من مباحثات الرئيسين الجزائري واللبناني (الرئاسة الجزائرية)

وأوضح تبون أنه أجرى مع نظيره اللبناني «تقييماً شاملاً لهذه الملفات، وتم الاتفاق على الإسراع بعقد الدورة الأولى للجنة التعاون المشتركة الجزائرية - اللبنانية، لتكون منطلقاً جديداً، وإطاراً دافعاً لتعاون مثمر ومستدام يندمج فيه رجال الأعمال والمتعاملون الاقتصاديون، من خلال تفعيل مجلس رجال الأعمال المشترك». وقال بهذا الخصوص: «بعد استعراض مجالات التعاون وفرص الاستثمار المتاحة في البلدين، جددت (للرئيس عون) التزام الجزائر الثابت والدائم للتضامن مع الشعب اللبناني الشقيق في كل الظروف، وحرصها على أمن لبنان واستقراره».

وذكّر في هذا السياق بـ«المساعي التي تبذلها الجزائر على مستوى مجلس الأمن الأممي لوقف انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للسيادة اللبنانية، وتعهدها ببذل أقصى الجهود، بما في ذلك دعم قرار الأمم المتحدة تجديد عهدة قوات حفظ السلام في جنوب لبنان».

وأشار تبون إلى أن المحدثات الثنائية تناولت أيضاً «مستجدات القضية الفلسطينية وما تستوجبه، اليوم قبل الغد، لوقف الإبادة وسياسة التجويع ضد أهلنا في غزة، وإحباط خطط تهجير سكانها». مبرزاً «انشغاله العميق بالتطورات التي تشهدها سوريا في الفترة الأخيرة، والاعتداءات على هذا البلد الشقيق، ومحاولات التدخل في شؤونه».

الوفدان الحكوميان الجزائري واللبناني (الرئاسة الجزائرية)

وسمحت المحادثات أيضاً، حسب تبون، بتناول الأوضاع في ليبيا والسودان واليمن، حيث شدّد على «أهمية تضافر الجهود العربية والدولية من أجل دعم ومرافقة هذه البلدان الشقيقة لتجاوز الأزمات المنهكة، التي تعاني منها». مشيراً إلى أنه «من أجل ضمان ديمومة التشاور والتنسيق السياسي بين بلدينا إزاء كل هذه الملفات الحساسة، حرصنا على تفعيل آلية التشاور السياسي».

من جهته، صرح الرئيس عون بأن زيارته إلى الجزائر «تعبر عن عمق العلاقات الأخوية بين البلدين»، مشيراً إلى أن الجزائر «كانت دائماً حاضرة إلى جانب لبنان في أصعب الظروف»، ومشيداً بـ«المساندة الثابتة، التي قدمتها الجزائر للبنان على مدى العقود الماضية، سواء في المحافل الدولية، أو من خلال المساعدات الميدانية المباشرة». كما أشاد بـ«مواقف الجزائر في مجلس الأمن الدولي خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، إضافة إلى المساعدات العاجلة، التي أرسلت إلى بيروت بعد انفجار مرفأ بيروت، والدعم النفطي، واحتضان مئات الطلاب اللبنانيين لمتابعة دراستهم في المدارس والجامعات والمعاهد الجزائرية».

الرئيس اللبناني خلال زيارته لجامع الجزائر (متداولة)

وقبيل مغادرته البلاد، زار الرئيس عون «جامع الجزائر»، وهو معلم ديني بارز يوجد بالضاحية الشرقية للعاصمة، برفقة وزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب. وكان في استقباله عميد الجامع محمد المأمون القاسمي، الذي قدّم «عرضاً مفصلاً حول هذا الصرح الديني، بصفته منارة للمرجعية الدينية الوسطية في الجزائر، ومعلماً يعكس العمق الروحي والحضاري للبلاد»، وفق بيان أصدره الجامع.

وكانت مصادر إعلامية قد تحدثت عشية الزيارة، عن تخصيص شركة النفط والغاز الجزائرية «سوناطراك» شحنة كبيرة من وقود الديزل هدية للجانب اللبناني، بمناسبة زيارة عون، لضمان تشغيل محطات توليد الطاقة وتحسين إمدادات الكهرباء.

ورغم فترات من الفتور، قدّمت الجزائر دعماً ملموساً للبنان في السنوات الأخيرة، إذ تبرعت في العام الماضي بـ30 ألف طن من الفيول، تكفي لتوليد 250 ميغاواط من الكهرباء لمدة 20 يوماً، بعد توقف معمل الزهراني - آخر محطات الكهرباء العاملة في لبنان - بسبب نقص الوقود.

ويعاني قطاع الكهرباء اللبناني من انهيار شبه تام منذ ثلاثة عقود، نتيجة الفساد وغياب الاستثمارات، وعجزه عن تأمين التيار الكهربائي على مدار الساعة.

وترتبط لبنان بتاريخ معقد مع شركة «سوناطراك». ففي عام 2020، أنهت الشركة عقد تزويد الفيول مع لبنان، بعد فضيحة كبيرة كشفت عن فساد واسع وسوء إدارة في قطاع الطاقة اللبناني.

والعقد، الذي بدأ عام 2005 وجُدّد مراراً، سمح لفرع «سوناطراك» الخارجي بتزويد لبنان بالفيول لمحطات الكهرباء، لكنّ تحقيقاً لبنانياً كشف أن الوقود كان غير مطابق للمواصفات، وأن الشركة المتعاقدة فرعياً زوّرت نتائج مخبرية وقدمت الرشى. وقد نفت «سوناطراك» علاقتها بتوريد الوقود الفاسد، ووصفت الرئاسة الجزائرية القضية بأنها «شأن لبناني - لبناني لا علاقة للجزائر به».


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».