هل يتعين على بوتين إعلان انتصاره في أوكرانيا وإنهاء الحرب فوراً؟

المحلل توماس غراهام: كلما طالت الحرب تآكلت قوة روسيا بما يخدم مصالح الولايات المتحدة والصين

مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)
مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)
TT

هل يتعين على بوتين إعلان انتصاره في أوكرانيا وإنهاء الحرب فوراً؟

مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)
مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)

مع اقتراب العام الرابع للحرب الروسية الأوكرانية المروعة من نصفه، لا تلوح أي نهاية قريبة لها. فروسيا تتمتع بالتفوق في ساحة المعركة؛ إذ تقصف البنية التحتية الحيوية لأوكرانيا، وصناعاتها الدفاعية، ومدنها الكبرى جواً، وتدفع ببطء ولكن بثبات خطوط المواجهة إلى عمق أوكرانيا. في المقابل فإن خسائر روسيا في الأرواح والمعدات هائلة. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد القتلى والجرحى الروس وصل إلى المليون؛ إلى جانب الخسائر التي لا تُحصَى في المعدات، واستنفاد مخزون الأسلحة الروسي إلى الدرجة التي جعلت موسكو تطلب إمدادات إضافية من كوريا الشمالية وإيران.

مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)

ومع ذلك، يتعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمواصلة حرب الاستنزاف هذه حتى يحقق جميع الأهداف التي حددها عند بدء الغزو. في الوقت نفسه، يتفاخر كبير مفاوضيه مع الأوكرانيين بأن روسيا ستقاتل لعقود، كما فعلت في حرب الشمال العظمى في أوائل القرن الثامن عشر، إذا كان ذلك هو المطلوب لتحقيق النصر.

كما تجاهل الكرملين قرار الرئيس دونالد ترمب الأخير بزيادة إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا، وتهديده بفرض عقوبات صارمة على موسكو حال عدم الموافقة على وقف إطلاق النار خلال 50 يوماً، قبل أن يعلن، الاثنين، تقليص المهلة بقوله إنه سيفرض العقوبات على موسكو إذا لم توافق على وقف إطلاق النار خلال ما بين 10 و12 يوماً بدءاً من الاثنين.

وفي تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، تساءل توماس غراهام، زميل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي للبحوث، ومؤلف كتاب «فهم روسيا بالشكل الصحيح»: «لماذا لا تعلن روسيا انتصارها على أوكرانيا الآن؟».

ويقول غراهام إن المفارقة الكبرى تتمثل في تحقيق روسيا فعلاً أهدافها إلى حد بعيد، في حين تسمح باستمرار استنزاف الحرب للقوة التي ستحتاج إليها للصمود في وجه المنافسة المحتدمة بين القوى العظمى التي ستشكل الأحداث العالمية في السنوات القادمة، وهو ما يعني أن الوقت قد حان لإعلان النصر والمحافظة على القدرات الروسية.

ومنذ عام، حدد بوتين أهدافه من الحرب، وهي: عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، واعترافها بضم روسيا خمسةً من أقاليمها، ونزع سلاحها، والقضاء على النازية فيها (في إشارة إلى تغيير نظام الحكم الأوكراني)، ورفع العقوبات الغربية عن روسيا. فإلى أين وصلت هذه الأهداف الآن؟

الآن أصبح من غير المحتمل انضمام أوكرانيا إلى حلف «ناتو» في أي وقت قريب. ومنذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014، أكدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بوضوح أنهم لن يخاطروا بحرب مع روسيا دفاعاً عن أوكرانيا. وكذلك، هذه الدول غير مستعدة لمحاربة روسيا لكي تنضم أوكرانيا إلى حلف «ناتو».

ترمب يقلِّص مهلة بوتين إلى أسبوعين... ويهدد بعواقب (رويترز)

علاوة على ذلك، تحتل روسيا الآن نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية التي أعلنت ضمها إلى أراضيها رسمياً. وأصبحت سيطرتها على الأراضي الممتدة على طول بحر آزوف إلى شبه جزيرة القرم قوية للغاية.

وبينما ترفض كييف الاعتراف بالسيطرة الروسية الشرعية على هذه المنطقة، فقد أقرت باستحالة استعادتها بالقوة. في غضون ذلك، سيتعايش الغرب مع هذه «الحقائق الإقليمية»، كما يصفها بوتين، كما فعل مع ضم الاتحاد السوفياتي لدول البلطيق خلال الحرب الباردة.

جنود أوكرانيون أُطلق سراحهم بعد تبادل أكثر من ألف سجين حرب مع روسيا إثر الجولة الثالثة من المفاوضات التي استضافتها إسطنبول في يونيو الماضي (إ.ب.أ)

وبالنسبة لتسليح أوكرانيا، فإن المفاوضات حول طبيعة حياد أوكرانيا قد تؤدي إلى فرض قيود على حجم قواتها المسلحة، وعلاقاتها الأمنية مع أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما سينظر إليه على أنه نزع للسلاح من وجهة النظر الروسية. علاوة على ذلك، من المرجح إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد إعلان وقف إطلاق النار بفترة وجيزة، ما سيؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة في أوكرانيا.

وكذلك عند وقف إطلاق النار، ستبدأ الولايات المتحدة وأوروبا عملية رفع العقوبات المفروضة على روسيا.

ويرى توماس غراهام، الباحث الزميل في مركز ماكميلان بجامعة ييل الأميركية، بعد خدمة طويلة في وزارة الخارجية الأميركية، أنه من غير المحتمل أن تحسِّن روسيا الظروف الحالية من خلال استمرار الحرب، دون أن تخاطر باستنزاف الموارد التي ستحتاج إليها لمنافسة القوى الكبرى الأخرى في المستقبل.

بمعنى آخر، كلما طالت الحرب تآكلت قوة روسيا مقارنة بمراكز القوة المختلفة في العالم متعدد الأطراف الذي يسعى إليه بوتين نفسه.

ورغم الحديث المتكرر عن ضرورة وقف الحرب في أوكرانيا، يقول غراهام إن استمرار الصراع يخدم مصالح الولايات المتحدة والصين. فاستمرار الحرب يستنزف قدرات روسيا العسكرية بأقل تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة.

سكان كييف يحتمون في محطات القطارات الأرضية بسبب القصف الروسي (رويترز)

وبالنسبة للصين يؤدي استمرار الحرب إلى ازدياد اعتماد روسيا عليها. لذلك فإن بوتين الذي وصل إلى السلطة منذ نحو ربع قرن، عازماً على استعادة مكانة روسيا بوصفها قوة عظمى، نجح في ذلك نسبياً بفضل سياساته الحذرة وصبره خلال العشرين عاماً الأولى من حكمه. أما الآن، فإنه يمضي في طريق تقويض أسس القوة الروسية بسبب هوسه بحرب أوكرانيا، وإصراره على تحقيق نصر شامل، لن يحقق له سوى مكاسب قصيرة الأجل مشكوك في جدواها، في حين أن القائد ذا البصيرة الثاقبة يجب أن يكتفي بالنصر المعترف به، بدلاً من السعي وراء ما يعدُّه النصر الشامل، حتى يوجه أنظاره نحو إعادة بناء بلاده لمواجهة المنافسة الحادة التي تنتظرها مع القوى العظمى.


مقالات ذات صلة

بريطانيا تعتزم رفع الحد الأقصى لسن استدعاء العسكريين القدامى إلى 65 عاماً

أوروبا طلاب بالكلية العسكرية البريطانية يشاركون في عرض عسكري بلندن - 13 نوفمبر 2021 (رويترز)

بريطانيا تعتزم رفع الحد الأقصى لسن استدعاء العسكريين القدامى إلى 65 عاماً

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، أن قدامى العسكريين البريطانيين الذين لا تتجاوز أعمارهم 65 عاماً قد يُستَدعَون للخدمة في الجيش.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

«الشرق الأوسط»
أوروبا بعض من السفراء الأجانب الجدد (أ.ف.ب)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي؛ خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب) play-circle

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

بريطانيا تعتزم رفع الحد الأقصى لسن استدعاء العسكريين القدامى إلى 65 عاماً

طلاب بالكلية العسكرية البريطانية يشاركون في عرض عسكري بلندن - 13 نوفمبر 2021 (رويترز)
طلاب بالكلية العسكرية البريطانية يشاركون في عرض عسكري بلندن - 13 نوفمبر 2021 (رويترز)
TT

بريطانيا تعتزم رفع الحد الأقصى لسن استدعاء العسكريين القدامى إلى 65 عاماً

طلاب بالكلية العسكرية البريطانية يشاركون في عرض عسكري بلندن - 13 نوفمبر 2021 (رويترز)
طلاب بالكلية العسكرية البريطانية يشاركون في عرض عسكري بلندن - 13 نوفمبر 2021 (رويترز)

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، أن قدامى العسكريين البريطانيين الذين لا تتجاوز أعمارهم 65 عاماً، قد يُستَدعَون للخدمة في إطار سعي لندن إلى تعزيز جهوزيتها لأي حرب قد تنجم عن «التهديدات العالمية».

ويندرج هذا التغيير ضمن عدد من الإصلاحات التي ينص عليها مشروع تعديلات على قانون القوات المسلحة يرمي إلى توسيع قاعدة «قوات الاحتياط الاستراتيجية» للمملكة المتحدة التي قد تُستَدعى للخدمة عند الحاجة، وتضمّ عسكريين قدامى واحتياطيين، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي الوقت الراهن، تنتهي صلاحية استدعاء العسكريين القدامى في الجيش البريطاني وسلاح الجو الملكي، إما بعد 18 عاماً من تسريحهم، أو عند بلوغهم الخامسة والخمسين.

أما بالنسبة إلى قدامى المحاربين في البحرية الملكية أو مشاة البحرية الملكية، فتنتهي صلاحية استدعائهم بعد 6 سنوات من التسريح أو عند بلوغهم الخامسة والخمسين، لكن هذه المدة ستُرفع إلى 18 عاماً بعد التسريح لتصبح متوافقة مع تلك المعمول بها في الجيش وسلاح الجو.

قوات بريطانية ضمن تعزيزات حلف شمال الأطلسي (ناتو) تقوم بدوريات على الحدود بين كوسوفو وصربيا في يارينيه - كوسوفو - 24 نوفمبر 2023 (رويترز)

وأوضحت وزارة الدفاع في بيان لها، أن التعديلات التي أُدخلت على مشروع قانون القوات المسلحة والتي عُرضت على البرلمان الخميس، تصبح نافذة بدءاً من ربيع عام 2027.

ولن تطال هذه التعديلات من سبق لهم ترك الخدمة العسكرية إلا إذا اختاروا الالتحاق طوعاً بالخدمة.

وأوضحت وزارة الدفاع على منصة «إكس»، أن «مشروع القانون يوسع قاعدة قوات الاحتياط.... في ظل استمرار تزايد التهديدات العالمية».

كذلك تخفف التعديلات شروط الاستعانة بجنود الاحتياط، إذ تتيح استدعاءهم «للاستعدادات الحربية»، في حين يُشترط لذلك في الوقت الراهن «وجود خطر وطني، أو حالة طوارئ كبرى، أو هجوم على المملكة المتحدة».

وأشار البيان إلى أن الاستدعاء يمكن أن يشمل نحو 95 ألف شخص ضمن قوات الاحتياط الاستراتيجي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، نبّه رئيس أركان القوات المسلحة البريطانية ريتشارد نايتون، إلى أن «أبناء وبنات» المملكة يجب أن يكونوا «مستعدين للقتال»، في مواجهة تصاعد التهديدات؛ ومن بينها تلك المتأتية من روسيا.


فرنسا تُحذِّر من عواقب على التجارة إذا غزت أميركا غرينلاند

صورة ملتقطة في 15 يناير الحالي في مدينة نوك بجزيرة غرينلاند تظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير الحالي في مدينة نوك بجزيرة غرينلاند تظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)
TT

فرنسا تُحذِّر من عواقب على التجارة إذا غزت أميركا غرينلاند

صورة ملتقطة في 15 يناير الحالي في مدينة نوك بجزيرة غرينلاند تظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير الحالي في مدينة نوك بجزيرة غرينلاند تظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)

حذَّر وزير المالية الفرنسي ​رولان ليسكور وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، من أن أي تحرك للاستيلاء على جزيرة غرينلاند سيُعَد «‌تجاوزاً للخطوط» يهدد ‌علاقة ‌أوروبا ⁠الاقتصادية بواشنطن، حسبما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» اليوم الجمعة.

وبحسب الصحيفة، قال ليسكور: «غرينلاند جزء من ⁠دولة ذات سيادة، ‌وهي جزء من الاتحاد الأوروبي. ولا ينبغي العبث بذلك».

ورداً على سؤال حول ما إذا كان ينبغي ​على الاتحاد الأوروبي الرد بعقوبات اقتصادية إذا ⁠قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بغزو غرينلاند، قال ليسكور لـ«فاينانشيال تايمز»: «لا أعرف، إذا حدث ذلك، سنكون في عالم جديد تماماً بالتأكيد، وسيتعين علينا ‌التصرف وفقاً لذلك».


بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
TT

بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)

وصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة الخميس إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتزامه السيطرة عليها.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أنّها تعزز وجودها العسكري في غرينلاند، ردا على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية. والأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنودا في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وبريطانيا، إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك. وقالت مصادر دفاعية من دول عدة، أنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جنديا ألمانيا على سبيل المثال وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ «على فرنسا والأوروبيين أن يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، لكن من دون أي مساومة على صعيد احترام سلامة الأراضي». وشدد خلال كلمة إلى العسكريين في قاعدة جوية قرب مرسيليا في جنوب فرنسا، على أن «دور» باريس يقتضي بأن «تكون الى جانب دولة ذات سيادة لحماية أراضيها».

وأوضح أنّ «مجموعة أولى من العسكريين الفرنسيين موجودة في الموقع وسيتم تعزيزها في الأيام المقبلة بوسائل برية وجوية وبحرية». غير أن البيت الأبيض اعتبر الخميس أن هذه الخطوة لن تغيّر شيئا في خطط ترمب.

وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي «لا أعتقد أن نشر قوات في أوروبا يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبدا على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».

وغداة الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت مع مسؤولين أميركيين في البيت الأبيض، أقرّت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتي فريدريكسن بوجود «خلاف جوهري» مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل الجزيرة القطبية، مؤكّدة أن واشنطن لا تزال عازمة على السيطرة على غرينلاند.

وقالت «من الواضح أنّ الوضع خطير، ولذلك نواصل جهودنا لمنع حدوث هذا السيناريو». ورحّبت بإرسال قوات أوروبية للمشاركة في «تدريبات مشتركة في غرينلاند ومحيطها». وأشارت إلى أنّ «هناك إجماعا داخل حلف شمال الأطلسي على أنّ تعزيز الوجود في القطب الشمالي أمر ضروري لأمن أوروبا وأميركا الشمالية».

وجاء ذلك فيما أعلن وزير دفاعها ترولز لوند بولسن وضع خطة لإنشاء وجود دائم أكبر في العام 2026. وتلتقي رئيسة الوزراء الدنماركية وفدا من الكونغرس الأميركي يزور كوبنهاغن يومي الجمعة والسبت، وفق ما أكد مكتبها لوكالة الصحافة الفرنسية الخميس.

لكنّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قال مساء الخميس عبر محطة ARD التلفزيونية عندما سُئل عن طموحات ترمب في ما يتعلق بغرينلاند إنه ليس قلقا، مؤكدا أن «الولايات المتحدة ليست منحصرة بإدارة دونالد ترمب». وأضاف أن مشاركة أوروبا في «ضمان أمن» غرينلاند «تنتزع الحجة الرئيسية» الذي قدمها الرئيس الأميركي.

في المقابل، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن «قلق بالغ» بعد نشر قوات من دول حلف شمال الأطلسي في غرينلاند. ورفضت روسيا فكرة أنّها تشكل خطرا على غرينلاند، واصفة إياها بـ«الخرافة». وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، إنّ جزءا من الأراضي الدنماركية «أُدرج ضمن مجال مصالح واشنطن بشكل تعسّفي».

وأكدت أن «خرافة وجود نوع من التهديد الروسي، التي روجت لها الدنمارك وغيرها من أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو لسنوات، هي نفاق محض».

في غرينلاند، أعرب رئيس الحكومة ينس فريدريك نيلسن عن الرغبة في التعاون مع الولايات المتحدة «ولكن على أساس القيم الأساسية مثل الديموقراطية والاحترام»، مشيرا إلى أنّ «الحوار والدبلوماسية هما الطريق الصحيح للمضي قدما».

والأربعاء، أكّد وزير الخارجية الدنماركي أنّ كوبنهاغن تودّ «العمل بتعاون وثيق مع الولايات المتّحدة، لكن ينبغي بالطبع أن يكون هذا التعاون قائما على الاحترام».

وبعد المحادثات، قال ترمب لصحافيّين في البيت الأبيض «لديّ علاقات جيّدة جدّا مع الدنمارك وسنرى كيف يتطوّر كلّ ذلك. أعتقد أننا سنتوصّل إلى حلّ». قبل ذلك ببضع ساعات، أكّد مرّة جديدة على منصّته تروث سوشال أنّ الولايات المتّحدة «بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلّق بالأمن القوميّ»، وأنها «ضرورية للقبّة الذهبيّة التي نبنيها»، في إشارة إلى نظام أميركيّ للدفاع الصاروخي والجوّي.

وكانت هذه أوّل مرّة يربط فيها ترمب السيطرة على غرينلاند بمشروع الدرع الصاروخيّة الأميركيّ الضخم. لكن راسموسن قال إن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند «غير وارد». وأضاف «لا نريد ذلك في الدنمارك، ولا في غرينلاند، وهو أمر يتعارض مع كل القواعد الدولية. إنه ينتهك سيادتنا».

ويردّد ترمب أنّ بلاده تحتاج إلى غرينلاند لمواجهة تقدم روسيا والصين في الدائرة القطبيّة الشماليّة، من غير أن يستبعد استخدام القوّة للسيطرة على الجزيرة. وفيما كانت المحادثات جارية الأربعاء، نشر البيت الأبيض على «إكس» رسما تظهر فيه زلّاجتان تجرّهما كلاب، واحدة متّجهة إلى البيت الأبيض تحت سماء صافية، والثانية متّجهة إلى سور الصين العظيم والساحة الحمراء وتحيط بهما الظلمة. وأعلن راسموسن للصحافة الدنماركية أنّه ليس هناك سفن ولا استثمارات صينيّة «كبيرة« في غرينلاند.

وقبل الاجتماع في واشنطن، انتشرت أعلام غرينلاند الحمراء والبيضاء على واجهات محلّات العاصمة نوك ونوافذ المنازل وسطوح السيارات والحافلات، وحتى على أسلاك رافعة.