هل يتعين على بوتين إعلان انتصاره في أوكرانيا وإنهاء الحرب فوراً؟

المحلل توماس غراهام: كلما طالت الحرب تآكلت قوة روسيا بما يخدم مصالح الولايات المتحدة والصين

مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)
مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)
TT

هل يتعين على بوتين إعلان انتصاره في أوكرانيا وإنهاء الحرب فوراً؟

مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)
مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)

مع اقتراب العام الرابع للحرب الروسية الأوكرانية المروعة من نصفه، لا تلوح أي نهاية قريبة لها. فروسيا تتمتع بالتفوق في ساحة المعركة؛ إذ تقصف البنية التحتية الحيوية لأوكرانيا، وصناعاتها الدفاعية، ومدنها الكبرى جواً، وتدفع ببطء ولكن بثبات خطوط المواجهة إلى عمق أوكرانيا. في المقابل فإن خسائر روسيا في الأرواح والمعدات هائلة. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد القتلى والجرحى الروس وصل إلى المليون؛ إلى جانب الخسائر التي لا تُحصَى في المعدات، واستنفاد مخزون الأسلحة الروسي إلى الدرجة التي جعلت موسكو تطلب إمدادات إضافية من كوريا الشمالية وإيران.

مبانٍ سكنية تضررت بسبب الضربات العسكرية الروسية في بلدة أوريخيف الواقعة على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا (رويترز)

ومع ذلك، يتعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمواصلة حرب الاستنزاف هذه حتى يحقق جميع الأهداف التي حددها عند بدء الغزو. في الوقت نفسه، يتفاخر كبير مفاوضيه مع الأوكرانيين بأن روسيا ستقاتل لعقود، كما فعلت في حرب الشمال العظمى في أوائل القرن الثامن عشر، إذا كان ذلك هو المطلوب لتحقيق النصر.

كما تجاهل الكرملين قرار الرئيس دونالد ترمب الأخير بزيادة إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا، وتهديده بفرض عقوبات صارمة على موسكو حال عدم الموافقة على وقف إطلاق النار خلال 50 يوماً، قبل أن يعلن، الاثنين، تقليص المهلة بقوله إنه سيفرض العقوبات على موسكو إذا لم توافق على وقف إطلاق النار خلال ما بين 10 و12 يوماً بدءاً من الاثنين.

وفي تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، تساءل توماس غراهام، زميل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي للبحوث، ومؤلف كتاب «فهم روسيا بالشكل الصحيح»: «لماذا لا تعلن روسيا انتصارها على أوكرانيا الآن؟».

ويقول غراهام إن المفارقة الكبرى تتمثل في تحقيق روسيا فعلاً أهدافها إلى حد بعيد، في حين تسمح باستمرار استنزاف الحرب للقوة التي ستحتاج إليها للصمود في وجه المنافسة المحتدمة بين القوى العظمى التي ستشكل الأحداث العالمية في السنوات القادمة، وهو ما يعني أن الوقت قد حان لإعلان النصر والمحافظة على القدرات الروسية.

ومنذ عام، حدد بوتين أهدافه من الحرب، وهي: عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، واعترافها بضم روسيا خمسةً من أقاليمها، ونزع سلاحها، والقضاء على النازية فيها (في إشارة إلى تغيير نظام الحكم الأوكراني)، ورفع العقوبات الغربية عن روسيا. فإلى أين وصلت هذه الأهداف الآن؟

الآن أصبح من غير المحتمل انضمام أوكرانيا إلى حلف «ناتو» في أي وقت قريب. ومنذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014، أكدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بوضوح أنهم لن يخاطروا بحرب مع روسيا دفاعاً عن أوكرانيا. وكذلك، هذه الدول غير مستعدة لمحاربة روسيا لكي تنضم أوكرانيا إلى حلف «ناتو».

ترمب يقلِّص مهلة بوتين إلى أسبوعين... ويهدد بعواقب (رويترز)

علاوة على ذلك، تحتل روسيا الآن نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية التي أعلنت ضمها إلى أراضيها رسمياً. وأصبحت سيطرتها على الأراضي الممتدة على طول بحر آزوف إلى شبه جزيرة القرم قوية للغاية.

وبينما ترفض كييف الاعتراف بالسيطرة الروسية الشرعية على هذه المنطقة، فقد أقرت باستحالة استعادتها بالقوة. في غضون ذلك، سيتعايش الغرب مع هذه «الحقائق الإقليمية»، كما يصفها بوتين، كما فعل مع ضم الاتحاد السوفياتي لدول البلطيق خلال الحرب الباردة.

جنود أوكرانيون أُطلق سراحهم بعد تبادل أكثر من ألف سجين حرب مع روسيا إثر الجولة الثالثة من المفاوضات التي استضافتها إسطنبول في يونيو الماضي (إ.ب.أ)

وبالنسبة لتسليح أوكرانيا، فإن المفاوضات حول طبيعة حياد أوكرانيا قد تؤدي إلى فرض قيود على حجم قواتها المسلحة، وعلاقاتها الأمنية مع أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما سينظر إليه على أنه نزع للسلاح من وجهة النظر الروسية. علاوة على ذلك، من المرجح إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد إعلان وقف إطلاق النار بفترة وجيزة، ما سيؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة في أوكرانيا.

وكذلك عند وقف إطلاق النار، ستبدأ الولايات المتحدة وأوروبا عملية رفع العقوبات المفروضة على روسيا.

ويرى توماس غراهام، الباحث الزميل في مركز ماكميلان بجامعة ييل الأميركية، بعد خدمة طويلة في وزارة الخارجية الأميركية، أنه من غير المحتمل أن تحسِّن روسيا الظروف الحالية من خلال استمرار الحرب، دون أن تخاطر باستنزاف الموارد التي ستحتاج إليها لمنافسة القوى الكبرى الأخرى في المستقبل.

بمعنى آخر، كلما طالت الحرب تآكلت قوة روسيا مقارنة بمراكز القوة المختلفة في العالم متعدد الأطراف الذي يسعى إليه بوتين نفسه.

ورغم الحديث المتكرر عن ضرورة وقف الحرب في أوكرانيا، يقول غراهام إن استمرار الصراع يخدم مصالح الولايات المتحدة والصين. فاستمرار الحرب يستنزف قدرات روسيا العسكرية بأقل تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة.

سكان كييف يحتمون في محطات القطارات الأرضية بسبب القصف الروسي (رويترز)

وبالنسبة للصين يؤدي استمرار الحرب إلى ازدياد اعتماد روسيا عليها. لذلك فإن بوتين الذي وصل إلى السلطة منذ نحو ربع قرن، عازماً على استعادة مكانة روسيا بوصفها قوة عظمى، نجح في ذلك نسبياً بفضل سياساته الحذرة وصبره خلال العشرين عاماً الأولى من حكمه. أما الآن، فإنه يمضي في طريق تقويض أسس القوة الروسية بسبب هوسه بحرب أوكرانيا، وإصراره على تحقيق نصر شامل، لن يحقق له سوى مكاسب قصيرة الأجل مشكوك في جدواها، في حين أن القائد ذا البصيرة الثاقبة يجب أن يكتفي بالنصر المعترف به، بدلاً من السعي وراء ما يعدُّه النصر الشامل، حتى يوجه أنظاره نحو إعادة بناء بلاده لمواجهة المنافسة الحادة التي تنتظرها مع القوى العظمى.


مقالات ذات صلة

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
TT

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

قال جهاز الأمن الاتحادي الروسي، اليوم الأحد، إن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى روسيا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال محققون إن اللفتنانت جنرال أليكسييف، الذي يشغل منصب نائب رئيس المخابرات العسكرية، تعرض لعدة طلقات نارية في بناية سكنية في موسكو، يوم الجمعة. وذكرت وسائل إعلام روسية أنه خضع لعملية جراحية بعد الإصابة.

وأشار جهاز الأمن الاتحادي الروسي إلى أن روسياً يدعى ليوبومير كوربا اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه الهجوم.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال التي قال إنها تهدف لإفساد محادثات السلام.

وقالت كييف إنه لا علاقة لها بإطلاق النار عليه.

ويقود الأميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس المخابرات العسكرية ومدير أليكسييف، الوفد الروسي في مفاوضات مع أوكرانيا في أبوظبي بشأن الجوانب الأمنية في اتفاق سلام محتمل.


زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».