جعجع لـ«الشرق الأوسط»: سلاح «حزب الله» لم يعد يخيف إسرائيل

حذّر من أن لبنان أمام خطر خسارة أصدقائه

جعجع لـ«الشرق الأوسط»: سلاح «حزب الله» لم يعد يخيف إسرائيل
TT

جعجع لـ«الشرق الأوسط»: سلاح «حزب الله» لم يعد يخيف إسرائيل

جعجع لـ«الشرق الأوسط»: سلاح «حزب الله» لم يعد يخيف إسرائيل

حذر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع من الاستمرار في «التمايل يميناً ويساراً» وعدم حل مسألة سلاح «حزب الله» الذي يرى أنه بات «بلا فائدة في حماية لبنان ولا يجلب إليه سوى الضرر والخراب»، معتبراً أن لبنان أمام خيارين أولهما اتخاذ قرار حكومي بحل التنظيمات العسكرية والأمنية، أو مواجهة صيف ساخن، أو في أحسن الأحوال صيف سيئ».

بدايةً، يجيب جعجع في حوار مع «الشرق الأوسط» عن السؤال الأكثر تداولاً في لبنان، وهو ماذا ينتظر لبنان من صيف قد يكون ساخناً في ظل الكلام عن انتهاء المهلة الأميركية في الأول من أغسطس (آب) لبدء عملية حصر السلاح بيد الدولة؟ قائلاً إنه لا يعرف على وجه اليقين ما إذا كان الصيف القادم «ساخناً بالمعنى التقليدي، أي حصول حرب إسرائيلية واسعة، أو تصعيد عسكري أوسع... لكن الأكيد أننا إذا بقينا هكذا سنكون أمام صيف سيئ».

جعجع: الأكيد أننا إذا بقينا هكذا سنكون أمام صيف سيئ (القوات اللبنانية)

ويضيف: «اتفاق وقف النار الذي وقّعه لبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 يشمل حصر كل السلاح في يد أجهزة الدولة. كانت لدينا مهلة 120 يوماً لتنفيذه. الاتفاق حدد حصراً الأجهزة التي يمكن أن تحمل الأسلحة بدءاً من الجيش وصولاً إلى الحرس البلدي. البعض يتناسي هذا الجانب ويتحدث عن تعديات إسرائيل وبقاء جيشها في النقاط السبع (المحتلة في جنوب لبنان) وغيرها، وهذا تحصيل حاصل. نحن لا نستطيع اليوم بقوانا الذاتية الاستقواء على هذا العدو. لكن يمكننا أن نجمع نقاط القوة التي تساعدنا في ذلك. لقد رأينا إلى أين أوصلتنا الشعارات والخطابات».

ويتابع: «الآن ترى العالم كله يضغط على إسرائيل لوقف الحرب في غزة، بينما لا نسمع كلمة واحدة عمّا تفعله في لبنان. علينا أن نجمع نقاط القوة للاستقواء على إسرائيل، ونحن لدينا نقاط قوة خارجية تبدأ بعلاقاتنا مع دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وصولاً إلى دول الغرب وعلى رأسها أميركا، لنستطيع من خلالها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وأن نُخرج إسرائيل من أرضنا ونعود إلى الوضع الطبيعي في لبنان».

يأخذ جعجع على المسؤولين اللبنانيين «رماديتهم» في التعاطي مع ملف سلاح «حزب الله»... (القوات اللبنانية)

ويأخذ جعجع على المسؤولين اللبنانيين «رماديتهم» في التعاطي مع هذا الملف الشائك والخطير. ويقول: «نحن نتلهّى طوال الوقت بالحديث عن إسرائيل لكننا لا نقوم بما يجب علينا فعله، وبالتالي نضيع كل الفرص على أنفسنا».

ويعترض بشدة على «المنطق» القائل بأن الذهاب نحو نزع سلاح الحزب من دون موافقته يؤدي إلى خطر الحرب الأهلية، قائلاً: «أنا أعارض كلياً هذا المنطق. فبعد كل الذي حصل لم نتصرف بمنطق الدولة، ولن يتغير شيء في لبنان. أنا أرفض هذا الكلام جملةً وتفصيلاً. رئيس الجمهورية (جوزيف عون) انتُخب بأغلبية كبيرة، والحكومة الحالية نالت الثقة مرتين من مجلس النواب المنتخب شرعياً. هذه السلطات عليها أن ترى ما يجب فعله لا أن تتذرع بأمور مثل هذه».

‏ويقول جعجع: «المطلوب أن يجتمع مجلس الوزراء الآن، وأن يتخذ قراراً بحل كل التنظيمات المسلحة العسكرية والأمنية في البلد في مهلة شهر أو اثنين أو أربعة أشهر، ويكلّف الجيش اللبناني بتنفيذ هذا القرار».

ويضيف: «يجب أن نبدأ من مكان. فليس المطلوب من الجيش اللبناني القيام بحملة عسكرية على الضاحية الجنوبية، بل المطلوب أن تظهر الدولة بعض الهيبة. فبعد أن تتخذ الحكومة قراراً مماثلاً تبدأ عملية توقيف لكل مخالف تباعاً وإحالة هؤلاء إلى المحاكمة».

تغميس خارج الصحن

مقاربة أخرى يرفضها جعجع بشدة أكبر من غيرها، وهي الكلام عن تسليم السلاح الثقيل للحزب والإبقاء على الخفيف. ويقول: «سلاح (حزب الله) الخفيف والثقيل والأثقل لم يعد يخيف إسرائيل. لا داعي أن نضحك على أنفسنا. الكلام الآن ليس عن السلاح المعدني. هناك تنظيم مسلح في دولة يفترض أن تكون مستقلة وصاحبة قرارها. كيف يمكن للعالم كله أن يأخذك على محمل الجد، وأنت لا تفعل؟ القرار السيادي والاستراتيجي، كلها أمور من اختصاص الدولة، وهي من يجب أن يكون قادراً على إعطاء الإجابات حوله».

ويضيف: «لن نستطيع أن نكمل على هذا المنوال بأن نطرح الأمور على رئيس مجلس النواب نبيه بري، والرئيس بري يتحدث إلى (حزب الله) ثم يتحدث إلينا، وهكذا دواليك. هذا معناه أن السلطة ليست بكاملها عند الدولة، وأن الأمور مقسمة بين قسم في الدولة وقسم خارجها، وبالتالي لا يعود ثمة مَن يعترف بنا كدولة».

صداقات لبنان في خطر

ويُحذر جعجع من المسّ بالصداقات «التي استجمعناها مجدداً بانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة». ويقول: «هؤلاء الأصدقاء يقولون لنا بالفم الملآن وبالإعلام كما في الغرف المغلقة، إن الوضع لا يمكن أن يستمر على هذه الحال». ويضيف: «نحن أمام خطر أن يدير لنا أصدقاء لبنان ظهورهم، بدءاً من دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية مروراً بالولايات المتحدة ومعها أوروبا هذه المرة».

ويشير إلى أن «فرنسا وعدت بمؤتمر لمساعدة لبنان لكنها لم تحدد موعداً له بعد بسبب الرفض الأميركي، كما أن المؤتمر المقرر في الخريف قد لا يُعقد أيضاً بسبب أن الخارج بدأ يمل منا، ومن هذا الوضع غير الواضح وغير السليم ووضع الدولة واللادولة».

‏«حراتيق» حزب الله

ويسأل جعجع: «لماذا يتمسك حزب الله بهذه «الحراتيق» (تعبير لبناني عن الأشياء غير ذات الفائدة) التي معه؟ولماذا يتمسك بوجود تنظيم عسكري بالتوازي مع التنظيم العسكري للدولة؟ وأن يكون لديه تنظيم أمن آخر موازٍ لتنظيمات الدولة الأمنية؟».

ويردّ على الكلام أن هذا السلاح هو للدفاع عن لبنان، ويقول: «الكلام عن أن هذا السلاح للدفاع عن لبنان هو كلام فارغ، فأين دفاعه؟». ويرى أن الحزب «يحاول أن يحافظ على تركيبة عسكرية وأمنية لا يوجد لديها أي تأثير على الدفاع عن لبنان إلا تأثيرات سلبية».

جعجع: نحن أمام خطر أن يدير لنا أصدقاء لبنان ظهورهم (القوات اللبنانية)

‏ويؤكد جعجع أن «المطالبة بنزع سلاح الحزب وحل تنظيماته العسكرية والأمنية ليس مطلباً دولياً بقدر ما هو مطلب لبناني ينص عليه خطاب القسم وبيان الحكومة الوزاري واتفاق الطائف. علينا أن نتخذ قراراً؛ هل نريد أن نكون دولة كاملة الأوصاف أم لا؟ اللبنانيون يتركون بلادهم لأن أي مجتمع لا توجد فيه دولة لا أفق له».

طبخة بحص رسمية

‏ويأخذ جعجع على المسؤولين اللبنانيين «تمايلهم يميناً ويساراً». ويقول: «نحن ‏على تواصل مع الحكومة بشكل دائم ولغاية أمس، والأجوبة تكون دائماً برّاك قادم، وبرّاك ذاهب، والرئيس بري حاول... وهذا كله لم أصدقه يوماً... أنا أعرف منذ البداية أن كل ما يحصل هو طبخة بحص».

ويضيف: «لا تستطيع أن تعطي أحداً يمتلك حتى ولو عصا، خياراً بتسليمها لك، على العكس يجب أن تقول له: سلمها وإلا... الدول لديها منطق. لدينا مسؤولون شرعيون؛ رئيس جمهورية مسؤول شرعي، ورئيس الحكومة (نواف سلام)، كذلك الحكومة جرى اختيارها، وهؤلاء عليهم أن يقرروا، لا أن يذهبوا إلى الرئيس بري وهو يذهب إلى (حزب الله). السلطة لا تستجدي أحداً. يمكنها كحد أقصى أن تقوم ببعض الاتصالات وتجس النبض ليوم أو اثنين، لا أن تبقى السلطة بكاملها بانتظار رأي من خارجها. على المسؤولين أن يتخذوا القرارات التي يمليها عليهم ضميرهم وخطاب القسم والبيان الوزاري».

‏‏ضغط لحسم الأمور

‏ما خياراتكم؟ يجيب جعجع بتحفظ: «سنكمل ضغوطنا السياسية. هناك تواصل مستمر مع رئيس الحكومة من جهة ومع رئيس الجمهورية من جهة أخرى، ونقول لهما لن ننتظر كثيراً. ‏الكل بات يدرك أن هذه نهاية المطاف. فما الذي نفعله؟ هل نبقى متفرجين على بلدنا ينهار فيما الضربات الإسرائيلية تزداد وشبابنا يهاجر؟ نحن نكثف اتصالاتنا مع معظم القوى السياسية الممثلة في الحكومة من أجل إصدار قرار بحظر كل التنظيمات العسكرية المسلحة والأمنية».

ويرفض جعجع «بقاء ‏الوضع على ما هو عليه»، معرباً عن خشيته من أن يؤدي بالحد الأدنى، إلى وقف التمويل عن القوات الدولية في جنوب لبنان، أو وقف التمويل للجيش اللبناني.

ويردف:«في الوقت نفسه هناك مشاريع عربية في سوريا أقلها بعشرة مليارات دولار، فيما نحن هنا ننتظر الرئيس بري ورحلات (الموفد الأميركي توماس) براك».

‏ويكرر جعجع رفضه قصر نقاش هذا الملف الحيوي على بعض المسؤولين من دون عرضه على الحكومة، ساخراً من الذين يقولون إن المفاوضات الدولية من اختصاص رئيس الجمهورية، ومؤكداً أن هذا الأمر «في صلب مسؤوليات الحكومة بعد أن وافق لبنان على وقف إطلاق النار في السابع والعشرين من نوفمبر 2024، وبالتالي هنا مخالفة دستورية تحصل».

ضرر من الغرب والشرق

‏ويكرر جعجع أن التنظيم العسكري للحزب لا فائدة منه ولا يُنتِج إلا الضرر. ويقول: «كان هذا الضرر جهة إسرائيل والغرب، والآن أصبح من الشرق وسوريا. وبالتالي لا بد من السؤال عن أسباب التريث في معالجة هذا الوضع الشاذ». ويضيف: «في سوريا يتم كل يوم تقريباً اكتشاف خلايا معظمها يزودها (حزب الله) بالسلاح، فكيف سيكون موقف السلطات السورية الجديدة؟».

حملات تخويف من سوريا

‏ويقلل جعجع من تأثير «حملات التخويف التي تحصل في لبنان مما يجري في سوريا».

ويقول: «نحن نحكم على الأشياء كما نراها ولا نحكم على النيات، ما الذي حصل حتى الآن يثير المخاوف من السلطات السورية الجديدة؟».

ويتابع: «لن نستطيع أن نحكم على السلطة السورية الجديدة انطلاقاً من آيديولوجيتها السابقة. منذ وصول أحمد الشرع لرئاسة الجمهورية وحتى الآن لم تسر العلاقات مع لبنان كما هو لازم، لكننا على الأقل لم نشهد أي شر منهم».

ويضيف جعجع عامل استقرار ثانياً «وهو الأهم». ويقول: «هناك ثلاث دول مؤثرة جداً في الواقع السوري هي: المملكة العربية السعودية وتركيا والولايات المتحدة، فهل هذه الدول الثلاث ولأسباب مختلفة ترغب في استقرار لبنان أم لا؟». ويخلص إلى أن عملية «التخويف» سببها أن «(حزب الله) ومحور الممانعة يريدون جمع كل الأوراق الممكنة للتمسك بالسلاح».

أ‏ما المخاوف من أن ينعكس التطور الجديد في سوريا تطرفاً في لبنان، فهذا أيضاً «أمر مردود» عليه، حسب جعجع الذي يقول إنه «في عز الأزمة سابقاً، وفي ظل وجود (داعش) لم يحصل تطرُّف، فهل سيحصل الآن؟».

ويضيف: «الشعب اللبناني وسُنة لبنان بطبيعتهم معتدلون، وأكبر دليل أن ما حصل في الماضي لم يظهر معه التطرف ولن يحصل في المستقبل، كما أن الأجهزة الأمنية اللبنانية ساهرة وتتولى ضبط الوضع وقمع أي محاولة قبل حصولها».


مقالات ذات صلة

وزير العدل اللبناني: التحقيقات بشحنة متفجرات «حزب الله» تتوسّع ولا سقف لها

المشرق العربي وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)

وزير العدل اللبناني: التحقيقات بشحنة متفجرات «حزب الله» تتوسّع ولا سقف لها

تعهّد وزير العدل اللبناني عادل نصار بالمضيّ بالتحقيقات الجارية في ملف شحنة متفجرات «حزب الله» حتى النهاية، مؤكداً أنه «لا سقف لها وهي مستمرة وتتوسع».

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي قصر العدل في بيروت (الوكالة الوطنية)

ما هو «المجلس العدلي» في لبنان؟

«المجلس العدلي» هو أعلى هيئة قضائية جزائية استثنائية في لبنان، تنظر في الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي أو الداخلي وبعض الجرائم الواقعة على السلامة العامة

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري (رئاسة الحكومة)

السفير السعودي لدى لبنان يُثمن جهود الحكومة للحفاظ على المؤسسات

ثمّن سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري الجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية للحفاظ على الدولة ومؤسساتها الوطنية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية تعبر قرب إعلان انتخابي للمرشح غابي آيزنكوت في كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ب)

طهران لم تطلب تدخّل «حزب الله» في حال تجدد الحرب مع واشنطن

يتصدر المشهد السياسي طلب إدراج ضبط المتفجرات على طريق ضهر البيدر، على جدول أعمال مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لإحالته على المجلس العدلي.

محمد شقير (بيروت)
خاص مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)

خاص ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان إبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، رسم مسار معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع.

علي زين الدين (بيروت)

وزير العدل اللبناني: التحقيقات بشحنة متفجرات «حزب الله» تتوسّع ولا سقف لها

وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير العدل اللبناني: التحقيقات بشحنة متفجرات «حزب الله» تتوسّع ولا سقف لها

وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)

تعهّد وزير العدل اللبناني عادل نصار بمضيّ القضاء اللبناني بالتحقيقات الجارية في ملف شحنة متفجرات «حزب الله» حتى النهاية، مؤكداً أنه «لا سقف لها، وهي مستمرة وتتوسّع»، لافتاً إلى أن طلبه من الحكومة بإحالة الملف إلى «المجلس العدلي» ينطلق من أن ملف المتفجرات «يتضمن تعدياً على الأمن القومي».

وشدد نصار، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن الطلب بإحالة الملف إلى المجلس العدلي «سيكون مساراً مستقلاً عن مسار التحقيقات والإجراءات القضائية الجارية والتي نثق بها ثقة كاملة»، مؤكداً «ثقتنا الكاملة بالقضاة الذين يتولون التحقيقات، أي المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم».

وأكد أن «التحقيق مستمر ويتوسع، التزاماً بتعهدات الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ووزارة العدل بأنه لا سقف للتحقيقات، ولا تدخل سياسياً للتأثير عليها».

وقال نصار: «هذا الأمر جوهري بالنسبة لنا»، موضحاً أن طلب الإحالة إلى المجلس العدلي «ينطلق من حجم الملف ومخاطره، كوننا نرى أنه تعدٍّ على الأمن القومي، وهذا الأمر هو من اختصاص المجلس العدلي»، مشدداً على أن معايير الطلب بالإحالة «تنطلق من باب القانون وليس السياسة».

مسار الطلب في مجلس الوزراء

وأشار نصار إلى أنه طرح الأمر في الجلسة السابقة لمجلس الوزراء التي عقدت في السراي الحكومي، وحازت على تأييد الوزراء المحسوبين على (القوات اللبنانية)، وتقدم فيما بعد بطلب تسجيلها لدى الأمانة العامة لمجلس الوزراء لوضعها على جدول أعمال الجلسة التي ستعقد اليوم الخميس في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس عون لمناقشتها.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزير العدل عادل نصار في القصر الجمهوري الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)

ويعني ذلك أن هناك مسارين لمواكبة هذا الملف؛ الأول هو مسار التحقيقات الجارية، والمسار القضائي - الإداري عبر الطلب من مجلس الوزراء إحالة الملف إلى المجلس العدلي. وفي حال اتخذت الحكومة القرار بإحالته إلى هذا المجلس، يرفع القضاء العسكري يده عن الملف الذي سيتحول حكماً إلى المجلس العدلي.

وشدد نصار على أن الدستور «يضع قواعد المناقشة في مجلس الوزراء، وأن المسألة لا تعني بتاتاً أي عرقلة في التحقيقات». ولفت إلى «أننا منفتحون على النقاش في مجلس الوزراء، وفق القواعد الدستورية حتى يتخذ مجلس الوزراء قراره».

مخاطر كبيرة

ويرى نصار أن هذا الملف يجب أن يصل إلى مرحلة إحالته إلى المجلس العدلي؛ «لأنه يرتبط بمخاطر كبيرة»، شارحاً أن نقل كمية كبيرة من المتفجرات وتخزينها «تنطوي على مخاطر مباشرة على المنطقة التي تنقل منها وإليها، كما يمثل تخزينها خطراً على سكان منطقة مأهولة بالسكان». ومن جهة ثانية، «تنطوي على مخاطر أن تكون مرتبطة بمشروع أكبر»، لافتاً إلى «شكوك حول وجهة استعمالها إما في تنفيذ اغتيالات وإما في تفجيرات في الداخل، علماً أننا في انتظار تحقيقات بهذا الشأن»، وإما «في أعمال حربية»، في إشارة إلى تصريحات «حزب الله» حول استخدامها في القتال ضد إسرائيل.

وقال نصار: «مجلس الوزراء واضح في قراراته التي تحظر الأعمال الحربية والمسلحة خارج إطار الدولة». وأضاف: «في الحالتين، سواء أكانت وجهة الاستعمال في الداخل أم في أعمال حربية تخلق ذرائع لحروب (إسرائيلية على لبنان)، هي مساس بالأمن القومي والوطني وتجاوز للقوانين المرعية الإجراء».

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة اللبنانية)

ملف قانوني لا سياسي

وشن مقربون من «حزب الله» هجوماً استباقياً على خطوة الإحالة إلى المجلس العدلي، لكن وزير العدل أكد أنه لا يدخل في مناكفات سياسية، شارحاً أن الملف من الناحية التقنية، «هو ضبط لمتفجرات ونقلها وتخزينها وتحديد وجهة استعمالها، ما يفتح الصلاحية القانونية لإحالته إلى المجلس العدلي»، مشدداً على أن ذلك «لا يعني أن التحقيق سيتم تمييعه. القضاء ماضٍ بالتحقيق حتى النهاية وفق الأصول، ولنا كامل الثقة بالقضاة والتحقيقات». وقال إن النقاش السياسي «مهما كان حجمه، فلن يؤثر على استمرار التحقيق والتوسع به والقيام بما يلزم ليتم التعامل معه بالجدية اللازمة؛ نظراً للمخاطر المترتبة على المتفجرات على المجتمع والأمن».

وإذ جدد الثقة بالقضاة العاملين على الملف، أكد «أننا ساهرون على إبعاد الجسم القضائي عن التدخلات والتأثيرات السياسية من أي جهة أتت، سواء كانت سلبية أو إيجابية»، مشدداً على أنه «لا توجه سياسياً بتاتاً للقضاء في هذا الملف أو غيره».

مناصرون لـ«حزب الله» في مسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري في بيروت مساء الجمعة اعتراضاً على توقيف الضالعين بنقل المتفجرات (المركزية)

الاعتراض في السياسة

ودافع نصار عن استكمال التحقيقات في هذا الملف وإحالته إلى المجلس العدلي، رغم اعتراضات «حزب الله» وتنديده الذي عبر عنه نوابه في الأسبوع الماضي إثر ضبط المتفجرات. وقال إن «الدولة تبني نفسها، واعتبرت في بيانها الوزاري أن حصرية السلاح واحتكار قراري السلم والحرب من شروط بناء الدولة وبناء المؤسسات»، مشيراً إلى أن «ما نقوم به هو مسار قضائي ينفذ وفقاً للقوانين المرعية الإجراء، وأنا لا أتدخل بمضمون التحقيقات، وواجبي أن أخلق ظروف العمل المناسبة ليمضي القضاة في أي ملف حتى النهاية».

وقال: «في جلسة مجلس الوزراء، سيتم النقاش بطلبي إحالة الملف إلى المجلس العدلي، أما الحديث عن مخاوف (حزب الله) وسواه، فهذه مواقف يعود له ولغيره أن يعبر عنها في السياسة ولن تؤثر على المسار القضائي وعلى حسن سير التحقيقات سواء سلباً أو إيجاباً».


غوتيريش يطالب «حزب الله» بتسليم سلاحه وإسرائيل بالانسحاب

دورية لقوات «يونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان يوم 20 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
دورية لقوات «يونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان يوم 20 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش يطالب «حزب الله» بتسليم سلاحه وإسرائيل بالانسحاب

دورية لقوات «يونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان يوم 20 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
دورية لقوات «يونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان يوم 20 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في آخر تقرير له حول تنفيذ القرار 1559 الخاص بنزع أسلحة الميليشيات وخروج القوات الأجنبية من الأراضي اللبنانية، «حزب الله» بتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، وداعياً في الوقت ذاته إسرائيل إلى الانسحاب من كل المناطق التي تحتلها شمال الخط الأزرق. فيما طالبت وزارة الخارجية الأميركية الحكومة اللبنانية بـ«محاسبة» الذين يقفون خلف شحنة المتفجرات التي صادرتها القوى الأمنية أخيراً.

وناقش أعضاء مجلس الأمن هذا التقرير نصف السنوي الرابع والأربعين حول تنفيذ القرار 1559 لعام 2004، بالتزامن مع الجولة الجديدة من المحادثات التي عقدت في مقر القيادة المركزية للجيش الأميركي في تامبا - فلوريدا بين ممثلين عن الجيشين اللبناني، والإسرائيلي، في سياق اتفاق الإطار الثلاثي.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مسؤول أميركي طلب عدم نشر اسمه أن «المناقشات كانت على مستوى الخبراء، وتركز على البُعد الأمني ​​للإطار الثلاثي» من دون تقديم توضيحات إضافية.

غوتيريش: خطوة أولى

ورأى غوتيريش، الذي تنتهي ولايته بعد 70 يوماً، أن الإطار الثلاثي الذي وقع في يونيو (حزيران) الماضي يشكل «خطوة مهمة نحو إنهاء عقود من النزاع» بين البلدين، اللذين التزما «عملية متبادلة، ومتسلسلة، ووفق شروط واضحة، يستعيد بموجبها الجيش اللبناني السلطة السيادية الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وتفكيك بنيتها التحتية، بما يتيح لجيش الدفاع الإسرائيلي إعادة الانتشار تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية».

عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)

وأضاف أن انتشار الجيش اللبناني في بعض «المناطق النموذجية» كان «خطوة أولى نحو التنفيذ».

غير أن غوتيريش حذر من أنه رغم تراجع أعمال العنف منذ أواخر يونيو (حزيران) الماضي، فإن «استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان ورفض (حزب الله) إلقاء السلاح يعني أن خطر تجدد النزاع لا يزال مرتفعاً». ونبه إلى أن إعلان الحكومة الإسرائيلية أنها ستحتفظ بـ«منطقة أمنية» تمتد حتى 10 كيلومترات داخل لبنان إلى حين نزع سلاح «حزب الله» والجماعات المسلحة الأخرى، «شكل عائقاً كبيراً أمام انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان».

واستخدم لهجة حازمة للقول إن إنشاء إسرائيل لهذه المنطقة والاحتفاظ بها يمثلان «انتهاكاً لسيادة لبنان، وسلامته الإقليمية، وخرقاً صارخاً للقانون الدولي»، مطالباً إسرائيل بـ«الانسحاب من كل المناطق الواقعة شمال الخط الأزرق ووقف انتهاكاتها لسيادة لبنان، وسلامته الإقليمية». وعبر عن «القلق البالغ» من تصريحات مسؤولين إسرائيليين «يعلنون فيها عن تدمير منازل المدنيين»، مشدداً على أنها «تصريحات يجب رفضها بصورة قاطعة».

بسط سلطة الدولة

في المقابل، شدد كبير الموظفين الدوليين على أن «بسط سلطة الدولة يتطلب سيطرة الدولة الحصرية على السلاح وفقاً للقرار 1559 واتفاق الطائف»، مضيفاً: «أنا أحض (حزب الله) على الامتثال للقرارات السيادية للدولة اللبنانية». وحمل على مواقف قيادة الحزب الموالي لإيران التي «ذهبت إلى أن احتفاظ الحزب بالأسلحة شأن لبناني داخلي، وأعربت عن رفضها للإطار الثلاثي، والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قلق بسبب رفض واشنطن منح تأشيرة للبرهان (أ.ب)

ولفت إلى أن الخلاف بين الأطراف اللبنانية حول الإطار والمحادثات وحيازة السلاح خارج سيطرة الدولة «أدى إلى زيادة تعقيد الجهود»، فيما ظل الخلاف بين لبنان وإسرائيل حول التسلسل الزمني لنزع السلاح والانسحاب وطرائق التحقق «عائقاً يحول دون إحراز أي تقدم». ودعا «من لديهم نفوذ على الجماعات المسلحة في لبنان إلى دعم نزع سلاح تلك الجماعات، وتحويلها إلى جهات فاعلة سياسية ذات طابع مدني صرف».

وعرض أعضاء مجلس الأمن خلال اجتماعهم لقضية مصادرة القوى الأمنية اللبنانية لشحنة كبيرة من المتفجرات التابعة للحزب أخيراً، وسط دعوات إلى مواصلة التحقيقات الجنائية في هذا الشأن، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الشحنة.

الخارجية الأميركية

وقال ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله)، وهو منظمة إرهابية، يتحمل المسؤولية الكاملة عن الصراع في لبنان»، مؤكداً أن «أسلحته لم تجلب سوى البؤس للشعب اللبناني». وحض الحكومة اللبنانية على «محاسبة جميع من أمروا بشحن هذه الشحنة، أو موّلوها، أو وجّهوها»، مشدداً على أنه «يجب أن تكون إعادة المتفجرات الفتاكة إلى (حزب الله) أمراً غير وارد». وذكر أن «الإطار الثلاثي يتطلب نزع سلاح (حزب الله) بالكامل في جميع أنحاء الأراضي اللبنانية».

ضرورة الحوكمة

ونبه غوتيريش في تقريره إلى أن نزع السلاح المستدام «سيتطلب معالجة العوامل المتعلقة بالحوكمة، والعوامل المؤسسية والاجتماعية والاقتصادية التي سمحت للأسلحة بالبقاء خارج نطاق سلطة الدولة»، مضيفاً أن «الأمن المستدام لا يمكن تحقيقه عن طريق الضغط العسكري، بل يتطلب حواراً هادفاً، وحيزاً كافياً لمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع».

جنديان من الجيش اللبناني يغلقان طريقاً يؤدي إلى قرية تحتلها القوات الإسرائيلية وذلك باستخدام ناقلة جند مدرعة في زوطر الغربية بجنوب لبنان اليوم الثلاثاء (أ.ب)

وجدد غوتيريش دعمه للجيش اللبناني «في الدور المحوري الذي يضطلع به في فرض سلطة الدولة، وبسطها»، معتبراً أن الدعم الدولي المستمر «سياسياً ومالياً وفي بناء القدرات» ضروري لتمكين الجيش وقوى الأمن الداخلي من أداء مهامهما.

وأشار التقرير إلى أن إعادة الإعمار في الجنوب لا تزال تواجه «عوائق جسيمة» بسبب الوجود الإسرائيلي، والدمار الواسع، وشح الموارد المالية، وغياب اليقين الأمني، والسياسي. وأعلن أن الأمم المتحدة «تقف على أهبة الاستعداد لدعم حكومة لبنان»، داعياً المجتمع الدولي إلى مساعدة المؤسسات اللبنانية في تنفيذ «مبادرات عاجلة وسريعة الأثر في جنوب لبنان من أجل إعادة بناء الثقة مع المجتمعات المحلية، وتيسير عودة النازحين»، ومذكراً بضرورة وصول المساعدات الإنسانية «بصورة آمنة، ومستمرة».

مركبات تمر بأبنية مدمرة قرب نقطة تفتيش للجيش اللبناني في بلدة كفرا بجنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وشدد على أن تنفيذ القرار 1559 فيما يتعلق «بكل الميليشيات اللبنانية، وغير اللبنانية، بما في ذلك الجماعات المسلحة الفلسطينية، أمر ضروري لعملية شاملة، وذات صدقية لنزع السلاح».

كما شجع على استمرار التواصل بين لبنان وسوريا «لتعميق التعاون المؤسسي، والاقتصادي، والأمني»، بما في ذلك الحد من «التدفق غير المشروع للأسلحة، والتدفقات المالية غير المشروعة».


ما هو «المجلس العدلي» في لبنان؟

قصر العدل في بيروت (الوكالة الوطنية)
قصر العدل في بيروت (الوكالة الوطنية)
TT

ما هو «المجلس العدلي» في لبنان؟

قصر العدل في بيروت (الوكالة الوطنية)
قصر العدل في بيروت (الوكالة الوطنية)

تدرس الحكومة اللبنانية في جلسة تعقدها الخميس طلب وزارة العدل إحالة ملف «شحنة المتفجرات» التي ضبطت على طريق ضهر البيدر الدولي في الثامن من الشهر الحالي بحوزة عنصرين ينتميان لـ«حزب الله» إلى المجلس العدلي، أعلى سلطة قضائية، وأحكامه غير قابلة للنقض.

هذا الطلب الذي أثار استياء في صفوف «حزب الله» وجمهوره، يحوّل هذه القضية من كونها جريمة عادية تنظر فيها المحاكم المختصة إلى جريمة تهدد أمن الدولة.

واستبق المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان المقرب من «حزب الله» الملف، بقوله: «لا شيء أخطر على السلم الأهلي من إدخال الأجهزة الأمنية بلعبة السلطة التنفيذية أو إعادة توظيف الخلاف السياسي بالقضاء، ولا سيما المجلس العدلي، خصوصاً أنّ الخطوط الحمر الداخلية خطوط وطنية ملتهبة، وهي أعقد من نيران الشرق الأوسط والعالم، والخطأ بالأمن الوطني والميثاق السياسي يضعنا أمام مغامرة لا ينجو منها أحد».

ما هو المجلس العدلي؟

«المجلس العدلي» هو أعلى هيئة قضائية جزائية استثنائية في لبنان، تنظر في الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي أو الداخلي وبعض الجرائم الواقعة على السلامة العامة، وتحال الدعاوى إليه بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء. وبالتالي، لا يملك ولاية عامة تلقائية على الجرائم، بل تقتصر صلاحيته على الملفات التي تحال إليه حصراً بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل.

طوافة لبنانية تشارك في إخماد الحريق في مرفأ بيروت بعد انفجار ضخم وقع في 4 أغسطس 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحسب الخبير في القانون الدولي المحامي البروفسور أنطونيوس أبو كسم، تُجرى المحاكمة أمام المجلس العدلي وجاهية كانت أم غيابية، وفقاً للأصول المتبعة أمام محكمة الجنايات ويصدر أحكامه بالدرجة الأخيرة بإجماع الآراء أو بأكثريتها، وبالتالي فإن أحكامه غير قابلة للنقض أو لأي طريق من طرق المراجعة العادية أو غير العادية، كونها تصدر عن محكمة استثنائية ذات درجة واحدة.

ويتألف المجلس من الرئيس الأول لمحكمة التمييز، ومن أربعة من القضاة من هذه المحكمة أيضاً، أي كبار القضاة، يُعيَّنون بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى ويُعيَّن في ذات المرسوم قاضٍ إضافي رديف.

ويشير أبو كسم، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المدعي العام لدى محكمة التمييز أو أحد معاونيه يمثل النيابة العامة، وهو من يتولى الادعاء العام، فيما يقوم بوظيفة قاضي التحقيق ويسمى «المحقّق العدلي» أحد القضاة الذين يعيّنهم وزير العدل بقرار منه بناءً على موافقة مجلس القضاء الأعلى، وتنتهي ولايته بانتهاء القضية التي عُيّن من أجلها»، لافتاً إلى أن «للمحقق العدلي أن يصدر جميع المذكرات من دون طلب من النيابة العامة، وقراراته في هذا الشأن لا تقبل أي مراجعة. ويجمع المحقّق العدلي في شخصه وظيفة قاضي التحقيق ووظيفة الهيئة الاتهامية. ولهذا، فإن القرار الذي يصدر عنه بنهاية التحقيق هو قرار اتهام، وليس قراراً ظنياً بالمعنى المألوف».

أبرز الجرائم التي نظر فيها المجلس

وأحيل إلى المجلس العدلي عبر التاريخ أخطر وأبرز الجرائم والاغتيالات السياسية والتفجيرات التي هزّت لبنان، أبرزها: جريمة اغتيال الرئيس اللبناني الراحل بشير الجميل، جريمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ورفاقه (قبل إحالة الملف إلى المحكمة الخاصة للبنان)، تفجير مرفأ بيروت، تفجير كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل، تفجير التليل في عكار، اغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي، اغتيال الوزير الراحل داني شمعون، والوزير إيلي حبيقة، والنائب بيار أمين الجميل، وغيرهم من الشخصيات السياسية والأمنية.

آثار الانفجار الذي أودى ببشير الجميل في الأشرفية ببيروت (أ.ف.ب)

أمّا الملفات البارزة التي وصلت إلى خواتيمها وأصدر المجلس العدلي أحكاماً قضائية بشأنها: فجريمة اغتيال داني شمعون وعائلته، تفجير كنيسة سيدة النجاة (ذوق مكايل)، قضية اغتيال رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية الشيخ نزار الحلبي، قضية اغتيال الرئيس رشيد كرامي، قضيّة اغتيال القضاة الأربعة في صيدا، قضيّة أحداث زحلة.

شحنة متفجرات «ضهر البيدر»

وعما إذا كان هذا المجلس اليوم مخولاً النظر بقضية متفجرات ضهر البيدر، يشير أبو كسم إلى أن «المجلس العدلي يصبح مخوّل النظر بقضية متفجرات ضهر البيدر في حال تمّت إحالة القضيّة إليه من قبل مجلس الوزراء. فالمجلس لا يحق له النظر عفواً بالقضية من دون إحالة الحكومة، ولا يستطيع رفض النظر بالقضيّة بعد إحالتها إليه بحجّة عدم الاختصاص»، موضحاً أن «لمجلس الوزراء صلاحيّة استنسابية لتوصيف جريمة، بأنّها تمسّ أمن الدولة الخارجي أو الداخلي أو السلامة العامة. ونظراً لخطورة قضية شحنة ومتفجرات ضهر البيدر واتصالها المباشر بالأمن القومي والسلم الأهلي، فمن الطبيعي أن تحيلها الحكومة إلى المجلس العدلي بعد اقتراح وزير العدل، خصوصاً أنّ الحكومة اللبنانيّة كانت قد أصدرت قراراً في 2 مارس (آذار) 2026 حظرت بموجبه كافة النشاطات العسكرية والأمنية لـ(حزب الله)».

ويشرح أبو كسم أن «مرسوم الإحالة إلى المجلس العدلي يُقيّد صلاحيته لأنّ الحكومة عندما تتخذ قراراً بإحالة دعوى معينة إلى المجلس العدلي إنّما تمارس نوعين من الاختصاصات: اختصاص قضائي أولاها إياه القانون بمقتضى المادة 355 أصول جزائية. والنوع الثاني هو اختصاص سياسي من خلال ما اعتبرته مساساً بأمن الدولة الداخلي، أي أنّ هذا العمل هو من أعمال السيادة على المستوى الداخلي، التي تعبّر عنه بمرسوم الإحالة».