لماذا تستثمر إيران في تزويد الحوثيين بالقدرات العسكرية؟

الجماعة صعّدت من هجماتها رغم الغارات الأميركية والإسرائيلية

صاروخ بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم (إعلام حوثي)
صاروخ بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم (إعلام حوثي)
TT

لماذا تستثمر إيران في تزويد الحوثيين بالقدرات العسكرية؟

صاروخ بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم (إعلام حوثي)
صاروخ بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم (إعلام حوثي)

على الرغم من الضربات الإسرائيلية المتكررة والحملة الجوية الأميركية في عهدي بايدن وترمب، ما زالت الجماعة الحوثية تنفّذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وتستهدف سفناً تجارية في البحر الأحمر، ما يجعلها رأس حربة متقدمة للأجندة الإيرانية.

تثير هذه القدرة الحوثية على مواصلة الهجوم على الرغم من الردود العسكرية والاستخباراتية الغربية تساؤلات متجددة حول أسباب إصرار إيران على الاستثمار العسكري المستمر في هذه الجماعة دون سواها في الوقت الراهن.

ففي الوقت الذي تتعرض فيه طهران لضغوط داخلية وخارجية، مع تراجع نفوذها في سوريا ولبنان والعراق، يبدو أنها وجدت في الحوثيين الورقة الأهم على طاولة اللعب الإقليمي مع انخفاض التكلفة وتجنب المواجهة المباشرة.

ولا يعود ذلك فقط، بحسب ما يقرأه المراقبون للمشهد اليمني، لقوة الجماعة العسكرية بل أيضاً إلى الموقع الجغرافي بأبعاده المختلفة، حيث التضاريس الصعبة، والمناطق الواسعة التي تسيطر عليها الجماعة، فضلاً عن السيطرة على جزء كبير من الساحل اليمني على البحر الأحمر.

جانب من شحنة أسلحة إيرانية اعترضتها القوات اليمنية وكانت في طريقها إلى الحوثيين (إ.ب.أ)

وإلى جانب البعد العقائدي ذي المرجعية الأصولية التاريخية الذي يربط إيران بالحوثيين، يبدو أن طهران تريد أن تأكل الثوم بفم الجماعة دون التورط من جديد في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كما حدث في حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي.

ويرى صالح البيضاني المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض أن إيران استثمرت لسنوات طويلة في الحوثيين باعتبارها ذراعاً عسكرية تتحرك وفق أجندة المصالح الاستراتيجية لطهران.

ويجزم البيضاني بأن حاجة النظام الإيراني لهذه الذراع زادت بعد الضربة التي تعرضت لها أذرعه في لبنان وسوريا، وفي ظل المؤشرات المتزايدة على احتمال تحجيم الجماعات المسلحة التابعة لإيران في العراق.

ذراع هجومية مباشرة

في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، يرى محمود شحرة، الباحث في المعهد الملكي البريطاني «شاتام هاوس»، أن طهران تعوّل على الحوثيين حالياً بشكل يفوق أي ذراع أخرى في المنطقة. ويقول: «كان هناك اعتقاد بأن إيران ستكون مشغولة بترميم وضعها الداخلي عوضاً عن دعم أبرز أذرعها مثل الحوثيين، ولكن الحقيقة أن إصرار إيران اتضح أنه أكثر، وأنها لن تتخلى عن استثمارها فيهم».

ويضيف: «الحوثيون ليسوا مجرد أداة دفاع عن إيران بل هم ذراع هجوم مباشر عنها. هم الأجرأ والأكثر مغامراتية بين حلفائها. لا يقيّدهم قانون أو حسابات دبلوماسية». ويصف دور الجماعة بأنه «هجوم بالنيابة»، في وقت تتراجع فيه قدرة طهران على استخدام أذرعها التقليدية كـ«حزب الله» في لبنان، أو الميليشيات في العراق وسوريا.

الحوثيون يستثمرون هجماتهم ضد إسرائيل لتعميق مشروعهم الانقلابي في اليمن (إ.ب.أ)

وخلال الأسبوع الحالي، أعلن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أن قواته نفّذت «11 هجوماً» بين صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيرة على أهداف إسرائيلية، في كل من تل أبيب وأسدود والنقب وإيلات، مؤكداً أن ميناء إيلات «عاد إلى الإغلاق التام»، واصفاً الأمر بأنه «هزيمة كبيرة للعدو الإسرائيلي».

تهديد استراتيجي

أشار الباحث اليمني فارس البيل، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «إيران تنظر إلى اليمن كموقع استراتيجي يضمن لها أوراق ضغط إقليمية ودولية هائلة، لا سيما مع إطلالته على باب المندب والبحر الأحمر». ويضيف: «عبر دعم الحوثيين، تضمن طهران خلق حالة دائمة من التوتر في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في أي معادلات إقليمية أو مفاوضات مع الغرب».

وفي سياق ما تدعيه الجماعة من مناصرة للفلسطينيين في غزة، قال زعيمها عبد الملك الحوثي، في أحدث خطبه الخميس الماضي، إنها نفّذت منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 نحو 1679 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيرة، والزوارق المفخخة.

صاروخ باليستي كرر الحوثيون إطلاق أعداد منه باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

وعلى الرغم من الحملتين الأميركيتين والغارات الإسرائيلية الانتقامية لا تزال قدرات الجماعة الصاروخية قائمة، إذ يعتقد أن خبراء إيرانيين ومن «حزب الله» اللبناني هم مَن يتولون الإشراف على إعادة تجميع الأسلحة المهربة ومن ثم إطلاقها.

وبحسب مراقبين عسكريين، فإن طبيعة تضاريس محافظات صعدة وعمران وصنعاء، والتنظيم المغلق للجماعة الحوثية، يُعقّدان من عمليات الرصد والاستهداف.

وبالنظر إلى تفوق إسرائيل الاستخباراتي، إلا أنها تواجه صعوبات في تحديد أماكن إطلاق الصواريخ أو مواقع مخازن السلاح. وهذا يُفسّر استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وقدرة الحوثيين على الاستمرار في شن الهجمات بغض النظر عن الأثر العسكري المباشر.

ومع إصرار الحوثيين على ربط عملياتهم بملف غزة، يسعون من جهة ثانية إلى تسويق هذه المواجهة على أنها معركة وجودية مع إسرائيل، بما يخدم تعبئتهم الداخلية وأجندتهم الانقلابية على المستويين السياسي والإعلامي.

دعم إيراني متواصل

تؤكد الحكومة اليمنية أن شحنات أسلحة متطورة لا تزال تصل إلى الجماعة الحوثية عبر الحرس الثوري الإيراني، تتضمن منظومات دفاع جوي وصواريخ بحرية وأخرى أرض- جو، ورادارات متقدمة، وطائرات مسيّرة، تم اعتراض بعضها خلال الأشهر الأخيرة والأيام القليلة الماضية.

وفي حين تنفي طهران علاقتها بذلك، تشير التقارير الغربية إلى أن إيران لم تُوقف عمليات التهريب، بل زادت من وتيرتها بعد حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل في يونيو الماضي.

صواريخ ضمن شحنة أسلحة إيرانية اعترضتها القوات اليمنية في البحر الأحمر (إ.ب.أ)

ويقول فارس البيل: «تهريب الأسلحة للحوثيين لم يتوقف، بل يتم تطويره. اليمن أصبح ساحة لاختبار تقنيات إيرانية عسكرية في مجال الصواريخ والطائرات من دون طيار، واستعراض قدرات طهران عبر وكلائها».

وتواصلاً لهذه الهجمات، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية يحيى سريع تنفيذ 3 عمليات في الساعات الماضية استهدفت أهدافاً إسرائيلية في إيلات وعسقلان والخضيرة»، زاعماً أنها حققت أهدافها، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه اعترض صاروخاً واحداً.

وأطلقت الجماعة نحو 54 صاروخاً باليستياً وعدداً غير محدد من المسيّرات منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، كما تسببت هجماتها في البحر الأحمر بين 6 و8 يوليو (تموز) الحالي، في غرق سفينتين يونانيتين ومقتل 5 بحارة واحتجاز آخرين، ليصبح عدد السفن الغارقة 4 سفن منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

وتعاني إسرائيل رغم تفوقها العسكري في التعامل مع الحوثيين بسبب نقص المعلومات الاستخبارية الدقيقة حول مواقع قياداتهم أو منصات إطلاق الصواريخ، ما يدفعها إلى تكرار قصف البنى التحتية في الحديدة وصنعاء، دون القدرة على تحجيم قدراتهم فعلياً.

طائرة من دون طيار أطلقها الحوثيون من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

واستأنفت الجماعة الحوثية هجماتها في مارس (آذار) الماضي بالتزامن مع الحملة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد الجماعة، والتي نجحت في إجبار الحوثيين على التوقف عن استهداف السفن الأميركية، وفق اتفاق رعته سلطنة عمان في السادس من مايو (أيار)، لكنه لم يشمل إسرائيل.

ويتهم الوسط السياسي الموالي للحكومة اليمنية الجماعة الحوثية بأنها تسعى لاستخدام الهجمات ضد إسرائيل كـ«أداة دعاية» لتثبيت نفسها كلاعب إقليمي في محور المقاومة الذي تقوده إيران، رغم محدودية الأثر العسكري لهجماتها.

ورقة تفاوض واستنزاف

الحوثيون يمثلون، اليوم، إحدى أكثر الأدوات فاعلية بيد إيران. فهم لا يكلّفونها جندياً واحداً على الأرض، لكنهم يحققون مكاسب استراتيجية. يقول شحرة: «إيران تقوم بما يمكن تسميته توزيع الأحمال. تريد نقل الجبهة إلى اليمن، بحيث تنقل التركيز والمعركة على الحوثيين بدلاً من أن تتحملها في طهران أو بيروت أو دمشق».

ويوضح أن الدعم الإيراني للحوثيين لا ينبع من دافع آيديولوجي فقط، بل من حسابات واقعية. «هم ورقة ضغط على الغرب، ومصدر استنزاف لجيران طهران، وأداة ابتزاز للتأثير على مسارات التفاوض النووي، ورفع العقوبات، وتوسيع دائرة النفوذ».

سفينة شحن هاجمها الحوثيون في البحر الأحمر (المهمة الأوروبية أسبيدس)

في كل هذه التحولات المتسارعة، يرى صالح البيضاني أن الجماعة الحوثية باتت «الرهان الناجح لابتزاز العالم ومقايضة الأمن الإقليمي والدولي بمصالح إيران، في ظل الانقياد الكامل الذي تبديه الجماعة بعيداً عن أي حسابات قد تمس مصالح اليمنيين «وهو نموذج يتوافق تماماً مع احتياجات طهران السياسية والأمنية»، بحسب قوله.

ووفق الأكاديمي اليمني فارس البيل، فإن هذا الدعم للحوثيين «يمنح إيران القدرة على شن حرب استنزاف غير مكلفة ضد الغرب». ويضيف: «كلما زادت قدرات الحوثيين العسكرية، زادت قيمة هذه الورقة في يد طهران».

من جهة أخرى، يعتقد مراقبون يمنيون أن تحجيم نفوذ الحوثيين لن يتم عبر العقوبات أو الضربات الجوية فقط، بل يتطلب تحركاً دولياً لدعم «عملية عسكرية برية شاملة»، وهي رؤية الحكومة اليمنية ذاتها، إذ لا تنفك عن المطالبة المستمرة بدعم عسكري مباشر لاستعادة الدولة وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية.

مسلحون حوثيون على متن عربة أمنية في أحد شوارع العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

وفي ضوء آراء المحللين اليمنيين والباحثين، يبدو أن إيران وجدت في الحوثيين أداة مثالية لإدارة حروبها بالوكالة، حيث يوفرون لها ذراعاً عسكرية فاعلة في جنوب الجزيرة العربية، وقاعدة بحرية متقدمة تتيح لها تهديد خطوط الملاحة الدولية بما يخدم صراعها الدولي المرتبط أساساً بملفها النووي وبرنامجها الصاروخي.

ولذلك، لا يبدو أن إيران ستتخلى عن دعم الحوثيين في المستقبل القريب، بل على العكس، فكل المؤشرات تشير إلى أن طهران تنقل اليوم مركز ثقلها الإقليمي من شمال الجزيرة العربية إلى جنوبها، حيث باتت الجماعة رأس الحربة الأكثر طواعية والأقل تكلفة لتنفيذ أجندة النظام في طهران.


مقالات ذات صلة

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

العالم العربي الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

تثير إجراءاتٌ حوثية تربط تسليم نتائج الطلاب بالمشاركة في معسكرات صيفية قلقَ اليمنيين، وسط تحذيرات من انتهاك حق التعلم، وتعريض مستقبل الأطفال لمخاطر متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

كشفت دراسة حديثة عن تحول تجارة المخدرات إلى مصدر تمويل رئيس للحوثيين، مع تصاعد نشاط شبكات منظمة تهدد المجتمع اليمني والأمن الإقليمي وتطيل أمد الصراع

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي خلال 2026 يعزّز الكهرباء والاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والصحة، ويدعم الاستقرار والتعافي عبر شراكات دولية فعّالة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)

سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

تسببت فيضانات شديدة ضربت اليمن في خسائر بشرية، ومادية، كما طالت البنية التحتية، بما في ذلك شبكات الكهرباء، وأنظمة إمدادات المياه، وتدمير آلاف المنازل.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مزارع «القات» في اليمن تشهد استخداماً مفرطاً لأنواع مختلفة من المبيدات المحظورة (فيسبوك)

مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

أطلق مزارعون تحذيرات من تفشي مبيدات خطرة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط اتهامات لهم بإنشاء شبكات لاستيرادها وترويجها وتغييب الرقابة، مما يزيد من المخاطر الصحية.

وضاح الجليل (عدن)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.