هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يعقّد الأوضاع السياسية والمعيشية

نقص كبير بالاحتياطي النقدي للعملات في «البنك المركزي»

مواطنون في بورتسودان يطالبون بتمديد مهلة تبديل العملة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مواطنون في بورتسودان يطالبون بتمديد مهلة تبديل العملة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يعقّد الأوضاع السياسية والمعيشية

مواطنون في بورتسودان يطالبون بتمديد مهلة تبديل العملة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مواطنون في بورتسودان يطالبون بتمديد مهلة تبديل العملة (أرشيفية - أ.ف.ب)

يرجح أن يتسبب الهبوط الكبير في سعر صرف الجنيه السوداني في تعقيد الأوضاع السياسية والعسكرية بالبلاد التي تشهد حرباً دخلت عامها الثالث، فقد تراجع سعر الصرف ليعادل أكثر من 3 آلاف جنيه مقابل الدولار الأميركي الواحد، وبقيت مؤشرات سعر الصرف الرسمي تسجل انخفاضاً جديداً كل يوم.

ويأتي التسارع الكبير في تدني قيمة الجنيه السوداني في ظل النقص الكبير بالاحتياطي النقدي للعملات في «البنك المركزي»؛ مما يدفع بالتجار والمستوردين إلى الشراء من «السوق السوداء» للعملات، التي بدورها تؤدي إلى هذا الانخفاض.

وقال متعامل في السوق الموازية (السوداء)، بمدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة، إن هناك طلباً كبيراً وغير مسبوق على شراء الدولار. وأضاف: «نفذنا عمليات بيع مقابل 3300 جنيه مقابل الدولار، لكن السعر تراجع إلى نحو 2900 جنيه اليوم».

كامل إدريس خلال مراسم أداء اليمين رئيساً للوزراء أمام عبد الفتاح البرهان (أرشيفية - وكالة الأنباء السودانية)

وقال تاجر عملة لــ«الشرق الأوسط»، طالباً حجب اسمه: «فوجئنا بطلب كبير على الدولار في السوق. أعتقد أن هذا الانخفاض هو الأكبر في قيمة العملة منذ سنوات طويلة... هذه الأسعار ظلت غير ثابتة وتتحرك على مدار اليوم»، وتوقع استمرار انخفاض الجنيه أكثر خلال الأيام المقبلة.

وعزا انخفاض سعر العملة الوطنية إلى قلة العرض والزيادة الكبيرة في الطلب على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج.

وأفاد التاجر بأن هناك جهات تدخلت لشراء الدولار بكميات كبيرة، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بطريقة «غير مسبوقة»، وقال: «نعتقد أنها تتبع الحكومة؛ المشتري الأكبر للعملة الصعبة».

وأوضح أن «النظام الحالي للتحويلات النقدية المالية يسمح للشركات وحسابات الأفراد الموثوقة بتحويل ما بين 100 و500 مليار جنيه سوداني، وإيقافه لا يعدو (عملية تخدير مؤقت)، ولن يؤدي إلى تحسن قيمة الجنيه، بل سيؤثر قطعاً على معاملات كثيرة ترتبط بالأوضاع المعيشية في البلاد».

وعزا الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير تراجع قيمة الجنيه السوداني في اليومين الماضيين لأسباب عدة، أبرزها مرتبط بالفراغ الزمني الطويل بين حل الحكومة السابقة وتنفيذ تشكيل «حكومة الأمل» برئاسة كامل إدريس (قيد التشكيل حالياً). وقال لـ«الشرق الأوسط»: «في هذه الفترة يحدث تباطؤ اقتصادي، ينعكس على قيمة العملة الوطنية».

وأضاف: «الجهد المبذول في الاستفادة من إنتاج الذهب، ومساهمته المقدرة في رفد خزينة الدولة بالعملات الصعبة، يدحض أي أحاديث عن تدخل الحكومة، إلا إن استمرار عمليات تهريب الذهب يؤثر سلباً على سعر الصرف، لكنّ هناك تحسناً ملحوظاً في القيمة الشرائية للجنيه».

سودانيان ينظفان متجراً في شارع «الحرية» بالخرطوم يوم 15 يوليو 2025 كان تضرر جراء الحرب (أ.ف.ب)

وأوضح الناير أن الحكومة السودانية لجأت، عبر «البنك المركزي»، إلى «اتخاذ قرار تقييد التعاملات البنكية عبر التطبيقات التقنية المصرفية؛ للحد من المضاربة في النقد الأجنبي وتجارة العملة في (السوق السوداء)، لكنه قد يعوق عمل الشركات في القطاع الخاص عن إجراء تحويلات مالية ضخمة تتعلق بعملها وحاجتها الكبيرة للعملة الأجنبية والتحويلات المالية للتمويل بخصوص عمليات الاستيراد، لذلك تدخل السوق السوداء للحصول على النقد الأجنبي بكميات كبيرة».

واستبعد الناير ما يتردد عن تدخل الحكومة لشراء الدولار في السوق السوداء، وقال: «خزينة الدولة بها نحو ملياري دولار من عائدات الذهب العام الماضي. وانخفاض الجنيه السوداني في الأيام الماضية بسبب احتياجات القطاع الخاص».

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن «الحروب تؤدي إلى تراجع في المؤشرات الاقتصادية والمالية، وانخفاض في قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، لكن قدرة الفريق الاقتصادي على اتخاذ سياسات مالية مناسبة قد تقلل من هذه التأثيرات».

وعدّ الناير أن إيقاف تحويلات الشركات عبر التطبيقات المصرفية، رغم أنه ساعد في تحسن قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار، «قرار مرحلي مؤقت مرتبط بحدوث استقرار في سعر الصرف، وبعد ذلك يمكن أن تلجأ الحكومة لاتخاذ إجراءات سياسات مالية ونقدية لتثبيت سعر الصرف».

بدوره، قال أمين شباب الأعمال في «اتحاد أصحاب العمل» السابق، أحمد سيد، إن نسبة انخفاض الجنيه السوداني بلغت نحو 22 في المائة، و«يتوقع أن يتراجع أكثر في غياب الحل السياسي للحرب».

وعزا انخفاض قيمة الجنيه السوداني إلى «دخول مشترٍ، أو طلب ضخم للعملة الصعبة»، مرجحاً أن «تكون هذه الجهات على صلة وثيقة بالحكومة التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، لتغطية التزامات الحرب وشراء الأسلحة من الخارج، في ظل انحسار الدعم الإقليمي للسودان، وإشكالات أخرى تتعلق بشبكات تهريب الذهب؛ أكبر مورد للعملة الصعبة».

من داخل أحد البنوك في مروي (أرشيفية - أ.ب)

وأدى استمرار الحرب وتداعياتها إلى خفض إيرادات الدولة بنسبة 80 في المائة، ولانكماش اقتصادي بلغت نسبته 40 في المائة بنهاية عام 2023، وسط توقعات بارتفاع هذه النسبة خلال العام الحالي، وتدهور قيمة الجنيه مقابل الدولار الأميركي إلى نحو 3 آلاف، وقد يستمر هذا لفترات طويلة.

ويزداد الوضع تعقيداً في السودان؛ بسبب الموارد الشحيحة والصرف الأكبر والمتصاعد على المجهود الحربي، مع تراجع موارد الإنتاج والتصدير، وشح العملة الصعبة المتوفرة للدولة.

وتواجه الحكومة، التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة لها، صعوبات في التحكم بسعر الجنيه السوداني المتدهور، الذي يتوقع أن يفرز ارتفاعاً جنونياً في أسعار السلع الغذائية والدواء، وبالتالي زيادة معاناة المواطنين الذين أنهكتهم الحرب.

وأدت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ نحو عامين ونصف العام، إلى أضرار بالغة السوء على صادرات البلد العربي ووارداته، كما تسببت في تعطّل معظم المصانع والشركات، وخسارة كبيرة في قطاع الأعمال بسبب الدمار والنهب.

وقال المحلل الاقتصادي، أحمد خليل، إن «انخفاض قيمة الجنيه السوداني يرجع إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية في مقابل ضعف العرض، في ظل النزاع الحالي؛ لما له من أثر كبير على قيمة الجنيه، مما سيفاقم الضائقة المعيشية وارتفاع معدلات التضخم».

وأضاف: «منذ 2021 بدأ السودان يفقد تحويلات المغتربين، التي تقدر بنحو 6 مليارات دولار في العام، وتراجع الإيراد النقدي من العملة الذي يأتي من صادرات الذهب».

ورأى خليل أن الإجراءات الحكومية الأخيرة لوقف تدهور العملة، «مؤقتة، ولا تختلف كثيراً عن الإجراءات الأمنية التي كانت تتخذها الحكومة سابقاً، لوقف تدهور العملة الوطنية».

من جانبه، قال المدير السابق لـ«الشركة السودانية للموارد المعدنية»، مبارك أردول، إن «المعالجات التي طرحت بوقف التحويلات الإلكترونية، لن توقف التدهور المريع في سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية».

وأضاف في تدوينة على منصة «إكس»: «هذه سياسة فاشلة وحلول مؤقتة، والجنيه السوداني سيعاود الانحدار بشكل مخيف بعد أيام».

وأضاف: «نحن نتدحرج بإصرار في تجريب هذه الحلول، منذ أن كانت قيمة الجنيه قبل عامين 900 مقابل الدولار، ونعتبرها سياسة ناجحة، حتى أصبحت اليوم قيمة الجنيه 3350 مقابل الدولار».


مقالات ذات صلة

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

العالم العربي «اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان (رويترز-أرشيفية)

مشاورات بين الجيش و«الكتلة الديمقراطية» لتشكيل برلمان سوداني مؤقت

بعد قرابة العام من تعديلات جوهرية على الوثيقة الدستورية، قوى سياسية تجري مشاورات مع الجيش السوداني لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة) p-circle

وزير الدفاع السوداني: الهزيمة الوشيكة لـ«الدعم السريع» ستفتح الباب أمام انتقال سياسي

قال وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون إن القوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة في مواجهة «قوات الدعم السريع».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة جوية تظهِر الموقع الرئيسي للمعسكر في أثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا تبني معسكراً سرياً لتدريب مقاتلين لـ«الدعم السريع»

قالت ثمانية مصادر، من بينهم مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات موَّلت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعماً ​لوجيستياً للموقع....

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
TT

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)

وافق مجلس النواب المصري، أمس (الثلاثاء)، على تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تغييراً في 13 حقيبة وزارية، مع الإبقاء على وزراء الحقائب السيادية من دون تغيير، وعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الحكومي.

وتضمنت رابع حركة تغيير في حكومة مدبولي، المستمر في منصبه منذ أكثر من 8 سنوات، اختيار نائب لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، و4 نواب وزراء.

كما تضمن التعديل، اختيار ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، مع بقاء الدكتور بدر عبد العاطي وزيراً للخارجية، والفريق أول عبد المجيد صقر وزيراً للدفاع، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية.

وقبل اعتماد حركة التعديل الوزاري، تشاور الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدبولي بشأن «إجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية»، وفق إفادة للرئاسة المصرية.

وتنص المادة 147 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، اليوم (الأربعاء).


«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
TT

«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

يخوض مجلس النواب المصري اختباراً سياسياً جديداً مرتبطاً بأحكام قضائية تتعلق بالطعن في صحة عضوية بعض النواب، كان آخرها الحكم الصادر، السبت، بإبطال عضوية نائبين؛ فيما أكد رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس «الالتزام الكامل بتنفيذ أحكام القضاء».

وتسود المشهد البرلماني حالة ترقب بعد صدور حكم محكمة النقض الذي قضى ببطلان العملية الانتخابية في دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، الواقعة إلى الشرق من القاهرة، مع الأمر بإعادتها من جديد.

كما قضت المحكمة ببطلان عضوية النائبين محمد شهدة وخالد مشهور، وإلغاء فوزهما تمهيداً لإعادة الانتخابات في الدائرة، وسط توقعات بإصدار أحكام أخرى محتملة بشأن دوائر أخرى.

وأوضح رئيس «اللجنة التشريعية» في مجلس النواب، المستشار محمد عيد محجوب، أن المجلس سيلتزم بتنفيذ الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح، تأكيداً على احترام الدولة لأحكام القضاء وسيادة القانون.

وأضاف محجوب لـ«الشرق الأوسط»: «مؤسسات الدولة المصرية تحترم الأحكام القضائية وتنفذها»، مستشهداً بما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، ولا سيما في المرحلة الأولى، حيث أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية.

وبيّن محجوب أن الحكم الصادر «سيسلك مساره الإجرائي المعتاد، بدءاً من عرض أسباب الحكم على المكتب الفني بمحكمة النقض، ثم إحالة الملف إلى رئاسة مجلس النواب والأمانة العامة، وبعدها إلى اللجنة التشريعية»، مشدداً على أنه لا يمكن تحديد إطار زمني دقيق لانتهاء هذه الدورة الإدارية.

رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر قضائي بمحكمة النقض أن الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح يُعد باتاً ونهائياً وملزماً لكافة الجهات، ولا يجوز الطعن عليه.

وبحسب الدستور المصري، تُبطَل عضوية أعضاء مجلس النواب اعتباراً من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم ببطلانها، مع العلم أن محكمة النقض تختص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، وتُقدم إليها الطعون خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وتفصل في الطعن خلال 60 يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها.

وتعليقاً على حيثيات الحكم القضائي، قال المحامي بمحكمة النقض ألبير أنسي: «الحكم لم يُبنَ على ثبوت التزوير ثبوتاً يقينياً بقدر ما جاء تعبيراً عن خلل إجرائي أصاب مسار العملية الانتخابية، وعجز عن تقديم المستندات الجوهرية اللازمة لإضفاء المشروعية الكاملة على النتيجة المعلنة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكم أقرب في طبيعته إلى حكم إجرائي وقائي، وليس حكم إدانة موضوعية للعملية الانتخابية نفسها»، مرجحاً إبطال عضوية بعض النواب وإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، مع اختلاف الإجراءات وفق الوقائع الخاصة بكل دائرة.

وفي السياق نفسه، قال الإعلامي أحمد موسى إن مجلس النواب أمام «فرصة تاريخية لتصحيح ما شاب العملية الانتخابية»، مؤكداً في برنامجه الذي تبثه قناة محلية أن تنفيذ أحكام محكمة النقض «واجب على الجميع، بما في ذلك البرلمان، ولا يجوز تعطيلها تحت أي مبرر».

ودعا موسى «الهيئة الوطنية للانتخابات» إلى الاضطلاع بدورها، مطالباً مجلس النواب بالالتزام بتنفيذ الأحكام فور صدورها، «حفاظاً على الثقة العامة وصوناً لهيبة الدولة وسيادة القانون».

ومن المقرر أن تصدر محكمة النقض في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل حكمها النهائي بشأن الطعن المعروض على عضوية عدد من النواب المنتمين إلى قائمة حزبية في غرب الدلتا.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

لكن محللين رأوا في هذه الجولات القضائية إشارة إلى «ارتباك المشهد البرلماني المصري في ظل العدد الكبير من الطعون المنظورة»، ورأى فيها نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عماد جاد، «تقويضاً لمصداقية المجلس».

وأعاد جاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، التذكير بأصوات سياسية وحقوقية طالبت خلال الانتخابات البرلمانية الماضية بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، لا سيما فيما يتعلق بقوانين الانتخابات، وتنظيم عمل الأحزاب، ومعايير اختيار المرشحين على القوائم الحزبية والمستقلين.

وفي الشهر الماضي، ودَّع المصريون انتخابات برلمانية ماراثونية على مراحل ممتدة، بلغت ثماني جولات خلال شهرين، بعد إلغاء نتائج عدد من الدوائر بسبب مخالفات انتخابية.

وجاء ذلك عقب صدور أحكام «المحكمة الإدارية العليا» بمجلس الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ببطلان الانتخابات في نحو 30 دائرة بالمرحلة الأولى، نتيجة طعون تقدم بها مرشحون؛ كما ألغت «الهيئة الوطنية للانتخابات» نتائج 19 دائرة على خلفية المخالفات، في أعقاب تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجود مخالفات في تلك المرحلة التي انطلقت في 10 نوفمبر الماضي.


الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended