اعتقال ميليشياوي ليبي بألمانيا يُعيد ملف «المطلوبين» دولياً إلى الواجهة

مطالب باعتقال سياسيين تورطوا في «دعم التشكيلات المسلحة»

عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
TT

اعتقال ميليشياوي ليبي بألمانيا يُعيد ملف «المطلوبين» دولياً إلى الواجهة

عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)

عادت قضية المطلوبين الليبيين دولياً إلى الواجهة مجدداً، بعد إعلان السلطات الألمانية أخيراً اعتقال خالد الهيشري، الملقب بـ«البوتي»، أحد أبرز قيادات جهاز «الردع»، تنفيذاً لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، وذلك لاتهامه بارتكاب «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والتعذيب خلال إدارته وآخرين لسجن معيتيقة في طرابلس».

واعتُقل الهيشري في أحد مطارات ألمانيا، التي أعلنت احتجازه تمهيداً لتسليمه إلى لاهاي. ورغم صمت السلطات الرسمية الليبية، قوبل اعتقاله بترحيب حقوقي واسع، لكنه أثار قلقاً في أوساط قادة المجموعات والتشكيلات المسلحة في عموم البلاد، الذين باتوا يخشون مواجهة المصير نفسه، بحسب بعض المراقبين.

تأثير اعتقال «البوتي»

رغم تأكيد عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أن توقيف «البوتي» أربك حسابات قادة هذه المجموعات المسلحة ودفعهم للحد من تحركاتهم، فقد اعتبر أن «الخطوة الحاسمة في هذا الملف هي توقيف المزيد منهم، وتجميد أرصدتهم». وقال السويح لـ«الشرق الأوسط» إن «نجاح المزيد من عمليات الملاحقة سيدفع بقية قادة المجموعات الحرب في عموم البلاد إلى التخوف والحذر، وتجنب مغادرة أراضيها، وخاصة إلى دول موقّعة على ميثاق روما المؤسس للجنائية الدولية».

من مخلفات مواجهات دامية بين تشكيلات مسلحة في العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)

وأضاف السويح متسائلاً: «إلى أين سيذهبون حينها؟ وكيف سيتمكنون من الاستفادة من الأموال التي جمعوها، سواء من الخزينة العامة للدولة، أو مما فرضوه من إتاوات على المهاجرين غير الشرعيين وذويهم ممن وقعوا تحت قبضتهم في السجون، أو من عوائد أنشطة التهريب؟»، مؤكداً أن «استرداد هذه الأرصدة وتجميدها لاحقاً سيحرمهم من كثير من امتيازاتهم».

ووفقاً لبيان مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، يتحمل الهيشري المسؤولية عن جرائم وقعت بين 2015 و2020 داخل سجن معيتيقة، أحد أكبر السجون في العاصمة الليبية، والخاضع لسيطرة جهاز «الردع»، الذي تحوّل في عام 2018 من قوة مسلحة كبيرة إلى جهاز أمني تابع للمجلس الرئاسي الليبي. كما يسيطر «الردع» على مناطق واسعة في طرابلس ومرافق حيوية، مثل مطار معيتيقة، الذي يُعد الميناء الجوي الرئيسي للعاصمة.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وسبق لـ«الجنائية الدولية» أن أصدرت في يناير (كانون الثاني) الماضي مذكرة توقيف بحق أسامة نجيم، قيادي آخر في «الردع»، بتهم مشابهة، إلا أن السلطات الإيطالية أطلقت سراحه بعد يومين من اعتقاله، مبررة ذلك بوجود خطأ إجرائي، ما أثار انتقادات حقوقية، وفتح باب المساءلة أمام وزراء في الحكومة الإيطالية.

ويعتقد السويح أن أغلب قادة التشكيلات المسلحة لم يخططوا للبقاء في ليبيا طويلاً؛ لأنهم متخوفون من أن أي تغيّر في المشهد السياسي قد يقلّص نفوذهم، وبالتالي قد تدفعهم الملاحقات الدولية إلى اللجوء لبعض الدول الأفريقية، التي تعاني من صراعات داخلية، وهو ما لا يرغبون فيه.

وطالب عضو المجلس الأعلى للدولة بـ«توسيع دائرة الملاحقات لتشمل سياسيين ومسؤولين تنفيذيين، تورطوا في دعم هذه التشكيلات، أو استفادوا من الفساد المالي»، معتبراً أن ذلك «سيُظهر جدية المجتمع الدولي في مساعدة ليبيا».

تحوّل في سياسة «الجنائية»

رغم إقرار حقوقيين بأن القضاء الليبي هو المختص الأصيل بمحاكمة أي مواطن ليبي، وأن القضاء الدولي مكمّل له، يشير هؤلاء إلى ما تتمتع به بعض الأسماء المتهمة بارتكاب انتهاكات «من نفوذ يحول دون اتخاذ إجراءات في حقهم، فضلاً عن إحجام الضحايا عن تقديم شكاوى ضدهم خوفاً من الانتقام».

واعتبر مدير مركز «صادق للدراسات»، أنس القماطي، أن اعتقال «البوتي» يكشف عن تحوّل في سياسة الجنائية الدولية تجاه المطلوبين الليبيين، خاصة بعد عدم نجاحها في تسلّم أسامة نجيم، مشيراً إلى أن «المحكمة باتت تعتمد على تنسيق دبلوماسي وقانوني أكثر دقة، وتتجنب أي إعلان مسبق عن مذكرات التوقيف لتفادي هروب المطلوبين».

مقابر جماعية اتهم بعض قادة التشكيلات المسلحة باستخدامها للتغطية على جرائمهم (هيئة البحث عن المفقودين)

غير أن القماطي انتقد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» اقتصار الملاحقات على ضباط وقيادات مجهولة، تنتمي غالباً للصف الثاني، «دون أن تطال قادة التشكيلات، وأمراء الحرب الكبار في شرق وغرب البلاد، ممن تحصنوا بالمناصب الرسمية أو الرفيعة بكياناتهم المسلحة، مما يُضعف أثر هذه الملاحقات»، على حد قوله.

وأوضح القماطي أن «هذا النهج لا يُضعف وضعية التشكيلات المسلحة، بل يقدم درساً لعناصرها، مفاده أن الانخراط في مؤسسات الدولة، وعقد شراكات مع الدول الغربية الكبرى سيوفّر لهم الحصانة ضد العدالة، مهما امتلأ سجلهم أو سجل القوات التابعة لهم بالانتهاكات».

ويرى القماطي أن «خيارات قادة التشكيلات للهروب من الملاحقات لا تزال قائمة»، موضحاً أنه «يمكنهم السفر إلى دول لم توقّع على ميثاق روما في قارتي آسيا وأفريقيا، أو استخدام هويات مزورة في أوروبا، إضافة إلى إدارة أموالهم عبر شبكات من الشركات الوهمية، والمحامين والوسطاء في دول لا تفرض قيوداً صارمة على معرفة مصادر الأموال».

أما الناشط الحقوقي، طارق لملوم، فتوقّع صدور المزيد من مذكرات التوقيف بحق قادة المجموعات المسلحة المتورطين في الانتهاكات، مرجحاً وجود قائمة ثانية تضم مزيداً من الأسماء، لكن يجري العمل أولاً على إثبات التهم الموجهة إليهم.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» ذهب لملوم إلى أن اعتقال «البوتي» انعكس أيضاً على المشهد الأمني والسياسي في طرابلس، حيث استثمرت حكومة «الوحدة الوطنية» هذا الحدث في تصعيدها ضد «جهاز الردع»، وسط صراع وتوتر محتدم بين الطرفين منذ مايو (أيار) الماضي.

وكانت حكومة «الوحدة الوطنية» قد شنت قبل شهرين عملية أمنية، قالت إنها تستهدف تفكيك تشكيلات مسلحة خارجة عن القانون، بعد أن تغولت على الدولة، مما أسفر عن مقتل القائد الميليشياوي البارز عبد الغني الككلي، واندلاع اشتباكات بين قوات الحكومة من جهة وقوات «الردع» وحلفائه من جهة أخرى.

وذكّر لملوم بما تطرق إليه الدبيبة خلال اجتماع له مع قيادات وزارة العدل، حين تحدث عن «سجون تُدار من قبل متهمين بالاغتصاب والتعذيب»، في إشارة إلى «جهاز الردع».

واختتم الناشط الحقوقي بتحذير من أن «مخاوف قادة التشكيلات من الملاحقة قد تدفعهم إلى عرقلة أي عملية سياسية، بفضل امتلاكهم المال والسلاح، ما يُعقّد جهود الاستقرار في البلاد».


مقالات ذات صلة

تعاون سعودي - مغربي في الطاقة المتجددة وتمكين الشركات

الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان والدكتورة ليلى بنعلي عقب توقيعهما البرنامج التنفيذي (وزارة الطاقة السعودية)

تعاون سعودي - مغربي في الطاقة المتجددة وتمكين الشركات

وقَّع الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، والدكتورة ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي المغربية، برنامجاً تنفيذياً للتعاون بمجال الطاقة المتجددة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

قال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن جريمة التخلص من 21 أفريقياً ودفنهم في مقبرة جماعية بمدينة أجدابيا شرق ليبيا «ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يتوسط اللافي والدبيبة (يمين) والكوني 21 سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي الليبي)

تعيين «الإخواني» الصلابي مستشاراً لـ«المصالحة» الليبية يوسّع انقسامات «الرئاسي»

صعّد موسى الكوني، النائب بالمجلس الرئاسي الليبي، في مواجهة رئيسه محمد المنفي، متحدثاً عن ضرورة أن يُدار ملف المصالحة الوطنية «في إطار جماعي تشاركي».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا نائبة وزير الخارجية اليوناني ألكسندريا بابادوبولو تستقبل اللجنة البرلمانية الليبية 15 يناير (المتحدث باسم البرلمان)

البرلمان الليبي يستعين باليونان لحلحلة ملف «الأرصدة المجمدة بالخارج»

تسعى لجنة برلمانية ليبية خلال زيارتها اليونان إلى انتزاع آلية تتيح لها إدارة «الأرصدة المجمدة في الخارج»، أو الإشراف على رقابتها، يأتي ذلك في ظل انقسام سياسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)

كيف استقبل الليبيون تكليف الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية؟

أثار قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي تكليف الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي الصلابي، مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية موجة جدل واسعة

خالد محمود (القاهرة)

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
TT

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)

تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مساء الخميس، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين مصر والولايات المتحدة إزاء القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفقاً لبيان للمتحدث باسم الخارجية المصرية.

وأفاد البيان بأن الاتصال «تناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا في ظل العلاقات المتميزة التي تربط الرئيس (المصري) عبد الفتاح السيسي والرئيس (الأميركي) دونالد ترمب وبين البلدين الصديقين، حيث أشاد الجانبان بما تمثله العلاقات المصرية-الأميركية من ركيزة أساسية لدعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين ويدعم الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وشهد الاتصال بحث آخر المستجدات في قطاع غزة، حيث تبادل الجانبان الرؤى بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث تم التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب الإعلان عن تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وفقاً للبيان.

كما تناول الاتصال مستجدات الأوضاع الإقليمية، لا سيما فى إيران، حيث تم التأكيد على ضرورة العمل على خفض التصعيد وحدة التوتر، وتحقيق التهدئة تفاديا لانزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار والفوضى، وضرورة تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

من جانبه، ثمن ستيف ويتكوف الدور المصري المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وجهود مصر المتواصلة في احتواء الأزمات الإقليمية المختلفة والدفع نحو حلول سياسية تسهم في تهدئة الأوضاع بالمنطقة.


الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه تم «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة" ولكن "بحلول نهاية مارس (آذار) سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع».

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

وتشهد البلاد منذ نحو ثلاثة أعوام حربا بين الجيش وقوات الدعم السريع ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح 11 مليونا على الأقل داخل البلاد وخارجها، بينهم من يعيش في مراكز إيواء مكتظة بالكاد تفي الحاجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي حاجته إلى 700 مليون دولار أميركي لاستكمال نشاطاته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

ولم تنجح الجهود الدبلوماسية للرباعية الدولية بشأن السودان، المؤلفة من الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، بعد في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين.

واستضافت القاهرة الأربعاء اجتماعا رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ودولا أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق الكثير من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة أكد نهاية العام الماضي انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومترا شمال كادقلي وكلاهما محاصرتان من قبل قوات الدعم السريع) يواجهون ظروفا تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقا لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليونا في أنحاء السودان الجوع الشديد.

وخلال زيارته لمدينة دنقلا الخميس، قال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك إن العديد من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين أن النساء لديهن وصول محدود إلى خدمات الدعم.

ودعا إلى بذل جهد شامل من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي لتمكين توصيل المساعدات الإنسانية الحيوية.

- جهود غير كافية -

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونصفهم من الأطفال.

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

وقالت المنظمة في بيان إن المساعدات المقدمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة احتدم القتال في منطقة كردفان جنوبي السودان مع توسع قوات الدعم السريع عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد في المواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين إلى جلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق الكثير من المطابخ العامة أبوابها، بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم الخميس دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر منذ بدء حصار قوات الدعم السريع لها قبل أكثر من 18 شهرا، نظمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جهته، أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس دخول 1,3 طن متري من المساعدات الإنسانية إلى الفاشر.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

- آمال دبلوماسية -

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب العمل على إنهاء الحرب في السودان بعد مناشدة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

منذ ذلك الحين، واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة قوات الدعم السريع، وهي تهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية ورفض التدخل الخارجي.

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة إلى مصر وأن بلاده مستعدة لاتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية أمن السودان.

وتعتبر القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.

من جهته، اعتبر مبعوث الأمم المتحدة للسودان رمطان لعمامرة اجتماع الأربعاء فرصة مؤاتية للأطراف الفاعلة لتوحيد الجهود، إلا أن مصدرا دبلوماسيا قال لوكالة فرانس برس إنه لا توجد في الوقت الحالي مقترحات جديدة لاتفاق هدنة.


«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.