مسؤولون إيرانيون يرجحون «تخريباً إسرائيلياً» وراء سلسلة الحرائق الغامضة

تصاعد اللهب والدخان من إحدى وحدات مصفاة عبادان النفطية بجنوب غربي إيران يوم 19 يوليو 2025 (أ.ب)
تصاعد اللهب والدخان من إحدى وحدات مصفاة عبادان النفطية بجنوب غربي إيران يوم 19 يوليو 2025 (أ.ب)
TT

مسؤولون إيرانيون يرجحون «تخريباً إسرائيلياً» وراء سلسلة الحرائق الغامضة

تصاعد اللهب والدخان من إحدى وحدات مصفاة عبادان النفطية بجنوب غربي إيران يوم 19 يوليو 2025 (أ.ب)
تصاعد اللهب والدخان من إحدى وحدات مصفاة عبادان النفطية بجنوب غربي إيران يوم 19 يوليو 2025 (أ.ب)

لأكثر من أسبوعين، شهدت إيران موجة من الانفجارات والحرائق الغامضة، طالت مجمعات سكنية، ومصافيَ نفط، وطريقاً قرب مطار دولي، وحتى مصنعاً للأحذية.

وفي العلن، حاول المسؤولون الإيرانيون التقليل من شأن هذه الحوادث، وعدّوها مجرد مصادفات أو نتيجة تهالك البنية التحتية، في مسعى لتهدئة الرأي العام الذي لا يزال تحت وطأة صدمة الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي.

لكن في السر، قال 3 مسؤولين إيرانيين، من بينهم عضو في «الحرس الثوري»، إنهم يشتبهون في أن كثيراً من تلك الحوادث كانت أعمال تخريب متعمدة.

ورغم أن لطهران أعداء كثراً، فإن أصابع الاتهام الرسمية تتجه نحو إسرائيل، استناداً إلى سجلها الطويل في تنفيذ عمليات سرية داخل إيران، شملت تفجيرات واغتيالات. وبعد حملة القصف الإسرائيلي، التي استمرت 12 يوماً الشهر الماضي، كان أحد كبار مسؤولي الاستخبارات في تل أبيب قد تعهد بمواصلة العمليات داخل الأراضي الإيرانية.

من جهته، أيد مسؤول أوروبي معني بالشأن الإيراني هذا التقييم، قائلاً إن الهجمات تبدو «أعمال تخريب»، مرجحاً وقوف إسرائيل وراءها، سواء أكان بوصفها جزءاً من حرب نفسية، أم استهدافاً لمواقع حساسة. وتحدث المسؤولون الأربعة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم؛ لعدم حصولهم على تفويض للتصريح علناً.

ورغم تلك الشكوك، فإن السلطات الإيرانية لم تقدم دليلاً ملموساً يدعم فرضية التخريب، وأرجعت في تصريحاتها العلنية الانفجارات إلى تسريبات غاز، وحرائق نفايات، وتقادم البنية التحتية (في وقت تتراوح فيه درجات الحرارة بالبلاد بين 40 و55 درجة مئوية في أقصى حد خلال فصل الصيف). إلا إنها لم تقدم أيضاً تفسيراً مقنعاً لتكرار هذه الحوادث بوتيرة تصل إلى انفجارٍ أو اثنين يومياً في مختلف أنحاء البلاد.

ووقع بعض الحوادث في مواقع استراتيجية، كالحريق الذي اندلع السبت في مصفاة نفط رئيسية بمدينة عبادان جنوب البلاد (حيث ترتفع الحرارة إلى 50 درجة مئوية في الصيف)، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة آخرين، إلى جانب تعطيل خط إنتاج. فيما ساهمت انفجارات أخرى بمبانٍ سكنية ومصانع في تكريس حالة من القلق والفوضى.

وتتجنب إيران توجيه اتهام مباشر لإسرائيل؛ خشية أن تضطر إلى الرد العسكري؛ مما قد يفتح جبهة صراع جديدة في وقت حساس. فالدفاعات الجوية الإيرانية ومنصات الصواريخ، إضافة إلى قواعد عسكرية ومنشآت نووية، تعرضت لأضرار جسيمة خلال الحرب الأخيرة. وعلى الرغم من أن طهران احتفظت بقدرتها على إطلاق صواريخ باليستية حتى الساعات الأخيرة قبل وقف إطلاق النار، فإن استئناف الصراع قد يعرض قدراتها العسكرية لمزيد من الضعف.

لأكثر من عقد قبل اندلاع الحرب، خاضت إسرائيل وإيران معاركهما في الخفاء؛ براً وبحراً وجواً وعبر الفضاء السيبراني... فقد نفذت إسرائيل على مدى سنوات عمليات سرية داخل إيران، شملت تفجيرات وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت شخصيات ومواقع نووية وعسكرية. في المقابل، استهدفت إيران سفناً مملوكة لإسرائيليين في الخليج، وأطلقت صواريخ على منشآت في العراق مرتبطة بإسرائيل، كما موّلت وسلّحت جماعات مسلحة، من بينها «حماس» في قطاع غزة.

ورفض مسؤولون إسرائيليون طلبات التعليق، لكن «جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)» أوضح أنه سيواصل عملياته داخل إيران حتى بعد وقف إطلاق النار. ففي يونيو (حزيران) الماضي، ألقى مدير «الموساد» خطاباً علنياً نادراً احتفى فيه بعمل الجهاز داخل إيران، قائلاً: «سنكون هناك، كما كنا حتى الآن».

على الصعيد العلني، سعت السلطات الإيرانية إلى تبرير سلسلة الحرائق والانفجارات التي اندلعت. ففي بعض الحالات، مثل الحريق قرب مطار مشهد الدولي شمال شرقي البلاد، قالت السلطات إن الأمر يعود إلى «حرق مُتحكم فيه للأعشاب»، كما عزت حريقاً في طهران إلى اشتعال النفايات.

لكن في أغلب الحالات، حمّلت السلطات الإيرانية المسؤولية لتسرّب الغاز. وقال مدير إدارة الإطفاء والسلامة العامة في طهران، قدرت‌ الله محمدي، لوسائل الإعلام الرسمية، إن هذه التسربات تعود إلى «معدات متهالكة، واستخدام أجهزة غاز غير مطابقة للمواصفات، وعدم التزام إرشادات السلامة».

شقة سكنية تعرضت لضربة جوية إسرائيلية قبل أيام من وقف إطلاق النار في طهران يوم 25 يونيو 2025 (نيويورك تايمز)

بعض الانفجارات التي طالت مبانيَ سكنية كانت شديدة القوة لدرجة أنها أطلقت أعمدة دخان كثيفة في الهواء، وأدت إلى انهيار جدران وأسقف.

وفي مدينة قم، بدا أحد المباني السكنية كأن قنبلة قد مزّقته؛ فقد انهارت جدران شقة في الطابق الأرضي، وتحطمت نوافذها، وسُحقت سيارة أجرة صفراء كانت متوقفة في الشارع تحت الأنقاض، وفق مقاطع فيديو للانفجار نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي و«بي بي سي فارسي». وقد غطّى الحطام كامل الحي المحيط بفعل الانفجار، الذي أسفر عن إصابة 7 أشخاص.

وأفاد مسؤولان إيرانيان صحيفة «نيويورك تايمز» بأن الوحدة السكنية التي وقع فيها الانفجار يبدو أنها كانت مؤجَّرة من قبل عناصر نفّذوا العملية، ثم غادروا المبنى بعد تشغيل موقد الغاز والفرن، كما لو كانوا ينوون إشعال الحريق عمداً.

وفي حادثة أخرى يُحتمل أن تكون مشابهة، وقع انفجار بمجمّع سكني شاهق في طهران مخصّص لتوفير سكن منخفض التكلفة لموظفي السلطة القضائية. وقد أدى الانفجار إلى تدمير الجدران وتطاير النوافذ. وقال 3 مسؤولين إيرانيين إنهم يعتقدون أن الفاعلين ربما أرادوا إثارة الذعر في أوساط القضاة والمدّعين العامين، عبر إيصال رسالة مفادها بأنهم قد يكونون أهدافاً، على غرار الأسلوب الذي استخدمته إسرائيل سابقاً في استهداف علماء مشاركين بالبرنامج النووي الإيراني.

وقال عضو في «الحرس الثوري» الإيراني إن التأثير التراكمي لسلسلة الانفجارات شبه اليومية - حتى وإن كان بعضها مجرد حوادث - أدّى إلى تصاعد مشاعر القلق بين المسؤولين، وبين الإيرانيين على نطاق أوسع.

وأوضح أوميد ميماريان، الخبير في الشأن الإيراني لدى معهد «داون» للأبحاث السياسية في واشنطن: «السجل الطويل للحكومة الإيرانية في التعتيم وغياب الشفافية، إلى جانب ردودها المبهمة، زاد من مخاوف الناس وشكوكهم. الجميع يدرك أن النظام غالباً ما يقلل من شأن الهجمات الإسرائيلية أو ينكرها تماماً».

وفي ظل عدم وجود أي اعتراف رسمي بما يَعدّه كثير من الإيرانيين هجمات منسّقة، بدأ البعض يتساءل عمّا إذا كانت الحرب قد انتهت فعلاً.

وقال محمد، صاحب مقهى ومعرض فني بمدينة كاشان وسط البلاد: «كثيرون منا يعتقدون أن ما يحدث من فعل إسرائيل، وأن الحرب على وشك أن تندلع من جديد». وقد أشار إلى أنه يشعر بـ«الخوف والارتياب»، خصوصاً أن كاشان قريبة من منشآت نووية وقواعد صاروخية.

من جانبه، وصف مهدي محمدي، السياسي المحافظ والمستشار البارز لرئيس البرلمان الإيراني، الوضعَ مع إسرائيل بأنه غير قابل للتنبؤ.

وقال محمدي، في أحد خطاباته المسجّلة التي ينشرها بانتظام على تطبيق «تلغرام»: «إذا كان أحد يظن أننا نتعامل مع أحداث خطّية يمكن التنبؤ بها، فهو ساذج. نحن لسنا حتى في هدنة الآن، بل في حالة تعليق هشّة قد تنهار في أي لحظة، لتعود الحرب من جديد».

كما شكّك كثير من الإيرانيين في ظروف وفاة العميد غلام حسين غيب‌ پرور، نائب قائد «الحرس الثوري»، الذي كان يشرف على قاعدة عسكرية في طهران مسؤولة عن قمع الاحتجاجات النسائية في عام 2021، والذي تُوفي الأسبوع الماضي.

ووفق ما أوردته وسائل الإعلام الرسمية، فقد تُوفي نتيجة مضاعفات إصابات بأسلحة كيماوية تعرّض لها خلال الحرب الإيرانية - العراقية في ثمانينات القرن الماضي، التي تفاقمت جرّاء الضغوط النفسية الناتجة عن الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

وحاول المسؤولون في إيران اتباع أساليب متنوعة لتهدئة مخاوف الجمهور. فقد أصدرت الشركة الوطنية للغاز إحصاءات ادّعت أنها تُظهر عدم تسجيل زيادة ملحوظة في انفجارات الغاز هذا العام مقارنة بالعام الماضي.

كما دعا مجلس بلدية طهران كلاً من شركة الغاز ووزارة الطاقة إلى تقديم تقارير بشأن «الإجراءات والتطورات الأخيرة»، واصفاً اجتماعاً أخيراً بأنه نقاش يجري في إطار «الظروف الطبيعية».

وفي مواجهة تصاعد التوتر، لجأ كثير من الإيرانيين إلى الكوميديا السوداء. فانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور مُعدلة بالفوتوشوب تُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مرتدياً زيّ موظف في الشركة الوطنية الإيرانية للغاز.

وقد شارك بعض الحسابات المرتبطة بالحكومة الإسرائيلية في هذه السخرية الغامضة. فحساب «الموساد بالفارسية» - الذي أكّد مسؤول في «الوكالة»، بشكل غير رسمي، أنه تابع لها - بثّ منشوراً يدعو الإيرانيين إلى حرق «الحرمل»، وهو نوع من البخور التقليدي يُستخدم لطرد الأرواح الشريرة واللعنات.

وفي منشور آخر أورد الحساب: «انفجار تلو انفجار... على أحدهم أن يتحقّق مما يجري هناك».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«الذرية الدولية» ترصد نشاطاً في «جبل الفأس»

شؤون إقليمية مداخل أنفاق في «جبل الفأس» قرب منشأة نطنز النووية بإيران 30 يونيو الماصي (رويترز - فانتور) p-circle

«الذرية الدولية» ترصد نشاطاً في «جبل الفأس»

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن صوراً التُقطت عن بعد أظهرت مؤشرات إلى تحركات جديدة في «جبل الفأس».

«الشرق الأوسط» (لندن - فيينا)
شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني «في المتناول»

جدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، تحذيره لإيران لليوم الثاني على التوالي، وقال إن الضغوط الاقتصادية الأميركية قد تدفع طهران إلى «خطوات تصعيدية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يونيو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

كاتس يهدد بالرد بـ«قوة كبيرة» على أي هجوم إيراني  

توعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إيران الأربعاء بأن الدولة العبرية مستعدة للرد «بقوة كبيرة» على أي هجوم قد تشنّه عليها

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» في القدس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية في محاولة إيران اغتيال نجل نتنياهو

على الرغم من أن نجل نتنياهو أُجلي سريعاً من أميركا إلى إسرائيل بسبب «تهديد كبير» باغتياله، شككت جهات أمنية إسرائيلية في هذه الرواية وأثارت تساؤلات بشأنها.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
TT

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، أن الولايات المتحدة «طردت" عضوين من الوفد الإيراني الذي شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا بعد تجاهلهما أمرا بمغادرة البلاد.

وقال مسؤول أميركي، إن «عضوين إضافيين من الوفد الإيراني تبين أنهما لا يزالان موجودين في نيويورك بعد فترة طويلة من انتهاء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. الآن تم طردهما من الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو «جاد في ما يقول».

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، ذكرت وسائل إعلام أميركية أن الخارجية كانت قد طلبت من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووفده مغادرة البلاد الاثنين، ولجأت إلى طرد العضوين المذكورين بعد أن علمت من البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة بأنهما لا يزالان في البلاد الجمعة.

ووفقا لموقع «أكسيوس»، غادر أحد عضوي الوفد ليل الجمعة، بينما غادر الثاني صباح السبت.

وكان مسؤولون أميركيون وإيرانيون قد التقوا في نيويورك الأسبوع الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد رفض مقترحا من طهران لإعادة فتح مضيق هرمز في سبعة أيام، لكنه صرح لوسائل إعلام أميركية بأنه يتوقع استئناف المحادثات خلال الأيام المقبلة.

في المقابل، أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) بأنه لا توجد محادثات مباشرة أخرى مقررة بين طهران وواشنطن.


ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
TT

ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)

في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية لإيران وتتعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، تكثّف إدارة الرئيس دونالد ترمب مشاوراتها بشأن المرحلة المقبلة، وسط مؤشرات على تصاعد فرص الخيار العسكري.

وفي ظل هذه الأجواء، طلب الرئيس ترمب من كبار مسؤولي إدارته دراسة فرص العودة إلى «العمليات الكبرى»، ملوّحاً باستمرار الأعمال القتالية إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق مع واشنطن.

ونقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن كبار المسؤولين عقدوا اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد استمر ساعات، لبحث الخطوات المقبلة في الحرب مع إيران، تحسباً لمرحلة جديدة من المواجهة. وأوضح الموقع الإخباري أن نائب الرئيس جي دي فانس ترأس الاجتماع الذي شارك فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.

وقال أحد المسؤولين للموقع إن «بعض الأمور قد حُسم في هذا الاجتماع، والبعض الآخر نوقش بعمق».


إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
TT

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بالولايات المتحدة، وإسرائيل، أو المشاركة في أعمال احتجاجية. وأعلنت طهران يوم السبت تفكيك أربع شبكات، واعتقال 31 شخصاً في محافظة كرمان، بالتزامن مع إعلان القضاء تنفيذ حكم إعدام بحق رجل اعتُقل على خلفية احتجاجات يناير (كانون الثاني). وفي موازاة ذلك، واصل الريال الإيراني تراجعه ليسجل مستوى قياسياً جديداً، مع تجاوز سعر اليورو ثلاثة ملايين ريال في السوق المفتوحة.

تفكيك 4 شبكات واعتقال 31 شخصاً

أعلنت وزارة الأمن الإيرانية تفكيك أربع شبكات منظمة، واعتقال 31 شخصاً في مدينة سيرجان بمحافظة كرمان جنوب شرقي البلاد، متهمة أفرادها بالارتباط بجهات «أميركية - صهيونية» والتخطيط لأعمال تستهدف الأمن، والممتلكات العامة، والخاصة.

وقالت الوزارة إن العملية استندت إلى بلاغات من المواطنين، ومعلومات استخباراتية، وإن التحقيقات كشفت، وفق روايتها، عن خطط لإثارة اضطرابات، وتنفيذ أعمال تخريبية في الشوارع. وأضافت أن المجموعات كانت تستعد لتصنيع كميات كبيرة من زجاجات «المولوتوف»، وأدوات تستهدف كاميرات المراقبة في المدينة، وفق ما ذكرت وكالة «تسنيم».

واتهمت الوزارة المعتقلين بالمشاركة في أعمال عنف وتخريب خلال الاضطرابات التي شهدتها البلاد في يناير، بينها إحراق مبنى المحافظة، وإلحاق أضرار بالبنوك، والمؤسسات الحكومية، والممتلكات العامة، والخاصة، فضلاً عن مهاجمة مركز للشرطة في محاولة، بحسب الرواية الرسمية، للاستيلاء على أسلحة.

ولم تقدم السلطات الإيرانية تفاصيل مستقلة عن هوية المعتقلين، أو الإجراءات القضائية بحقهم، فيما تأتي الاعتقالات في سياق أمني مشدد منذ الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفية الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتسع لتشمل مطالب سياسية.

إعدام مشارك في احتجاجات يناير

شهدت ⁠إيران عدداً كبيراً من عمليات إعدام المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات الشعبية (أرشيفية)

وفي تطور منفصل، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام بحق سياوش جمشيدي خير آبادي، الذي اعتُقل خلال احتجاجات يناير، بعد إدانته بإطلاق النار على الشرطة، وارتكاب جرائم مرتبطة بالأمن القومي.

وقالت السلطة القضائية إن جمشيدي أطلق ثلاث رصاصات على الأقل باتجاه أفراد الشرطة في الثامن من يناير، وإنه اعتُقل بعد يومين في مدينة شهركرد، وكان بحوزته مسدس. كما اتهمته بالتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص لتنظيم أنشطة وصفتها بأنها «مناهضة للأمن»، والسعي للحصول على أموال مقابل تنفيذ «مهمة».

وتقول السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر بسبب الصعوبات الاقتصادية تحولت إلى مظاهرات واسعة طالبت بإنهاء حكم المؤسسة الدينية. كما اتهمت جماعات مسلحة وعناصر مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل بالمشاركة في الاحتجاجات، وبعض أعمال العنف.

ويأتي إعلان الإعدام وسط انتقادات دولية متزايدة لأحكام الإعدام المرتبطة بالاحتجاجات. وأفادت تقارير بأن عشرات الدول أعربت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع عن قلقها من تنفيذ أحكام إعدام بحق محتجين، ودعت إلى وقفها.

الريال يتجاوز حاجز 3 ملايين لليورو

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في طهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي واصل الريال الإيراني هبوطه الحاد في السوق المفتوحة، متجاوزاً للمرة الأولى حاجز ثلاثة ملايين ريال مقابل اليورو.

وبلغ سعر اليورو نحو 3.015 مليون ريال في تعاملات يوم السبت، وفق بيانات سوق الصرف المفتوحة، في وقت اقترب فيه الدولار من 2.7 مليون ريال. وكانت قيمة الدولار قد ارتفعت بأكثر من 8 في المائة خلال أقل من أسبوع، وفق بيانات منشورة عن السوق.

ويأتي هذا الانخفاض في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات، والقيود المفروضة على صادرات النفط، وتكاليف الحرب. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن أسعار المستهلكين ارتفعت في سبتمبر (أيلول) بنسبة 89.8 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما بلغ متوسط التضخم خلال الأشهر الـ12 السابقة 73.6 في المائة.

ويؤدي تراجع العملة إلى زيادة كلفة السلع المستوردة، والمواد الخام، والأدوية، والآلات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المحلية، ويزيد تآكل القوة الشرائية للأسر، والشركات.

الحرب تضاعف الضغوط الاقتصادية

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتبدو تداعيات انهيار الريال أكثر وضوحاً في أسعار المواد الغذائية، التي يقول سكان في طهران إنها شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تضاعف سعر رغيف الخبز من نحو 250 ألف ريال إلى 500 ألف ريال، فيما صعد سعر كيلوغرام الأرز من 3.5 مليون ريال إلى نحو 5.5 مليون ريال. وأصبح شراء اللحوم أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد متزايد من الأسر.

ويضاف إلى ذلك تراجع قيمة الدخول الحقيقية، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرة كثير من الأسر على مواكبتها، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد العوامل الرئيسة التي تزيد الضغط الاجتماعي في البلاد.

وتتزامن الأزمة النقدية مع استمرار الضغوط الخارجية على إيران. فبعد إغلاق طهران مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية بهدف زيادة الضغط الاقتصادي، بينما تراجعت تجارة النفط الإيرانية بصورة حادة.

كما فرضت واشنطن عقوبات إضافية على جهات تقول إنها تدعم إيران، من بينها بنوك، وشركات طيران، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية، ومصادر الدخل.

وبذلك تواجه إيران ضغوطاً متزامنة على ثلاثة مستويات: أمني وسياسي بفعل استمرار الملاحقات المرتبطة بالاحتجاجات، واقتصادي نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار، وخارجي نتيجة الحرب، والعقوبات، والقيود على صادرات النفط. وتزيد هذه العوامل مجتمعة من صعوبة احتواء التداعيات الاجتماعية للأزمة في الداخل.