أزمتا «المقاصة» و«الشيقل» تحاصران الحكومة الفلسطينية

تهديدات بالإضراب ومطالبات باستقالة الحكومة

رجال أعمال وتجار في الخليل غاضبون ويطالبون باستقالة الحكومة (موقع غرفة تجارة الخليل)
رجال أعمال وتجار في الخليل غاضبون ويطالبون باستقالة الحكومة (موقع غرفة تجارة الخليل)
TT

أزمتا «المقاصة» و«الشيقل» تحاصران الحكومة الفلسطينية

رجال أعمال وتجار في الخليل غاضبون ويطالبون باستقالة الحكومة (موقع غرفة تجارة الخليل)
رجال أعمال وتجار في الخليل غاضبون ويطالبون باستقالة الحكومة (موقع غرفة تجارة الخليل)

تحاصر الأزمة المالية من جهة، وأزمة الشيقل من جهة ثانية، السلطة الفلسطينية التي تعيش وضعاً ربما كان الأصعب منذ تأسيسها، إذ بدأ يهدد بقاءها، مع انعدام الأفق السياسي والاقتصادي للحل، وتلويح نقابات وتجار بإجراءات ضد الحكومة وسلطة النقد والبنوك.

فالسلطة لم تدفع رواتب موظفيها عن الشهر الماضي حتى الآن، على الرغم من أنها كانت تدفع منذ أكثر من عامين، جزءاً من الراتب، ما وضع الموظفين في وضع حرج.

من ناحية ثانية، تعمقت أزمة «الشيقل» بعد رفض البنوك في الضفة الغربية رفع القيود على إيداع العملة الإسرائيلية، ما أربك المعاملات التجارية إلى حد كبير؛ وهو وضع أجج غضب معظم الفلسطينيين، من موظفين ورجال أعمال وتجار، وزاد الضغوط على الحكومة.

وفيما دخلت الحكومة في مواجهة مع نقابات مهنية، ولجأت إلى القضاء لوقف إضراب اتحاد نقابات المهن الصحية، خرج اتحاد المعلمين وقرر قصر الدوام في معاهد التربية والمدارس على يومين فقط في الأسبوع، قبل أن يدخل كبار التجار على الخط، ويطالبون باستقالة الحكومة، ملوحين بإجراءات تبدأ بإضراب شامل، ولا تنتهي بمقاطعة البنوك.

تجمع لرجال أعمال وتجار في الخليل يعبّر عن الغضب من الحكومة (موقع غرفة تجارة الخليل)

وطالب طاهر عابدين، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة محافظة الخليل، وهي كبرى المدن الفلسطينية وتُعد عاصمة الاقتصاد الفلسطيني، باستقالة الحكومة، قائلاً إنها لا تستجيب وغير قادرة على حل المشاكل الكثيرة.

وأضاف في اجتماع عقدته الغرفة التجارية في الخليل مع كبار التجار: «توجد مشاكل كثيرة، ولا يوجد مسؤول مستعد لحل أي مشكلة، ولا توجد استجابة من الحكومة».

وتابع: «أنا أطالب بإقالة الحكومة. من لا يستطيع حَمل الحِمل فعليه أن يرحل».

سقف الإيداع النقدي بالشيقل

وجاء كلام عابدين ليعبر عن غضب عارم لدى التجار ورجال الأعمال والشركات وكثير من الأفراد، بعد تقييد البنوك منذ مايو (أيار) سقف الإيداع النقدي من عملة الشيقل، إذ جرى خفض السقف إلى نحو خمسة آلاف شيقل شهرياً، بعد أن كانت تسمح بإيداعات تصل إلى 20 ألف شيقل يومياً.

ودعمت سلطة النقد الفلسطينية الخطوة، وقالت إن المصارف الفلسطينية أصبحت غير قادرة على استقبال مزيد من النقد بعملة الشيقل، لعدم قدرتها على شحن فائض منه إلى البنوك الإسرائيلية.

وبحسب بروتوكول باريس الاقتصادي، وهو أحد ملاحق اتفاق أوسلو للسلام، فإن سلطة النقد الفلسطينية مخولة بتحويل فائض الشيقل من البنوك المحلية إلى بنك إسرائيل مقابل عملات أجنبية، بهدف الحفاظ على التوازن النقدي.

وأدى هذا الوضع إلى تراجع الأداء الاقتصادي وحجم الأعمال التجارية مع إسرائيل والخارج، وأثار أزمات مالية عديدة، اضطر معها الكثيرون إلى وقف بعض أوجه التجارة والمعاملات الأخرى.

وكانت الغرف التجارية قد اجتمعت مع سلطة النقد وجمعية البنوك هذا الشهر، في محاولة لحل الأزمة، لكن من دون جدوى.

وهدد ياسر الدويك، أحد أعضاء لجنة تجار الخليل، بخطوات تصعيدية.

رجال أعمال وتجار خلال تجمع بالخليل للتعبير عن الغضب من الحكومة (موقع غرفة تجارة الخليل)

وقال إنه سيتم تسريح جميع العمال في المصانع والشركات الفلسطينية «ولتتحمل الحكومة مسؤوليتهم». وأضاف أنه سيكون هناك إضراب تجاري شامل وعام، حتى تتراجع الحكومة وسلطة النقد عن قراراتهما، وستتم مطالبة الجميع بسحب كل مدخراتهم بالعملة الأجنبية من جميع البنوك.

وأضاف: «الكرة في ملعب الحكومة».

تأثر قطاعات حيوية

لكن الحكومة غارقة في مشكلة كبرى بعد امتناع إسرائيل عن تحويل أموال العوائد الضريبية عن شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) الماضيين، ما جعل السلطة عاجزة عن دفع جزء من رواتب موظفيها، وكثير من التزاماتها الأخرى.

وقال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مؤتمر صحافي، الاثنين، إن استمرار إسرائيل في حجب واحتجاز أموال المقاصة الفلسطينية «يُقيّد بشكل خطير قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا تجاه المواطنين، ما يُلحق أضراراً جسيمة بالقطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعليم، والصحة، والأمن الغذائي».

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (وفا)

ووسط حالة الغضب العارم بين الموظفين ودعوات بعضهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي باستقالة الحكومة، أعلن اتحاد المعلمين الفلسطينيين، الأحد، أن دوام الموظفين الإداريين في وزارة التربية والتعليم والمديريات، سيكون يومين فقط في الأسبوع. وقال «الموظفون لا يملكون مواصلات إلى الوزارة أو المديريات».

ويُعتقد أن الاتحاد سيتخذ إجراءات مماثلة أيضاً عندما تبدأ المدارس بعد نحو شهر.

وكان اتحاد نقابات المهن الصحية الفلسطيني قد بدأ إضراباً الشهر الماضي، قبل أن تلجأ الحكومة للقضاء، فأوقفه مؤقتاً.

ومن المتوقع أن يتسع تحرك النقابات، وسط صمت حكومي عن إعطاء موعد لدفع الرواتب.

وعقدت الحكومة اجتماعاً طارئاً الخميس الماضي، حذرت فيه من الوضع العام السياسي والأمني، واحتجاز أموال المقاصة التي تشكّل أكثر من ثلثي إيرادات الدولة، بما «يهدد قدرة المؤسسات الحكومية على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، الأمر الذي قد يدفع لاتخاذ قرار بإيقاف مؤقت لعمل بعض الدوائر الرسمية وتقليص حاد في دوام الموظفين».

كما حذرت الحكومة من شلل محتمل في القطاع الصحي، ومنحت رؤساء الدوائر الحكومية صلاحية تنظيم الدوام داخل مؤسساتهم، مع الأخذ بعين الاعتبار الحالات الخاصة التي تستدعي العمل الجزئي، أو التناوب، أو العمل عن بعد.

«إنقاذ المركب الغارق»

وكتب الخبير الاقتصادي سمير حليلة في موقع «الاقتصادي»، الاثنين، أن المطلوب الآن فوراً هو تشكيل مفوضية للإصلاح الحكومي تتحمل المسؤولية، وتشارك فيها وتدعمها الرئاسة الفلسطينية وحركة «فتح» ومنظمة التحرير لأهميتها «من أجل خطوات إصلاحية قد تستطيع المساهمة في إنقاذ المركب الغارق».

واقترح حليلة «تخفيض فاتورة الراتب، وإجراءات صارمة لضبط العلاوات والزيادات السنوية، وتجميداً مؤقتاً في زيادات الرواتب، ومراجعة معمقة للقوانين المتعلقة بالوظيفة العمومية والتأمين الصحي وأنظمة التقاعد وغيرها، يمكن أن تقود لتخفيض حقيقي وضبط كبير للإنفاق العام».

لكنه أشار إلى أن هذا ليس هو الحل للأزمة المالية الحالية، «ولكنها خطوات إصلاحية متوسطة المدى تمنع وقوعنا في هاوية سحيقة إذا استمرت الحكومة في تسيير أعمالها بالدفع الذاتي».


مقالات ذات صلة

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

المشرق العربي خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ يلتقي سفراء أجانب وعرباً ومسؤولين لبحث خطورة قرارات «الكابينت» (مكتب الشيخ)

الرئاسة الفلسطينية تأمر بعدم التعامل مع «الإجراءات الإسرائيلية»

السلطة الفلسطينية توصي أجهزتها الأمنية بعدم التعامل مع القرارات الإسرائيلية الأخيرة، وتطلب من الفلسطينيين ذلك، في محاولة لعرقلة تهميش السلطة وضم الضفة الغربية.

كفاح زبون (رام الله)
الخليج الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستقبلاً السفير السعودي الأمير منصور بن خالد بن فرحان (وفا)

الرئيس الفلسطيني يتسلّم أوراق اعتماد السفير السعودي

تسلَّم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الاثنين، أوراق اعتماد الأمير منصور بن خالد بن فرحان، سفيراً للسعودية غير مقيم لدى دولة فلسطين، وقنصلاً عاماً في مدينة القدس.

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
شؤون إقليمية فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

رفض أردني - فلسطيني تام للقرارات الإسرائيلية الأخطر على الضفة

تعد هذه القرارات الأخطر منذ نشأة السلطة الفلسطينية قبل 33 عاماً، وهي بطريقة أو بأخرى تغيِّر وجه الضفة الغربية، وتُلغي سيادة السلطة في مناطقها.

كفاح زبون (رام الله) محمد خير الرواشدة (عمان)
شؤون إقليمية رفض أممي لمشروع قانون إسرائيلي ينص على تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين (رويترز)

خبراء أمميون ينددون بمشروع قانون في الكنيست يطلب إعدام فلسطينيين متهمين بقتل إسرائيليين

ندد 12 خبيراً أممياً الأربعاء بمشروع قانون إسرائيلي ينص على تنفيذ عقوبة الإعدام بحق «الإرهابيين»؛ في إشارة إلى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».