الصين تلحق بالولايات المتحدة في مجال تكنولوجيا الدماغ... وتنافس إيلون ماسك

التقنية الجددة تُظهر دقة عالية في فك تشفير الإشارات من أدمغة المرضى وترجمتها إلى كلام مكتوب أو حركات آلية (د.ب.أ)
التقنية الجددة تُظهر دقة عالية في فك تشفير الإشارات من أدمغة المرضى وترجمتها إلى كلام مكتوب أو حركات آلية (د.ب.أ)
TT

الصين تلحق بالولايات المتحدة في مجال تكنولوجيا الدماغ... وتنافس إيلون ماسك

التقنية الجددة تُظهر دقة عالية في فك تشفير الإشارات من أدمغة المرضى وترجمتها إلى كلام مكتوب أو حركات آلية (د.ب.أ)
التقنية الجددة تُظهر دقة عالية في فك تشفير الإشارات من أدمغة المرضى وترجمتها إلى كلام مكتوب أو حركات آلية (د.ب.أ)

ظهرت عبارة «أريد أن آكل» بأحرفٍ صينية على جهاز كمبيوتر في مستشفى عام بوسط بكين. شكّلت هذه الكلمات أفكار امرأةٍ تبلغ من العمر 67 عاماً مصابة بالتصلب الجانبي الضموري (ALS)، المعروف أيضاً باسم مرض لو جيريج، وهي عاجزة عن الكلام.

كان هذا العرض التوضيحي، الذي صوّرته محطة إذاعة وتلفزيون بكين بالفيديو في مارس (آذار)، جزءاً من تجربة سريرية شملت خمسة مرضى زُرعت فيهم شريحةٌ بحجم العملة المعدنية تُسمى بيناو - 1، وهي ما تُسمى بواجهة الدماغ والحاسوب اللاسلكية (BCI)، وهي تقنيةٌ يقودها علماءٌ في الولايات المتحدة، ولكن يقول الخبراء إن الصين تلحق بها بسرعة.

ووفقاً لـ(سي إن إن) صرح لو مينمين، مدير المعهد الصيني لأبحاث الدماغ (CIBR) والباحث الرئيس وراء التجربة، بوجود حاجةٍ «ماسةٍ للغاية» لتقنية واجهة الدماغ والحاسوب، قائلاً إنهم «غمرتهم» طلبات المرضى المحتملين.

وقال في مايو (أيار) خلال مقابلة نادرة في مختبره، الذي يقع على بُعد ساعة بالسيارة من مستشفى شوانوو في بكين، حيث أُجريت التجربة: «أعرب المرضى عن شعور رائع، وكأنهم يستطيعون استعادة السيطرة على عضلاتهم».

وأضاف أن التقنية تُظهر «دقة عالية» في فك تشفير الإشارات من أدمغة المرضى، وترجمتها إلى كلام مكتوب، أو حركات آلية. ويخطط فريقه لتسريع التجارب البشرية من خلال زرع الرقاقات في 50 إلى 100 مريض إضافي خلال العام المقبل.

وقال: «نأمل أن نتمكن من تسريع هذه العملية. إذا ثبتت سلامتها وفعاليتها... فيمكن استخدامها سريرياً في جميع أنحاء العالم».

واعتباراً من مايو، أفادت شركة «Beinao-1» أن خمسة مرضى، وهو نفس عدد مرضى شركة «Neuralink» التابعة لإيلون ماسك، قد حصلوا على زراعتها. كما أجرت شركة «Synchron» الأميركية، التي من بين مستثمريها جيف بيزوس وبيل غيتس، تجارب على 10 مرضى، ستة منهم في الولايات المتحدة، وأربعة في أستراليا.

ومن جانبه، قال ماكسيميليان ريزنهوبر، أستاذ علم الأعصاب بجامعة جورج تاون، والذي لم يشارك في تجارب بيناو، إنه رغم تأخر الصين عن الولايات المتحدة في البدء، فإنها تُحرز تقدماً ملحوظاً.

وقال: «لقد أظهرت الصين بالتأكيد قدرتها ليس فقط على اللحاق بالركب، بل أيضاً على المنافسة، والآن بدأت بالفعل، بل وقادت هذا المجال في بعض المجالات». وأضاف: «ومن المثير للاهتمام أن هناك العديد من الأنشطة البحثية في كلا البلدين، لأنهما أدركا الإمكانات الهائلة التي توفرها تقنية واجهات الدماغ والحاسوب».

ووفقاً لشركة «Precedence Research»، وهي شركة أبحاث سوقية، بلغت قيمة سوق تكنولوجيا الدماغ نحو 2.6 مليار دولار العام الماضي، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 12.4 مليار دولار بحلول عام 2034. ولكن بالنسبة لكل من الصين والولايات المتحدة، فإن هذه التكنولوجيا تتجاوز بكثير مجرد المال.

لطالما سعى الزعيم الصيني شي جينبينغ إلى تحويل بلاده إلى قوة علمية واقتصادية. في مارس، كتب في وسائل الإعلام المملوكة للدولة أن صناعة التكنولوجيا أصبحت «الواجهة» و«ساحة المعركة الرئيسة» للمنافسة العالمية. أثارت طموحاته قلقاً في الولايات المتحدة، مما أدى إلى حرب تكنولوجية مستمرة، لا سيما في صناعة أشباه الموصلات.

نهج مختلف

تأسس مركز CIBR بشكل مشترك بين حكومة بلدية بكين وعدة جامعات محلية عام 2018، بعد عامين تقريباً من تأسيس إيلون ماسك لشركة «Neuralink» بالقرب من سان فرنسيسكو.

في عام 2023، احتضن مركز CIBR شركة خاصة تُدعى «NeuCyber NeuroTech» للتركيز على منتجات تكنولوجيا الدماغ مثل «Beinao-1». منح لو، وهو أيضاً كبير العلماء في الشركة الناشئة، شبكة CNN تصريحاً نادراً بالدخول إلى المعهد في مايو.

وقال إن مريضة التصلب الجانبي الضموري، وهي في الستينات من عمرها، لم تكن قادرة على التعبير عن نفسها لسنوات.

وقال العالم، الذي حصل على درجة الدكتوراه في علم الأعصاب من جامعة بنسلفانيا وقضى ما يقرب من عقد من الزمان في الولايات المتحدة: «إنها مستيقظة، تعرف ما تريد، لكنها لم تستطع التحدث». «بعد عملية الزرع، أصبحت قادرة الآن على نطق جمل بسيطة بدقة متناهية عبر النظام».

صرح رينسنهوبر بأن معظم الشركات الأميركية تستخدم الطريقة الأكثر تدخلاً لزرع الرقاقات في طبقة خارجية من الأنسجة تغطي وتحمي الدماغ والحبل الشوكي، وذلك لالتقاط إشارة أفضل. لكن هذه الطرق تتطلب عمليات جراحية أكثر خطورة.

وكانت التجربة التي أجريت على مريض مصاب بالتصلب الجانبي الضموري، والتي بدأت في مارس، هي التجربة الثالثة لشريحة «Beinao-1» على البشر. وشكلت هذه التجارب ما وصفه المطورون في بيان صحافي بأنه «أول دفعة في العالم من عمليات زرع شبه جراحي لواجهة الدماغ والحبل الشوكي اللاسلكية في أدمغة بشرية». واعتباراً من مايو، أُجريت تجربتان أخريان، ليصل المجموع إلى خمس تجارب.

طموح واضح

في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تُعد المقارنات بين الإنجازات التكنولوجية الأميركية والصينية أمراً شائعاً. بدأت تقنية واجهة الدماغ الحاسوبية لأول مرة في سبعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة.

بعد عقود، أطلقت إدارة أوباما «مبادرة الدماغ» في عام 2013، واستثمرت أكثر من 3 مليارات دولار لتمويل أكثر من ألف مشروع في مجال تكنولوجيا علم الأعصاب منذ ذلك الحين، وفقاً للمعهد الوطني للصحة.

كانت شركة «سينكرون»، ومقرها نيويورك، أول شركة تبدأ التجارب البشرية في يوليو (تموز) 2021. وبعد ثلاث سنوات، ترجم نظام جديد لواجهة الدماغ الحاسوبية، طُوّر في مركز جامعة كاليفورنيا، ديفيس الصحي، إشارات الدماغ لمريض مصاب بالتصلب الجانبي الضموري إلى كلام، محققاً دقة بلغت 97 في المائة، وهو النظام الأكثر دقة من نوعه، وفقاً لبيان صادر عن الجامعة. في العام نفسه، أكملت شركة ماسك أول تجربة بشرية لها، مما مكّن المشارك من التحكم في فأرة كمبيوتر بواسطة غرسة دماغية.

بدأت الصين في مجال تقنية الدماغ في التسعينات فقط، لكنها تتقدم بسرعة. في عام ٢٠١4، طرح علماء صينيون فكرة مشروع وطني لتكنولوجيا الدماغ لمواكبة الجهود المماثلة في الولايات المتحدة وأوروبا، وفقاً لوزارة العلوم والتكنولوجيا. وبعد عامين، أُدرجت تكنولوجيا الدماغ في الخطة الخمسية للبلاد، التي تُحدد أولويات الصين، وأهدافها الوطنية.

صرحت ليلي لين، مساعدة باحثة سابقة في إحدى أبرز وحدات أبحاث علم الأعصاب في الصين للفترة من ٢٠٢١ إلى ٢٠٢٣: «علم الدماغ جديد في الصين. لذا، فقد بدأ متأخراً بعض الشيء، لكن سرعة تطوره كانت أسرع من الدول الأخرى. وقد خصصت الدولة تمويلاً كبيراً للعديد من وحدات البحث العلمي، وهذا التمويل يتزايد عاماً بعد عام».

في العام الماضي، أصدرت الحكومة أول مبادئها التوجيهية الأخلاقية للبحث في هذا المجال. وعلى المستوى المحلي، قدمت الحكومات البلدية في بكين وشنغهاي ومدن رئيسة أخرى الدعم لشركات تكنولوجيا الدماغ، بدءاً من الأبحاث والتجارب السريرية، ووصولاً إلى التسويق التجاري.

نشر ريزنهوبر وباحثون آخرون من جامعة جورج تاون بحثاً حول تطوير الصين لواجهات الدماغ والحاسوب في عام ٢٠٢4، مشيرين إلى أن جهود الباحثين الصينيين «مشابهة في تطورها» لتلك الموجودة في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة.


مقالات ذات صلة

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تكنولوجيا شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تبرز تقنيات الصحة بوصفها قطاعاً ناضجاً ينتقل من الأجهزة القابلة للارتداء إلى حلول وقائية منزلية شاملة، جامعة الذكاء الاصطناعي وسهولة الاستخدام لمراقبة العافية.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
يوميات الشرق الكيميائي الدنماركي توماس جوست سورنسن مبتكر البصمة الجديدة للمنتجات (جامعة كوبنهاغن)

ابتكار علمي يعِدُ بالقضاء نهائياً على السلع المُقلَّدة

طوَّر الكيميائي الدنماركي توماس جوست سورنسن، أستاذ الكيمياء في جامعة كوبنهاغن، تقنية مبتكرة يمكنها القضاء على تقليد المنتجات بشكل نهائي...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
خاص تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)

خاص هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على نموذج واحد إلى أنظمة ذكية متعددة تعمل بتنسيق عبر الأجهزة من خلال نظام «كيرا» من «لينوفو».

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا يتواصل معرض «CES 2026» في مدينة لاس فيغاس حتى نهاية الأسبوع (رويتزر)

من الجوالات القابلة للطي إلى الروبوتات الذكية... أبرز ما لفت الأنظار في «CES 2026»

معرض «CES 2026» يكشف عن جيل جديد من التكنولوجيا الاستهلاكية يركز على التجربة الإنسانية من الجوالات القابلة للطي إلى الروبوتات الذكية والمنازل الأكثر تفاعلاً

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا شعار معرض الإلكترونيات الاستهلاكية (CES) للتكنولوجيا في مركز مؤتمرات لاس فيغاس (د.ب.أ)

خبراء يشككون في فاعلية أجهزة صحية تعمل بالذكاء الاصطناعي بمعرض أميركي

تقدم أجهزة صحية عالية التكنولوجيا معروضة في «معرض الإلكترونيات الاستهلاكية» السنوي، وعوداً كثيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.