رغم الرأس المقطوع... «الذراري الحمر» يتكلّم لغة الرِقّة والخيال

المخرج التونسي لطفي عاشور يواصل حَصد الجوائز... والمحطة الجديدة على «نتفليكس»

علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
TT

رغم الرأس المقطوع... «الذراري الحمر» يتكلّم لغة الرِقّة والخيال

علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)

دار فيلم «الذراري الحمر» دورةً كاملة على 80 مهرجاناً عالمياً حاصداً أكثر من 30 جائزة، وحطّ رحاله قبل أسابيع على منصة «نتفليكس»، ليصبح بذلك مادةً سينمائية عالمية، بمتناول المشاهدين من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها.

لكن ما يضع هذا العمل السينمائي التونسي على الخريطة العالمية، ليس التكريم في المهرجانات ولا عرضه على «نتفليكس» فحسب؛ بل هي قصته التي لاقت صداها لدى المشاهدين، على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم. يعزو المخرج لطفي عاشور هذا التماهي إلى «البُعد الإنساني للفيلم». ويقول في حوار مع «الشرق الأوسط»، إنه تعمّد «التركيز على الجانب الأكثر إنسانيةً من القصة، وترك الجانب السياسي والثقافي في الخلفية».

عاشور متسلماً جائزة أفضل فيلم عربي روائي في مهرجان عمّان السينمائي قبل أيام (إدارة المهرجان)

الفيلم الحائز على جوائز مرموقة من مهرجان البحر الأحمر، مروراً بمهرجانات عمّان وقرطاج، وليس انتهاءً بنامور البلجيكية، يتناول حكاية منبثقة من الواقع. يوم أُرسل رأس الراعي الصغير مبروك السلطاني في كيس إلى ذويه عام 2015، تعرّض الرأي العام التونسي لهزّة إنسانية عنيفة. لم تمرّ تلك التراجيديا مرور الكرام في بال عاشور، الذي أمضى السنوات ما بين 2018 و2024 منهمكاً في إعادة إحيائها سينمائياً.

«بالتزامن مع العنف الضارب في غزة حيث يُباد الأطفال على مدار الساعة، خرج الفيلم إلى العالم، ولعلّ ذلك سبب إضافي في اختراقه الجمهور»، يلفت المخرج التونسي. يؤدّي الطفل علي هلالي شخصية «أشرف» وهو ابن خالة «نزار»، الراعي الذي قُطع رأسه على يد إرهابيين في منطقة سلتة الجبلية الوعرة. ينطلق الفيلم من هذا المشهد العنيف، حيث يتعرّض الطفلان لضربٍ مبرّح من قبل العصابة، يُسَلّم على أثره رأس أشرف إلى قريبه.

الفيلم مقتبس عن فاجعة قطع رأس راعٍ صغير في تونس عام 2015 (إنستغرام)

لا يعبر مشهد الرأس المقطوع من دون أن يُحدث صدمةً لعين المُشاهد. وكأنّ الواقعيّة الدمويّة باتت تفرض نفسها أكثر فأكثر سينمائياً، تماهياً مع جائحة التوحّش التي تصيب العالم. يبوح عاشور بأنّ هذه الإشكاليّة شغلَته خلال كتابة السيناريو: «أين يجب وضع حدٍّ لقسوة الصورة الخام؟ وهل نكتفي بالترميز أم نجسّد الحدث كما حصل؟ لكني في نهاية المطاف أردتُ للجمهور أن ينغمس في الحكاية وكأنه جزءٌ منها. لذلك كان لا بدّ من تصوير الاعتداء على الطفلَين وإظهار الرأس المقطوع».

رغم بدايته المتجرّدة من التجميل والتلطيف، لا يراهن «الذراري الحمر» على لغة الدم والعنف. فالفيلم الذي يبدأ صادماً يسلك درباً تصاعدياً نحو الرِقّة، مع أنّ الإطار العام لا يساعد في ذلك. فالطبيعة الجغرافية قاسية، وظروف عيش أهل الراعي المقتول أقسى، أما المصيبة التي حلّت بهم فولّادةُ غضبٍ من السلطات الرسمية واحتقان بعضهم تجاه بعض. إلّا أنّ أشرف هنا، وهو قلب الحكاية ورُبّانُ الخيال.

أشرف... قلبُ الحكاية ورُبّان الخيال (إنستغرام)

على قمّة الجبل الأجرد، يقف وحيداً مع صدمته. يضع الرأس المقطوع في حقيبة من قماش، ويتدحرج نزولاً. رحلةٌ صامتة سوى من لهاثه الدامع. لقد خسر رفيقه نزار بأبشع الطرق، وعليه أن يسلّم رأسه إلى أمّه التي صارت ثكلى.

«كان الهدف الأساسي من المشروع اختراق العوالم النفسية لهذا الطفل، وإعادة سرد القصة عبر عينَيه المفجوعتَين والبريئتَين في آن»، يقول عاشور. ولأنّ الأطفال يخترعون الأمل والحلم بسلاح البراءة والخيال، أخذ الفيلم منحى شاعرياً تتداخل فيه المشاهد التي تنسجها مخيّلة أشرف عن ذكرياته اللطيفة ونزار، مع مزيدٍ من الرقّة تفرضها شخصية صديقة الطفلَين «رحمة». وتأتي اللقطات المميزة لطبيعة المكان، كي توسّع مساحة الجمال. وهنا يحيّي عاشور جهود مدير التصوير البولندي فويتشيك ستارون، الذي أتاحت لقطاتُه المتماسكة السفر خيالاً مع أشرف.

رغم الطبيعة الجرداء يزخر الفيلم باللقطات الجماليّة الساحرة (إنستغرام)

هذا المجتمع القبليّ الصغير الذي يقطن سفح جبلٍ قاسٍ ويعتاش على تربية الماعز، له حصّته من الإنسانية كذلك. يلفت عاشور إلى التِفافهم حول أشرف والإصغاء إليه. ورغم السجالات عالية النبرة، يتكاتف الجميع في رحلة البحث عمّا تبقّى من جثة نزار لضمّها إلى الرأس المنتظر في ثلّاجة والدته النائحة؛ وهي رحلةٌ محفوفة بالمخاطر وقاطعة للأنفاس، برعت كاميرا عاشور في توثيقها.

«التوثيق» كلمة غالية على قلب المخرج. قال لفريقه قبل الانطلاق في التصوير: «أريد للتونسيين الذين يعرفون القصة تماماً، أن يشعروا كأنهم أمام وثائقي وليس أمام فيلم روائي». نجح عاشور في إنجاز الخلطة السحرية بين الواقع والخيال، وبين التوثيق والسرد، وهي لم تلمس روّاد صالات السينما في تونس فحسب؛ بل امتدّ صداها إلى العالم العربي وأبعد.

والدة نزار ونساء القرية المفجوعات بمقتل الراعي الصغير (إنستغرام)

ولعلّ أداء الممثلين، ومعظمهم من السكّان المحليّين الذين لم يخوضوا التمثيل سابقاً، عزّز من تلك المصداقيّة. من بين 600 طفل مراهق تقدّموا لأداء شخصيات «أشرف» و«نزار» و«رحمة»، اختار عاشور علي هلالي، وياسين سمعوني، ووداد دبيبي. «درّبناهم بكثافة على مدى سنتَين قبل التصوير فدخلوا إليه جاهزين؛ لا بل تحوّلوا من أطفال عاديين إلى محترفي تمثيل»، يتحدّث المخرج بفَخر عن المواهب الصاعدة التي أدارها.

منحَهم التدريب المكثّف مسافةً من قسوة القصة، لكن رغم ذلك ورغم إدراكهم أنّ الإطار تمثيليّ، كان لا بدّ من إحاطتهم على المستوى النفسي. «ساندَهم فريق فني وطبي متخصص ليَقيهم الأثر السلبي للمَشاهد، ومع مرور الوقت وتَراكُم التمرين عزلوا أنفسهم عن دمويّة المحتوى»، يوضح عاشور.

ما زال أبطال الفيلم الصغار يتابعون دروساً في التمثيل طامحين إلى احتراف المجال لاحقاً (إنستغرام)

الأطفال الآتون هم كذلك من بيئةٍ ريفيّة نائية، وجدوا في تجربتهم السينمائية الأولى نافذةً على الطموح. ما زالوا يتابعون دروس التمثيل برعاية فريق الفيلم، آملين في احتراف المهنة بعد تخرّجهم من المدرسة العام المقبل.

يُقرّ لطفي عاشور بأنّ «الذراري الحمر» هو نقطة تحوّل جذريّة في مسيرته. بعدَه، يأخذ استراحةً طويلة من المسرح ويتابع رحلته السينمائية التي يريد تكريسها لسَرد حكايات المهمّشين... «سأروي القصص الصارخة التي تجد صداها في كل مكان».


مقالات ذات صلة

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

اقتنص العرض المسرحي «الهاربات» للمخرجة والكاتبة التونسية وفاء طبوبي، جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي «أفضل عرض مسرحي»، بعد منافسته إلى جانب 13 عرضاً من دول عدة، ضمن فعاليات الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي» التي أُقيمت في مصر من 10 إلى 16 يناير (كانون الثاني) الحالي، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، وبرعاية وزارة الثقافة المصرية، وبحضور نخبة بارزة من الفنانين والمسرحيين العرب، تحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدّد».

وكرَّم وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، والأمين العام لـ«الهيئة العربية للمسرح»، الكاتب إسماعيل عبد الله، المخرجة وفاء طبوبي وفريق العرض.

وفي السياق عينه، حصد جوائز مسابقة «التأليف المسرحي» الموجَّهة للأطفال، التي أُقيمت تحت عنوان «أطفالنا أبطال جدد في حكاياتنا الشعبية»، 3 كتّاب من مصر، هم: عبد الحكيم رخية عن نصّ «محاكاة سيرة الزير»، ومحمد سرور عن نصّ «الهلالي الصغير»، وهاني قدري عن نصّ «علاء الدين ومصباح صنع في الصين».

وخلال حفل الختام، الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، الجمعة، من إخراج خالد جلال، وتقديم الفنانة رانيا فريد شوقي، وتضمّن فقرات فنية واستعراضية لفرقة رضا للفنون الشعبية التابعة للبيت الفنّي للمسرح بوزارة الثقافة، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العربي (وزارة الثقافة المصرية)

وشملت العروض المكرَّمة: «كارمن» و«مرسل إلى» من مصر، والعرض القطري «الساعة التاسعة»، والجزائري «المفتاح»، والإماراتي «بابا»، واللبناني «بيكنك عَ خطوط التماس»، والأردني «فريجيدير»، إضافة إلى «مأتم السيد الوالد» و«طلاق مقدس» من العراق، والعرض الكويتي «من زاوية أخرى»، ومن تونس «الهاربات» و«جاكرندا» و«كيما اليوم»، ومن المغرب «مواطن اقتصادي» و«ويندوز F».

ووصفت الكاتبة والناقدة المسرحية المغربية بشرى عمور فعاليات الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي» بـ«المتنوّعة والمتميّزة»، مؤكدة أنّ تنظيم «الهيئة العربية للمسرح» ووزارة الثقافة المصرية، إلى جانب الحرفية والانضباط وتوزيع المَهمّات اللوجيستية، كان مميّزاً في أدقّ التفاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ مهرجان «المسرح العربي» استطاع ترسيخ ركائزه في الساحة المسرحية العربية، وصار تقليداً سنوياً للمسرحيين في مختلف المجالات، إذ حافظت «الهيئة العربية للمسرح» على برامجها الأساسية المتمثلة في العروض، والمناقشات النقدية والتطبيقية، والندوات الفكرية، والورشات الفنّية، وتوقيع الإصدارات، ودعم الكتّاب، لافتة إلى أنّ عروض هذا العام جاءت متفاوتة في الطرح والمدارس الفنّية والقضايا المجتمعية، بما يصبّ في مصلحة المُشاهد العربي.

وشهد المهرجان، على مدى أيامه الستة، عدداً من الندوات الثقافية والنقدية حول العروض المسرحية، إضافة إلى قضايا متنوّعة مُتعلّقة بالمسرح المصري، ورموزه، وإشكالياته، وتقنياته، وتطوّره.

ومن جهتها، أكدت الناقدة البحرينية الدكتورة زهراء المنصور أنّ المهرجان شهد تنوّعاً واضحاً في مستوى العروض المشاركة، إذ تباينت التجارب بين ما هو لافت ومجتهد فنّياً، وبين عروض أكثر تقليدية في طرحها وأدواتها.

توزيع الجوائز في حفل ختام مهرجان المسرح العربي (وزارة الثقافة المصرية)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أنّ هذا التنوّع يُحسب للمهرجان، كونه يتيح مساحة لرؤية اتجاهات مسرحية مختلفة، ويعزّز فرص الحوار وتبادل الخبرات بين صنّاع المسرح من مختلف البلدان العربية، مشيرة إلى أنّ المهرجان يظلّ منصة مهمّة لاكتشاف تجارب جديدة وقراءة تحوّلات الخطاب المسرحي العربي في سياقاته الجمالية والفكرية المتعدّدة.

ولفتت زهراء المنصور إلى أنّ العروض المسرحية شهدت تفاعلاً ملحوظاً من الجمهور، الذي تنوَّعت ردود فعله تبعاً لاختلاف التجارب المقدَّمة، وهو ما يعكس أهميته بوصفه «فضاء حيّاً» للقاء بين العرض والمتلقّي، إذ فتح هذا التفاعل المجال لنقاشات جمالية وفكرية ضرورية، ومنح العروض حياتها خارج خشبة المسرح، سواء عبر الحوار المباشر أو القراءة النقدية اللاحقة.

وفي السياق عينه، وعلى هامش «مهرجان المسرح العربي»، تُقام الدورة الـ5 من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة»، للمرة الأولى في مصر، من 21 إلى 23 يناير الحالي، بمشاركة مصرية وعربية واسعة، تشمل عدداً من الجلسات الفكرية وعروض العرائس.


ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
TT

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

يتيح ملتقى طويق للنحت في نسخته السابعة التي انطلقت الاثنين في أحد أهم شوارع العاصمة السعودية، تجربة ثقافية تفاعلية تُعزِّز حضور الفنِّ في الفضاء العام، وتُقرِّب الجمهور من الممارسة النحتية المعاصرة.

وأطلق ملتقى طويق للنحت 2026 برنامجاً ثقافياً وفنِّياً متنوِّعاً، يضمّ ورشات عمل تطبيقية، وجلسات حوارية، ودورات متقدّمة، وتجارب فنّية مسائية، تُقام في موقع الملتقى على شارع الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية)، وتستمرّ حتى 22 فبراير (شباط) المقبل، وذلك تحت إشراف برنامج «الرياض آرت» التابع للهيئة الملكية لمدينة الرياض.

النحت الحي للفنان الإيطالي نيكولا فوشي في معرض طويق للنحت 2026 (الشرق الأوسط)

وتأتي الفعاليات المُصاحبة للملتقى امتداداً لتجربة النحت الحيّ التي تنطلق يومياً من العاشرة صباحاً، وتتيح للجمهور التفاعل المباشر مع الفنانين المُشاركين، ومتابعة تشكُّل الأعمال النحتية في الفضاء العام. ويتناول الملتقى هذا العام شعار «ملامح ما سيكون» الذي يُعد نموذجاً للتحوّل، ويركّز على التغيّرات الفيزيائية والثقافية التي تُشكّل المدن عبر الزمن. وتنعكس هذه الرؤية في محتوى الورشات والحوارات التي تستكشف العلاقة بين النحت والفضاء العام، ودور العمل الفنّي في صياغة الذاكرة الجمعية والهوية البصرية للمدينة.

منطقة الجلسات الحوارية في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

وتتناول الجلسات الحوارية موضوعات مرتبطة بالنحت في المشهد الحضري المعاصر، من بينها حضور المنحوتات في الأماكن العامة، وأثرها في تحسين جودة المشهد البصري، ودورها في تعزيز التفاعل الثقافي داخل المدن، بمشاركة فنانين ومتخصّصين يقدّمون قراءات متعدّدة لتجربة النحت وعلاقتها بالمكان والمجتمع. ويتضمَّن البرنامج ورشات عمل تطبيقية ودورات متقدّمة تُحاكي فئات متنوّعة، وتُقدّم تجارب تعليمية وتفاعلية للتعرُّف على تقنيات النحت، واستخدام المواد، ومفاهيم الاستدامة، من خلال ممارسات عملية تُشرف عليها نخبة من الفنانين المُشاركين، وبمشاركة جهات متخصّصة، من بينها المعهد الملكي للفنون التقليدية (ورث) الذي يقدّم ورشة للنحت باستخدام الخشب.

من المعرض المُصاحب لملتقى طويق للنحت 2026 (الشرق الأوسط)

ويُقدّم ملتقى طويق للنحت تجارب فنّية خلال ساعات المساء، تجمع بين العناصر الموسيقية والضوئية والعروض الأدائية، بما يمنح الزوَّار فرصة استكشاف الأعمال النحتية في أجواء مختلفة خارج ساعات النهار، معزّزاً حضور الفنّ في الحياة الحضرية اليومية.

ويعتمد الملتقى جدولاً مسائياً خاصاً خلال رمضان، بما يتناسب مع أجواء الشهر الكريم، ويتضمَّن ورشات عمل عملية، وجلسات قصصية، وبازار رمضان، وسوقاً مسائية تضمّ أطعمة محلّية ومنتجات حرفية يدوية، مثل الفخار والصوف والحُلي بالخرز، والحقائب الجلدية.

وتُختتم الفعاليات بمعرض عام يُقام من 9 إلى 22 فبراير؛ إذ تُعرض الأعمال الفنّية المكتملة التي أُنتجت خلال مرحلة النحت الحي، تمهيداً لانضمامها لاحقاً إلى المجموعة الدائمة للأعمال الفنّية في مدينة الرياض؛ علماً بأنّ جميع الفعاليات متاحة مجاناً للجمهور.


فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
TT

فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)

ظهرت فرقة كرنفالية إسبانية في مقاطع مصوَّرة انتشرت بشكل واسع، يرتدي أعضاؤها زيّ العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ، ويتنقّلون على كراسٍ متحرّكة، في عرض غير مألوف يهدف إلى رفع الوعي بمرض التصلّب الجانبي الضموري.

ووفق ما نقلته «نيويورك بوست» عن وسائل إعلام إسبانية، ارتدى 12 رجلاً شعراً مستعاراً وملابس تُحاكي مظهر هوكينغ، وانحنوا على كراسٍ متحرّكة، مُقلّدين إيماءاته وصوته الآلي المميّز، خلال عرض موسيقي استمر 30 دقيقة ضمن مسابقة الفرق الكرنفالية الرسمية في مدينة قادس.

وكان هوكينغ، الذي تُوفّي عام 2018 إثر مضاعفات مرتبطة بالمرض العصبي المُنهك، أحد أشهر الأصوات في مجال العلوم، رغم اعتماده على جهاز نطق إلكتروني للتواصل.

وانتشر عرض الفرقة، التي حمل عملها اسم «أغنية شيريجوتا شعبية من الناحية النظرية»، على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهرت وهي تجوب شوارع المدينة المرصوفة بالحصى على كراسٍ كهربائية، وتغنّي معاً بشكل متوافق منسجم وموحَّد، وسط ذهول الحشود التي تابعت المشهد في حالة من عدم التصديق.

وقال مؤلّف العمل، ميغيل أنخيل يوي، إنّ «الفكرة كانت إما كلّ شيء وإما لا شيء»، معترفاً بأنّ العرض الغريب كان فكرة تتضمَّن مخاطرة، وتستهدف توظيف الفكاهة السوداء من دون الإساءة إلى أحد. وأضاف: «لا داعي للانزعاج، فالأمر كلّه من أجل الضحك».

وعندما صعد المؤدّون إلى خشبة «مسرح فايا»، بقوا على كراسٍ متحرّكة بينما تتساقط عليهم قصاصات الورق الملوّن، وأدّوا أغنيات أشادت بالعالِم البريطاني الشهير ونظرياته حول الفضاء، والزمن، والثقوب السوداء، والنسبية، وفق مقطع مصوّر نُشر عبر موقع «يوتيوب».

ورغم أنّ العرض أثار ضحك الجمهور، فإن كلمات الأغنيات حملت رسائل مؤثّرة أضاءت على معاناة مرضى التصلّب الجانبي الضموري، وجاء في أحد المقاطع: «انتصرتُ وحدي»، وفق وسائل إعلام إسبانية.

وقبل الجولة التمهيدية، الأربعاء، دعت الفرقة جمعية التصلّب الجانبي الضموري في الأندلس إلى حضور بروفة بملابس العرض، إذ أبدى المرضى موافقتهم على أداء العرض، الذي قوبل بتصفيق حار وقوفاً خلال المسابقة.

وقال يوي: «نميل إلى الالتزام بهذه القضايا لأنّ باكو (المخرج) يعمل مع أشخاص من ذوي الإعاقة، وكانت الفكرة أن نمنحهم صوتاً وحضوراً».

وبعد انتهاء المسابقة، تُخطّط الفرقة للتبرّع بالكراسي المتحرّكة الـ12 لمرضى التصلّب الجانبي الضموري المحتاجين. وأضاف يوي: «هذه كراسٍ متحرّكة حقيقية تبلغ تكلفة الواحد منها 400 يورو». وختم: «وبما أننا تحمّلنا العبء، فالأجدر أن نُنهي المهمّة».