رغم الرأس المقطوع... «الذراري الحمر» يتكلّم لغة الرِقّة والخيال

المخرج التونسي لطفي عاشور يواصل حَصد الجوائز... والمحطة الجديدة على «نتفليكس»

علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
TT

رغم الرأس المقطوع... «الذراري الحمر» يتكلّم لغة الرِقّة والخيال

علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)

دار فيلم «الذراري الحمر» دورةً كاملة على 80 مهرجاناً عالمياً حاصداً أكثر من 30 جائزة، وحطّ رحاله قبل أسابيع على منصة «نتفليكس»، ليصبح بذلك مادةً سينمائية عالمية، بمتناول المشاهدين من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها.

لكن ما يضع هذا العمل السينمائي التونسي على الخريطة العالمية، ليس التكريم في المهرجانات ولا عرضه على «نتفليكس» فحسب؛ بل هي قصته التي لاقت صداها لدى المشاهدين، على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم. يعزو المخرج لطفي عاشور هذا التماهي إلى «البُعد الإنساني للفيلم». ويقول في حوار مع «الشرق الأوسط»، إنه تعمّد «التركيز على الجانب الأكثر إنسانيةً من القصة، وترك الجانب السياسي والثقافي في الخلفية».

عاشور متسلماً جائزة أفضل فيلم عربي روائي في مهرجان عمّان السينمائي قبل أيام (إدارة المهرجان)

الفيلم الحائز على جوائز مرموقة من مهرجان البحر الأحمر، مروراً بمهرجانات عمّان وقرطاج، وليس انتهاءً بنامور البلجيكية، يتناول حكاية منبثقة من الواقع. يوم أُرسل رأس الراعي الصغير مبروك السلطاني في كيس إلى ذويه عام 2015، تعرّض الرأي العام التونسي لهزّة إنسانية عنيفة. لم تمرّ تلك التراجيديا مرور الكرام في بال عاشور، الذي أمضى السنوات ما بين 2018 و2024 منهمكاً في إعادة إحيائها سينمائياً.

«بالتزامن مع العنف الضارب في غزة حيث يُباد الأطفال على مدار الساعة، خرج الفيلم إلى العالم، ولعلّ ذلك سبب إضافي في اختراقه الجمهور»، يلفت المخرج التونسي. يؤدّي الطفل علي هلالي شخصية «أشرف» وهو ابن خالة «نزار»، الراعي الذي قُطع رأسه على يد إرهابيين في منطقة سلتة الجبلية الوعرة. ينطلق الفيلم من هذا المشهد العنيف، حيث يتعرّض الطفلان لضربٍ مبرّح من قبل العصابة، يُسَلّم على أثره رأس أشرف إلى قريبه.

الفيلم مقتبس عن فاجعة قطع رأس راعٍ صغير في تونس عام 2015 (إنستغرام)

لا يعبر مشهد الرأس المقطوع من دون أن يُحدث صدمةً لعين المُشاهد. وكأنّ الواقعيّة الدمويّة باتت تفرض نفسها أكثر فأكثر سينمائياً، تماهياً مع جائحة التوحّش التي تصيب العالم. يبوح عاشور بأنّ هذه الإشكاليّة شغلَته خلال كتابة السيناريو: «أين يجب وضع حدٍّ لقسوة الصورة الخام؟ وهل نكتفي بالترميز أم نجسّد الحدث كما حصل؟ لكني في نهاية المطاف أردتُ للجمهور أن ينغمس في الحكاية وكأنه جزءٌ منها. لذلك كان لا بدّ من تصوير الاعتداء على الطفلَين وإظهار الرأس المقطوع».

رغم بدايته المتجرّدة من التجميل والتلطيف، لا يراهن «الذراري الحمر» على لغة الدم والعنف. فالفيلم الذي يبدأ صادماً يسلك درباً تصاعدياً نحو الرِقّة، مع أنّ الإطار العام لا يساعد في ذلك. فالطبيعة الجغرافية قاسية، وظروف عيش أهل الراعي المقتول أقسى، أما المصيبة التي حلّت بهم فولّادةُ غضبٍ من السلطات الرسمية واحتقان بعضهم تجاه بعض. إلّا أنّ أشرف هنا، وهو قلب الحكاية ورُبّانُ الخيال.

أشرف... قلبُ الحكاية ورُبّان الخيال (إنستغرام)

على قمّة الجبل الأجرد، يقف وحيداً مع صدمته. يضع الرأس المقطوع في حقيبة من قماش، ويتدحرج نزولاً. رحلةٌ صامتة سوى من لهاثه الدامع. لقد خسر رفيقه نزار بأبشع الطرق، وعليه أن يسلّم رأسه إلى أمّه التي صارت ثكلى.

«كان الهدف الأساسي من المشروع اختراق العوالم النفسية لهذا الطفل، وإعادة سرد القصة عبر عينَيه المفجوعتَين والبريئتَين في آن»، يقول عاشور. ولأنّ الأطفال يخترعون الأمل والحلم بسلاح البراءة والخيال، أخذ الفيلم منحى شاعرياً تتداخل فيه المشاهد التي تنسجها مخيّلة أشرف عن ذكرياته اللطيفة ونزار، مع مزيدٍ من الرقّة تفرضها شخصية صديقة الطفلَين «رحمة». وتأتي اللقطات المميزة لطبيعة المكان، كي توسّع مساحة الجمال. وهنا يحيّي عاشور جهود مدير التصوير البولندي فويتشيك ستارون، الذي أتاحت لقطاتُه المتماسكة السفر خيالاً مع أشرف.

رغم الطبيعة الجرداء يزخر الفيلم باللقطات الجماليّة الساحرة (إنستغرام)

هذا المجتمع القبليّ الصغير الذي يقطن سفح جبلٍ قاسٍ ويعتاش على تربية الماعز، له حصّته من الإنسانية كذلك. يلفت عاشور إلى التِفافهم حول أشرف والإصغاء إليه. ورغم السجالات عالية النبرة، يتكاتف الجميع في رحلة البحث عمّا تبقّى من جثة نزار لضمّها إلى الرأس المنتظر في ثلّاجة والدته النائحة؛ وهي رحلةٌ محفوفة بالمخاطر وقاطعة للأنفاس، برعت كاميرا عاشور في توثيقها.

«التوثيق» كلمة غالية على قلب المخرج. قال لفريقه قبل الانطلاق في التصوير: «أريد للتونسيين الذين يعرفون القصة تماماً، أن يشعروا كأنهم أمام وثائقي وليس أمام فيلم روائي». نجح عاشور في إنجاز الخلطة السحرية بين الواقع والخيال، وبين التوثيق والسرد، وهي لم تلمس روّاد صالات السينما في تونس فحسب؛ بل امتدّ صداها إلى العالم العربي وأبعد.

والدة نزار ونساء القرية المفجوعات بمقتل الراعي الصغير (إنستغرام)

ولعلّ أداء الممثلين، ومعظمهم من السكّان المحليّين الذين لم يخوضوا التمثيل سابقاً، عزّز من تلك المصداقيّة. من بين 600 طفل مراهق تقدّموا لأداء شخصيات «أشرف» و«نزار» و«رحمة»، اختار عاشور علي هلالي، وياسين سمعوني، ووداد دبيبي. «درّبناهم بكثافة على مدى سنتَين قبل التصوير فدخلوا إليه جاهزين؛ لا بل تحوّلوا من أطفال عاديين إلى محترفي تمثيل»، يتحدّث المخرج بفَخر عن المواهب الصاعدة التي أدارها.

منحَهم التدريب المكثّف مسافةً من قسوة القصة، لكن رغم ذلك ورغم إدراكهم أنّ الإطار تمثيليّ، كان لا بدّ من إحاطتهم على المستوى النفسي. «ساندَهم فريق فني وطبي متخصص ليَقيهم الأثر السلبي للمَشاهد، ومع مرور الوقت وتَراكُم التمرين عزلوا أنفسهم عن دمويّة المحتوى»، يوضح عاشور.

ما زال أبطال الفيلم الصغار يتابعون دروساً في التمثيل طامحين إلى احتراف المجال لاحقاً (إنستغرام)

الأطفال الآتون هم كذلك من بيئةٍ ريفيّة نائية، وجدوا في تجربتهم السينمائية الأولى نافذةً على الطموح. ما زالوا يتابعون دروس التمثيل برعاية فريق الفيلم، آملين في احتراف المهنة بعد تخرّجهم من المدرسة العام المقبل.

يُقرّ لطفي عاشور بأنّ «الذراري الحمر» هو نقطة تحوّل جذريّة في مسيرته. بعدَه، يأخذ استراحةً طويلة من المسرح ويتابع رحلته السينمائية التي يريد تكريسها لسَرد حكايات المهمّشين... «سأروي القصص الصارخة التي تجد صداها في كل مكان».


مقالات ذات صلة

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق «فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)

توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

أوقفت شرطة لوس أنجليس، الاثنين، نجم مسلسل «24» التلفزيوني وبطل فيلم مصاصي الدماء «ذي لوست بويز» الممثل كيفر ساذرلاند للاشتباه في اعتدائه على سائق سيارة أجرة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)

احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تنطلق خلال أيام بالقاهرة احتفالات عدة بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) والتي تشهد عرض فيلم وثائقي عنه.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)

فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

يختصر الفيلم، بمَشاهده وأحداثه، معاناةَ الغربة... وبين الخيال والواقع، يحمل سرداً لذاكرة صامتة.

فيفيان حداد (بيروت)

مهرجان «شراع» في جدة يستحضر ذاكرة البحر ويحولها إلى تجربة معاصرة

تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)
تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)
TT

مهرجان «شراع» في جدة يستحضر ذاكرة البحر ويحولها إلى تجربة معاصرة

تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)
تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)

في خطوة لترسيخ حضور التراث البحري بوصفه أحد أعمدة السرد الوطني، قدمت هيئة التراث في السعودية مهرجان السفن الخشبية «شراع» على شاطئ «الحمراء» في مدينة جدة غرب البلاد.

ويأتي مهرجان السفن الخشبية كحدث ثقافي يتجاوز العرض إلى إعادة قراءة التاريخ البحري للمملكة، واستحضار أدوار الموانئ، والحرف والرحلات، ضمن برنامج متكامل يربط الماضي بالحاضر، ويضع التراث في قلب المشهد الثقافي المعاصر.

وأكدت هيئة التراث أن المهرجان يأتي ضمن جهودها لتعزيز الوعي بالتراث الثقافي غير المادي، وتسليط الضوء على علاقة الإنسان السعودي بالبحر عبر العصور، من خلال برنامج يعكس حياة البحّارة، وصناعة السفن الخشبية، والدور المحوري الذي لعبته الموانئ التاريخية في حركة التجارة والتواصل الحضاري

المهرجان حظي بحضور كبير (هيئة التراث)

وما إن تطأ قدم الزائر أرض الحدث حتى يبدأ في استكشاف علاقة الإنسان السعودي بالبحر من خلال برنامج ثقافي متكامل، يسلط من خلاله المهرجان الضوء على حياة البحّارة بكل تفاصيلها من خلال العديد من التقنيات والأدوات المساندة لإيصال الفكرة للمتلقي.

يتنقل الزائر داخل المهرجان عبر مسار منظم يضم أربع مناطق رئيسية، حملت تسميات مستمدة من البيئة البحرية المحلية؛ ففي منطقة «القلافة» يطلع الزوار على معارض وحرف مرتبطة بصناعة السفن، أما منطقة «القفال» فخُصصت للعروض المسرحية، وأما منطقة «الدانة» فتتعلق بالفنون، وحملت منطقة السوق اسم «الطواشين».

تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)

السفن الخشبية

تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان؛ إذ حُولت إلى منصات عرض حية مدعومة بعروض ضوئية وأنشطة تفاعلية تحاكي رحلات الإبحار القديمة، ويهدف هذا التوظيف البصري إلى تقديم السفينة بوصفها رمزاً للرحلة الإنسانية، وأداة تاريخية لعبت دوراً محورياً في ربط الموانئ والأسواق عبر العصور، وخاصة أن هذه السفن شُيدت بالشكل التقليدي من خشب وأقمشة ومواد كالصمغ في صناعتها.

ويعيش الزائر تجربة تفاعلية مع صنّاع هذا النوع من السفن في إحدى زوايا المهرجان، ويتلمس حجم المجهود المبذول مع معرفة المواد المستخدمة في صناعة مثل هذه السفن التي ترتكز على أجود أنواع الخشب لضمان استمرارية عملها لفترات طويلة.

جانب من التعريف بكيفية صناعة السفن (هيئة التراث)

الفنون البحرية

شكلت الفنون الغنائية البحرية بأبعادها وإيقاعاتها المختلفة نقطة مهمة لفهم تجربة الإبحار على متن السفينة ولحظة وصولها، وكيف تستخدم خلالها الآلات الموسيقية للترفيه مثل «المرواس، والطار، والسمسمية».

بهذه الأدوات شهد المسرح المخصص العديد من الأهازيج البحرية، ومنها «الدانة، والنهمة، والفجري، والعرضة البحرية، والفن الينبعاوي»، والتي استحضرت البيئة البحرية ومفرداتها، ولقيت تفاعلاً ملحوظاً من الجمهور.

المسرح تجسيد الذاكرة

ويبرز في مهرجان «شراع» المسرح الذي يقدم عروضاً تفاعلية، وأخرى لتجسيد شخصيات بحرية شكلت جزءاً من الذاكرة الجمعية، مثل القلاف، والنوخذة، والغاص، والسيب، إلى جانب حضور رمزي للأم والطفل والراوي، وقد أسهم هذا التناول الدرامي في تبسيط الحكاية البحرية وتقديمها بأسلوب قريب من مختلف الفئات العمرية.

المهرجان فتح نافذة على كيفية صناعة السفن الشراعية (هيئة التراث)

الرؤية والشركاء

يضم المهرجان أجنحة مخصصة لهيئة التراث، والتي تستعرض جهود الهيئة في صون التراث البحري وتوثيق الحرف المرتبطة بصناعة الفن، كذلك جناح المشاركات الدولية، والذي يقدم عروضاً لحرف البحر وثقافات السواحل من دول مختلفة، في حين يبرز جناح الحرفيين، وهو منصة حية تعرف بالمهن الساحلية وتقدم عروضاً مباشرة للزوار لمعايشتهم هذه الحرف بشكل مباشر.

تكتمل تجربة «شراع» بالعروض الضوئية، وورش العمل في شاطئ الحرف والأنشطة التفاعلية، والمناطق المخصصة للعائلات والأطفال، في إطار يوازن بين المعرفة والترفيه.

تكتمل تجربة «شراع» بالعروض الضوئية

تفاعل جماهيري

شهدت أيام مهرجان «شراع» حضوراً جماهيرياً لافتاً، عكس اهتمام المجتمع بالتجارب الثقافية المرتبطة بالتراث، وعمّق لدى الزوار بمختلف أعمارهم حضور التراث البحري غير المادي وفهم أبعاد التجارب السابقة وحكايات البحر، وذلك من خلال عروض حية جسدت حياة البحّارة، ودقة صناعة السفن، والدور التاريخي للموانئ كمراكز للتبادل التجاري والتواصل الحضاري.


افتتاح توسعة مطار العلا الدولي لمواكبة نمو المسافرين

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى افتتاحه توسعة المطار الدولي (الهيئة الملكية لمحافظة العلا)
الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى افتتاحه توسعة المطار الدولي (الهيئة الملكية لمحافظة العلا)
TT

افتتاح توسعة مطار العلا الدولي لمواكبة نمو المسافرين

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى افتتاحه توسعة المطار الدولي (الهيئة الملكية لمحافظة العلا)
الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى افتتاحه توسعة المطار الدولي (الهيئة الملكية لمحافظة العلا)

افتتح الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة محافظ الهيئة الملكية لمحافظة العلا، مشروع توسعة صالات مطار العلا الدولي، بحضور عبد العزيز الدعيلج رئيس هيئة الطيران المدني، وعبير العقل الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية للعلا، وعدد من المسؤولين.

ويُمثّل افتتاح مشروع توسعة مطار العلا الدولي خطوة استراتيجية تعكس التزام الهيئة الملكية بتطوير البنية التحتية الحيوية، وتعزيز مكانة المحافظة محطة لوجستية وجوية محورية شمال غربي السعودية.

يأتي المشروع ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى مواكبة النمو المتسارع في أعداد المسافرين، وارتفاع وتيرة الرحلات الجوية الدولية والداخلية، وتلبية الطلب المتنامي من الزوار والمستثمرين، بما يعزز دور المطار بصفته مُمكّناً رئيسياً للتنمية السياحية والاقتصادية في العلا.

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يستمع إلى شرح عن مرافق المطار (الهيئة الملكية للعلا)

وأوضحت الهيئة أن المشروع يستند إلى ثلاثة محاور رئيسة تشمل: دعم النمو المستدام للعلا، ورفع الجاهزية التشغيلية وتحسين تجربة المسافرين، وتقديم منظومة متكاملة تخدم الزوار والمستثمرين وشركات الطيران، إلى جانب تعزيز جاذبية المحافظة وجهة واعدة للاستثمار في قطاعَي السياحة والطيران، بما يتماشى مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية و«رؤية السعودية 2030».

ويُمثّل المشروع نقلة نوعية في البنية التحتية للمطار، حيث ارتفعت المساحة الإجمالية لمباني الصالات بنسبة تقارب 44 في المائة، من 3800 متر مربع إلى نحو 5450 متراً مربعاً، بما يسهم في رفع الطاقة الاستيعابية من 400 ألف مسافر إلى 700 ألف مسافر سنوياً، بزيادة 75 في المائة.

وشملت أعمال التوسعة تطوير تجربة المسافرين بشكل شامل، عبر دمج حلول وتقنيات ذكية، من بينها البوابات الإلكترونية، بما يسرّع الإجراءات ويرفع مستوى الخدمة، كذلك تعزيز قدرات الجوازات في صالة القدوم الدولية بزيادة عدد منصاتها من 4 إلى 12 منصة، بما يضمن جاهزية المطار لاستيعاب النمو المستقبلي في الحركة الجوية بكفاءة عالية.

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يطّلع على مرافق المطار برفقة عبد العزيز الدعيلج وعبير العقل (الهيئة الملكية للعلا)

يأتي هذا المشروع امتداداً لسلسلة مبادرات تطويرية يشهدها المطار، خلال الأعوام الماضية، كان مِن أبرزها التوسع في شبكة الوجهات، واستقطاب شركات طيران دولية، إلى جانب توقيع الهيئة، على هامش منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» الماضي، اتفاقية إدارة وتشغيل محطة الطائرات الخاصة، بما يعزز كفاءة الخدمات الأرضية، ويدعم الجاهزية التشغيلية على المدى الطويل.

وأكدت الهيئة أن توسعة المطار تمثل أحد الممكنات الاستراتيجية لدعم منظومة التنمية الاقتصادية، وتمكين القطاعات المرتبطة بالسياحة والطيران والخدمات اللوجستية، وخلق فرص استثمارية، مع الالتزام بأعلى معايير الاستدامة، والحفاظ على الهوية الثقافية والطبيعية للمحافظة.

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في صورة تذكارية مع الحضور عقب الافتتاح (الهيئة الملكية للعلا)

ويواصل مطار العلا الدولي دوره المحوري في تعزيز الربط الجوي مع الأسواق ذات الأولوية إقليمياً ودولياً، ودعم استضافة الفعاليات الثقافية والسياحية الكبرى، وترسيخ مكانة المحافظة مركزاً جوياً ولوجستياً يخدم الزوار والمستثمرين، ويسهم في تحقيق مستهدفات التنمية الشاملة والمستدامة.


صدقي صخر: «لا ترد ولا تستبدل» يُبرز الدوافع النفسية للمواقف الصادمة

مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» ناقش قضايا اجتماعية ونفسية (الشركة المنتجة)
مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» ناقش قضايا اجتماعية ونفسية (الشركة المنتجة)
TT

صدقي صخر: «لا ترد ولا تستبدل» يُبرز الدوافع النفسية للمواقف الصادمة

مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» ناقش قضايا اجتماعية ونفسية (الشركة المنتجة)
مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» ناقش قضايا اجتماعية ونفسية (الشركة المنتجة)

قال الفنان المصري، صدقي صخر، إن شخصية «نادر» التي قدّمها في مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» تنتمي إلى النماذج الإنسانية الجدلية التي تثير انقساماً طبيعياً في آراء الجمهور، لأنها لا تُقدَّم بوصفها شراً خالصاً ولا خيراً مطلقاً، بل بوصفها شخصية مأزومة تحمل تناقضاتها الداخلية، وتتعثر في التعبير عن مشاعرها وفي إدارة علاقاتها الإنسانية، وهو ما جعل التفاعل معها حاداً ومتبايناً.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «العمل على الشخصية تطلّب تركيزاً كاملاً، مع تفضيله عدم الجمع بين أكثر من دور في توقيت واحد حتى لا يفقد القدرة على الغوص العميق في تفاصيل كل شخصية»، مشيراً إلى أنه «يحب أن يمنح الدور كل وقته وطاقته وجهده الذهني والنفسي، حتى يصل إلى أقصى درجات الاندماج».

وفي أحداث المسلسل المكون من 15 حلقة الذي عُرض مؤخراً على منصة «شاهد»، قدم صدقي صخر شخصية «نادر» الزوج الذي يفاجأ بإصابة زوجته بفشل كلوي وحاجتها إلى إجراء عملية نقل كلية من أحد المتبرعين في خضم أزمة عنيفة تعصف بعلاقتهما الزوجية بعد عامين من الزواج.

وأوضح صخر أنه لو امتلك فرصة لتوجيه نصيحة إلى «نادر» فستكون «دعوته إلى الوقوف أمام نفسه والاعتراف بإمكانية الخطأ، بدلاً من الاكتفاء بدور الضحية وإلقاء المسؤولية دائماً على الآخرين أو على المجتمع»، ورأى أن «أي علاقة إنسانية لا يمكن فهم فشلها دون مراجعة الذات، واستخلاص الدروس، ومحاولة إدراك المسؤولية الشخصية قبل البحث عن أخطاء الطرف الآخر».

وأضاف: «هذا النمط من الشخصيات غالباً ما يرفض الاعتراف بالخطأ، ويجد دائماً مبررات لسلوكه، وهو ما (يُعطّل) فرص التطور الحقيقي، ويُبقي الإنسان أسير الدائرة نفسها من الإخفاقات المتكررة، خصوصاً أن الوعي بالخطأ هو بداية أي تغيير حقيقي».

صدقي صخر وأحمد السعدني في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أنه شخصياً يختلف عن «نادر» في «ميله الدائم إلى افتراض حسن النية لدى الآخرين، والبحث عن أعذار تفسّر تصرفاتهم، حتى في لحظات الخلاف أو سوء الفهم»، موضحاً أن «هذه الصفة تمنحه قدراً من السلام الداخلي لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى ضبط حتى لا تتحول إلى تنازل عن الحدود الشخصية أو قبول بما قد يسبب الأذى».

وقال إن «علاقته بالعقل والعاطفة شهدت تحوّلاً كبيراً مع دخوله عالم التمثيل، فبحكم دراسته للهندسة كان يميل إلى التفكير المنطقي الصارم، لكن التمثيل فرض عليه الاقتراب أكثر من مشاعره، والإنصات لنفسه، والقبول بالهشاشة أمام الكاميرا»، معداً أن «الممثل الحقيقي لا يستطيع تقديم أداء صادق من دون اتصال مباشر بعواطفه الداخلية، لأن التوازن بين العقل والمشاعر أصبح اليوم جزءاً أساسياً من أدواته الفنية والإنسانية».

وأضاف صخر أن «كثيراً من تصرفات (نادر) التي أثارت الجدل لا يمكن تصنيفها بشكل قاطع باعتبارها أخطاء مطلقة أو سلوكيات سليمة تماماً؛ لأن جوهر الأزمة لا يكمن في الفعل وحده بقدر ما يكمن في غياب التواصل والمصارحة، وأن الخوف من القرارات المصيرية أو ضعف التعبير العاطفي أمر إنساني طبيعي، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه المشاعر إلى صمت وانغلاق وعدم قدرة على الاعتراف بما يدور في الداخل».

وأوضح أن «بعض المواقف التي بدت صادمة للجمهور، مثل ما يتصل بإجراءات التأمين والتلاعب بالأوراق، لا يمكن تبريرها قانونياً أو أخلاقياً، لكنه حاول فهم دوافعها النفسية في سياق الغضب والخذلان والرغبة في الانتقام الرمزي بعد الانفصال»، معتبراً أن الدراما ليست محكمة تصدر أحكاماً، بل مساحة لفهم التعقيد الإنساني وتحليل السلوك البشري.

الفنان المصري صدقي صخر (صفحته على فيسبوك)

وتابع: «الدراما والسينما تمتلكان قدرة استثنائية على الوصول إلى مشاعر الجمهور والتأثير في وعيه الجمعي، والهدف الحقيقي لأي عمل فني جاد ليس تقديم حلول جاهزة للمشكلات الاجتماعية، بل طرح الأسئلة وفتح النقاش وتحفيز المشاهد على إعادة التفكير في مسلّماته وعلاقاته وخياراته»، مشيراً إلى أن المسلسل بمثابة محطة فارقة له.

ولفت صخر إلى أن «كواليس العمل اتسمت بروح إيجابية عالية؛ كما أن تعاونه مع أحمد السعدني كان الأول من نوعه، واكتشف فيه شخصية إنسانية بسيطة ومتعاونة، ما انعكس على سهولة التفاهم داخل مواقع التصوير»، ورأى أن «العلاقة المهنية والإنسانية التي نشأت بين فريق العمل أسهمت في خلق مناخ صحي انعكس مباشرة على جودة الأداء».

وعن تعاونه مع دينا الشربيني، وصف الممثل المصري التعاون معها بأنه «تجربة ثرية لما تمتلكه من حساسية عالية تجاه التفاصيل وحرص دائم على الصدق في الأداء، بما يرفع منسوب التركيز داخل المشهد ويُثري التفاعل بين الممثلين».

وأشار إلى أن المخرجة مريم أبو عوف لعبت دوراً محورياً في بناء الشخصية، لأنها تؤمن بدور الممثل الإبداعي، ولا تفرض رؤيتها، بل تفتح مساحة للنقاش والتجريب، موضحاً أن «النقاشات كانت مستمرة لضبط التوازن الدقيق بين قسوة (نادر) وهشاشته؛ لأن أي إفراط في أحد الجانبين كان من شأنه أن يُفقد الشخصية مصداقيتها».

وأضاف أن حجم التفاعل الجماهيري والانقسام حول «نادر» تجاوز توقعات فريق العمل، معتبراً أن الجدل في حد ذاته علامة نجاح؛ لأنه يعني أن الشخصية حرّكت أسئلة حقيقية لدى المشاهدين ولم تمر عابراً، «فكراهية الجمهور لشخصية درامية لا تعني فشلها بالضرورة، بل قد تكون دليلاً على صدقها وقربها من الواقع، إذا كانت مبنية على فهم واعٍ لعيوبها الإنسانية».