رغم الرأس المقطوع... «الذراري الحمر» يتكلّم لغة الرِقّة والخيال

المخرج التونسي لطفي عاشور يواصل حَصد الجوائز... والمحطة الجديدة على «نتفليكس»

علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
TT

رغم الرأس المقطوع... «الذراري الحمر» يتكلّم لغة الرِقّة والخيال

علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)
علي الهلالي بطل الفيلم التونسي «الذراري الحمر» للمخرج لطفي عاشور (إنستغرام)

دار فيلم «الذراري الحمر» دورةً كاملة على 80 مهرجاناً عالمياً حاصداً أكثر من 30 جائزة، وحطّ رحاله قبل أسابيع على منصة «نتفليكس»، ليصبح بذلك مادةً سينمائية عالمية، بمتناول المشاهدين من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها.

لكن ما يضع هذا العمل السينمائي التونسي على الخريطة العالمية، ليس التكريم في المهرجانات ولا عرضه على «نتفليكس» فحسب؛ بل هي قصته التي لاقت صداها لدى المشاهدين، على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم. يعزو المخرج لطفي عاشور هذا التماهي إلى «البُعد الإنساني للفيلم». ويقول في حوار مع «الشرق الأوسط»، إنه تعمّد «التركيز على الجانب الأكثر إنسانيةً من القصة، وترك الجانب السياسي والثقافي في الخلفية».

عاشور متسلماً جائزة أفضل فيلم عربي روائي في مهرجان عمّان السينمائي قبل أيام (إدارة المهرجان)

الفيلم الحائز على جوائز مرموقة من مهرجان البحر الأحمر، مروراً بمهرجانات عمّان وقرطاج، وليس انتهاءً بنامور البلجيكية، يتناول حكاية منبثقة من الواقع. يوم أُرسل رأس الراعي الصغير مبروك السلطاني في كيس إلى ذويه عام 2015، تعرّض الرأي العام التونسي لهزّة إنسانية عنيفة. لم تمرّ تلك التراجيديا مرور الكرام في بال عاشور، الذي أمضى السنوات ما بين 2018 و2024 منهمكاً في إعادة إحيائها سينمائياً.

«بالتزامن مع العنف الضارب في غزة حيث يُباد الأطفال على مدار الساعة، خرج الفيلم إلى العالم، ولعلّ ذلك سبب إضافي في اختراقه الجمهور»، يلفت المخرج التونسي. يؤدّي الطفل علي هلالي شخصية «أشرف» وهو ابن خالة «نزار»، الراعي الذي قُطع رأسه على يد إرهابيين في منطقة سلتة الجبلية الوعرة. ينطلق الفيلم من هذا المشهد العنيف، حيث يتعرّض الطفلان لضربٍ مبرّح من قبل العصابة، يُسَلّم على أثره رأس أشرف إلى قريبه.

الفيلم مقتبس عن فاجعة قطع رأس راعٍ صغير في تونس عام 2015 (إنستغرام)

لا يعبر مشهد الرأس المقطوع من دون أن يُحدث صدمةً لعين المُشاهد. وكأنّ الواقعيّة الدمويّة باتت تفرض نفسها أكثر فأكثر سينمائياً، تماهياً مع جائحة التوحّش التي تصيب العالم. يبوح عاشور بأنّ هذه الإشكاليّة شغلَته خلال كتابة السيناريو: «أين يجب وضع حدٍّ لقسوة الصورة الخام؟ وهل نكتفي بالترميز أم نجسّد الحدث كما حصل؟ لكني في نهاية المطاف أردتُ للجمهور أن ينغمس في الحكاية وكأنه جزءٌ منها. لذلك كان لا بدّ من تصوير الاعتداء على الطفلَين وإظهار الرأس المقطوع».

رغم بدايته المتجرّدة من التجميل والتلطيف، لا يراهن «الذراري الحمر» على لغة الدم والعنف. فالفيلم الذي يبدأ صادماً يسلك درباً تصاعدياً نحو الرِقّة، مع أنّ الإطار العام لا يساعد في ذلك. فالطبيعة الجغرافية قاسية، وظروف عيش أهل الراعي المقتول أقسى، أما المصيبة التي حلّت بهم فولّادةُ غضبٍ من السلطات الرسمية واحتقان بعضهم تجاه بعض. إلّا أنّ أشرف هنا، وهو قلب الحكاية ورُبّانُ الخيال.

أشرف... قلبُ الحكاية ورُبّان الخيال (إنستغرام)

على قمّة الجبل الأجرد، يقف وحيداً مع صدمته. يضع الرأس المقطوع في حقيبة من قماش، ويتدحرج نزولاً. رحلةٌ صامتة سوى من لهاثه الدامع. لقد خسر رفيقه نزار بأبشع الطرق، وعليه أن يسلّم رأسه إلى أمّه التي صارت ثكلى.

«كان الهدف الأساسي من المشروع اختراق العوالم النفسية لهذا الطفل، وإعادة سرد القصة عبر عينَيه المفجوعتَين والبريئتَين في آن»، يقول عاشور. ولأنّ الأطفال يخترعون الأمل والحلم بسلاح البراءة والخيال، أخذ الفيلم منحى شاعرياً تتداخل فيه المشاهد التي تنسجها مخيّلة أشرف عن ذكرياته اللطيفة ونزار، مع مزيدٍ من الرقّة تفرضها شخصية صديقة الطفلَين «رحمة». وتأتي اللقطات المميزة لطبيعة المكان، كي توسّع مساحة الجمال. وهنا يحيّي عاشور جهود مدير التصوير البولندي فويتشيك ستارون، الذي أتاحت لقطاتُه المتماسكة السفر خيالاً مع أشرف.

رغم الطبيعة الجرداء يزخر الفيلم باللقطات الجماليّة الساحرة (إنستغرام)

هذا المجتمع القبليّ الصغير الذي يقطن سفح جبلٍ قاسٍ ويعتاش على تربية الماعز، له حصّته من الإنسانية كذلك. يلفت عاشور إلى التِفافهم حول أشرف والإصغاء إليه. ورغم السجالات عالية النبرة، يتكاتف الجميع في رحلة البحث عمّا تبقّى من جثة نزار لضمّها إلى الرأس المنتظر في ثلّاجة والدته النائحة؛ وهي رحلةٌ محفوفة بالمخاطر وقاطعة للأنفاس، برعت كاميرا عاشور في توثيقها.

«التوثيق» كلمة غالية على قلب المخرج. قال لفريقه قبل الانطلاق في التصوير: «أريد للتونسيين الذين يعرفون القصة تماماً، أن يشعروا كأنهم أمام وثائقي وليس أمام فيلم روائي». نجح عاشور في إنجاز الخلطة السحرية بين الواقع والخيال، وبين التوثيق والسرد، وهي لم تلمس روّاد صالات السينما في تونس فحسب؛ بل امتدّ صداها إلى العالم العربي وأبعد.

والدة نزار ونساء القرية المفجوعات بمقتل الراعي الصغير (إنستغرام)

ولعلّ أداء الممثلين، ومعظمهم من السكّان المحليّين الذين لم يخوضوا التمثيل سابقاً، عزّز من تلك المصداقيّة. من بين 600 طفل مراهق تقدّموا لأداء شخصيات «أشرف» و«نزار» و«رحمة»، اختار عاشور علي هلالي، وياسين سمعوني، ووداد دبيبي. «درّبناهم بكثافة على مدى سنتَين قبل التصوير فدخلوا إليه جاهزين؛ لا بل تحوّلوا من أطفال عاديين إلى محترفي تمثيل»، يتحدّث المخرج بفَخر عن المواهب الصاعدة التي أدارها.

منحَهم التدريب المكثّف مسافةً من قسوة القصة، لكن رغم ذلك ورغم إدراكهم أنّ الإطار تمثيليّ، كان لا بدّ من إحاطتهم على المستوى النفسي. «ساندَهم فريق فني وطبي متخصص ليَقيهم الأثر السلبي للمَشاهد، ومع مرور الوقت وتَراكُم التمرين عزلوا أنفسهم عن دمويّة المحتوى»، يوضح عاشور.

ما زال أبطال الفيلم الصغار يتابعون دروساً في التمثيل طامحين إلى احتراف المجال لاحقاً (إنستغرام)

الأطفال الآتون هم كذلك من بيئةٍ ريفيّة نائية، وجدوا في تجربتهم السينمائية الأولى نافذةً على الطموح. ما زالوا يتابعون دروس التمثيل برعاية فريق الفيلم، آملين في احتراف المهنة بعد تخرّجهم من المدرسة العام المقبل.

يُقرّ لطفي عاشور بأنّ «الذراري الحمر» هو نقطة تحوّل جذريّة في مسيرته. بعدَه، يأخذ استراحةً طويلة من المسرح ويتابع رحلته السينمائية التي يريد تكريسها لسَرد حكايات المهمّشين... «سأروي القصص الصارخة التي تجد صداها في كل مكان».


مقالات ذات صلة

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.


الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
TT

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي، وفقاً لشهادة الوفاة الصادرة عن إدارة الصحة العامة في مقاطعة لوس أنجليس، والتي نشرها موقع «TMZ» أمس الاثنين.

وذكرت شهادة الوفاة أن سرطان المستقيم كان من الأسباب الكامنة للوفاة، وأن جثمانها أُحرق. وتوفيت أوهارا عن عمر 71 عاماً في 30 يناير (كانون الثاني) في منزلها بلوس أنجليس «بعد مرض لفترة قصيرة».

وفي عام 2020 فازت بجائزة «إيمي» لأفضل ممثلة كوميدية عن دورها «مويرا روز» في «شيتس كريك». كما أدّت دور والدة شخصية كولكين في فيلم «وحدي في المنزل» عام 1990، وشخصية «ديليا ديتز» في جزأين من فيلم «بيتل جوس».

وانضمت أوهارا إلى طاقم مسلسل السخرية الهوليوودي «ذا ستوديو» الذي أطلقه عام 2025 الممثل سيث روغن، مجسّدة شخصية «باتي لي»، المديرة المقالة لاستوديو أفلام في هوليوود.