المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

د. سمية السليمان لـ«الشرق الأوسط»: لا ينقصنا الإبداع وفخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
TT

المملكة في قلب التصميم العالمي: فن معماري سعودي يطرح الأسئلة ويعيد تشكيل الحلم

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)
جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

بالنسبة إلى هيئة فنون العمارة والتصميم السعودية جاء عام 2025 حافلاً بالنشاط والفعاليات والمشاركات الدولية وأيضاً بالجوائز. كانت المشاركات متعددة والإبداع واضحاً من خلال جناح المملكة في بينالي فينيسيا والجناح الوطني في ترينالي ميلانو وجناح المملكة في «إكسبو أوساكا» الفائز بالجائزة الذهبية ضمن «جوائز نيويورك للتصميم المعماري»، ومؤخراً جناح المملكة في بينالي لندن للتصميم.

ما ميَّز كل المشاركات كان التنوع والعمق والمعالجة المبتكرة لقضايا مهمة تتعلق بعالم العمارة والتصميم؛ فعلى سبيل المثال تناول جناح بينالي فينيسيا التوسع العمراني مع تحدي الحفاظ على المباني التقليدية.

في ترينالي ميلانو، قررت هيئة فنون العمارة والتصميم أن تكون واحة الأحساء نقطة انطلاق لخطاب بيئي يتجاوز الحدود. عالج الجناح تحولات المكان من خلال تركيبة بصرية ونسيجية متقنة.

«مياه صالحة»... الجناح السعودي في بينالي لندن للتصميم (هيئة العمارة والتصميم)

أما بينالي لندن فكان الموضوع يتمحور حول قضية المياه وإعادة تخيل نظم الحصول عليها وتوزيعها في المملكة. في كل مشاركة كانت المهمة تقع على عاتق مصممين ومهندسين واعدين ترجموا موضوعاتهم وأفكارهم في تصميمات مبدعة واثقة أثارت النقاشات مع الزوار، وطرحت حلولاً وتصورات جديدة لشكل مجتمعات عربية تحلم بالمستقبل.

كونها الجهة المكلفة للأجنحة المختلفة كان من المهم استكشاف دور هيئة العمارة والتصميم في تسليط الضوء على المملكة ومبدعيها، وعلى إبراز القضايا الحيوية للبلاد لجمهور عالمي. ومن هنا كان من المهم الحديث مع الدكتورة سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة التصميم والعمارة، وجرى الحوار داخل الجناح السعودي في بينالي فينيسيا الذي حمل عنوان «مدرسة أم سليم: نحو مفهوم معماري مترابط».

من المحلية إلى العالمية

حديثي مع الدكتورة سمية السليمان كان عن تأثير المشاركات العالمية المختلفة في الداخل والخارج أيضاً، إذ ترى في كل مشاركة زيادة في النضج وتراكم للخبرة. تتحدث عن المشاركة في بينالي فينيسيا، وتؤكد أن الجناح الذي يستكشف أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية سبقه خمس سنوات من البحث والإعداد من المعماريتين سارة العيسى ونجود السديري. تصف فكرة الجناح بالمميزة، وهو ما دفع الهيئة إلى مساندة وتشجيع العيسى والسديري ومنحهما فرصة تمثيل المملكة في أهم محفل عالمي للعمارة.

صورة من الجناح السعودي في بينالي فينيسيا للعمارة (الشرق الأوسط)

عرض الجناح مبادرة «مختبر أم سليم» البحثية التي أنشأها «مكتب سين»، بإدارة سارة العيسى ونجود السديري، متخذاً من حي أم سليم في وسط الرياض مقراً له، ويقوم بالعمل مع متعاونين لإجراء البحوث الميدانية التي تُعْنَى بدراسة أساليب العمارة المحلية والتحولات التي تشهدها العمارة النجدية. تشير إلى جانب من العرض، حيث نرى توثيقاً لمحاولة قامت بها المعماريتان لترميم منزل من الطين في الرياض، وترى في عرض مراحل البحث وأرشفة العقبات التي واجهتهم، أمراً «لافتاً»: «عندما وصلوا لخط النهاية، ولم يستطيعوا الاستمرار جعلوا من تلك القائمة عرضاً فنياً، وعلقوها على مبنى قديم، لرفع مستوى الوعي، وهذا في حد ذاته كان من الأمور الملهمة للفريق».

عرض الجناح أيضاً المشروع الثاني الذي قام به «مكتب سين»، وهو عن مركز «شمالات» في الدرعية الذي رشح في القائمة القصيرة لجائزة «الآغا خان للعمارة»: «هذا المبنى (الدرعية) مبنيّ بالطين، قاموا بترميم الجزء التقليدي كلّياً، واستكملوا ببناء جانب حديث، اليوم هناك مقهى ومكتبة وغاليري، وفيه توسعة معاصرة».

معمار الرياض

مركز «شمالات» كان النقطة التي تحوَّل فيها حديثي مع الدكتورة السليمان إلى معمار مدينة الرياض. تشير مرة أخرى إلى عرض «مدرسة أم سليم»، وتقول إنَّهم مكتب «سين» قاموا بعملية مسح لأحياء الرياض، ومن خلالها تبين أن هناك عدداً من المباني الطينية وسط التوسع العمراني الحديث، وهو ما حاول الجناح تناوله، وأثار قضية الاستفادة من المباني القديمة المشيدة بالطراز التقليدي وتوظيفها، وهل من المفروض أن تكون متحفية أو أن يتم الاستفادة منها لتصبح جزءاً من حياة الناس؟

تقول: «هناك كثير من هذه المباني التي لم يتم ترميمها أصلاً، وهي غير قابلة للسكن، لكن هناك كثير من الجهود من جهات مختلفة منها هيئة التراث تشمل الترميم وأيضاً البرمجة. النتيجة أن بعضها تحول إلى متاحف أو مراكز، وبذلك أصبحت أصولاً ثقافية يمكن أن يستفاد منها». تشير أيضاً إلى أهمية وجود عملية توعية عامة ليتمكن أصحاب المباني القديمة من الاستفادة منها جيداً.

جناح السعودية في «إكسبو أوساكا» باليابان يحاكي المدن والقرى في المملكة (واس)

على مستوى الدولة تشير إلى الخطط التي تنفّذها هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة والهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن استراتيجية العاصمة على نطاق واسع، وتستطرد أن «التعامل مع العمران التقليدي يختلف حسب الجهة المسؤولة، ولكن كلنا متفقون على أهمية المحافظة عليه قدر الإمكان، وليس فقط كأثر قديم متحفيّ. الاهتمام يمتد إلى التقنيات المرتبطة، وبأداء المباني من الناحية البيئية؛ مثل التبريد، لضمان عدم فقدان هذه المباني، ولا أيضاً أن يتم المحافظة عليها كإرث شكليّ فقط».

على أرض الواقع تشير إلى أن الدولة «تهتم كثيراً بالأماكن التي ما زال فيها الإحساس العمراني»، وتضرب المثل بمركز الملك عبد العزيز التاريخي: «المركز يضم مجموعة من قصور الملك عبد العزيز وزوجاته التي رُمِّمت، وبجوار منطقة القصر الأحمر حوّلت المباني لتحتضن المعهد الملكي للفنون التقليدية. هناك تفعيل لهذه الأماكن بحيث تصبح جزءاً من ذاكرة الإنسان، وأيضاً من الحياة اليومية. ولا ننسى المشاريع التي تقام في الدرعية، وهي مدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي».

ميثاق الملك سلمان المعماري

عند الحديث عن معادلة القديم والجديد تشير إلى ميثاق الملك سلمان المعماري الذي يعتمد على خلق منهجية وطنية لتحقيق التميز العمراني وتحسين جودة الحياة من خلال خلق بيئات عمرانية تستند إلى الموروث الثقافي والبيئي، وتحاكي التطورات المستقبلية، تصف الميثاق بأنه «المعادلة التي تضمن الوصول إلى تميز عمراني مع الحفاظ على الهوية: «يعتمد الميثاق على 6 قيم مرتبط بعضها ببعض؛ منها الأصالة والاستمرارية. من ناحية العمران لا بد أن نفهم أي نتاج عمراني هو جزء من سياق تاريخي مستمر. هناك أيضاً جوانب متعلقة بالإنسان والمجتمعات تعتمد على رفع جودة الحياة، أما القيمة الأخيرة فهي الاستدامة والابتكار. تتوقف فكرة كثير من الناس عن العمارة التقليدية عند الترميم والمحافظة عليها مثل التحنيط، لكن ما يهمنا هو إمكانية الابتكار، لأنه حتى أجدادنا في السابق كانت لديهم رغبة في التحسين كلما سنحت الفرصة. وترى أن الميثاق خلق لغة مشتركة بين المعماريين ومتخذي القرار.

د. سمية السليمان خلال الكشف عن تفاصيل مبادرة «ميثاق الملك سلمان العمراني» (واس)

تُحول السليمان الدفة لأفق أوسع، وتتحدث عن الجهد على مستوى المملكة ومبادرة «العمارة السعودية» التي تهدف إلى توثيقٍ مكانيٍّ للعِمَارَة الأصيلة والمتنوعة في مختلف مناطق المملكة، وإبراز التنوع الذي يميز كل منطقة بناءً على خصائصها الجغرافية. وعن الدراسات التي صدرت حتى الآن؛ نتاجاً للمبادرة وإمكانية تطبيقها تقول: «هناك جهود قائمة للوصول إلى طرق لتطبيق هذه الدراسات سواء كانت على المشاريع الحكومية التجارية أو حتى السكنية مستقبلاً».

العمارة التقليدية والتقنيات الحديثة

الحديث عن العمارة التقليدية وأساليبها يأخذنا إلى السؤال عن إمكانية استخدام المواد والطرق التي اعتمدت عليها عملية البناء في السابق، ما مدى إمكانية تطويرها بطريقة تناسب الوقت الحالي؟

«هناك أبحاث كثيرة في هذا الصدد، ولكن لنأخذ مثالاً من منطقة الدرعية التي تخوض عملية تطوير ضخمة. جانب كبير من العمل هناك يتضمن إنتاج الطين بطريقة تقليدية مدعمة بالتقنية، وأيضاً بتوجيه الاهتمام إلى الاستدامة والتعامل مع الوضع البيئي الراهن». تشرح أكثر: «اليوم البيئة المبنية مسؤولة عن 40 في المائة من انبعاثات الكربون، فنحن هنا نتكلم عن مسؤولية ضخمة تقع على عاتق الهيئة، وكذلك على عاتق كل الممارسين في القطاع لأن كل قرار يُتخذ في مرحلة التصميم مهم، وله تبعات طويلة المدى. فاليوم نتكلم عن هذه الأبحاث التي تتناول استخدام الطين المدكوك، مثلاً كيف يمكن استخدام هذه المواد الطبيعية بالشكل المناسب؟ لأن التبعات هي التي تهمنا».

نظرة إلى المستقبل

حديثها عن المعماريين السعوديين يدفعني إلى السؤال عن رؤيتها لوعيهم بالتحديات الحديثة أمامهم، تقول: «أكبر حافز لنا اليوم هو العمل لتحقيق (رؤية المملكة 2030)، والعمل بطريقة ممنهجة وباتجاه واحد. نرى اليوم كمَّ المشاريع الضخمة في المملكة، وأيضاً الاهتمام بالاستدامة والبيئة، كل ذلك أسهم في تكوين جيل كامل يدرك أهمية هذه الأمور. بالنسبة إلينا في الهيئة دورنا أن نوفر الأدوات المختلفة قدر الإمكان سواء من خلال الجوانب التعليمية مثلاً في الجامعات المختلفة أو حتى من ناحية إثراء المعرفة من خلال البرامج المختلفة».

وتختتم حوارها معي بنبرة متفائلة بالمستقبل: «أعتقد أنه اليوم في السعودية لا ينقصنا الإبداع، ولكن ما زالت أمامنا فرصة لتحسين بعض الجوانب من ناحية الربط بين الدراسة الأكاديمية والممارسة، وحتى على مستوى الممارسة دورنا يتضمن كيفية دعم المكاتب الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى مراحل نضج تمكِّنها من المنافسة على أعلى المستويات».

«مغرس» جناح السعودية في ترينالي ميلانو للتصميم (واس)

وتضرب المثل بما رأيناه في بينالي فينيسيا: «نحن فخورون جداً بالمواهب والعقول الشابة، ومثال ذلك ما نراه في البينالي من إنجاز لمكتب معماري أنشأته شابتان وصلتا إلى العالمية بهذا المستوى، وحصدتا جوائز. هذا مثال واحد فقط على كثير من المواهب الموجودة داخل المملكة».


مقالات ذات صلة

«غوغل» تطلق «Google Pics» أداة تصميم بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا «Google Pics» أداة من «غوغل» لإنشاء وتعديل التصاميم بالذكاء الاصطناعي (غوغل)

«غوغل» تطلق «Google Pics» أداة تصميم بالذكاء الاصطناعي

تتيح إنشاء الصور والتصاميم وتعديلها باستخدام الأوامر النصية، في خطوة تضع الشركة بصورة أكثر مباشرة في مواجهة أدوات شهيرة مثل «Canva».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)

المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

قبل أن يُرفع الستار، ينجح «المسرح الملكي» الجديد في الرباط - وهو من تصميم المهندسة المعمارية المرموقة زها حديد - في إبهار الناظرين لدرجة تفوق التصور.

تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
يوميات الشرق تصور رقمي لأحد وديان الحديقة (مكتب جربر للعمارة)

جائزة عالمية للمكتب المعماري خلف تصميم حديقة الملك سلمان بالرياض

حصد مكتب جربر للعمارة جائزة المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين/ الشرق الأوسط لعام 2025، وذلك في فئة المشاريع المستقبلية عن تصميم حديقة الملك سلمان…

«الشرق الأوسط» (الرياض)

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
TT

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)

بعد 15 عاماً من البحث، تكشف عالمة الأنثروبولوجيا الإيطالية جوليا مينسيتيري في كتاب جديد بعنوان «الموضة: أجمل مهنة في العالم»، عن خفايا الظروف الصعبة التي يعيشها العاملون في هذا القطاع، وما يواجهونه خصوصاً من استغلال في مجال يدر إيرادات طائلة.

يصدر عملها في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) على شكل رواية مصورة، عن دار النشر «لاديكوفرت/ديلكور»، وقد تولى رسمه الفنان «دانيكولاتيرال» بأسلوب يجمع بين الحس الإبداعي والطابع القاتم.

تصف الباحثة في كتابها مشهداً يبدو مزعجاً تظهر فيه نحو عشر نساء ينهمكن ليلاً في شقة باريسية صغيرة بالعمل على قطعة قماش يُفترض أن تتحول، في غضون ساعات قليلة، إلى فستان من الأزياء الراقية.

سيُباع عملهن بسعر يتراوح بين 70 ألفاً و100 ألف يورو، لكنّ كل واحدة منهن ستغادر المكان ومعها مظروف يحتوي على مبلغ نقدي لا تتخطى قيمته الحد الأدنى للأجور في فرنسا.

وتوضح الباحثة، وهي طالبة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية وباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن هؤلاء العاملات في الخياطة قد يكنّ «طالبات أو عاملات أو مهاجرات من آسيا أو خياطات محترفات يُستدعين للمساعدة». وقد زارت الباحثة إحدى هذه الورش التي تعمل بكامل طاقتها قبيل انطلاق أسبوع الموضة في العاصمة الفرنسية.

دفع مقابل المكانة المرموقة

يُشكل قطاع الموضة والملابس أكثر من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، وهي نسبة تفوق مساهمة قطاع السيارات. كما يوفر سبل العيش لنحو مليون شخص، وفق الاتحاد الفرنسي للأزياء الراقية والموضة. مع ذلك، يظل هذا القطاع من أقل القطاعات توثيقاً ودراسة.

وتشير الباحثة الإيطالية في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن قطاع الموضة «عالم يحظى بظهور مكثف وحضور طاغٍ في المجلات والملصقات وعلى الإنترنت، لكننا لا نعرف عنه شيئاً في الواقع».

وقد تمكنت من الولوج إلى هذا العالم بفضل رغبة هذا الوسط الذي يُنظر إليه غالباً على أنه سطحي، في الحصول على «شرعية فكرية»، بعدما شعر القائمون عليه بالإطراء لاهتمام باحثة في الأنثروبولوجيا بأعمالهم.

ومن بين الوقائع الاقتصادية التي كشفت عنها هذه التجربة الميدانية: ظاهرة «العمل لسداد الديون» في مجال عرض الأزياء، إذ ليس من النادر أن تدفع وكالات كبرى جميع النفقات نيابة عن عارضي وعارضات الأزياء، بدءاً من تصفيف الشعر ووصولاً إلى سيارات الأجرة، ثم تطالبهم بسداد هذه المبالغ، وهو أمر يعجز معظمهم عن القيام به إطلاقاً.

كما يسود ما يُعرف بـ«التعويض المعنوي» أو «التعويض عبر المكانة المرموقة»؛ إذ تشير جوليا مينسيتيري إلى أنه «كلما زادت مكانة المجلة المرموقة، زاد اليقين بأن العاملين لا يتقاضون أجراً. إنها قاعدة ثابتة؛ فصفحات الافتتاحيات (وهي جلسات تصوير أزياء تُنشر بعيداً عن الإعلانات التجارية) غالباً ما تُنجز مجاناً».

حتى إن بعض المصورين يدفعون المال مقابل العمل، إذ يتحملون تكاليف الفندق والنقل ووجبات طاقم العمل، ظناً منهم أنهم «يستثمرون في مسيرتهم المهنية». وهناك آخرون يتلقون أجورهم بصورة عينية، على شكل قسائم شراء من العلامة التجارية نفسها، وهي طريقة تحقق للعلامة التجارية «مكاسب مضاعفة».

معاناة واستغلال

ومن بين المشاهدات التي ينقلها الكتاب، تسلّم رئيسة تحرير حاملة حقيبة يد تبلغ قيمتها 20 ألف يورو، مظروفاً يحتوي على 100 يورو فقط لمصورة مقابل 48 ساعة من العمل، قائلة لها: «أنت محظوظة بوجودك هنا». وقد استلهمت الباحثة التي تعمل حالياً في المركز الوطني للبحث العلمي في مدينة ليل بشمال فرنسا، عنوان أطروحتها للدكتوراه من هذه العبارة.

وتؤكد الباحثة أن «لعالم الموضة طابعه الخاص وعنفه المميز؛ إذ يجمع بين عوالم وسلع فائقة الفخامة، وبين خلق صور ذهنية لهذه الرفاهية، وبين أشكال من التعويض والعمل والاستغلال قد تصل إلى مستويات متطرفة».

يفتقر هذا القطاع إلى أي تمثيل نقابي، باستثناء هيئات أصحاب العمل. وتضيف الباحثة: «إنه وسط لا يمكنك فيه البوح بمعاناتك، فلا يمكنك القول: أنا في مأزق، أو أعاني من الاحتراق الوظيفي، أو أتعرض للاستغلال، أو لا أملك المال لدفع الإيجار، أو لم أتقاضَ أجري منذ ستة أشهر».

تنصح جوليا مينسيتيري الشباب الذين يراودهم حلم دخول هذا العالم بـ«اغتنام الجوانب الجميلة، مع الحرص في الوقت ذاته على معرفة حقوقهم».

ورغم أن المؤلفة لا تذكر أسماء أي علامات تجارية، فإنها تشير إلى تزايد محاولات الرقابة في الآونة الأخيرة، ولا سيما من خلال إلغاء بعض مشاركاتها.

وتؤكد الباحثة: «لستُ صحافية، ولا أنطلق من منظور أخلاقي؛ فهدفي ليس كشف المخالفات، بل توضيح آلية عمل هذا الجانب من الرأسمالية».


حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
TT

حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)

بوابة مغلقة، عبارة ناقصة، وفأر صغير يحاول فتح قفل بحرف من كلمة مفقودة... بهذه التفاصيل البسيطة، التي تحمل أكثر مما تبدو عليه، يعود الفنان البريطاني بانكسي إلى واحدة من أكثر القضايا التي قسمت البريطانيين: «بريكست».

ويستعد عمله «Keep Ou T»، الذي أنجزه عام 2019، لدخول المزاد في لندن الشهر المقبل، ضمن مزاد «فيليبس» للفن الحديث والمعاصر، وسط تقديرات بأن يتراوح سعره بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني.

يُعرض عمل الفنان بانكسي الفني بعنوان«Keep Out» -والذي يُقدَّر أن يُباع بسعر يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 1.6 إلى 2.4 مليون دولار أميركي) (أ.ب)

ويبدو أن بانكسي لم يحتج إلى كثير من الكلمات ليقول ما يريد. فقد كتب على بوابة معدنية قديمة عبارة «KEEP OUT»، أي «ابقوا خارجاً»، لكنه تعمّد ترك حرف T منفصلاً عن بقية الكلمة. أما الحرف نفسه، فإنه يظهر في يد أحد فئران بانكسي الشهيرة، الذي يحاول استخدامه لكسر القفل أسفل البوابة.

وليس اختيار البوابة اعتباطياً. فقد كانت في الأصل جزءاً من بوابة وصول المسافرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي في مطار هيثرو. وبعد أن أصبحت جزءاً من الماضي، أعاد بانكسي تقديمها في عمل فني يحوّلها من مجرد بوابة عبور إلى رمز لحدود أُغلقت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفقاً لموقع «يورونيوز».

وربما تكمن الطرافة في أن الفأر، وهو من أكثر الشخصيات حضوراً في عالم بانكسي، لا يقف هذه المرة متفرجاً أمام الحاجز. إنه يحاول فتحه. أما الأداة التي يستخدمها فهي الحرف الذي ينقص كلمة «خارجاً»، في لعبة بصرية بسيطة تختصر كثيراً من الجدل الذي رافق «بريكست».

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يضع فيها بانكسي موقفه من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي داخل عمل فني. ففي مايو (أيار) 2017، رسم في مدينة دوفر الساحلية جدارية ضخمة تظهر عاملاً يقف على سلم، مستخدماً مطرقة وإزميلاً لإزالة إحدى النجوم الذهبية من علم الاتحاد الأوروبي.

وفي عمل آخر بعنوان «Vote To Love» عام 2018، استخدم الفنان بالوناً على شكل قلب فوق لافتة لحملة «Vote Leave»، في معالجة ساخرة أخرى لقضية الانفصال عن أوروبا.

حتى سعر ذلك العمل حمل رسالة ساخرة. فقد وضع بانكسي رقماً افتراضياً بلغ 350 مليون جنيه إسترليني، في إشارة إلى الرقم الذي اشتهرت به حافلة حملة «مغادرة الاتحاد الأوروبي» خلال الاستفتاء البريطاني، والتي روجت لفكرة استخدام 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً لتمويل هيئة الخدمات الصحية الوطنية بعد الخروج من الاتحاد.

وكان الرقم موضع انتقادات وتشكيك واسع، بما في ذلك من هيئة الإحصاءات البريطانية، ومعهد الدراسات المالية.

أما «Keep Ou T»، فيبدو أكثر هدوءاً في رسالته، لكنه لا يقل وضوحاً. فبدلاً من خطاب سياسي طويل، هناك بوابة كانت مخصصة لاستقبال القادمين من أوروبا، وعبارة تقول لهم: «ابقوا خارجاً»، وفأر صغير لا يبدو مستعداً للاستسلام بسهولة أمام القفل.


«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
TT

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة وشاقة؛ إذ تصنع من تجربة فردية مساحة تتسع لأصوات كثيرة، من دون أن تفقد الحكاية خصوصيتها.

وعلى مدار ساعة تقريباً، تبدو تهاني سليم وكأنها تجمع شظايا تجربة أكبر منها، فتتنقل بين السرد والأداء والحركة والتفاعل مع الصورة، بينما تتشكل أمامها حكاية امرأة فلسطينية تعيش الحرب؛ ليست باعتبارها حدثاً بعيداً، ولكن بوصفها واقعاً يعيد ترتيب كل التفاصيل اليومية.

العمل ينطلق من تجربة فرح الغول، وهي فتاة فلسطينية من غزة، عثرت تهاني سليم عن طريق الصدفة على جزء من مذكراتها عن النزوح، ومن هذه الصفحات القليلة بدأت رحلة بحث وتوثيق توسعت إلى شهادات نساء وأطفال، وتتبع مسارات النزوح داخل غزة ومناطقها المختلفة، ليصبح النص النهائي أوسع من التجربة الأصلية، وما بين الخوف والفقد والانتقال المستمر، يرصد العرض كيف أعادت الحرب تشكيل الحياة اليومية للنساء الفلسطينيات، محولاً تجربة امرأة واحدة إلى حكاية عن غزة وذاكرة أهلها.

وتكمن قوة عرض المونودراما الذي قُدم بالقاهرة ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في طريقة تعامله مع الزمن؛ فالحكاية لا تسير كخط مستقيم يشرح ما حدث ثم ينتقل إلى ما بعده، وإنما تتقدم عبر استدعاءات وتقاطعات بين لحظة وأخرى، الماضي يعود في أثناء الحاضر، والصورة المسجلة تقاطع الأداء الحي، والصوت القادم من خارج الخشبة يغير معنى ما نراه عليها.

واعتمدت تهاني سليم على أدوات قليلة لكنها تحتاج إلى سيطرة كبيرة: الصوت، والجسد، والإيقاع، والنظرة، فلا يوجد أمامها مجموعة ممثلين تتبادل معهم الفعل، لذلك يصبح الانتقال بين الحالات مسؤوليتها وحدها، بعض التحولات تتم بالكلمة، وبعضها بالحركة أو الصمت، وأحياناً يكفي تغير بسيط في النبرة حتى يتغير موقع الشخصية داخل المشهد.

شهد العرض حضوراً جماهيرياً لافت بالقاهرة (إدارة المهرجان)

في المقابل، لا تترك المخرجة سوسن دروزة الممثلة وحدها في مواجهة هذا العبء، بل تبني حولها فضاء يتغير باستمرار، العناصر البصرية والإضاءة والفيديو تدخل في صلب الفعل المسرحي، وتخلق أحياناً شخصيات غائبة أو أماكن لا يمكن وجودها فعلياً على الخشبة، فالصورة جاءت طرفاً في المشهد من جانب توثيقي يضفي خصوصية على العمل.

ويشارك في صناعة «أصوات عميقة» فريق فلسطيني وأردني وسويسري، تتصدره تهاني سليم مؤلفة العرض وبطلته ومنتجته، فيما تتولى سوسن دروزة الإخراج، وهالة شهاب تصميم السينوغرافيا، وتولى تصميم الإضاءة والإشراف التقني فراس أبو صباح، بينما شاركت الفنانة السويسرية نيكول بيرمان في تنفيذ الفيديو والمؤثرات الرقمية، ويجمع العرض بين التمثيل الحي والصورة والإضاءة والصوت والحركة.

وقالت تهاني سليم لـ«الشرق الأوسط» إن النزوح طال أعداداً هائلة من الفلسطينيين، لكنها اختارت أن تجعل التجارب النسائية محور العمل، انطلاقاً من اهتمامها المستمر بقضايا المرأة في مشاريعها الفنية، لذلك أجرت مقابلات مع فرح ونساء أخريات، وجمعت شهادات متعددة، بالتوازي مع متابعة مسار النزوح زمنياً ومكانياً، من مناطق داخل غزة إلى الشاطئ وخان يونس ورفح.

وأوضحت أن النص المسرحي في صورته النهائية لا يمثل نقلاً حرفياً لمذكرات فرح، لكنه كان توثيقاً مسرحياً، لافتة إلى أن «هذا المسار جعل العمل أقرب إلى الدراما الوثائقية التي تتداخل فيها الشهادة الشخصية مع المادة الإعلامية، بحيث تصبح الوثيقة أساساً للبناء المسرحي، وليست مجرد خلفية للأحداث».

قدم العرض المسرحي جانباً من معاناة النزوح الفلسطيني بسبب الحرب (الشركة المنتجة)

وتابعت أن العرض يقوم على مستويات متوازية؛ أولها تجربة الفتاة التي تعيش النزوح والألم، وثانيها المستوى البصري الذي عملت عليه مع الفنانة السويسرية نيكول بيرمان من خلال الفيديو والوسائط الرقمية، وثالثها المستوى السياسي والتوثيقي الذي استعانت فيه بتصريحات صحافيين ونشطاء وسياسيين. ومن خلال هذه الطبقات، حاولت أن تمنح الحكاية الفردية سياقها الأوسع، من دون أن تفقد خصوصيتها الإنسانية.

وأشارت تهاني إلى أن «وجودها في أوروبا جعل تقديم هذا العمل بالنسبة إليها مسؤولية فنية وإنسانية في الوقت نفسه»، مؤكدة أن «الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي تجري حوله، وأن انتماءها الفلسطيني دفعها إلى التمسك بهذه الحكايات، بينما جعلها موقعها بوصفها فنانة تفكر في الطريقة التي يمكن بها للمسرح أن يتفاعل مع مأساة إنسانية بهذا الحجم دون أن يتحول إلى خطاب مباشر».

وفي الختام، أرجعت اختيارها تقديم العمل في صورة مونودراما لرغبتها في تحمل المسؤولية الكاملة عن الفكرة التي تريد إيصالها، موضحة أنها شاركت في كتابة النص والتمثيل والدراماتورج والإنتاج، ورغم أن العمل بهذه الصورة كان مرهقاً، فإنه منحها في المقابل قدرة أكبر على التحكم في جميع عناصر التجربة، وعلى الحفاظ على وحدة الرؤية منذ البحث الأول وحتى لحظة وقوفها منفردة أمام الجمهور.