هل تُفاقم توترات «سول وسناغ» الأزمة السياسية في الصومال؟

مقديشو تدعم إنشاء إدارة مستقلة بتلك المنطقة وسط اعتراض بونتلاند وهرجيسا

الرئيس الصومالي خلال استقبال زعيم ولاية خاتمة في القصر الرئاسي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال استقبال زعيم ولاية خاتمة في القصر الرئاسي (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

هل تُفاقم توترات «سول وسناغ» الأزمة السياسية في الصومال؟

الرئيس الصومالي خلال استقبال زعيم ولاية خاتمة في القصر الرئاسي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال استقبال زعيم ولاية خاتمة في القصر الرئاسي (وكالة الأنباء الصومالية)

أخذت أبعاد اعتراف الحكومة الفيدرالية الصومالية بولاية خاتمة قبل نحو شهرين، منحنى جديداً مع تبادل تحذيرات بين مقديشو وولاية بونتلاند وإقليم أرض الصومال الانفصالي (هرجيسا)، بعد أنباء عن تحرك عسكري بمنطقتيْ «سول وسناغ» المتنازع عليهما.

تلك التوترات بتلك المنطقتين، اللتين تتحركان مع مديرية «عين» لتأسيس ولاية خاتمة، لقيت تقارباً نادراً بين بونتلاند وإقليم أرض الصومال الانفصاليّ المتنازع عليهما منذ سنوات طويلة، في رفض تلك الخطوة.

وتشي تلك التطورات بتفاقم الأزمة السياسية الحالية، وفقاً لخبراء بالشؤون الصومالية والأفريقية تحدّثوا لـ«الشرق الأوسط»، مستبعدين مواجهات عسكرية مباشرة بين الحكومة والرافضين لتأسيس الولاية الجديدة، مع إقرار بأن المساعي السياسية لكسب العشائر وأصوات سكان المنطقتين هي الفيصل في هذه التوترات احتواء أو صداماً.

ويشهد الصومال أزمة سياسية، منذ شهور، بسبب رفض إجراء انتخابات مباشرة من سياسيين ومن ولايتين بالبلاد؛ بينهما بونتلاند التي تغيب عن معظم الفعاليات الرسمية للحكومة الفيدرالية، وأحدثُها، قبل شهرين، مؤتمر التشاور الوطني الذي أثمر عن الاعتراف بإدارة خاتمة، والتحرك لإنشاء تلك الإدارة في «سول وسناغ» المتنازع عليهما، بالإضافة لمديرية «عين».

ووسط رفض بونتلاند، والإقليم الانفصالي، سعى قادة خاتمة الدعوة إلى إشراك أوسع لسكان «سول وسناغ»، وعقد مؤتمر تشاوري رئيسي في لاسعانود، يوم 10 يوليو (تموز) الحالي، لمناقشة المستقبل السياسي، وهيكل الحكم لولاية خاتمة. وقال مصدر صومالي مطّلع، لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، إن ذلك المؤتمر تأجّل لأيام؛ لمزيد من إقناع زعماء وأعيان العشائر.

وبزيٍّ عسكري، قال رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، في كلمةٍ أمام جنود، قبل أيام: «إذا قررتم (قادة خاتمة) تشكيل إدارة منفصلة، فابقوا في أماكنكم. مصير سناغ بيد بونتلاند. كفوا عن استفزازاتكم، وإلا فستواجهون العواقب»، وفق ما ذكرته وسائل إعلام صومالية.

كذلك اتهم وزير الإعلام في أرض الصومال الانفصالي، أحمد ياسين، عبر تصريحات صحافية، الحكومة الفيدرالية بتأجيج حالة عدم الاستقرار في سناغ، محذراً من التدخل الفيدرالي.

ويشهد إقليم سناغ حالة من التوتر بسبب الصراع بين ولاية بونتلاند، التي تعد الإقليم جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وبين سياسيين محليين؛ منهم رئيس برلمان بونتلاند السابق عبد الرشيد يوسف جبريل، يسعون لضمّ الإقليم إلى إدارة خاتمة، التي اعترفت بها الحكومة الصومالية بصفتها ولاية عضو فيدرالية في مايو (أيار) الماضي، وفقاً لإعلام محلي.

رئيس الوزراء الصومالي خلال مشاركته في فعالية موسّعة بمشاركة كبار المسؤولين بمدينة لاسعانود حاضرة إقليم سول (وكالة الأنباء الصومالية)

من جانبها، نفت الحكومة الصومالية أي تحرك عسكري لدعم سناغ أو سول ضد أي توترات، ونفي وزير الدفاع أحمد معلم فقي، ووزير التجارة محمود آدم غيسود، قبل أيام، ذلك مؤكديْن أنها مزاعم باطلة وتكشف عن ارتباك سياسي وعجز عن مواجهة تطلعات سكان تلك المناطق الذين لهم الحق في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، يرى أنه «لا يوجد دور مؤثر لإدارتيْ بونتلاند وإقليم أرض الصومال، وسيُعقد مؤتمر تأسيس إقليم خاتمة، بعد إقناع بعض الأعيان والأطراف، وفي الوقت نفسه لا توجد أي موشرات لمواجهة عسكرية، بل هناك بوادر أزمة سياسية، وستحاول بونتلاند، بأي طريقة، إفشال تأسيس الإقليم سياسياً لا عسكرياً».

المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي بري جامع، أكد أن «التوترات ستتصاعد في منطقتي سول وسناغ، وستتفاقم الأزمة السياسية في الصومال»، مشيراً إلى أن «النزاع حول المنطقتين يُعدّ امتداداً لصراعٍ أوسع بين بونتلاند وأرض الصومال المتنازع عليهما منذ عقود، لكن دعم مقديشو إنشاء إدارة مستقلة في هذه المناطق يهدد بزيادة حدّة الاستقطاب السياسي بالبلاد».

ويعتقد أنه «من الصعب جداً أن تلجأ مقديشو إلى الخيار العسكري المباشر؛ نظراً لحساسيات الداخل وضعف القدرات اللوجستية بعيداً عن العاصمة، وكذلك أي تحرك عسكري مباشر ضد مقديشو بصفتها عاصمة، أمر غير متوقع»، مضيفاً: «لكن من المرجح جداً أن تتحرك بونتلاند وأرض الصومال عسكرياً في مناطق سول وسناغ نفسها، لمنع أي إدارة جديدة مدعومة من مقديشو من التمركز فعلياً على الأرض، وقد يؤدي ذلك إلى مواجهات محدودة أو مواجهات بالوكالة بين قوات محلية مُوالية لمقديشو وقوات موالية للإدارات الإقليمية».

وعلى مدار نحو 3 شهور، ظهر دعم لافت من الحكومة الفيدرالية تجاه إدارة خاتمة، وأكد رئيس الوزراء، حمزة عبدي بري، في أبريل (نيسان) الماضي، خلال زيارة لمنطقة لاسعانود، عاصمة سول، لإطلاق مشاريع تنموية، أن «تأسيس إدارة ولاية خاتمة جاء بناءً على رغبة أهالي المنطقة»، مضيفاً أنه، من الآن فصاعداً، ستتمتع إدارة خاتمة بحقوق الولايات الإقليمية نفسها القائمة في البلاد، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» آنذاك.

ومع اختتام مجلس التشاور الوطني في 8 مايو الماضي بمقديشو، برئاسة رئيس البلاد حسن شيخ محمود، وحضور زعيم إدارة خاتمة عبد القادر علي، وغياب رئيس ولاية بونتلاند عن المشاركة، تقرَّر الاعتراف رسمياً بإدارة خاتمة عضواً في الحكومة الفيدرالية، والدعوة إلى عقد المؤتمر العام المتفَق عليه بشأنها، بالتعاون بين الحكومة المركزية والإدارة المحلية.

وعقب يومين من الاعتراف، استقبل شيخ محمود بالقصر الرئيس زعيم ولاية خاتمة، وبحثا أوضاع التنمية وبناء الدولة بالولاية، مجدِّداً دعمه لإنشاء ولايته.

وبعد أقل من شهر، قام وزير التجارة الصومالي، محمود آدم غيسود، في 6 يوليو الجاري، بزيارة إلى مدينة لاسعانود، مقر حكومة إقليم خاتمة؛ وذلك بهدف «المشاركة في جهود توحيد محافظتيْ سول وسناغ»، وفق «وكالة الأنباء الصومالية».

ويرى عبد الولي بري جامع أن «الأنسب لمقديشو هو استخدام الحوار السياسي لتقريب وجهات النظر مع بونتلاند وأرض الصومال، ووساطة شيوخ القبائل والمؤسسات التقليدية التي لها وزن كبير في المنطقة، وتقديم ضمانات سياسية وتنموية بأن الإدارة الجديدة لن تكون خصماً لأي طرف، بل ستكون أداة للتنمية وتحقيق الاستقرار».

ويعتقد أن الحل الوسط مع الاهتمام الصومالي الرسمي بالإدارة المنتظرة هو «التوافق على إدارة مؤقتة محلية تُعطى صلاحيات محدودة، بإشراف مشترك بين بونتلاند وأرض الصومال والحكومة الفيدرالية، والاتفاق على إجراء استفتاء محلي أو مشاورات شعبية واسعة ليقرر السكان مستقبل إدارتهم، والتركيز على تنمية اقتصادية وخدمات عامة في المنطقة، بدلاً من الخلافات السياسية».

ويستبعد عبد الله أحمد إبراهيم إمكانية التوصل لحل وسط، في الوقت الحالي، في ضوء أنه «لا توجد علاقة بين الحكومة الفيدرالية وإقليميْ بونتلاند وأرض الصومال، والحل سيكون عبر إقناع العشائر وكسب ولائهم فقط، ومَن يكسب تلك الجولة فسيحدد مسار الإدارة الجديدة، ولذا رأينا زيارة وزير التجارة الأخيرة، لدعم ذلك المسار في لاسعانود».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال» خطوة باطلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

قررت إسرائيل تعيين ممثل دبلوماسي غير مقيم في «أرض الصومال»، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال محادثات مع نظيره الأوغندي بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مصر تبحث مع أوغندا وإريتريا تعزيز التعاون الاقتصادي لمواجهة التحديات

محادثات مصرية مع كل من أوغندا وإريتريا بهدف حفظ استقرار «القرن الأفريقي» و«حوض النيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مصر تنفي دخول أي شحنات غذائية بها أي مستويات إشعاعية إلى البلاد

صورة لوسط العاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
صورة لوسط العاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
TT

مصر تنفي دخول أي شحنات غذائية بها أي مستويات إشعاعية إلى البلاد

صورة لوسط العاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
صورة لوسط العاصمة القاهرة (أ.ف.ب)

نفت الحكومة المصرية، الأربعاء، دخول أي شحنات غذائية بها أي مستويات إشعاعية إلى البلاد.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، في بيان صحافي، الأربعاء، إن ما تم تداوله بشأن السماح بدخول واردات غذائية تحتوي على نسب من الإشعاع معلومات غير موثقة تُثير البلبلة.

وأوضح أنه بالتواصل مع الهيئة القومية لسلامة الغذاء أفادت بأن جميع الواردات الغذائية تخضع لمنظومة رقابية متكاملة تُطبق وفق أحدث المعايير الدولية لسلامة الغذاء، وذلك تحت إشراف الجهات المعنية، وفي مقدمتها الهيئة القومية لسلامة الغذاء، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وشددت الهيئة على أنه يجري فحص الشحنات الغذائية من خلال آليات علمية دقيقة، تشمل القياس الإشعاعي، وذلك وفقاً لنظام تقييم المخاطر المعتمد، كما تُطبق آليات الفحص والاختبارات بنسبة 100 في المائة على الدول أو المناطق المصنفة «ذات خطورة إشعاعية مرتفعة»، بالتعاون مع هيئة الطاقة الذرية.

وأشارت الهيئة إلى أنه حال ثبوت تلوث أي شحنة غذائية بملوثات إشعاعية -حتى إن كانت ضمن الحدود المسموح بها في بعض الدول- لا يسمح بدخولها إلى البلاد، ويتم اتخاذ الإجراءات القانونية الفورية، وعلى رأسها رفض الشحنة وإعادة تصديرها من ميناء الوصول، دون السماح بتداولها داخل السوق المحلية.

وأكدت الهيئة أنه لا يُسمح بوجود أي مستويات من الإشعاع في الشحنات الغذائية الواردة، مع استمرارها في أداء دورها الرقابي بكل حزم وشفافية، بما يضمن حماية صحة وسلامة المواطنين.


مصر تشدد على عمق ومتانة العلاقات مع السعودية

لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)
لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تشدد على عمق ومتانة العلاقات مع السعودية

لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)
لقاء مصطفى مدبولي الأربعاء مع سفير السعودية لدى مصر في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

شددت مصر على عمق ومتانة العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية. وتحدث رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عن «الحرص المتبادل على دفع أوجه التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يُحقق صالح الشعبين الشقيقين».

جاء ذلك خلال لقاء مدبولي، الأربعاء، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مصر، صالح بن عيد الحصيني، في مقر مجلس الوزراء بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، حيث بحثا عدداً من الموضوعات والقضايا ذات الاهتمام المشترك، في إطار العلاقات الوثيقة التي تجمع بين البلدين الشقيقين.

ورحب رئيس الوزراء المصري بالسفير السعودي، مشيراً إلى «استمرار مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك».

واستعرض الجانبان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وزيادة حجم التبادل التجاري المشترك، فضلاً عن بحث فرص الاستثمار المتاحة في مصر في عدد من القطاعات الواعدة.

كما تناول اللقاء متابعة عدد من مشروعات التعاون المشتركة، وتأكيد «أهمية تذليل أي تحديات قد تواجه المستثمرين، والعمل على تهيئة بيئة أعمال جاذبة ومحفزة، في ضوء ما تنفذه الدولة المصرية من إصلاحات اقتصادية وهيكلية شاملة».

وأعرب السفير السعودي عن تقديره لحفاوة الاستقبال، مؤكداً «اعتزاز بلاده بالعلاقات الراسخة مع مصر، وحرصها على تعزيز أطر التعاون المشترك في مختلف المجالات، لا سيما في ضوء الروابط الأخوية التي تجمع قيادتي البلدين».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، جرى خلال اللقاء «الاتفاق على استمرار التنسيق خلال المرحلة المقبلة، والعمل على دفع مسارات التعاون المشترك في شتى المجالات، بما يعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ويحقق مصالحهما المشتركة».


مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: الحكومة تتعامل مع الحرب الإيرانية «كأزمة ممتدة» وتشيد بالاستجابة لـ«الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حاضراً مجلس النواب يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

بعد مطالبات برلمانية وجدل بشأن عدم قيام الحكومة المصرية بتقديم بيان عملها أمام السلطة التشريعية بالتزامن مع قرارات عديدة اتخذتها منذ اندلاع الحرب الإيرانية، قدّم رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بياناً، الثلاثاء، أمام مجلس النواب ركز على أضرار الحرب وآليات التعامل مع تداعياتها، إلى جانب حديثه عن رؤية عامة لخطوات حكومته المستقبلية.

وأفصح مدبولي عن أن الحكومة المصرية تتعامل مع التصعيد الراهن في المنطقة «كأزمة ممتدة» يصعب الجزم بتوقيت انتهائها في ظل تعقيد وتشابك الأوضاع الإقليمية والدولية، مؤكداً أن «انتهاءها، وإن تحقق من الناحية الشكلية، لا يعني بالضرورة زوال آثارها»، ورجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الحالي.

وفي الوقت ذاته أشاد مدبولي باستجابة المواطنين لقرارات «الترشيد»، مضيفاً أن «الحكومة كانت تدرك تماماً مدى صعوبة تطبيق بعض الإجراءات، وَوَقْعها على نفوس المصريين، خاصة ما يتعلق بقرار غلق المحال التجارية في ساعة مبكرة».

وبدأت الحكومة المصرية في 28 مارس (آذار) الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في 10 مساءً لمدة شهر، قبل أن تخفف من تلك الإجراءات في 9 أبريل (نيسان) الحالي، حيث عدلت مواعيد غلق المحال التجارية ومدها إلى الساعة 11 مساءً حتى يوم 27 أبريل، وهو موعد نهاية الفترة المحددة لتطبيق «القرارات الاستثنائية».

وبالتزامن مع انتقادات وجهها البعض للحكومة بشأن جدوى إجراءات «الغلق المبكر»، إلى جانب عدم الرضا عن قرارات زيادة أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة بعد أيام من اندلاع الحرب، تضّمن بيان مدبولي الإشارة إلى القفزة في فاتورة استهلاك الطاقة شهرياً من 560 مليون دولار إلى نحو مليار و650 مليون دولار، بزيادة قدرها مليار و100 مليون دولار شهرياً لتأمين احتياجات الكهرباء والصناعة.

جانب من اجتماع سابق للحكومة المصرية (مجلس الوزراء المصري)

وتطرق رئيس الوزراء المصري إلى أضرار الحرب عالمياً وتأثر مصر بها، بينها خسائر قطاع السياحة في منطقة الشرق الأوسط بنحو 600 مليون دولار نتيجة إلغاء رحلات جوية وتراجع حركة السفر، حسب «المجلس العالمي للسفر والسياحة»، إلى جانب زيادة أسعار الغذاء مع ارتفاع مؤشر منظمة «الفاو» بنسبة 2.4 في المائة عن مستواه في فبراير (شباط) الماضي، والتحذيرات من اضطراب سلاسل الإمداد، واصفاً الوضع بأنه «الأعنف منذ جائحة (كورونا) وبداية الحرب في أوكرانيا».

ورغم عدم وضوح الرؤية بشأن مستقبل ما سوف تتخذه الحكومة المصرية من إجراءات لتجاوز التداعيات الاقتصادية، لاقى بيان مدبولي أمام مجلس النواب ترحيباً برلمانياً، بما في ذلك المعارضة.

وقالت إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب «الإصلاح والتنمية» (معارض)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن رئيس الوزراء استجاب لمطالب رؤساء الهيئات البرلمانية بضرورة حضوره إلى مجلس النواب وإعلان خطة حكومته للتعامل مع التداعيات الاقتصادية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن البيان لم يتضمن كثيراً من التفاصيل المرتبطة بالخسائر التفصيلية التي تعرض لها الاقتصاد المصري والقرارات التنفيذية المتوقعة للتعامل معها، وركز في مجمله على شرح لطبيعة الأوضاع الراهنة.

وأحال رئيس مجلس النواب المصري، المستشار هشام بدوي، بيان رئيس الحكومة أمام الجلسة العامة إلى اللجان النوعية المختصة لدراسته وإعداد تقرير بشأنه.

المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي)

واعتبر أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، حسن سلامة، أن بيان مدبولي أمام مجلس النواب «يعد تأكيداً على الصلة المؤسسية بين السلطة التنفيذية والتشريعية... وليست هناك أهمية أكبر من الأزمة الإقليمية الراهنة وتداعياتها الداخلية المختلفة لخلق مشاركة شعبية حقيقية في القرارات عبر النواب الذين يمثلونهم، وأن تكون هناك لحظة مواجهة بين الحكومة والبرلمان».

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن رئيس الوزراء المصري أعاد سرد ما اتخذته الحكومة من إجراءات سابقة وحرص على توضيح اتخاذ العديد من الدول الأخرى إجراءات مماثلة، مشيراً إلى أن المواطنين كانوا بحاجة للتعرف على تفاصيل الموقف الحكومي بشأن تمديد إجراءات الترشيد الاستثنائية والاستماع إلى حلول خارج الصندوق.

وتحدث مدبولي عن خطط مستقبلية عامة مثل مواصلة دعم النشاط الاقتصادي عبر تنفيذ الخطة الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026 - 2027، التي تتضمن ضخ استثمارات كلية تقدر بـ3.8 تريليون جنيه وتستهدف تمكين دور القطاع الخاص كقاطرة للتنمية برفع نسبة مساهمته في الاستثمارات الكلية إلى 60 في المائة، وتعظيم الاستفادة من الطاقة الجديدة والمتجددة، والتنسيق مع الجهات المعنية لتسريع الإفراج عن الشحنات الواردة، فضلاً عن العمل على تنويع مصادر الاستيراد، بما يضمن تغطية الاحتياجات لفترة زمنية مقبلة.