الجزائر تُسرّع وتيرة تحلية مياه البحر لتفكيك «قنبلة العطش»

مجهود ضخم للخروج من «منطقة الإجهاد المائي»

الرئيس الجزائري خلال إطلاق تشغيل محطة لتحلية مياه البحر غربي العاصمة (الرئاسة)
الرئيس الجزائري خلال إطلاق تشغيل محطة لتحلية مياه البحر غربي العاصمة (الرئاسة)
TT

الجزائر تُسرّع وتيرة تحلية مياه البحر لتفكيك «قنبلة العطش»

الرئيس الجزائري خلال إطلاق تشغيل محطة لتحلية مياه البحر غربي العاصمة (الرئاسة)
الرئيس الجزائري خلال إطلاق تشغيل محطة لتحلية مياه البحر غربي العاصمة (الرئاسة)

تفيد تقارير خبراء جزائريين بشأن «الإجهاد المائي» الذي تعاني منه البلاد بأنّ الحكومة مطالَبة بالبحث عن حلّ عاجل لأزمة العطش، تفادياً لتفاقمها على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية.

كما يرى هؤلاء الخبراء أن خطط تطوير الزراعة، التي تم إطلاقها عام 2020، تتطلب مشروعات طويلة الأمد تقوم أساساً على مبدأ العدالة في توزيع المياه.

وبمناسبة الذكرى الثالثة والستين لاستقلال الجزائر، أعلنت مجموعة «سوناطراك» للمحروقات في بيان، الأحد، عن بلوغ المرحلة النهائية من مسار الدخول التدريجي في الإنتاج بمحطة تحلية مياه البحر «تيغرمت» بولاية بجاية، على مسافة 250 كيلومتراً شرق العاصمة «وذلك تنفيذاً للبرنامج الوطني التكميلي الرامي إلى تعزيز الأمن المائي».

محطة تحلية مياه البحر الجديدة في ولاية بجاية شرقي العاصمة (شركة سوناطراك)

وكانت المحطة قد أُدخلت حيِّز الخدمة في 18 يونيو (حزيران) الماضي، من خلال تشغيل الوحدة الإنتاجية الأولى بطاقة 30 ألف متر مكعب يومياً، على أن تُرفع وتيرة الإنتاج تدريجياً وفقاً للبرنامج الموضوع والبروتوكول الفني المتفق عليه بين «الشركة الجزائرية للطاقة» (فرع مجموعة «سوناطراك») و«المؤسسة الجزائرية للمياه» الحكومية.

وأشار البيان إلى أن القدرة الإنتاجية الحالية للمحطة تصل إلى 90 ألف متر مكعب يومياً، ومن المرتقب أن ترتفع إلى 120 ألف متر مكعب يومياً في غضون أيام.

ووصف البيان مصنع تحلية البحر الجديد بـ«الحيوي»، مبرزاً أنه ضخَّ أكثر من 215730 متراً مكعباً من المياه بين تاريخ بداية تشغيله إلى الخامس من يوليو (تموز) الحالي.

وأضاف أن المياه المحلاة «مطابقة للمعايير المعتمدة»، وقد تم توجيهها نحو شبكة التوزيع التابعة لـ«مؤسسة الجزائرية للمياه»، «مما يعكس النجاعة التشغيلية التدريجية لهذا المشروع».

خلال إطلاق مصنع لتحلية مياه البحر بغرب الجزائر في أول فبراير 2025 (سوناطراك)

ووفق «سوناطراك»، تُعد محطة بجاية من بين المشروعات الاستراتيجية المُدرَجة ضمن البرنامج الوطني التكميلي الأول الخاص بتحلية مياه البحر. وقالت إنه من المرتقب أن يسهم، عند بلوغه كامل طاقته الإنتاجية المقدّرة بـ300 ألف متر مكعب يومياً، في تزويد ما يقرب من ثلاثة ملايين نسمة بالمياه الصالحة للشرب.

وتعهَّدت المجموعة الاقتصادية الأكبر في البلاد بـ«أداء دورها الكامل للمساهمة في تحقيق أهداف الأمن المائي، وتعزيز مسارات التنمية المستدامة عبر مختلف جهات الوطن».

«إنجاز غير مسبوق» بالجزائر

من أبرز التطورات التي شهدها المشروع الكبير الخاص بتحلية مياه البحر، إطلاق أربع محطات خلال هذا العام، تصل القدرة الإنتاجية لكل محطة إلى 300 ألف متر مكعب يومياً، ومن المرتقب أن ترفع نسبة تغطية احتياجات البلاد من المياه الصالحة للشرب عبر التحلية، من 18 في المائة إلى 42 في المائة، ما يُبرز حجم الجهود المبذولة في هذا المجال.

وتم إنجاز هذه المحطات في أقل من 26 شهراً ضمن خطة استعجالية، لترتفع بذلك عدد محطات التحلية العاملة في البلاد إلى 19 محطة، ما أسهم في ارتفاع القدرة على إنتاج المياه المحلاة من 2.2 مليون متر مكعب في اليوم إلى 3.7 مليون متر مكعب يومياً؛ ما يسمح بتلبية احتياجات نحو 15 مليون مواطن من مياه الشرب، حسب تقديرات وزارة الموارد المائية.

وتُصنّف الجزائر اليوم في المرتبة الأولى أفريقياً والثانية عربياً، بعد المملكة العربية السعودية، من حيث القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة.

محطة تحلية مياه البحر في ولاية تيزي وزو شرقي العاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

وتتميز المحطات الجديدة بأنها مُنجَزة بالكامل بأيادٍ جزائرية، عبر شركات محلية تابعة لمجموعة «سوناطراك» وشركة «كوسيدار» للبناء والأشغال العامة، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ البلاد، وفق خبراء في هذا المجال.

سدود وشبكات ربط مائي

أما المشروع الاستراتيجي الآخر الذي تقوده السلطات العمومية، فيتمثل في بناء السدود وشبكات الربط المائي بين المحافظات. وتضم الجزائر حالياً أكثر من 80 سداً بسعة تخزين إجمالية قدرها 8.3 مليار متر مكعب، مع مشروعات مستقبلية تهدف إلى رفع هذه السعة إلى 12 مليار متر مكعب بحلول عام 2030.

ويصل معدل الربط بشبكة المياه الصالحة للشرب على المستوى الوطني إلى 98 في المائة، وتقول الحكومة إن ذلك يجعل الجزائر من الدول الأكثر تقدماً في هذا المجال.

كما سيتم إطلاق ست محطات تحلية جديدة بداية من سنة 2026، بنفس القدرة الإنتاجية (300 ألف متر مكعب يومياً لكل واحدة منها)، وذلك في ولايات سكيكدة وجيجل وتيزي وزو في الشرق، والشلف في الوسط الغربي، ومستغانم وتلمسان في الغرب، بهدف بلوغ نسبة تغطية تفوق 60 في المائة دون اللجوء إلى استغلال المياه الجوفية، حسب تقديرات الحكومة التي أعلنت في بداية العام عن خطة تتمثل في تطوير تكنولوجيا التحلية محلياً باستخدام أغشية التناضح العكسي.

محطة لتحلية مياه البحرفي شرق العاصمة (متداولة)

وكانت وزارة الموارد المائية قد أعلنت، مطلع 2023، أن الجزائر باتت من ضمن الدول الفقيرة من حيث مصادر المياه، بسبب فترات جفاف طويلة ومتكررة، مع عجز في نسب تساقط الأمطار بلغ بين 40 و50 في المائة خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بالمعدلات السنوية الماضية، خصوصاً في الجهتين الوسطى والغربية للبلاد.

وأوضحت الوزارة أن نقص وشح الأمطار بفعل التغيرات المناخية أثَّر بقوة على تزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب، وقد برزت آثار هذه التحولات جلياً على 20 محافظة، من أصل 58 بالبلاد.

وأشارت الوزارة إلى أن الجزائر تعاني، على غرار دول البحر المتوسط، عجزاً مائياً ناجماً عن التغيرات المناخية التي أثرت كثيراً على الدورات الطبيعية للمتساقطات المطرية.

مظاهرات بغرب الجزائر في صيف 2024 بسبب ندرة المياه (متداولة)

ونشبت مظاهرات كبيرة في بداية صيف 2024 في ولاية تيارت، على بعد 300 كيلومتر غرب العاصمة، بسبب انقطاع المياه عن سكان المحافظة نتيجة جفاف السد المحلي.

وأوفدت الحكومة كبار مسؤوليها إلى المنطقة لتهدئة الغضب، وأطلقوا وعوداً بـ«تفكيك قنبلة العطش» في أقرب وقت.


مقالات ذات صلة

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

شمال افريقيا بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

سلطات الجزائر تتحرك لتفكيك معارضة الخارج وعزل جناحها الراديكالي

بدأت السلطات الجزائرية بتنفيذ خطة تهدف إلى تفكيك شبكة المعارضين في الخارج وعزل أكثرهم راديكالية، عبر «إجراءات تهدئة» تقضي بإنهاء الملاحقات الأمنية لهم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)

الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

تباينت ردود الفعل إزاء «تدابير تهدئة» أصدرتها الرئاسة الجزائرية لصالح معارضين في الخارج، بين ترحيب وتوجس.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الصحف الجزائرية تنتقد الخروج من أمم أفريقيا (رويترز)

صحف الجزائر تنتقد منتخب بلادها... وتهاجم التحكيم

أقرت الصحف الجزائرية بأفضلية منتخب نيجيريا لكنها أجمعت بالوقت نفسه على انتقاد التحكيم وذلك في التعليق على خروج منتخب بلادها من كأس أمم أفريقيا 2025

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
TT

مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)

تتطلع مصر إلى التوسع في تجربة التعليم الياباني؛ حيث دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى «مضاعفة عدد المدارس اليابانية المستهدفة في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، وزيادة أعداد الخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارة هذه المدارس».

وأنشأت الحكومة «المدارس المصرية-اليابانية»، بهدف تطبيق مناهج متطورة، تستلهم فلسفة التعليم اليابانية. ووصل عدد هذه المدارس حتى نهاية عام 2025 إلى 69 مدرسة، كما تُشارك اليابان في تطوير مناهج الرياضيات بما يتوافق مع مخرجات التعليم الياباني.

واستقبل الرئيس السيسي، في القاهرة، الخميس، وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني، ماتسوموتو يوهي، في حضور وزير التربية والتعليم المصري، محمد عبد اللطيف، وسفير اليابان في القاهرة، إيواي فوميو.

وأكد السيسي «اعتزاز مصر بعلاقات التعاون الوثيقة والممتدة مع اليابان في مختلف المجالات، ولا سيما التعليم، مشيداً بالمساهمة اليابانية البارزة في مشروع إنشاء المتحف المصري الكبير وبنجاح مشروع المدارس المصرية-اليابانية». وأشار إلى «اهتمام مصر بزيادة عدد هذه المدارس في مختلف المحافظات، وتعزيز مشاركة وزيادة عدد المديرين والخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارتها».

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال استقبال وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني (الرئاسة المصرية)

ولفت الوزير الياباني ماتسوموتو يوهي إلى أن زيارته لمصر هي الأولى خارجياً منذ توليه مهام منصبه، ما يعكس حرص بلاده على تعزيز التعاون مع مصر في مجال التعليم. مؤكداً أن «مشروع المدارس المصرية-اليابانية يمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون التنموي والدعم الذي تقدمه اليابان لشركائها في أفريقيا والشرق الأوسط».

وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، إن اللقاء تناول آفاق تطوير العلاقات التعليمية بين مصر واليابان، بما يشمل التعاون في تطوير المناهج المصرية وتدريس مادة البرمجيات لنحو 750 ألف طالب وفق المناهج اليابانية، بالإضافة إلى التعاون في التعليم الفني، وتأهيل المعلمين المصريين لتدريس اللغة والمناهج اليابانية، ودعم برامج تعليم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

كما جرى بحث سبل توسيع نطاق المدارس اليابانية في مصر لتكون نموذجاً يمكن تعميمه في أفريقيا والمنطقة العربية. وشدد السيسي خلال اللقاء على «أهمية الاستفادة من التجربة اليابانية المتميزة في الانضباط والرؤية التعليمية، والعمل على تكثيف برامج التبادل الطلابي بين البلدين».

مصر تتطلع إلى مضاعفة العدد المستهدف من المدارس اليابانية (الرئاسة المصرية)

وأكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال اجتماع حكومي في ديسمبر الماضي، أن «الحكومة تدعم نجاح مشروع المدارس اليابانية في مصر والتوسع فيه تنفيذاً لتوجيهات الرئيس السيسي». مشيراً إلى «حرص مصر على الاستفادة من التجارب التعليمية العالمية الرائدة بما يتماشى مع رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري، وزيادة عدد المدارس اليابانية والخبراء اليابانيين العاملين في مصر لتحقيق طفرة تعليمية نوعية».

وبدأت مصر تدريس مادة «البرمجة والذكاء الاصطناعي» لطلاب الصف الأول الثانوي بالتعاون مع مؤسسة «سبريكس» اليابانية، عبر منصة «كيريو»، وفقاً لما أعلنته وزارة التعليم المصرية في وقت سابق.


القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
TT

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت إلى محاكمة 81 شخصاً قبل أربع سنوات، صدرت في حق 49 منهم أحكام بالإعدام. وعُرفت القضية بـ«جريمة قتل والتنكيل بالشاب جمال بن إسماعيل» في خضم حرائق القبائل التي خلّفت مئات القتلى ودماراً واسعاً في الممتلكات.

وأكد محامون يشتغلون على الملف لصحافيين، أن «المحكمة العليا»، وهي أعلى هيئة في القضاء المدني، نقضت الأحكام وقررت إعادة الملف إلى «الغرفة الجزائية بمجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، مجدداً لتنظيم محاكمة جديدة في 1 مارس (آذار) المقبل، وهذا بعد أكثر من عامين من صدور الأحكام في الدرجة الثانية من التقاضي.

تفاعل سياسي

وأحدث هذا القرار تفاعلاً لدى قطاع من الطيف السياسي في البلاد، إذ دعا «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، إلى توفير ضمانات المحاكمة العادلة بما يحفظ كرامة الإنسان، مشدداً على أن الملف «يجسد نموذجاً للعدالة المستعجلة».

واعتبر الحزب، الذي يملك حضوراً لافتاً في منطقة القبائل شرق العاصمة، أن «سياق القضية طغى عليه الانفعال الجماعي والاعتبارات السياسية، ما أسفر عن تهميش الضمانات القانونية الأساسية»، مشيراً إلى أن الإجراءات المتبعة والأحكام الصادرة «كانت محل طعن وعدَت غير متناسبة، مما خلف جرحاً عميقاً لدى عائلات المعتقلين والرأي العام».

قفص الاتهام

وعرفت القضية أيضاً بـ«أحداث الأربعاء ناث إيراثن» (بلدة في القبائل الكبرى حيث جرت الأحداث). ومنذ بداياتها الأولى، تبنى «التجمع من أجل الديمقراطية» بقيادة رئيسه عثمان معزوز، خطاً واضحاً يرتكز على التنديد بـ«التوظيف السياسي للجهاز القضائي»، والدفاع عن قرينة البراءة وحقوق الدفاع، ومواجهة ما سمّاه «حملات الوصم والترهيب التي طالت الأصوات الناقدة للمسار القضائي».

وأكد الحزب، في بيانه، أنه «صمد في موقفه هذا رغم العزلة والمناخ العدائي الذي ساد في فترات معينة»، مؤكداً «تضامنه الكامل مع المعتقلين وذويهم».

وفي أعقاب الإعلان عن موعد المحاكمة، بادر سكان منطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى تنظيم لقاء تشاوري خصص لمناقشة وضعية المعتقَلين من أبناء المنطقة، حيث أتاح اللقاء لعائلاتهم فرصة التعبير عن معاناة عميقة وإحساس متزايد بالظلم حيال ملف قضائي لا يزال معلقاً، ومشحوناً بأحكام قاسية، وفق ما أكده محامون ترافعوا في القضية.

ومع اقتراب موعد الجلسة المقبلة، يؤكد «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» أن «إعادة فتح المحاكمة ينبغي أن تتحرر من كل ضغط سياسي، لتكون محطة حقيقية لفحص دقيق وموضوعي لمجمل الملف، واحترام صارم لمبادئ دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة، واستعادة مصداقية العدالة عبر أحكام لا تنطق إلا باسم الحقيقة».

وكانت محكمة الجنايات بالدار البيضاء في العاصمة الجزائرية، أصدرت في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أحكامها في «قضية مقتل الشاب جمال بن إسماعيل»، وجاءت الأحكام متفاوتة بين الإعدام والبراءة. إذ قضت المحكمة بالإعدام في حق 49 متهماً، وبالسجن النافذ لمدة عشر سنوات ضد 15 متهماً آخرين، فيما استفاد 17 شخصاً من أحكام البراءة.

مدانون بالإعدام في قضية الانتماء إلى ماك وحرائق القبائل (الشرطة)

وقد استمرت أطوار المحاكمة عدة أيام، تخللتها عروض لمقاطع مصورة صادمة توثق وقائع الجريمة. وكانت النيابة العامة قد التمست توقيع عقوبة الإعدام على 74 متهماً، على خلفية تورطهم في قتل وحرق جمال بن إسماعيل خلال شهر أغسطس (آب) 2021، على هامش الحرائق المدمّرة التي اجتاحت منطقة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو. وأودت النيران المستعرة بحياة 90 شخصاً، زيادة على هلاك مواشي السكان وحقولهم والعطاء النباتي في المنطقة.

وتم تثبيت الأحكام في درجة الاستئناف عام 2023، وسط احتجاج كبير للمحامين وعائلات المدانين، علماً أن تنفيذ حكم الإعدام في الجزائر مجمَد منذ أكثر من 30 سنة، على خلفية ضغوط دولية أجنبية في سياق الاقتتال بين قوات الأمن الجزائرية والجماعات الإسلامية المتطرفة، وهي فترة تعرف بـ«العشرية السوداء».

وبث الأمن الجزائري «اعترافات» لعدد كبير من المعتقلين بعد الأحداث، أكدوا كلهم أنهم وراء النيران المستعرة، وأنهم أشعلوا المنطقة بأوامر من رئيس تنظيم «حركة الحكم الذاتي في القبائل» (تحول لاحقاً إلى حركة تقرير مصير القبائل) فرحات مهني، الذي يتحدر من المنطقة، ويقيم منذ سنوات طويلة بفرنسا بصفته لاجئاً سياسياً، الذي أعلن في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2024 «دولة القبائل المستقلة» في خطوة تصعيدية جديدة مع الجزائر.

قصاص تحت ضغط الشارع

كان جمال بن إسماعيل، البالغ من العمر 38 عاماً يوم الأحداث، قد توجه طوعاً إلى بلدة الأربعاء ناث إيراثن، للمشاركة في إخماد الحرائق.

الشاب القتيل جمال بن إسماعيل (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

غير أن الشبهات سرعان ما لاحقته من طرف بعض سكان البلدة، على خلفية كونه غريباً عن المنطقة، حيث جرى اتهامه من دون تثبت، بالضلوع في إشعال الحرائق. وإزاء ذلك، بادر جمال إلى تسليم نفسه لقوات الشرطة طلباً للحماية، لكن حشداً من المواطنين الغاضبين انتزعه من أيدي عناصر الأمن، واعتدى عليه بوحشية قبل أن يحرق حيّاً، مع التنكيل بجثته، في مشاهد وثقت وبثت مباشرة عبر منصة «فيسبوك».

وأظهرت المقاطع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حشوداً هائجة تطوق سيارة الشرطة التي كان بداخلها، قبل أن تسحبه منها وتنهال عليه ضرباً بينما كان جمال يتوسَل إليه أن يتركوه «لأنني بريء والله بريء ياخاوتي». وبعد تعذيبه، أضرم النار في جسده، فيما ظهر شبان يلتقطون صوراً تذكارية إلى جانب جثته.

وقد أثارت هذه الجريمة صدمة وغضباً عارمين في مختلف أنحاء البلاد، رافقها تداول واسع للصور والمقاطع مرفقة بوسم #العدالة_لجمال_بن_إسماعيل.

ويرى عدد معتبر من المحامين المتابعين لهذا الملف أن لجوء القضاء إلى نقض الأحكام يندرج في إطار تصحيح أخطاء نتجت عن قرارات اتُّخذت على عجل، في ظل ضغط رأي عام كان يطالب بالقصاص.


ارتياح مصري بعد اقتصار تعليق التأشيرات الأميركية على «المهاجرين»

اقتصار تعليق التأشيرات على طلبات اللجوء يطمئن العاملين في المجال السياحي المصري (رويترز)
اقتصار تعليق التأشيرات على طلبات اللجوء يطمئن العاملين في المجال السياحي المصري (رويترز)
TT

ارتياح مصري بعد اقتصار تعليق التأشيرات الأميركية على «المهاجرين»

اقتصار تعليق التأشيرات على طلبات اللجوء يطمئن العاملين في المجال السياحي المصري (رويترز)
اقتصار تعليق التأشيرات على طلبات اللجوء يطمئن العاملين في المجال السياحي المصري (رويترز)

أبدى خبراء مصريون وعاملون في مجال السياحة ارتياحهم، بعدما تراجعت شبكة «فوكس نيوز» الأميركية عن تقريرها، الصادر الأربعاء بشأن تعليق كافة أنواع التأشيرات لمواطني 75 دولة بينها مصر؛ إذ أوضحت الشبكة الأميركية أن القرار الصادر عن وزارة الخارجية يقتصر حصراً على «تأشيرات الهجرة»، ولا يشمل السياحة أو العمل أو الدراسة.

وجاء التصحيح بعد ردود فعل واسعة؛ إذ سارع الاتحاد الروسي لصناعة السياحة إلى إعلان توقف التدفق السياحي لأميركا «إلى أجل غير مسمى» بناء على الخبر الخاطئ، وفي مصر أكد عاملون بمجال السياحة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن حركة السياحة والرحلات التعليمية كانت ستتوقف بشكل كامل مع تأثيرات بالغة على النشاط الاقتصادي بين البلدين إذا جرى تعليق كل أنواع التأشيرات.

وأعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء، تعليق معالجة «تأشيرات الهجرة» إلى أجل غير مسمى من 75 دولة، في توسيع جديد لحملة إدارة الرئيس دونالد ترمب على الهجرة، ويشمل تعليق المعالجة دولاً بينها البرازيل وكولومبيا ومصر واليمن والجزائر وهايتي والصومال وإيران وروسيا.

لا يسري قرار تعليق إصدار التأشيرات على تأشيرات غير المهاجرين، مثل تأشيرات الطلاب والسياحة، وبالتالي لن يشمل الراغبين في السفر إلى الولايات المتحدة لحضور كأس العالم هذا الصيف.

وأفاد مسؤول أميركي بأن التعليق سيبدأ في 21 يناير (كانون الثاني)، بحسب شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقال عضو غرفة شركات ووكالات السفر والسياحة في مصر، مجدي صادق، إن حركة السياحة بين مصر والولايات المتحدة لن تتأثر بالقرارات الأخيرة، وكذلك البعثات التعليمية وحركة الطلاب، غير أن التأثير سيكون على طلبات الهجرة، التي كان يلجأ إليها البعض نتيجة الإجراءات المشددة التي تفرضها الولايات المتحدة على إصدار التأشيرات بوجه عام، مشيراً إلى أن تنظيم رحلات جماعية لأفواج من السياحة المصرية إلى الولايات المتحدة هو أسهل سبل الحصول على التأشيرات.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن من حصلوا في السابق على تأشيرات سياحية سيكون بإمكانهم تجديدها، وكذلك الوضع بالنسبة للطلاب الذين يدرسون في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن التأثير يبقى على من يستهدفون الهجرة إلى الولايات المتحدة للإقامة الدائمة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)

المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، قال في بيان الأربعاء: «إن وزارة الخارجية ستستخدم صلاحياتها القانونية القائمة منذ فترة طويلة لاعتبار غير المؤهلين للهجرة ممن قد يشكلون عبئاً عاماً على الولايات المتحدة، ويستغلون كرم الشعب الأميركي». وأضاف: «سيتم تعليق الهجرة من هذه الدول الـ75 إلى حين إعادة تقييم إجراءات معالجة طلبات الهجرة، بهدف منع دخول أجانب قد يعتمدون على برامج الرفاه والمساعدات العامة».

وأكدت «الخارجية» الأميركية أن الاستثناءات من هذا القرار ستكون «محدودة للغاية»، ولن تُمنح إلا بعد التأكد من تجاوز المتقدمين معايير بند «العبء العام».

وقال رئيس شعبة السياحة والطيران بالغرفة التجارية سابقاً، عماري عبد العظيم، إن القرارات الأميركية الأخيرة لن يكون لها تأثير لدى حركة السياحة، وإن اقتصارها على «طلبات الهجرة» أثار ارتياحاً لضمان عدم تأثر حركة السياحة وتأشيرات الزيارة المؤقتة لأغراض العمل، وكذلك تأشيرات الإقامة الدائمة بالنسبة للمستثمرين، مشيراً إلى أنه لا يوجد مؤشرات على حجم السياحة المصرية الوافدة إلى الولايات المتحدة، لكنها ليست بالمؤشرات الكبيرة.

وأكد عبد العظيم في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن منح تأشيرات السياحة للأفراد يواجه صعوبات للمصريين الساعين للحصول عليها، وأن شركات السياحة تتولى التنسيق مع السفارات والقنصليات الأجنبية مع وضع برامج مسبقة للزيارة يتم الاتفاق عليها، وهو أمر يختلف بالنسبة للطلاب الذين يذهبون للدراسة، ويكون ذلك بالتنسيق مع المؤسسات التعليمية التي يلتحقون بها.

ويأتي تعليق تأشيرات الهجرة بعد أن وجّهت وزارة الخارجية الأميركية العام الماضي بتشديد الرقابة بموجب بند «العبء على الدولة» في قانون الهجرة، والذي يستهدف من تعتقد إدارة ترمب أنهم سيشكلون عبئاً على الموارد العامة.

وتنص هذه الإرشادات على رفض التأشيرات للمتقدمين الذين يُحتمل اعتمادهم على المساعدات العامة، بناءً على عدة معايير تشمل: الحالة الصحية، والعمر، وإتقان اللغة الإنجليزية، والوضع المالي، وحتى احتمالية الحاجة إلى رعاية طبية طويلة الأمد.

وبموجب هذه القواعد قد تُرفض طلبات كبار السن أو من يعانون من السمنة، وكذلك من سبق لهم الحصول على مساعدات نقدية حكومية، أو الإقامة في مؤسسات رعاية.

ولفت نقيب السياحيين في مصر، باسل حلقة، إلى صعوبات تتعلق بالحصول على «تأشيرة السياحة» من مصر إلى الولايات المتحدة في ظل مخاوف أميركية من تكرار وقائع إقدام البعض على ما يمكن وصفه بـ«كسر تأشيرة السياحة» والبقاء داخل الولايات المتحدة بشكل غير شرعي، ثم التقديم على طلب اللجوء الذي يتيح للشخص البقاء لحين البت فيه قانونياً.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تأثيرات التعليق الأخير على حركة السياحة يصعب التكهن بها رغم صدور توضيحات بشأن اقتصاره على طالبي الهجرة، وأن مزيداً من التفاصيل سوف تتحدد خلال الأيام المقبلة مع وصول النشرات التنفيذية إلى السفارات.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت الاثنين الماضي سحب أكثر من 100 ألف تأشيرة دخول منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، وهو عدد قياسي لهذه الإجراءات في خلال سنة.

والشهر الماضي، قالت وزارة الأمن الداخلي إن إدارة ترمب طردت أكثر من 605 آلاف شخص، وإن 2.5 مليون شخص آخر غادروا بمحض إرادتهم.

وقال الخبير في الشؤون الأميركية، إيهاب عباس، إن قرار الولايات المتحدة يأتي في إطار سياسة ينتهجها الرئيس ترمب لتشديد إجراءات دخول بلاده، وإنه عمد إلى اتخاذ إجراءات متدرجة خلال الفترة الماضية وصولاً إلى القرار الأخير، لافتاً إلى أن وجود مصر ضمن القائمة قد يكون له علاقة بإجراءات أميركية أمنية ضد تنظيم «الإخوان المسلمين»، الذي صنفته إرهابياً في مصر مؤخراً.

وأكد عباس في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القرارات الأخيرة لها دلالات أمنية في سياق التعامل مع الجماعات الإرهابية وتجار البشر والمخدرات، إلى جانب منح فرصة للكفاءات التي يمكن أن تستفيد منها الولايات المتحدة ولا تمثل عبئاً عليها، مشيراً إلى أن الإجراءات الحالية يمكن أن تكون مؤقتة، وقد تكون خاضعة لتقييمات عديدة داخل الإدارة الأميركية الحالية أو الإدارات المستقبلية.