تقارب أنقرة وشرق ليبيا يُعيد «مذكرة التفاهم البحرية» إلى الواجهة

«النواب» يتّجه لإقرارها وسط جدل بشأن ثروات مياه «المتوسط»

اتفاق حكومة «الوفاق» الليبية السابقة مع تركيا أعطى أنقرة وطرابلس حقوقاً مشتركة في التنقيب عن النفط في مناطق عدتها اليونان جزءاً من جرفها القاري (الرئاسة التركية)
اتفاق حكومة «الوفاق» الليبية السابقة مع تركيا أعطى أنقرة وطرابلس حقوقاً مشتركة في التنقيب عن النفط في مناطق عدتها اليونان جزءاً من جرفها القاري (الرئاسة التركية)
TT

تقارب أنقرة وشرق ليبيا يُعيد «مذكرة التفاهم البحرية» إلى الواجهة

اتفاق حكومة «الوفاق» الليبية السابقة مع تركيا أعطى أنقرة وطرابلس حقوقاً مشتركة في التنقيب عن النفط في مناطق عدتها اليونان جزءاً من جرفها القاري (الرئاسة التركية)
اتفاق حكومة «الوفاق» الليبية السابقة مع تركيا أعطى أنقرة وطرابلس حقوقاً مشتركة في التنقيب عن النفط في مناطق عدتها اليونان جزءاً من جرفها القاري (الرئاسة التركية)

على مدار الأسبوعين الماضيين، لم ينقطع الحديث عن عزم مجلس النواب الليبي عقد جلسة لمناقشة مذكرة التفاهم المتعلقة بترسيم الحدود البحرية مع تركيا، وسط مؤشرات قوية على التوجّه لإقرارها، ما أثار تساؤلات حول أسباب ما وصفه كثير من المراقبين بـ«التحوّل اللافت» في مواقف هذا المجلس التشريعي الذي سبق أن عارض توقيع تلك الاتفاقية قبل خمس سنوات.

ووفقاً لرؤية العديد من الأصوات السياسية، فإن التقارب الملحوظ بين القوى العسكرية والسياسية في شرق ليبيا وأنقرة خلال الفترة الأخيرة يقف وراء إعادة إخراج تلك الاتفاقية من الأدراج، ومطالبة الحكومة المكلّفة من البرلمان برئاسة أسامة حمّاد بضرورة تشكيل لجنة فنية لدراستها.

أقرّ عضو مجلس النواب الليبي، عصام الجيهاني، بأن مجلسه يواصل دراسة المذكرة التي وُقّعت بين حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج وأنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بالتفصيل؛ وإن كانت في المجمل تصبّ في تعزيز مصالح البلدين الاستراتيجية.

وتحدّث الجيهاني لـ«الشرق الأوسط» عن «احتمالية المطالبة بتعديل بعض بنود المذكرة، التي يرى أنها لا تراعي المصالح الليبية بدرجة كافية، أو قد تتعارض مع الحقوق المشروعة لدول الجوار الشقيقة».

وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه أهمية منطقة «شرق المتوسط»، التي تحتوي –وفقاً لتقارير إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة أخيراً– على نحو 57 في المائة من احتياطي النفط العالمي، إلى جانب معدلات متنامية في إنتاج الغاز، ما يجعلها موقعاً للتنافس الدولي.

حسم القرار البرلماني

من جانبه، وفي ظل ما صدر من تصريحات معارضة للمذكرة من بعض دول منطقة شرق المتوسط، يتوقّع عضو مجلس النواب الليبي، حسن الزرقاء، «ألا يتم حسم القرار البرلماني بالمصادقة عليها أو رفضها خلال جلسة واحدة».

وأرجع الزرقاء رفض مجلسه لتلك المذكرة إلى «توقيعها من قبل حكومة لم يمنحها ثقته، مما دفع كثيراً من أعضائه إلى الانصراف عن تقييم بنودها»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مع تحسّن العلاقات بين الشرق الليبي وأنقرة، تُعرض المذكرة، كما يتوجّب، على السلطة التشريعية المختصة للنظر في إقرارها».

وتعاني ليبيا من الانقسام بين حكومتين: الأولى في الغرب وتتخذ من العاصمة طرابلس مقرًّا لها، والثانية تابعة للبرلمان وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

وكان «الجيش الوطني» قد شنّ حرباً على العاصمة الليبية في أبريل (نيسان) 2019، توقّفت بعد قرابة 13 شهراً، وتحديداً بعد ستة أشهر من قيام تركيا مطلع عام 2020 بنشر عدد من عناصرها ومرتزقة من الفصائل السورية الموالية لها، لمواجهة قوات «الجيش الوطني»، وذلك نتيجة توقيعها مذكرة أخرى لـ«التعاون العسكري والأمني» مع حكومة «الوفاق».

إلا أنه بعد سنوات قليلة من توقّف القتال، ومرحلة من التعاطي الحصري مع حكومة طرابلس، فتحت أنقرة قنوات التواصل بينها وبين قيادات شرق ليبيا، حيث استقبلت مسؤولين بارزين، كان آخرهم صدام، نجل خليفة حفتر، وشقيقه بلقاسم، مدير «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا»، الذي وقّع عقود مشاريع تنموية مع شركات تركية.

واستعرض الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد أمطيريد، جانباً من المكاسب الليبية المتوقّعة لإقرار المذكرة ودخولها حيّز التنفيذ، مثل «توسيع وإضافة مساحات جديدة للمناطق الاقتصادية الخالصة في البحار بما تحويه من ثروات، والأمر ذاته فيما يتعلق بالجرف القاري».

جولة مفاوضات مستقبلية

حقل بترول في منطقة راس لانوف الليبية (الشرق الأوسط)

واعتبر أمطيريد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «شراكة ليبيا وترسيم حدودها مع دول إقليمية كبرى مثل تركيا سيُعزّزان موقفها التفاوضي في أي جولة مفاوضات مستقبلية لترسيم حدودها البحرية مع دول أخرى في ذات المنطقة».

ولفت إلى أن المذكرة «لا تتضمّن حقوق البلاد في المسافة المقابلة لجزيرة كريت من الساحل الليبي، والتي تتداخل فيها المياه الاقتصادية الليبية واليونانية، كونها تتركّز بطول (300) كيلومتر فقط من الساحل الشرقي للبلاد، وتحديداً بين قرية البردي شرقاً وأودية درنة غرباً، بمحاذاة الساحل الجنوبي لتركيا».

وفيما يواصل المسؤولون الأتراك الدفاع عن المذكرة، تستمر اليونان في التشكيك بشرعيتها، معتبرة إياها «اعتداءً على مجالها الحيوي وحقوقها السيادية»، حيث وصفها رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس بأنها «غير مقبولة وغير قانونية ولا أساس لها من الصحة».

وحذّرت أصوات سياسية من تراجع مكاسب ليبيا من الاتفاقية بسبب عدم توحّد قرارها في ظل وجود حكومتين متصارعتين على السلطة، إضافة إلى احتمالية عدم امتلاك الشركات الوطنية للمعدات المتطورة في مجالي التنقيب والاستكشاف.

وذهب رئيس «المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية»، العميد سمير راغب، إلى أن المذكرة تخدم المصالح الليبية على المدى الطويل، ما يجعل البرلمان أمام لحظة مفصلية بين المضيّ قدماً لتأمين تلك المصالح، وبين تحديات الانغماس في نزاعات قانونية بالمنطقة قد تُعيق تنفيذها على أرض الواقع.

وقال راغب لـ«الشرق الأوسط» إن الجانب التركي قد يكون الأكثر استفادة في الوقت الحاضر، لكن ليبيا أيضاً، بإقرار المذكرة، ستُضيف مساحات جديدة لمياهها الاقتصادية في مناطق شرق المتوسط الغنية بالنفط والغاز، منوّهاً إلى أن «الوقت اللازم لبدء استخراج هذه الموارد قد يتزامن مع عملية تدريجية لتسوية الأزمة السياسية والصراع على السلطة».

ووفقاً لرؤية راغب، فإن «المواجهة الحقيقية، حال حدوث أي نزاع دولي حول تنفيذ المذكرة، ستكون بين أنقرة وأثينا»، مشيراً إلى «إمكانية استقطاب أنقرة لدعم واشنطن لمواقفها، خاصة إذا ما حصلت الشركات الأميركية على حصة وازنة في أعمال التنقيب والاستكشاف التركية، مما يُكسب ليبيا دعماً إضافيًّا يتفوّق على دعم الاتحاد الأوروبي لليونان».

وعلى عكس ما يطرحه البعض من وجود موقف مصري قَلِق من مذكرة ترسيم الحدود، يرى راغب أن «موقف القاهرة هو التزام الحياد، في ظل علاقاتها الإيجابية مع الأطراف كافة».


مقالات ذات صلة

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

شمال افريقيا وزيرة العدل الأميركية بام بوندي (أ.ب)

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

أعلنت وزيرة العدل الأميركية، بام بوندي، الجمعة، القبض على زبير البكوش، أحد المشاركين الرئيسيين في الهجوم الدامي الذي استهدف المجمع الأميركي في بنغازي.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف القذافي)

مقربون من سيف القذافي يحسمون الجدل بشأن وفاته: رأينا جثمانه

حسم مقربون من الراحل سيف الإسلام القذافي الجدل بشأن وفاته، مؤكدين أنهم شاهدوا جثمانه بأنفسهم، وتأكدوا من موته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير العدل الأميركية بام بوندي رفقة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، وجانين بيرو، المدعية العامة لمنطقة كولومبيا (أ.ب)

السلطات الأميركية تقبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي

أعلنت وزير العدل الأميركية بام بوندي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ألقى القبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي الذي استهدف القنصلية الأميركية عام 2012.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا جموع من المشيّعين يطوّقون سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان سيف القذافي في مطار بني وليد (صفحات مؤيدة لسيف) p-circle 00:57

ليبيا تطوي صفحة سيف القذافي... وأنصاره يجددون «العهد»

وسط هتاف «نحن جيل بناه معمر... ولاّ يعادينا يدمّر»، جرت مراسم تشييع سيف القذافي إلى مثواه الأخير في مدينة بني وليد، وسط مشاركة وفود وأعداد كبيرة من المواطنين.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا 
قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)

جنازة نجل القذافي في بني وليد اليوم

وسط أجواء مشحونة بالحزن والغضب، نُقل جثمان سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، إلى المستشفى العام بمدينة بني وليد العام (الشمال الغربي) أمس.

جمال جوهر (القاهرة)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

وقالت الوزارة في بيان، إن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي ويقوض جهود إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

وجددت الخارجية السودانية دعمها الكامل بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية لتأمين وصول المساعدات لمستحقيها دون عوائق.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أفادت في وقت سابق بمقتل شخص وإصابة ثلاثة في قصف لقوات الدعم السريع على قافلة إغاثة لبرنامج الأغذية العالمي بشمال كردفان.


ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)

شيّعت جماهيرُ ليبية غفيرة، جثمانَ سيف الإسلام القذافي الذي ووري الثَّرى في مدينة بني وليد، أمس (الجمعة)، لتُطوى بذلك صفحةٌ من تاريخ ليبيا، كانت حافلةً بالجدل والصخب السياسي.

وجرى نقل الجثمان من مستشفى بني وليد، محمولاً على عربة إسعاف إلى ساحة مطار المدينة، حيث نُصبت هناك خيمة بيضاء كبيرة أقيمت فيها صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة. وصاحَبَ خروج الجثمان من المستشفى هتافاتٌ مدوّية ردّدها آلاف المشاركين الذين «جدّدوا العهد» لنجل العقيد الراحل معمر القذافي. كما خطب بعض رموز النظام السابق، أمام الحشود المشارِكة، مطالبين بالكشف عن قتلة سيف القذافي ومحاسبتهم.

وحصرت مديرية أمن بني وليد المشاركة في دفن سيف القذافي بجوار شقيقه خميس، وجدّه لأبيه إحميد بومنيار، على أشخاص محدودين، وعزت ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية وضمان سَير المراسم وفق ما جرى الاتفاق عليه».


رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكن يجب ألا تكون الهدنة «فرصة لتمكين العدو مجدداً»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

وأضاف البرهان، في تصريحات أدلى بها، خلال زيارة لولاية الجزيرة، ونقلها بيان مجلس السيادة، أنه يرحب «بأي شخص يضع السلاح وينحاز لطريق السلام». وأكد أن «من يحرّض ضد البلد والجيش ستجري محاسبته».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، أمس الخميس، إن بلاده تسعى سعياً حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان، وإنها توشك على تحقيق ذلك.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تُفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.