«وول ستريت» تتجاوز الأزمات وتبلغ ذروة تاريخية... فهل تستمر؟

رغم التحديات الاقتصادية والصراعات الجيوسياسية

متداولون في بورصة «وول ستريت» بنيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة «وول ستريت» بنيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تتجاوز الأزمات وتبلغ ذروة تاريخية... فهل تستمر؟

متداولون في بورصة «وول ستريت» بنيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة «وول ستريت» بنيويورك (رويترز)

رغم تصاعد الأزمات العالمية، من حروب تجارية محتدمة وصراعات عسكرية دامية في الشرق الأوسط، إلى هجمات كلامية غير مسبوقة يشنّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على «الاحتياطي الفيدرالي»، فإن «وول ستريت» تُظهر مرونةً استثنائيةً، وتسجِّل ذروة تاريخية.

وعلق ترمب على تحركات أسواق الأسهم، قائلاً: «أسواق الأسهم عند أعلى مستوياتها على الإطلاق، وسنحافظ على ذلك».

وفي ظل مجموعة متنوعة من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، واصلت الأسواق المالية الأميركية مسارها التصاعدي بثبات، مسجِّلةً مستوى قياسياً جديداً، يوم الجمعة الماضي، آخر تداولات الأسبوع.

ويُعدّ هذا الأداء اللافت إشارةً قويةً على قدرة السوق على امتصاص الصدمات، والتعامل مع حالات عدم اليقين. فقد كوفئ المستثمرون الذين تمسّكوا بمراكزهم رغم موجات التقلب المتكررة، حيث اختتم مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» التداولات عند أعلى مستوى تاريخي له على الإطلاق بلغ 6173 نقطة، في دليل إضافي على متانة الزخم السوقي حتى في خضم الأزمات.

وجاء الدعم الإيجابي للأسواق عقب إعلان كندا استئناف مفاوضاتها التجارية مع الولايات المتحدة، بعد تراجعها عن فرض ضريبة كانت تستهدف شركات التكنولوجيا الأميركية، في خطوة أثارت سابقاً غضب الرئيس دونالد ترمب. وفي موازاة ذلك، انخفضت عوائد سندات الخزانة، ما عزَّز معنويات المستثمرين، وأسهمَ في دعم أسواق الأسهم.

ورغم هذا الأداء القوي، فإن حالةً من الترقب لا تزال تسيطر على «وول ستريت»، في ظل قرب انتهاء فترة التجميد المؤقت التي فرضها ترمب على بعض الرسوم الجمركية في 9 يوليو (تموز) الحالي، أي يوم الأربعاء المقبل. وكذلك إعلان تقارير أرباح الرُّبع الثاني، والبيانات الاقتصادية المقبلة، التي قد تسلّط الضوء على التأثير الفعلي لهذه السياسات. وفي المقابل، يجد «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه أمام خيارات دقيقة بشأن مستقبل أسعار الفائدة.

صدمة الرسوم الجمركية

في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، أعلن ترمب من حديقة الورود بالبيت الأبيض فرض رسوم جمركية غير متوقعة على معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، مستهدفاً الصين بشكل خاص، إذ رفع الرسوم على وارداتها إلى 145 في المائة. وردَّت بكين برفع رسومها على السلع الأميركية إلى 125 في المائة.

وأثارت هذه القرارات صدمة عنيفة في الأسواق، حيث فقد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» نحو 12 في المائة خلال 4 أيام فقط، وهبط مؤشر «داو جونز» بأكثر من 4600 نقطة، أي نحو 11 في المائة.

وعلى الرغم من تجاهل ترمب الهبوط الحاد في البداية، فإن التوترات في سوقَي السندات والعملات دفعت إلى القلق، خصوصاً مع تراجع الثقة في سندات الخزانة الأميركية والدولار، وهما أداتا الملاذ الآمن التقليديتان للمستثمرين.

هدنة مؤقتة

وفي 9 أبريل، أعلن ترمب تعليقاً مؤقتاً لمعظم الرسوم، باستثناء تلك المفروضة على الصين، لمدة 90 يوماً. وقد أسهم هذا الإعلان في ارتفاع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 9.5 في المائة، في أحد أقوى تداولاته أداءً على الإطلاق.

وبعد فترة قصيرة، وقَّعت واشنطن اتفاقاً تجارياً مع لندن، ثم تبعتها انفراجة مع بكين، حيث أعلنت القوتان الاقتصاديتان تعليقاً متبادلاً للرسوم الجمركية، رغم غياب التفاصيل الدقيقة. لكن حالة الترقب عادت سريعاً بعد تهديد ترمب برسوم جديدة على الاتحاد الأوروبي، أُرجئ تنفيذها حتى ما بعد 9 يوليو.

التصعيد العسكري... وأسعار النفط

تحوَّلت الأنظار من الحرب التجارية إلى صراع عسكري فعلي، مع اندلاع مواجهات مباشرة بين إسرائيل وإيران. دفع ذلك بأسعار النفط إلى الارتفاع، وسط مخاوف من تفاقم التضخم وتباطؤ النمو العالمي. غير أن الضربة الأميركية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، تبعتها هدنة سريعة، لتتراجع أسعار النفط، وتستعيد الأسواق زخمها الصعودي، وتعاود «وول ستريت» الصعود من جديد بعد هبوط حاد إبان ضرب أميركا منشآت نووية إيرانية.

ضغوط ترمب على «الفيدرالي»

كثّف ترمب انتقاداته لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، مطالباً بخفض الفائدة رغم تأكيد البنك المركزي أنه بحاجة إلى تقييم شامل لتداعيات الرسوم الجمركية قبل اتخاذ القرار. ووفقاً لتقارير صحافية، يُفكر ترمب في إعلان مبكر عن مرشح بديل لرئاسة «الفيدرالي»، ما قد يقوّض استقلالية المؤسسة النقدية، ويؤثر على أسواق السندات والعملات، وبالتالي على الأسهم.

أرباح الشركات في مرمى الترقب

أسهمت نتائج أرباح الشركات في الرُّبع الأول في دعم الأسواق رغم التحديات. ويترقّب المستثمرون الآن نتائج الرُّبع الثاني. وعلى الرغم من خفض المحللين توقعاتهم، فإنهم لا يزالون يتوقعون نمواً بنسبة 5 في المائة، مقارنة بمتوسط نمو 12.7 في المائة خلال السنوات الـ5 الماضية. لكن بعض الشركات بدأت بسحب توقعاتها بفعل ضبابية المشهد الاقتصادي، وهو ما قد يضغط على تحركات أسواق الأسهم في «وول ستريت».

هل تعود الرسوم؟

في إشارة إلى هشاشة ثقة الأسواق، شهد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تراجعاً في 27 يونيو (حزيران) بعد تعليق ترمب مفاوضاته مع كندا؛ بسبب ضرائبها على شركات التكنولوجيا. لكن كندا سرعان ما ألغت هذه الضرائب مساء 29 يونيو.

وصرَّح ترمب خلال عطلة نهاية الأسبوع بأنه لا يعتزم تمديد تجميد الرسوم بعد 9 يوليو، ما لم يتم التوصل إلى اتفاقات جديدة. ورغم لهجته الحازمة، فإن ترمب لطالما غيَّر مواقفه في اللحظة الأخيرة، وهو سيناريو يبقي الأسواق في حالة ترقّب دائم.

غير أن وعده، في صباح السبت على متن طائرة الرئاسة، بأن «أسواق الأسهم عند أعلى مستوياتها على الإطلاق، وسنحافظ على ذلك»، قد يحرّك الأسواق يوم الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، ناحية مزيد من الصعود، وسط سياسة مغايرة للمستثمرين تقف على «تراجع ترمب في قراراته»، بينما الأنظار تتجه إلى ما ستفضي إليه المفاوضات التجارية لأميركا مع دول العالم.


مقالات ذات صلة

«بنك القاهرة» يعتزم طرح أسهمه في البورصة المصرية

الاقتصاد أحد فروع بنك القاهرة في مصر (إكس)

«بنك القاهرة» يعتزم طرح أسهمه في البورصة المصرية

أعلن «بنك القاهرة»، المملوك للدولة وأحد أكبر البنوك في مصر، الأحد، نيته طرح أسهمه في البورصة المصرية أواخر الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد ورقة نقدية من الين الياباني (رويترز)

عوائد السندات اليابانية تنخفض متأثرة بالأسواق العالمية وتتجاهل إشارات التشدد النقدي

تراجعت عوائد السندات الحكومية اليابانية يوم الأربعاء، متتبعة انخفاض عوائد السندات العالمية، حتى بعدما أبدى عضو يميل إلى التيسير في «بنك اليابان» دعمه.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد النحاس المنصهر خلال عملية التصنيع في مصفاة غلينكور للنحاس في مونتريال بكندا (أ.ف.ب)

النحاس يحقق مكاسب محدودة بدعم التكنولوجيا وتراجع رهانات رفع الفائدة

ارتفعت أسعار النحاس بشكل طفيف يوم الثلاثاء، مدعومة بموجة صعود في سوق الأسهم الأميركية قادها قطاع التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد النحاس المنصهر خلال عملية التصنيع في مصفاة «غلينكور» في مونتريال كندا (أ.ف.ب)

النحاس يسجل مكاسب طفيفة بداية الأسبوع

ارتفعت أسعار النحاس بشكل طفيف خلال تعاملات الاثنين، مدعومة بتحسن توقعات الطلب بعد تراجع رهانات رفع أسعار الفائدة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منظر عام لبورصة إسطنبول من الخارج (رويترز)

سلطات تركيا تسرّع خطواتها لتضييق الآثار السلبية لأزمة صناديق الاستثمار

سرّعت السطات التركية من خطواتها للتعامل مع أزمة صناديق الاستثمار التي تفجرت في منتصف سبتمبر (أيلول) وتسببت أضرار لنحو نصف مليون مستثمر.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، جاسم الشيراوي، أن أمن الإمدادات يمثل أولوية في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع الصناعي والاحتياجات المتزايدة لمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن التحدي لا يقتصر على إنتاج الطاقة؛ بل يشمل أيضاً ضمان إيصالها إلى المستهلكين بصورة موثوقة.

وأشاد الشيراوي -في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض- باستضافة السعودية فعاليات «أسبوع الطاقة»، الذي انطلقت أعماله بالاجتماع الوزاري للمنتدى، موضحاً أن هذه الاجتماعات تتيح تعزيز الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبحث سبل ضمان أمن الإمدادات في ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع الطاقة.

وقال إن المنتدى يضم نحو 70 دولة تمثل معظم الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، إلى جانب مجلس استشاري للصناعة يتيح إشراك الشركات في الحوار بين الحكومات، بما يساعد على تقريب وجهات النظر بين أطراف القطاع، وبحث التحديات المرتبطة بتوفير الطاقة.

وأضاف أن نمو السكان واحتياجات الصناعة، إلى جانب الطلب الجديد الذي يفرضه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، تزيد أهمية ضمان توفُّر الإمدادات، وقدرة البنية التحتية على نقلها إلى المستهلكين.

وأكد أن أمن الطاقة لا يرتبط بقدرة الدول على الإنتاج فحسب؛ بل يتطلب أيضاً ضمان وصول الإمدادات إلى وجهاتها لتلبية احتياجات الاقتصادات والصناعات.


رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
TT

رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)

قال رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، إن أمن الإمدادات عاد إلى صدارة أولويات قطاع الطاقة العالمي مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، مؤكداً أن المنظومة العالمية أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات الإمدادات مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم انعكاس الاضطرابات على الأسعار.

تأتي تصريحات ميراس لـ«الشرق الأوسط»، على هامش أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في الرياض على هامش أسبوع الطاقة في الرياض، الذي يمتد من 11 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، وتتصدّره أعمال المؤتمر الخامس والعشرين للطاقة، إلى جانب اجتماعات وزارية دولية تبحث أمن الإمدادات ومستقبل منظومة الطاقة.

وتستضيف الرياض اليوم الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، بمشاركة وزراء ومسؤولين في قطاع الطاقة، تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد». ويركز الاجتماع على تعزيز استقرار الأسواق، وتنسيق الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، ودعم الاستثمارات، وتحسين شفافية بيانات الطاقة، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والتحديات التي تواجه سلاسل الإمداد.

وأوضح ميراس أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية أعادت أمن الإمدادات إلى صدارة الأولويات، مشدداً على أهمية مواصلة تنمية القطاع مع الحفاظ على التوازن بين الركائز الثلاث، التي وصفها بأنها متساوية في الأهمية.

صورة عامة من مكان انعقاد الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وفي حديثه عن اضطرابات الإمدادات، أوضح ميراس أن القطاع واجه تحديات في مناطق مختلفة من العالم، وليس في المنطقة وحدها، لافتاً إلى أن قطاع الطاقة يمتلك خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف.

وقال إن الاضطرابات الحالية ربما كانت ستترك أثراً أكبر على الأسواق في الماضي، لكن المنظومة العالمية أصبحت اليوم أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن التعامل مع هذه التحديات يظل ممكناً، مستشهداً بتجارب سابقة كانت آثارها أشد وطأة، وداعياً إلى الحفاظ على الثقة بقدرة القطاع على تجاوز الاضطرابات.


«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
TT

«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)

توسّع «أرامكو السعودية» استثماراتها في الصناعات والخدمات المرتبطة بأعمالها الأساسية عبر برنامج «نماءات أرامكو»، الذي استقطب استثمارات تقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار)، وأسهم في تأسيس 58 شركة جديدة منذ إطلاقه في عام 2021، وفق معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط». ويعكس البرنامج توجّه الشركة إلى بناء شراكات صناعية محلية وعالمية، تستهدف توطين التصنيع والتقنيات المتقدمة، وتعزيز سلاسل الإمداد، فيما بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار).

و«نماءات أرامكو» هو برنامج للاستثمارات الصناعية والشراكات الاستراتيجية، أطلقته الشركة السعودية بهدف جذب الشركات المحلية والعالمية للاستثمار في المملكة، وتطوير الصناعات المحلية، وخلق فرص عمل للسعوديين، ودعم تنويع الاقتصاد بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، أسهم برنامج «نماءات أرامكو» في ترسيخ دور الشركة في التميّز والابتكار والتخطيط الاستراتيجي، والانتقال من نجاح إلى آخر، مستفيداً من المزايا الفريدة التي تقدمها الشركة في الجوانب التقنية والتجارية والتنفيذية.

ورسمت هذه الأعوام الخمسة علامة فارقة، تمثلت في تحويل الأفكار المبدعة والواعدة في مجال الأعمال إلى فرص استثمارية ملموسة على أرض الواقع، لتحوّل بذلك ما كان حلماً بالأمس إلى مشروعات صناعية ناجحة اليوم لمستقبل مزدهر ومستدام.

المهندس أمين الناصر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لشركة «أرامكو» يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (واس)

حديث الأرقام

ووفق معلومات تحصّلت عليها «الشرق الأوسط»، نجح «نماءات أرامكو» في تجسيد نقطة الالتقاء بين الطموح والتنفيذ الميداني؛ حيث أسهم البرنامج في إطلاق 58 شركة جديدة عاملة، وجذب استثمارات بما يقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار).

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار)، وهو ما يعكس الدور المحوري للبرنامج في تعزيز الاقتصاد المحلي، وتوطين القدرات الصناعية الرئيسية، وخلق فرص وظيفية لأبناء وبنات الوطن.

منظومة متكاملة

ويعدّ «نماءات أرامكو» أداة فاعلة لـ«أرامكو السعودية» في بناء شراكات استثمارية صناعية؛ حيث ينصب التركيز الاستراتيجي للبرنامج على خلق القيمة من خلال 3 محاور رئيسية، وهي: المرونة التشغيلية لـ«أرامكو السعودية»، والمرونة التقنية، والصناعات المتنوعة الجديدة، وذلك مع الإسهام الفعّال في تحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة.

ويهدف البرنامج إلى تمكين الشركات الوطنية، وإيجاد القيمة من خلال منظومة الشركة، وذلك في 4 مجالات رئيسية: التصنيع، والخدمات الصناعية، والرقمنة، والاستدامة.

وظهر أثر البرنامج في تمكين الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتعاون الوثيق مع شركاء عالميين ومحليين، وساعد ذلك في استحداث فرص استثمارية واسعة النطاق، وتأسيس شركات رائدة، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، ما عزّز مرونة سلسلة الإمداد واستدامتها.

كما أن العديد من هذه الاستثمارات مدعومة من قبل برامج المملكة التحفيزية التي تمكّن الشركات من رفع معدل استثماراتها المحلية. وبدورها، أتاحت تلك المبادرات فرصاً جديدة لشركاء الاستثمار الصناعي عبر تمكينهم من المشاركة في الاستفادة من فرص النمو بالشركة على المدى البعيد.

توقيع شركة «أرامكو» مع إحدى الشركات الفرنسية ضمن برنامج «نماءات أرامكو» (أرامكو)

الخدمات الصناعية

ونجح برنامج «نماءات أرامكو» منذ إطلاقه في تحقيق إنجازات بارزة في المجالات الأربعة التي يعمل فيها، وأسهم في تشكيل مستقبل توطين الصناعة والتنويع الاقتصادي بالمملكة، ففي قطاع التصنيع، دعم البرنامج التصنيع المحلي لكابلات الطاقة البحرية عالية الجهد، وتصنيع الأوعية ذات الجدران السميكة، وأنابيب الفولاذ المقاوم، ما أتاح توطين القدرات التصنيعية الاستراتيجية والحيوية.

ويعمل البرنامج كذلك على إنشاء مركز عالمي متطور في المملكة، يتخصص في استصلاح المعادن بتقنيات حديثة، وتصنيع محفزات التكرير المتقدمة.

وتضع هذه المبادرة الاستراتيجية المملكة في موقع إقليمي ومركزي رائد في مجال استعادة الموارد المستدامة، والإنتاج الصناعي عالي القيمة، وحلول الطاقة النظيفة، ما يدفع عجلة النمو الاقتصادي، ويُعزز التزام المملكة باقتصاد أكثر استدامة ومسؤولية بيئية.

وفي قطاع الخدمات الصناعية، دعم برنامج «نماءات أرامكو» توطين منشأة صب وتشكيل المعادن، ما ساعد في دعم التصنيع الوطني لمنتجات بالغة الأهمية، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الصناعية.

وأسهم البرنامج في تطوير شركات الهندسة والمشتريات والإنشاءات الوطنية، وزيادة قدراتها على تنفيذ مشروعات موثوقة وتنافسية في الأسواق داخل وخارج المملكة.

الرقمنة والاستدامة

وواصل برنامج «نماءات أرامكو» جهوده في التنمية الوطنية من خلال تنفيذ مبادرات رئيسية في مجال الرقمنة، ومن أبرز هذه المبادرات: توطين التقنيات الرقمية المتقدمة، مثل تأسيس شركة وطنية لخدمات تقنية المعلومات؛ تهدف إلى تقديم حلول متكاملة في تطوير البرمجيات والاستشارات والدعم الفني، لتلبية المتطلبات التقنية لمختلف القطاعات، وشركة الاتصالات الموحدة، بوصفها خدمة «زوم»، وأكثر من 7 شركات في المركز الرقمي في مدينة الملك سلمان للطاقة (سبارك)، مثل «هانيوي» و«إيمرسون» وغيرها.

وكان للبرنامج إسهاماته الواضحة في مجال الاستدامة، مثل مشروع توطين إنتاج الزجاج المتخصص. ودعم شركة «زجاج غارديان» عبر المشروع المشترك «غلف غارد»، لتوسيع نطاق تصنيع الزجاج المتخصص في المملكة.

ويركز هذا المشروع على الزجاج المعماري عالي الأداء، بما يدعم الطلب الإقليمي المتزايد على المباني الموفِّرة للطاقة. وشمل التعاون إضافة خطوط إنتاج جديدة للزجاج المسطح المصقول، وخطوط معالجة الزجاج في مدينة الجبيل الصناعية، ما عزّز سلسلة الإمداد المحلية بمنتجات متطورة، وحقّق مكتسبات ذات قيمة في مجال التوطين التقني.

ملامح المستقبل

وبعد كل هذه النجاحات التي تحققت، يمضي برنامج «نماءات أرامكو» نحو المرحلة المقبلة، وفي أولوياته تطوير الفرص الصناعية الاستراتيجية التي تُعزز منظومة «أرامكو السعودية»، بالتوازي مع تسريع التحول الصناعي في المملكة، والسعي نحو مزيد من الابتكار، ودعم الصناعة المحلية، وتنويع الاقتصاد، وتشجيع الطموح والأفكار الواعدة، وتعزيز بناء سلاسل إمداد مرنة، وتوطين التقنيات الحيوية والمتقدمة.

ويستمر في جذب مزيد من الشركاء العالميين للإسهام في إنشاء قدرات صناعية جديدة، إلى جانب توسيع نطاق إنشاء القدرات الرقمية والتصنيعية المتقدمة، وتسريع تبنّي الحلول الصناعية والرقمية في القطاعات الناشئة، ليكون البرنامج جزءاً من قصة نجاح أكبر، تحكي عن الإنجازات في قطاعات الطاقة والصناعة والابتكار في المملكة والمنطقة.