يويري موسيفيني... طامح لولاية سابعة بعد أربعة عقود من الحكم

«جندي الأدغال» ورئيس أوغندا القوي

جاء إلى السلطة معتمداً على إرث من محاربة الفقر والاستعمار والاستغلال ومعالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية
جاء إلى السلطة معتمداً على إرث من محاربة الفقر والاستعمار والاستغلال ومعالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية
TT

يويري موسيفيني... طامح لولاية سابعة بعد أربعة عقود من الحكم

جاء إلى السلطة معتمداً على إرث من محاربة الفقر والاستعمار والاستغلال ومعالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية
جاء إلى السلطة معتمداً على إرث من محاربة الفقر والاستعمار والاستغلال ومعالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية

متعهداً بـ«تنمية اقتصاد بلاده»، أعلن رئيس أوغندا يويري موسيفيني، البالغ من العمر 81 سنة، اعتزامه الترشح لولاية رئاسية سابعة، مستكملاً مسيرة بلغت نحو أربعة عقود تصدَّر طوالها المشهد السياسي في بلاده، عقب تمرد مسلح دام خمس سنوات ضد حكومات ما بعد الاستقلال في أوغندا... حمله من «حرب الأدغال» إلى كرسي الحكم عام 1986. يجمع موسيفيني، الذي يلقبه الإعلام المحلي بـ«الرئيس الأبدي» و«جندي الأدغال»، بين صورة المناضل الثوري، ورمز الدولة الحديثة، والقائد الذي لا يسمح بالطعن في سلطته أو المساس بمقعده في الحكم. وعبر منصة «إكس»، أعلن موسيفيني رغبته في خوض الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في يناير (كانون الثاني) من العام المقبل؛ ما قد يمدّد فترة حكمه للدولة الواقعة في شرق أفريقيا إلى ما يقرب من نصف قرن، وسط اتهامات دأب على نفيها بقمع المعارضة واستخدام الأمن لإحكام قبضته على السلطة.

يقول يويري موسيفيني إنه يسعى إلى إعادة انتخابه من أجل تنمية البلاد إلى «اقتصاد حجمه 500 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة»، مقارنةً بناتج أوغندا المحلي الحالي المقدّر بنحو 66 مليار دولار، وفق بيانات وزارة المالية الأوغندية.

ولكن، لا يُتوقع أن تختلف الانتخابات الرئاسية المقبلة كثيراً عن سابقتها؛ إذ يُرجّح أن يكون منافس موسيفيني الأبرز نجم «البوب» روبرت كياجولاني (بوبي واين)، الذي حلّ ثانياً في الانتخابات الرئاسية السابقة عام 2021. ويومذاك، رفض قبول نتائجها بحجة أنه «شابها تزوير وتخويف ومخالفات عدة سلبت منه الفوز». هذا، وفي حين يرى مؤيدو موسيفيني فيه «رجل دولة» أعاد الاستقرار، وبنى جيشاً محترفاً، وقاد التنمية، يعتبره معارضوه تجسيداً للمشكلة الأفريقية المزمنة... أي التمسك بالسلطة، والتسبب بتآكل الديمقراطية، وتقديس «الحاكم الفرد».

نشأة ريفية رعوية

وُلد يويري كاغوتا موسيفيني يوم 15 أغسطس (آب) عام 1944، إبّان الحرب العالمية الثانية، في منطقة أنكول بغرب أوغندا. واشتق اسمه من «أبيسيفيني»، وهم جنود أوغنديون في الفوج السابع من «جيش الملك» بأفريقيا الذي كان يلتحق به كثرة من الأوغنديين، عندما كانت البلاد تحت الحكم البريطاني.

ونشأ يويري في بيئة ريفية تقليدية امتهنت فيها عائلته الرعي. ونظراً لحياة عائلته الرعوية؛ لم يحصل معظم أفرادها على نصيب من التعليم، لكن يويري تمكّن من ذلك، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس محلية، قبل أن ينتقل إلى مدرسة نتاري، إحدى المدارس الثانوية النخبوية التي خرّجت كثيرين من النخبة السياسية والعسكرية في البلاد.

في تلك الفترة، تسبّبت سياسات الاحتلال البريطاني، لا سيما، مخططات تربية المواشي، في تشريد عائلته وكثيرين من سكان منطقته من أراضيهم. وفي مواجهة هذه السياسات بدأ موسيفيني نشاطه السياسي مبكراً. ففي عام 1966، قاد حملة لحشد الفلاحين في شمال أنكول بهدف «تسييج» أراضيهم ورفض إخلائها.

تحوّل سياسي

إلا أن التحوّل الحقيقي في مسار يويري موسيفيني، الذي يقول إنه «شكّل وعيه السياسي»، بدأ خلال فترة دراسته في جامعة دار السلام (1967 - 1970).

هناك درس العلوم السياسية والاقتصاد، واطلع على أفكار كارل ماركس وفلاديمير لينين وغيرهما، وعُرف عنه توجّهه الماركسي، كما تأثر بالفكر الثوري وموجة الحركات التحرّرية التي كانت تجتاح أفريقيا، وارتبط بعلاقات مع عدد من قادة التمرّد والحركات الاشتراكية.

وآنذاك؛ نظراً لسخط طلبة الجامعة على أفكار بعض الأساتذة اليمينية، شكّل موسيفيني ومجموعة من الطلاب «الجبهة الثورية الأفريقية لطلاب الجامعات» في أفريقيا (USARF) عام 1967. وضمّت الجبهة طلاباً من أوغندا، وتنزانيا، وملاوي، وكينيا، وزيمبابوي، وإثيوبيا والسودان، وكان من أعضاء المجموعة في تلك الفترة جون قرنق الذي تزعّم فيما بعد «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وشغل منصب النائب الأول لرئيس جمهورية السودان قبل الانفصال.

موسيفيني كان طيلة فترة دراسته الجامعية رئيساً لتلك «الجبهة»، التي ارتبط نشاطها بحركات التحرير الأفريقية، خاصة «جبهة تحرير موزمبيق» (فريليمو)، التي زارها موسيفيني مع مجموعة من الطلاب وتلقوا تدريبات عسكرية في معسكرات «فريليمو».

وبعد إكمال دراسته الجامعية عاد موسيفيني إلى أوغندا والتحق عام 1970، بالاستخبارات الأوغندية في عهد الرئيس الاستقلالي ميلتون أوبوتي، لكنه غادرها إلى تنزانيا بعدما أطاح الجنرال عيدي أمين حكم أوبوتي.

حرب الأدغال

أسس موسيفيني عام 1973 «جبهة الخلاص الوطني»، وشارك مع تنظيمات مسلحة أخرى في حرب تنزانيا ضد عيدي أمين، التي أدّت إلى هزيمة الأخير وفراره من البلاد.

وعلى الأثر، انضم موسيفيني إلى الحكومة المؤقتة بقيادة أوبوتي بعد الإطاحة بعيدي أمين في 1979، وعُيّن وزيراً للدفاع. غير أنه سرعان ما اصطدم بالنظام، تحديداً بعد انتخابات 1980، التي فاز بها أوبوتي وسط اتهامات واسعة بالتزوير، لتدخل البلاد منذ عام 1981 في حرب عصابات أسقطت آلاف الضحايا.

موسيفيني رفض نتائج الانتخابات، وأسس ما عُرف بـ«الجيش الوطني للمقاومة» (NRA)، وبدأ تمرداً وحرب عصابات ضد الحكومة، عُرفت لاحقاً بـ«حرب الأدغال»، التي استمرت خمس سنوات، وتركّزت في مناطق الغابات والمناطق الغربية، بدعم شعبي متزايد.

لقد اعتمد موسيفيني على تحالف واسع من المقاتلين الريفيين والمثقفين، واستفاد من الفوضى التي اجتاحت أوغندا عقب سقوط أوبوتي مجدداً عام 1985، في انقلاب قاده الجنرال تيتو أوكيلو.

وفي يناير (كانون الثاني) 1986، تمكن موسيفيني من السيطرة على العاصمة كمبالا معلناً نفسه رئيساً لأوغندا، ومتعهداً بتغييرات جذرية. ولا تزال «حرب الأدغال» جزءاً من ميراثه الذي يسعى لإحيائه باستمرار، ففي عام 2020 قبيل ترشّحه لولاية سادسة، بدأ موسيفيني مسيرة لمدة 6 أيام عبر الغابة، لمسافة نحو 195 كم (121 ميلاً)، قال إنها «تهدف لتسليط الضوء على مسيرة التحرير، بتتبع طريق قواته عام 1986، عندما سيطروا على السلطة بعد سقوط عيدي أمين وميلتون أوبوتي».

إشادات دولية

جاء موسيفيني إلى السلطة معتمداً على إرث من محاربة الفقر والاستعمار والاستغلال، ومعالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية للشعب الأوغندي، استناداً إلى برنامج النقاط العشر الذي وضعه إبان «حرب الأدغال»، والذي يؤكد الالتزام باحترام حقوق الإنسان. وهو، كما يقول، اعتمد نظاماً سياسياً مستقلاَ، و«أخذ من كل نظام ما رآه أفضل، ورفض السيئ؛ فكل دولة أدرى بكيفية تلبية احتياجاتها». مع العلم أنه في سنواته الأولى في الحكم، قدّم نفسه كـ«قائد تقدمي»، ووعد ببناء «نظام ديمقراطي جديد».

لسنوات، بدا أن موسيفيني يفي بوعده، لا سيما إثر تلقّيه إشادة واسعة من الدول الغربية والمؤسسات الدولية، التي رأت فيه نموذجاً جديداً من القادة الأفارقة التقدميين حتى لُقّب بـ«محبوب الغرب».

وبالفعل، عمل الرجل في السنوات العشر الأولى من الحكم على إعادة هيكلة الجيش، ودمج الميليشيات، وفرض القانون في مناطق كانت خارجة عن سيطرة الدولة، وأطلق سياسات اقتصادية نيوليبرالية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، شملت خصخصة المؤسسات، وتحرير التجارة، وتحسين بيئة الاستثمار.

وفي المقابل، تبنّى سياسات صحية وتعليمية ناجحة نسبياً، لا سيما في مكافحة فيروس «الإيدز»، وحققت أوغندا في عهده انخفاضاً لمعدلات الإصابة؛ ما جعلها نموذجاً في الصحة العامة على مستوى القارة في التسعينات.

الدستور الجديد

عام 1995، أُقِر دستور جديد في أوغندا اعتُبر آنذاك تقدماً ديمقراطياً؛ إذ حدّد مدة الرئاسة بفترتين فقط، ومدّد سلطة البرلمان، وأكّد على الحريات المدنية.

وفي مايو (أيار) 1996، أُجريت أول انتخابات رئاسية تعدّدية في أوغندا منذ إنهاء الاحتلال عام 1962، فاز بها موسيفيني بنحو 74.2 في المائة من الأصوات، وسط أجواء من التفاؤل الداخلي والدعم الدولي. لكن سرعان ما بدأت الصورة تهتزّ عندما غزا جيشا أوغندا ورواندا أراضي جمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورة دعماً للمتمردين الذين يقاتلون للإطاحة بالحكومة.

انخراط أوغندا في تلك الحرب أضرّ بسمعة موسيفيني. وتزايدت الشكاوى من تشدّده، لا سيما بعد الانتخابات الرئاسية عام 2001 التي شوهتها أحداث عنف، وأدت إلى فرار منافسه الأبرز كيزا بيسيغي من البلاد بحجة أن «حياته في خطر». وحقاً، صار موسيفيني تدريجياً أقل تسامحاً مع معارضيه.

تآكل المسار الديمقراطي

أيضاً، أخذ يتآكل المسار الديمقراطي الذي دشّنه موسيفيني في مستهل حكمه. وعام 2005، بضغط من موسيفيني، ألغى البرلمان الحد الدستوري لفترات الرئاسة؛ ما أثار موجة من الانتقادات الدولية والمحلية، وفتح الباب أمام استمراره في السلطة لسنوات لاحقة.

ومنذ ذلك الحين، فاز موسيفيني بأربع انتخابات رئاسية متتالية (2006، 2011، 2016، 2021)، وكلها شابتها اتهامات بالتزوير، واعتقالات للمعارضين، وقيود على وسائل الإعلام، وقطع للإنترنت، وفرض حالات الطوارئ غير المعلنة. وكان من أبرز خصومه السياسيين، كيزا بيسيغي، الذي اعتُقل مراراً وواجه حملة واسعة من المضايقات، ونجم «البوب» بوبي واين الذي تعرَّض مع مناصريه لحملة قمع واسعة خلال انتخابات 2021. وفي 2017، أُجري تعديل دستوري جديد ألغى الحد الأقصى للعمر الرئاسي (75 سنة)؛ ما أتاح لموسيفيني خوض انتخابات 2021.

نحو هيمنة إقليمية

لقد استخدم موسيفيني القوة العسكرية والدبلوماسية لتوسيع نفوذ بلاده، فأرسل قوات إلى الصومال ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي، وتدخّل عسكرياً في الكونغو الديمقراطية، ودعم المعارضة المسلحة ضد حكومة السودان السابقة. ورأى البعض أن سياسته الخارجية تؤسس لـ«هيمنة عسكرية ناعمة» في شرق أفريقيا، وتسعى لأن يغدو أول زعيم لشرق أفريقيا موحّد، بينما يأخذ آخرون عليه إنهاكه الاقتصاد والجيش.

عام 2011، قال موسيفيني في تصريح صحافي إنه أراد أن يترك إرثين «الأول التحول الاجتماعي والاقتصادي لأوغندا، وتحويل البلاد دولةً من دول العالم الأول، والآخر اتحاد شرق أفريقيا». ومع أن أوغندا حقّقت نمواً اقتصادياً ملحوظاً، خاصةً في قطاعات الزراعة والخدمات والبُنى التحتية، لا تزال معدلات الفقر والبطالة مرتفعة، خاصة بين الشباب، كذلك يُعدّ الفساد مشكلة خطيرة عرّضت موسيفيني للانتقاد. وفي سياق متصل، علّق الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا بعض المنح المُقدمة لأوغندا بحجة «سوء الإدارة المالية».

جدل التوريث

أسرياً، موسيفيني متزوج من جانيت كاتاها موسيفيني، وزيرة التعليم والرياضة، والشخصية المؤثرة سياسياً. وللزوجين أربعة أبناء، أبرزهم موهوزي كاينيروغابا، الجنرال في الجيش والقائد السابق للحرس الرئاسي. وتدور حول موهوزي شائعات بأنه يُعدّ لخلافة والده؛ ما دفع مراقبين للكلام عن «توريث» في دولة كانت ذات يوم تُعد نموذجاً للتحول الديمقراطي.

وحقاً، مع دخول موسيفيني عقده التاسع، لا يُظهر الرجل أي نية للرحيل عن السلطة، بل يعتقد أنه لا يزال في حاجة إلى إنهاء المهمة. وسبق أن قال في تجمع انتخابي قبيل انتخابه لفترة لولاية خامسة: «هذا الرجل العجوز الذي أنقذ البلاد، كيف تريدونه أن يرحل؟... كيف لي أن أغادر مزرعة موز زرعتها وبدأت تؤتي ثمارها؟ّ!»...


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.