مصر: جدل حول قانون «الإيجار القديم» لا يتوقف رغم صدوره

التداعيات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية تثير مخاوف

جدل الإيجار القديم لا يتوقف حتى بعد صدور القانون من البرلمان وآمال متضاربة معلقة بالرئيس (الشرق الأوسط)
جدل الإيجار القديم لا يتوقف حتى بعد صدور القانون من البرلمان وآمال متضاربة معلقة بالرئيس (الشرق الأوسط)
TT

مصر: جدل حول قانون «الإيجار القديم» لا يتوقف رغم صدوره

جدل الإيجار القديم لا يتوقف حتى بعد صدور القانون من البرلمان وآمال متضاربة معلقة بالرئيس (الشرق الأوسط)
جدل الإيجار القديم لا يتوقف حتى بعد صدور القانون من البرلمان وآمال متضاربة معلقة بالرئيس (الشرق الأوسط)

في شقة صغيرة لا تتعدى مساحتها الـ60 متراً، يُخزّن عبد العزيز أمين (73 عاماً) ذكريات أكثر من 40 عاماً عاشها بإحدى ضواحي منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، ضمن نحو مليون و600 ألف أسرة تخضع لقانون «الإيجار القديم»، لذا لا يستوعب أنه بعد 7 أعوام سيضطر لترك منزله، وحزم ذكرياته، فيما يكون وصل لـ«80 عاماً». يقول لـ«الشرق الأوسط»: «أين سنذهب؟».

مرت ليلة أمس (الأربعاء) ثقيلة على أمين، بعد إقرار مجلس النواب (البرلمان) تعديل قانون الإيجار القديم، والذي وضع حداً لإنهاء «العلاقة الإيجارية الأبدية» استناداً لحكم المحكمة الدستورية العليا. يقول أمين إن «صحته لا تقوى على العيش في المدن الجديدة شحيحة الخدمات، كما أنه يعيش وغيره من كبار السن على معاش لا يتعدى بضعة آلاف من الجنيهات، ولا يتحمل إيجار جديد وفق سعر السوق الآن».

مجلس النواب المصري مرر قانون الإيجار القديم في جلسة 2 يوليو 2025 (وزارة الشؤون النيابية)

على النقيض من حالة أمين، أجواء سعادة مرت على جوليا محمد (42 عاماً) بعد ما وصفت القانون بـ«تحرير من ظلم سنوات»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط». ورثت جوليا وشقيقتها عقاراً في منطقة محرم بك بالإسكندرية عن والدها، وتقول إنها لا تتحصل منه سوى على 35 جنيهاً كل شهر (أقل من دولار)، إذ كانت قيمة الإيجار 5 جنيهات، بينما وصل سعر السوق في المنطقة إلى 2500 جنيه للوحدة.

ووفق جوليا، فإن دخلها عبارة عن «1800 جنيه هي قيمة معاش والدها الراحل، واضطرت للعمل في بيع الملابس عبر الإنترنت للإنفاق على أمها، قبل وفاتها أيضاً»، وتابعت: «رغم أنني بالاسم صاحبة أملاك، كل المستأجرين تقريباً في عمارتي أيسر حالاً مني، يملكون شققاً وفللاً في مناطق أخرى، أو هاجروا وأغلقوا الشقة».

تتكرر حالتا أمين وجوليا في العديد من الأسر، ما يعمق الجدل حول ملف «الإيجار القديم» الذي تتباين فيه الحالات بين «ظلم قد يقع على المستأجرين»، وآخر «واقع بالفعل على الملاك»، وسط مطالبات سابقة بدراسة الحالات بشكل مفصل، أو تدخل الحكومة لتعويض الملاك دون الإضرار بفئات المستأجرين الأقل دخلاً.

حائط يحتاج إلى ترميم في شقة جوليا لا تستطيع إصلاحه بسبب ضيق الحال رغم أنها مالكة للعقار (الشرق الأوسط)

مجلس النواب المصري مرّر القانون، فيما اعتبره البعض «استعجالاً»، ومن ضمنهم النائبة عن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، مها عبد الناصر، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة لم يكن لديها بيانات كافية للوقوف على حقيقة الأوضاع على الأرض، ولضمان تحقيق التوازن والعدالة بين المالك والمستأجر، ونترقب بعده مزيداً من الأزمات الاجتماعية».

عبد الناصر كانت ضمن 22 نائباً انسحبوا خلال الجلسة العامة، الأربعاء، اعتراضاً على تمرير القانون بنصوصه الحالية، وسط مطالبات بإعادة النظر، و«استثناء المُستأجر الأصلي من إخلاء المنزل»، أو «إلغاء نص تحرير العقود والاكتفاء بزيادة قيمة الإيجار».

وينص القانون المعدل على إنهاء عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، ما لم يتم الاتفاق على الإنهاء المبكر، مع تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق إلى متميزة، ومتوسطة، واقتصادية، وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، ونوعية البناء والمرافق والخدمات، وتحديد الزيادة في الإيجار، ليرتفع إلى 20 ضعفاً في المناطق المتميزة، وبحد أدنى ألف جنيه (نحو 20 دولاراً)، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحد أدنى 400 و250 جنيهاً على التوالي.

جوليا وإلى جوارها رئيس اتحاد الملاك مصطفى عبد الرحمن وأجواء فرحة بعد إقرار البرلمان القانون (الشرق الأوسط)

تدخل رئاسي

رسمياً، لم يصدر قانون الإيجار حتى الآن، إذ يتطلب الأمر تصديق رئيس الجمهورية، ونشره في الجريدة الرسمية؛ ليصبح القانون نافذاً من اليوم التالي، وعلق أستاذ القانون الدستوري صلاح فوزي قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «يملك الرئيس وفق المادة 123 من الدستور أن يُصدر القانون، أو أن يعترض على القانون كله، أو بعض مواده خلال 30 يوماً، ويعيده إلى مجلس النواب».

ويضيف فوزي: «في هذه الحالة إما أن يتبنى المجلس وجهة نظر رئيس الجمهورية ويقر التعديلات التي اقترحها، أو يتمسك بالنصوص التي رفضها الرئيس، ويحق له إصداره بعد موافقة ثلثي الأعضاء».

وتتضارب الآمال المتعلقة بالرئيس بين الملاك الذين «لا يشكّون في أنه سيصدره، خصوصاً مع تعهد الحكومة بإيجاد بدائل للمستأجرين المحتاجين»، حسب رئيس اتحاد ملاك الإيجار القديم مصطفى عبد الرحمن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

وعلى الجهة الأخرى، يتمسك المستأجرون بأمل أن يرفض الرئيس التوقيع. وقال رئيس اتحاد المستأجرين، شريف الجعار لـ«الشرق الأوسط» إنه سيقدم التماساً للرئيس لوقف القانون.

التباينات الاجتماعية بين المستأجرين والملاك عمقت أزمة الإيجار القديم في مصر (الشرق الأوسط)

معضلة الوقت

يشير أستاذ القانون الدستوري فوزي إلى إشكالية أخرى تواجه القانون تتمثل في اقتراب انتهاء دور الانعقاد الخامس والأخير لمجلس النواب، موضحاً: «إذا تأخر المجلس في إرسال المشروع، وقرر الرئيس عدم التصديق عليه بعد انتهاء دور انعقاد المجلس، فسنكون أمام واقع نفاذ حكم المحكمة الدستورية السابق، ومن ثم سيرفع الملاك القضايا على المستأجرين»، مناشداً المجلس الإسراع في إرسال المشروع للرئيس، والتريث في إنهاء دور الانعقاد.

وقضت المحكمة الدستورية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بعدم دستورية المواد الخاصة بثبات القيمة الإيجارية، وألزمت البرلمان بتعديلها قبل انتهاء دور انعقاده. وتوقعت النائبة مها عبد الناصر الإعلان عن رفع دور الانعقاد خلال أسبوعين دون وضع توقعات أن الرئيس سيوقف المشروع، قائلة: «لم نشهد سوابق كثيرة مماثلة».

وينوي المستأجرون رفع دعوى «عدم دستورية» المادة الخاصة بتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر، حال إقرار القانون، باعتبار أن حكم المحكمة لم يتطرق لتحرير العلاقة الإيجارية. ولا يرى فوزي أن «المشروع فيه شبهة عدم دستورية»، قائلاً: «المجلس جهة التشريع، ومن حقه أن تمتد يده لمزيد من المواد، ولا يوجد شيء في القانون يخالف الدستور».

ويحذر الخبير الاقتصادي رشاد عبده من «تداعيات اقتصادية واجتماعية بعد صدور القانون»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «موازنة الدولة تعاني من العجز بالفعل، فكيف ستوفر الحكومة ملايين من الوحدات البديلة لتعويض المستأجرين». وتعهدت الحكومة بتوفير مساكن بديلة للفئات الأولى بالرعاية من المستأجرين، مؤكدة أنها «لن تتركهم في الشارع».


مقالات ذات صلة

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

شمال افريقيا وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

أكدت مصر أهمية مواصلة تطوير «تعاونها الثلاثي» مع قبرص واليونان، وتعزيز الشراكة في قطاعات حيوية للدول الثلاثة بينها الطاقة والغاز والتجارة والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)

قناة السويس تراهن على «هدوء التوترات» لاستعادة إيراداتها

قال رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع خلال اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي الأحد إن القناة شهدت خلال النصف الثاني من عام 2025 تحسناً نسبياً وبداية تعافٍ 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)
يوميات الشرق عادل تحدث عن تحمسه لدوره في مسلسل «ميد تيرم» (حسابه على فيسبوك)

هاني عادل: «ميد تيرم» يعبر عن مشكلات الشباب بصدق

قال الفنان المصري هاني عادل إن مشاركته في مسلسل «ميد تيرم» جاءت «بعد بداية لم تخلُ من بعض الصعوبات المرتبطة بمواعيد التصوير وتنظيم الوقت».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الحروق الناتجة عن السوائل الساخنة تُعدُّ من أخطر أنواع الحروق (بيكساباي)

تحذيرات في مصر من ترند «الماء المغلي»... ما القصة؟

أثار، خلال الفترة الأخيرة، انتشار تحدٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، جدلاً واسعاً في مصر، بعد تداول مقاطع مُصوَّرة لصبِّ الماء المغلي أو الشاي فوق يد المراهقين.

سارة ربيع (القاهرة)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».