مصر: تغيرات مناخية مفاجئة تثير قلقاً ومخاوف

عصام حجي يتوقع حدوث ظواهر أكثر شدة وتطرفاً

مخاوف في مصر من تكرار حدوث الظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)
مخاوف في مصر من تكرار حدوث الظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)
TT

مصر: تغيرات مناخية مفاجئة تثير قلقاً ومخاوف

مخاوف في مصر من تكرار حدوث الظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)
مخاوف في مصر من تكرار حدوث الظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)

فوجئ سكان مدينة القاهرة ومحافظات الدلتا (الثلاثاء) بسقوط أمطار غزيرة، وبشكل مفاجئ وغير معتاد في فصل الصيف، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، في ظاهرة مناخية غير مألوفة، ما سبب حالة من الارتباك، وأثار الكثير من الجدل حول كيفية الوصول إلى تفسير علمي مقبول لما حدث، ومعرفة أسبابه الحقيقية، وكيف يمكن التعاطي معه بما يضمن تقليل الأضرار التي تترتب على هذه الحوادث المناخية المفاجئة، والمتطرفة.

وفي حين وجه البعض النقد للهيئة العامة للأرصاد الجوية، مطالبين بمراجعة شاملة لأدائها، وضرورة تطوير قدراتها، حذر آخرون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى كوارث يصعب مواجهتها في المستقبل، مرجعين ذلك إلى التحولات المناخية التي يمر بها كوكب الأرض منذ عدة عقود، ومشيرين إلى أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة من «التطرف المناخي»، وأن علينا الاستعداد لتلك الظواهر المناخية الحادة، وغير المألوفة.

يصف الدكتور محمد السيد شلتوت، أستاذ علوم البحار الفيزيائية والتغيرات المناخية في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية في مصر، سقوط الأمطار الغزيرة بالأمس، بأنه من الأحداث المناخية النادرة، قائلاً إننا لا نستطيع وضع توصيف علمي دقيق لأسباب وقوعها، وعلاقة ذلك بالتغيرات المناخية، إلا أنه مع تكرار الأمر وخضوعه للدراسة والبحث والتحليل نستطيع معرفة أسبابه.

مخاوف من ارتفاع درجة حرارة البحر المتوسط (الشرق الأوسط)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: من المحتمل أن تكون هناك علاقة لما حدث بالتغيرات المناخية، مفسراً ما جرى بأنه كان نتيجة وجود كتلة هوائية مشبعة ببخار الماء كونت منطقة ضغط منخفض، ما أدى إلى سقوط الأمطار وبكميات غزيرة في بعض المناطق.

وأوصى شلتوت بأن يتم تطبيق ما يعرف بـ«تقنيات النمذجة العددية»، على أن تطبق على نماذج وبيانات مستخلصة من ظروف وتغيرات الطقس المصرية، وليست من تلك المستمدة من حالات الطقس العالمية العامة. وأَضاف أنه ينبغي أن يجري تحديث هذه البيانات كل ساعة، وأن تكون القياسات على ارتفاعات كبيرة جداً من سطح الأرض لضمان دقتها.

تغير المناخ وراء سقوط الأمطار في شهر يوليو بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفيما يتعلق بالتغيرات التى طرأت على مياه البحر الأبيض المتوسط، قال إن درجة حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط تزداد سنوياً بمعدل 0.03 سيلزيوس، ورغم أن هذا المعدل ليس كبيراً، فإنه ذو تأثير ملموس، أضف إلى ذلك أن الموجة الحرارية في الصيف أصبحت أطول.

وتوقع أن يكون لتلك التغيرات مردود سلبي على الوضع الاقتصادي، إذ قد تؤدي هذه التغيرات إلى هجرة كثير من الأسماك، كما أن هذا الوضع قد يقلل كثيراً من العوائد المالية الآتية من السياحة، حيث ستفقد الكثير من المنتجعات الشاطئية جاذبيتها للسياح القادمين من الخارج، والذين يبحثون في العادة عن شواطئ مشمسة ذات درجات حرارة ومعدلات رطوبة معتدلة.

عالم الفضاء المصري بوكالة «ناسا»، الدكتور عصام حجي، قال لـ«الشرق الأوسط»: إن نتائج أحد أبحاثه التي جرى نشرها مؤخراً أشارت إلى أن تلك الظواهر المناخية المتطرفة لم تعد مجرد ظواهر لحظية طارئة، وأنه من المتوقع ارتفاع وتيرة حدوثها في مصر والمنطقة العربية خلال السنوات القادمة.

عصام حجي يقترح ترميم شواطئ ساحل البحر المتوسط بمصر (الشرق الأوسط)

وأضاف أنه لا يمكن تقديم مقترحات للحلول دون فهم أسبابها، مشدداً على ضرورة ترميم الشريط الساحلي في مصر وتوسعته وإعادة تدعيمه بالرمال، رافضاً الميل إلى نشر رسائل الطمأنة بين الناس قبل القيام بما يجب علينا القيام به من خطوات وتدابير ضرورية.

وكان بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي قد شاركوا بعض الفيديوهات التى يظهر فيها ارتفاع مستويات موج البحر، إذ عبر البعض عن قلقه من حالة البحر غير المعتادة في مثل هذه الأوقات من كل عام، حيث اعتاد المصريون الاستمتاع بمياه البحر وأجواء الشاطئ، وهو ما فسره حجي بأنه نوع من العواصف البحرية التى تحدث داخل البحر دون أن تمتد إلى خارجه، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع متوسط درجات حرارة مياه البحر المتوسط، نافياً أن تكون لذلك علاقة باحتمالات وقوع موجات التسونامي كما يدعي البعض.

وسائل الإنذار المبكر

ولم تتوقع الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية في بيانها الصادر الاثنين سقوط أمطار في يوم الثلاثاء، إذ قالت إن البلاد ستشهد طقساً شديد الحرارة ورطباً نهاراً في أغلب الأنحاء، وحاراً رطباً على السواحل الشمالية، فيما تبلغ درجة الحرارة العظمى في القاهرة الكبرى في الظل 37 درجة مئوية.

ويمكن لعمليات الرصد والإنذار المبكر والتخطيط السليم أن تقلل كثيراً من الأضرار المحتملة، بل وتمنع آثارها من أن تصبح حالات طوارئ خطرة واسعة النطاق.

ومن جانبه، يشدد حجي على أن ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات وكذلك زيادة معدلات الخسائر لا يكونان مرتبطين بشدة الأحداث المناخية المتطرفة فقط، وإنما أيضاً بمستوى وعي المواطنين وجاهزيتهم، ومدى استعدادهم، وكيفية تعاطيهم مع تلك الأحداث، منوهاً إلى ضرورة أن تكون هناك منظومة للإبلاغ المبكر، وأن تكون لدى المواطنين التعليمات الكافية للتعامل مع تلك الأحداث.

وتوقع أن تكون هناك أحداث أخرى أكثر شدة وتطرفاً في المستقبل، واصفاً «عدم الاستعداد لتلك الأحداث بأنه بمثابة الانتحار الذاتي».

الإسكندرية من بين المدن المتضررة من تغير المناخ (الشرق الأوسط)

ويستخدم علماء الأرصاد الجوية بيانات الطقس -مثل ضغط الهواء وسرعة الرياح ودرجة الحرارة- للتنبؤ بأنظمة الطقس. كما يمكن التنبؤ بالعواصف الرعدية الشديدة التي لديها القدرة على إنتاج الأعاصير، مما يسمح للناس بالاستعداد لإعصار متوقع، وبالتالي الحصول على الإمدادات اللازمة، والاحتماء في الأماكن الآمنة. إلا أنه لا يزال مستوى نشر نظم الإنذار المبكر ضعيفاً حتى الآن لدى غالبية الدول، خصوصاً النامية منها.

أمطار نادرة شهدتها القاهرة الثلاثاء خلال الصيف (الشرق الأوسط)

كما لا يجري استغلال التقدم في تكنولوجيات الاتصالات استغلالاً كاملاً للوصول إلى الأشخاص المعرضين للخطر. ولا توجد قدرة كافية على نطاق العالم لترجمة الإنذارات المبكرة إلى إجراءات مبكرة، وفق تقرير حالة الخدمات المناخية لعام 2020.

وفي هذا الإطار، يقترح حجي الاستفادة من بلدان الاتحاد الأوروبي التي تطل على حوض البحر الأبيض المتوسط، فبفضل أنظمة الإنذار المبكر والمعلومات الموجودة لديها، أصبح لدى الدول الأعضاء أنظمة أكثر كفاءة ومرونة للاستجابة لحالات الطوارئ.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منزل غمرته المياه قرب نهر غواداليتي مع وصول العاصفة «ليوناردو» إلى أجزاء من إسبانيا (رويترز)

فيضانات «ليوناردو» تجتاح المغرب وإسبانيا والبرتغال... وإجلاء عشرات الآلاف (صور)

ضربت العاصفة «ليوناردو» المغرب وجنوب إسبانيا والبرتغال، ما دفع السلطات إلى إعلان حالات التأهب القصوى وإجلاء عشرات الآلاف من السكان.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص مديرة السياسات الاجتماعية في مجموعة البنك الدولي عفت شريف (الشرق الأوسط) p-circle 01:59

خاص البنك الدولي من الرياض: وظائف الغد خارج «المنطق التقليدي»

في وقت يواجه فيه العالم منعطفات اقتصادية حاسمة لم يعد الحديث عن «وظائف المستقبل» مجرد توقعات نظرية بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية

زينب علي (الرياض)
الولايات المتحدة​ عامل يزيل الجليد من أحد الشوارع في أوكسفورد بميسيسيبي الأميركية (أ.ب)

عاصفة قطبية توقع 30 قتيلاً في الولايات المتحدة

ارتفعت حصيلة ضحايا البرد القارس الذي يضرب الولايات المتحدة إلى 30 قتيلاً، بينهم سبعة قضوا في حادث تحطم طائرة ليلة الأحد، في ظل استمرار موجة الصقيع القطبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.