الرئيس الفرنسي يكثف اتصالاته بحثاً عن حل سياسي ــ توافقي لنووي إيران

ماكرون عاود التواصل مع نظيره فلاديمير بوتين بعد انقطاع دام زهاء 3 أعوام

الفرنسي إيمانويل ماكرون يسير برفقة الأمين العام للرئاسة الفرنسية إيمانويل مولان في قصر الإليزيه اليوم (رويترز)
الفرنسي إيمانويل ماكرون يسير برفقة الأمين العام للرئاسة الفرنسية إيمانويل مولان في قصر الإليزيه اليوم (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي يكثف اتصالاته بحثاً عن حل سياسي ــ توافقي لنووي إيران

الفرنسي إيمانويل ماكرون يسير برفقة الأمين العام للرئاسة الفرنسية إيمانويل مولان في قصر الإليزيه اليوم (رويترز)
الفرنسي إيمانويل ماكرون يسير برفقة الأمين العام للرئاسة الفرنسية إيمانويل مولان في قصر الإليزيه اليوم (رويترز)

بعد انقطاع دام 1024 يوماً بين الرئيس الفرنسي ونظيره الروسي على خلفية الحرب الأوكرانية، أجرى إيمانويل ماكرون مكالمة مطولة مع فلاديمير بوتين مساء الثلاثاء.

وأفاد بيان قصر الإليزيه أن الاتصال استمر لأكثر من ساعتين، وتركز على ملفين أساسيين: البرنامج النووي الإيراني، وحرب أوكرانيا. ولم يكن الاتصال مفاجئاً، إذ أعلن ماكرون في 26 يونيو (حزيران) عزمه على التواصل مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، سعياً إلى «مقاربة مشتركة» بشأن الملف النووي الإيراني، انطلاقاً من مسؤولية خاصة تتحملها هذه الدول بصفتها ضامنة لمعاهدة حظر انتشار السلاح النووي.

ماكرون يستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمقر إقامته الصيفي في حصن بريغانسون أغسطس 2019 (د.ب.أ)

شرحت أوساط الإليزيه أن ماكرون تشاور مسبقاً مع نظيره الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي. وبعد اتصاله ببوتين، لم يبقَ أمامه سوى التواصل مع الرئيس الصيني شي جينبينغ لإتمام جولته مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

بالتوازي، يجري ماكرون اتصالات في إطار الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، وأيضاً مع دول خارجها. ووفق بيان الإليزيه، فقد «ذكّر ماكرون بمسؤوليات الدول الدائمة، ولا سيما فرنسا وروسيا، نحو الملف النووي»، مشدداً على «ضرورة التزام إيران بمعاهدة حظر الانتشار، وتعاونها الكامل مع الوكالة الذرية، بما يسمح باستئناف عمل المفتشين دون تأخير».

كما أعرب ماكرون عن «تصميمه على التوصل إلى حل دبلوماسي دائم ومتشدد بشأن النووي الإيراني، والصواريخ، ودور طهران الإقليمي». وقرر الرئيسان «تنسيق الجهود والتواصل قريباً لمتابعة هذه المسألة». وقد اتفقت باريس وموسكو على الدعوة إلى «حل سياسي-دبلوماسي»، بحسب ما نقلته «روسيا اليوم».

دور جديد

تُبرز مبادرات ماكرون، ومنها اتصالاته بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس بوتين من جهة، وبالقادة الغربيين وعلى رأسهم ترمب من جهة أخرى، رغبته في لعب دور «صلة الوصل بين المعسكرين»، ببوصلة دبلوماسية تهدف إلى حل مستدام للحرب «الإسرائيلية - الأميركية - الإيرانية». وتأتي مبادرته في لحظة «فراغ دبلوماسي»، حيث لم تعقد محادثات ترمب الموعودة مع إيران، ولم تثمر اجتماعات مجلس الأمن عن نتائج.

صورة من قمر «ماكسار» تُظهر منشأة فوردو للتخصيب في إيران الثلاثاء (أ.ب)

كما نبهت مصادر الإليزيه إلى اقتراب انتهاء فاعلية القرار 2231 الذي يتبنى الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ما يستدعي التشاور حول تفعيل آلية «سناب باك» التي قد تعيد فرض ست حزم عقوبات أقرها مجلس الأمن قبل الاتفاق، وتم تعليقها لاحقاً.

وتنبع أهمية الاتصال ببوتين من علاقاته الجيدة مع السلطات الإيرانية، والروابط الاستراتيجية بين البلدين، ما يمنح موسكو قدرة محتملة على التأثير على موقف طهران، وربما دفعها نحو الليونة في الملف النووي، ورغم اكتفاء روسيا بالتنديد بالهجمات الإسرائيلية والأميركية على المنشآت النووية الإيرانية، فإنها تدعو لحلول «دبلوماسية – سياسية».

كما يُحتمل أن توافق موسكو على استعادة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وهو محور الخلاف الرئيس في خمس جولات تفاوض بين طهران وواشنطن؛ إذ تصرّ إيران على حقها في التخصيب مع استعدادها لتحديد نسبه، بينما ترفضه الولايات المتحدة كلياً، وفي الأسابيع الأخيرة، تبنت باريس السردية الأميركية بهذا الشأن.

من هنا تأتي أهمية تذكير بوتين بأن «من حق إيران الاحتفاظ ببرنامج نووي مدني»، وفق ما نقلته «روسيا اليوم». ولا ترفض أي من الدول الخمس هذا الحق، لكن التحدي يكمن في تحديد مستواه، وضمان رقابة دولية صارمة قد تتجاوز حدود التفتيش التقليدي.

أولوية التفتيش

منذ أيام، يشدد ماكرون على أمرين: الحؤول دون خروج إيران من معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، وضرورة عودة المفتشين الدوليين لممارسة عملهم. وتؤكد باريس الحاجة إلى صورة واضحة حول وضع البرنامج النووي الإيراني، وهي نقطة محورية في محادثته مع بزشكيان قبل يومين. وقد أعلن التلفزيون الإيراني الأربعاء تعليق التعاون مع «الوكالة الذرية» بعد تصويت البرلمان، وموافقة مجلس صيانة الدستور.

وتوجه اتهامات للوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها «أساءت» التعامل مع إيران، حيث حمّل وزير الخارجية عباس عراقجي الوكالة ومديرها غروسي «المسؤولية الكاملة» عن الوضع «السيئ» الحالي، ما يعكس فجوة عميقة بين المواقف الغربية وما تصر عليه طهران. وكشف الإليزيه أن بزشكيان عبر خلال اتصاله بماكرون عن «وجود مشكلة» مع الوكالة.

غروسي يصل إلى قصر الإليزيه في باريس... الأربعاء (أ.ف.ب)

أما الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، رغم تلميحات بعض المسؤولين الإيرانيين، فإن الرأي السائد في باريس أن طهران لن تقدم عليه، لكن التخوف الحقيقي مرده لاعتبار أن إيران قد تعمد إلى تطوير إيران برنامجاً نووياً عسكرياً سرياً، وهو ما تملك القدرات لتحقيقه. ولهذا، ترى المصادر الفرنسية أن «عودة المفتشين بصلاحيات أوسع» أمر أساسي، مضيفة: «أولى الأولويات هي عودتهم ميدانياً للحصول على صورة واضحة».

في هذا السياق، تقول المصادر إن بوتين أكد على ثلاثة مبادئ: التمسك بالمعاهدة، وإعادة بناء الثقة بين طهران والوكالة، والاستعداد للحوار مع جميع الأطراف، وهو عرض سبق أن قدّمه خلال حديثه مع ترمب.

وتقول باريس إن هدفها يقوم على التوصل إلى حلّ دبلوماسي يحظى بأوسع قدر من التفاهمات. ويبدو أنها تستشعر ضغط الزمن، وتخشى تصاعد لهجة الحرب من تل أبيب وواشنطن، وتريد إسماع صوت آخر غير الصوت الأميركي المهيمن حتى اليوم في أزمات وحروب العالم راهناً.

لكن، هل الدبلوماسية الفرنسية قادرة على التأثير فعلياً؟ حتى الآن، الجواب سلبي. غير أن ماكرون، الساعي للدفاع عن مصالح بلاده وأوروبا، ينطلق من اعتبارات تتعلّق بالأمن الجماعي، ومسؤولية الدول الخمس دائمة العضوية، ما يجعل مبادراته، ربما، أكثر قبولاً حتى لدى روسيا، رغم وصفه لها بأنّها «التهديد الأكبر للقارة العجوز».


مقالات ذات صلة

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية تستمع المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند يوم 21 أغسطس 2026 (أ.ب)

البيت الأبيض: لا مفاوضات حالياً مع إيران وكل الخيارات مطروحة

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الولايات المتحدة وإيران لا تجريان حالياً أي مفاوضات لإنهاء الحرب في ظل تركيز واشنطن على تكثيف الضغط الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

قالت باكستان، الخميس، إنها ترى «زخماً» بالجهود الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق «هرمز»، لكنها شددت على أن القرار النهائي بشأن استئناف الملاحة يعود إلى طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد)
شؤون إقليمية صورة نشرها غروسي على منصة «إكس» من لقائه مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في واشنطن

غروسي: المفاوضات النووية مع إيران في مأزق

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني متوقفة حالياً.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
TT

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني وإصابة نجله وخليفته بجروح خطيرة، تواجه الحكومة الإيرانية حصاراً اقتصادياً، لكنها لا تزال ممسكة بالسلطة وتعتقد أن الوقت في صالحها، وفقاً لتحليل وكالة «رويترز».

ويواجه تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض عقوبات جديدة قاسية على إيران مشكلة جوهرية، إذ تراهن طهران على أنه لن يقدم على الخطوة الأخيرة اللازمة لكسر حالة الجمود.

وتتمثل هذه الخطوة في التطبيق الصارم للعقوبات الثانوية على الدول التي تساعد في إبقاء الاقتصاد الإيراني قائماً، وفي مقدمتها الصين والهند.

وتمثل أحدث الإجراءات الأميركية، التي أُعلن عنها الاثنين، مرحلة جديدة في الصراع الذي بدأ في 28 فبراير، إذ تنقل المواجهة من الصواريخ والغارات الجوية إلى استهداف عائدات النفط والقطاع المصرفي والشركاء التجاريين لإيران.

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة بالعمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستقطع شرايين التمويل التي تساعد الاقتصاد الإيراني على الصمود، بينما يفرض حصار بحري بقيادة واشنطن قيوداً على صادرات النفط الإيرانية والحصول على العملة الصعبة.

وقال آرون ديفيد ميلر، الدبلوماسي الأميركي السابق والزميل البارز في مؤسسة كارنيغي، إن إدارة ترمب «تتلمس، في حالة من الارتباك واليأس، سبيلاً للخروج من هذا الوضع».

واستحضر بيسنت إنزال قوات الحلفاء على ساحل نورماندي في فرنسا عام 1944 خلال الحرب العالمية الثانية لدى إعلانه العقوبات.

لكن ميلر قال: «بالنسبة إليّ، هذا ليس يوم النصر، بل يوم اليأس. لا أعتقد أن الإدارة اقتربت من إيجاد مخرج من هذا الوضع».

حصار وعقوبات

قال مايكل نايتس، مدير الأبحاث في مؤسسة «هورايزن إنغيدج» للاستشارات الاستراتيجية ومقرها نيويورك، إن الحصار قد تكون له عواقب تفوق العقوبات نفسها.

وأضاف أن التحدي المباشر الذي تواجهه إيران لم يعد كيفية الصمود أمام الضغط الاقتصادي، بل كيفية الخروج منه.

وأشار إلى أن طهران تعايشت مع العقوبات طوال عقود وصمدت أمام حملات «أقصى الضغوط» السابقة من دون أن تغير نهجها.

ورأى نايتس أن تصاعد الضغط الاقتصادي قد يدفع إيران إلى رفع كلفة المواجهة على خصومها، من خلال الضغط على دول المنطقة، خصوصاً السعودية، لدفع واشنطن نحو مخرج دبلوماسي.

وقال إن إيران قد تتجه بصورة متزايدة إلى تبني النموذج الذي يتبعه حلفاؤها الحوثيون في البحر الأحمر: هجمات متقطعة، ومفاوضات متقطعة، وحملة استنزاف طويلة الأمد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ورجح أن تستهدف مثل هذه الحملة الملاحة أو الموانئ أو البنية التحتية للطاقة أو أصولاً حيوية أخرى، بما يرفع كلفة استمرار الصراع إلى مستويات يصعب تحملها.

وترفض واشنطن هذا التقييم، وتقول إن ميزان القوى يميل لصالحها.

وقال تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، رداً على أسئلة لـ«رويترز»: «الاقتصاد الإيراني في حالة سقوط حر وتلقى جيش النظام ضربة قاصمة».

وأضاف: «الرئيس ترمب يمسك بجميع الأوراق، ونحن نقطع كل شريان مالي متبقٍ للنظام».

طهران تستبعد نجاح الاستراتيجية الأميركية

تساءل آلان أير، الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل على الملف الإيراني، عما إذا كانت واشنطن تمتلك الدعم الدولي والآليات اللازمة لإنفاذ العقوبات بفاعلية.

وقال إن الإجراءات الجديدة، خلافاً للحملة متعددة الأطراف التي سبقت الاتفاق النووي لعام 2015 بين طهران والقوى الكبرى، تعتمد على التهديدات العلنية بدلاً من الدبلوماسية المستمرة مع الحلفاء والشركاء التجاريين.

وكان اتفاق 2015 قد قيّد البرنامج النووي الإيراني في مقابل رفع العقوبات.

ويستبعد مسؤولون إيرانيون نجاح الاستراتيجية الأميركية، معتبرين إياها تكراراً لنهج سبق أن فشل.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعرض نسخة موقّعة من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في طهران... 18 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن دولاً مثل الصين لن تتوقف عن التعاون مع طهران لمجرد خدمة المصالح الأميركية.

ويرى بعض المحللين السياسيين أن الاستراتيجية تواجه مشكلة أعمق؛ فمن كوريا الشمالية إلى روسيا وإيران نفسها، نادراً ما أجبرت العقوبات الحكومات على التخلي عن أهداف تعتبرها أساسية لبقائها.

وقال المسؤول الإيراني الكبير إن طهران تعتقد أن الهدف الأميركي الأوسع هو تأجيج السخط الداخلي، أملاً في أن تتحول الصعوبات الاقتصادية في نهاية المطاف إلى اضطرابات سياسية.

لكنه أشار إلى أن حملة «أقصى الضغوط» فشلت خلال ولاية ترمب الأولى وستفشل مجدداً.

وقال: «إذا ازداد الضغط، فسيتغير نهج إيران أيضاً»، مضيفاً أن دول المنطقة تدرك أن زيادة الضغط على طهران قد تعرضها هي الأخرى لمخاطر أكبر.

خطر الاضطرابات

قالت مصادر مطلعة ومسؤول إيراني إن التهديد الأكبر لحكام إيران قد لا يتمثل في التحديات الاقتصادية بحد ذاتها، وإنما في احتمال أن يشعل تدهور الأوضاع المعيشية مجدداً اضطرابات واسعة النطاق.

وقال مركز الإحصاء الإيراني إن معدل التضخم السنوي بلغ 66 في المائة في يوليو، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين 87.9 في المائة مقارنة بمستوياتها قبل عام.

وزادت أسعار المواد الغذائية 128 في المائة على أساس سنوي.

وأقر الرئيس مسعود بزشكيان الأسبوع الماضي بوطأة الضغوط الاقتصادية، قائلاً: «تضاعفت مشاكلنا مرات عدة، في حين تراجعت إيراداتنا أيضاً».

وشهدت إيران خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الاحتجاجات على خلفية الأوضاع الاقتصادية.

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

وفي يناير، قمع «الحرس الثوري» وقوات «الباسيج» مظاهرات اندلعت بسبب الأوضاع الاقتصادية، ما أسفر عن مقتل الآلاف.

وقال مسؤول إصلاحي سابق إن تعيين حسين طائب هذا الشهر قائداً لقوات «الباسيج»، وهو أحد أبرز مهندسي حملات القمع السابقة، يعد من أوضح المؤشرات حتى الآن على قلق السلطات من تجدد الاضطرابات.

و«الباسيج» قوة شبه عسكرية تابعة لـ«الحرس الثوري»، استخدمها حكام إيران مراراً في قمع الاحتجاجات.

ويعكس ذلك مفارقة في صلب الاستراتيجية الأميركية، إذ قد تؤدي العقوبات إلى تعميق الأضرار الاقتصادية في إيران من دون أن تدفع قادتها إلى تغيير نهجهم.

فقد واجهت القيادة الإيرانية تاريخياً الاضطرابات الداخلية بالقمع، والضغوط الخارجية بالتهديد بالرد خارج حدود البلاد.

«مأزق خطير»

بالنسبة إلى دول الخليج، تبدو الحسابات أكثر تعقيداً. فهي تفضل الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على جولة جديدة من الحرب، لكنها تخشى سيناريو يتيح لإيران إعلان النصر مع احتفاظها بالقدرة على تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأبقت طهران الممر الحيوي لإمدادات النفط العالمية في حكم المغلق، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية.

وقال عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إن حكومات الخليج غير مقتنعة بأن العقوبات وحدها قادرة على تغيير نهج إيران سريعاً، في ظل قدرة القيادة الإيرانية على الصمود والحفاظ على السيطرة الداخلية.

وأضاف أن حدوث تغيير سياسي كبير، أو انهيار القيادة الحاكمة في إيران، أمر غير مرجح في الأمد القريب.

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

وقال إن النتيجة قد تكون «مأزقاً خطيراً» إذا أخفقت المحادثات التي تجري بوساطة في تحقيق اختراق.

فواشنطن تريد من إيران التخلي عن أوراق الضغط التي تمتلكها في مضيق هرمز من دون منحها دوراً في إدارة الممر المائي.

في المقابل، تريد طهران رفع الحصار البحري الأميركي من دون أن تبدو وكأنها رضخت للضغوط، بينما تسعى دول الخليج إلى احتواء الصراع من دون أن تخرج إيران منه بمظهر المنتصر.


وسائل إعلام فارسية بالخارج على بنك الأهداف الإيرانية

المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)
المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)
TT

وسائل إعلام فارسية بالخارج على بنك الأهداف الإيرانية

المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)
المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)

أعلنت القوات المسلحة الإيرانية، الأربعاء، إدراج وسائل إعلام ناطقة بالفارسية تعمل من خارج البلاد، بينها «بي بي سي فارسي» و«إيران إنترناشيونال» وإذاعة «فردا»، ضمن «قائمة الأهداف العسكرية»، متهمة إياها بالعمل لحساب أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية.

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي إن «بي بي سي فارسي» البريطانية و«إيران إنترناشيونال» وإذاعة «فردا» من بين وسائل الإعلام المشمولة بهذا التصنيف.

وكانت طهران قد أدرجت «بي بي سي فارسي» وقناة «إيران إنترناشيونال» الخاصة، ومقرها لندن، على قائمتها للمنظمات «الإرهابية» عام 2022.

وأضاف شكارجي: «وسائل الإعلام المعادية هذه جنود للصهيونية والولايات المتحدة، وهي مدرجة في قائمة أهدافنا العسكرية»، متهماً إياها بأنها «على صلة مباشرة بالموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) وأجهزة استخبارات العدو».

وتابع، في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي الإيراني، أن القوات المسلحة الإيرانية «لا تعتبرها وسائل إعلام»، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتتهم السلطات الإيرانية بانتظام وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية التي تعمل من الخارج، ويمكن الوصول إليها داخل إيران عبر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، بالتعاون مع إسرائيل.

ومنذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، الذي أشعل الحرب في الشرق الأوسط، شددت السلطات الإيرانية القيود على تدفق المعلومات.

وفي منتصف أغسطس (آب)، حظرت إيران قناة على «يوتيوب» كانت تبث مقابلات مع مثقفين وشخصيات عامة إيرانية حول الشؤون السياسية والاجتماعية في البلاد، واتهمتها بنشر «معلومات مضللة».

وخضع مؤسس القناة ومقدمها للاستجواب قبل إطلاق سراحه بكفالة.


تركيا: مطالبة كردية بدور محوري لأوجلان في «نزع السلاح»

مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد بمدينة مرسين جنوب تركيا يوم 27 يونيو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله اوجلان (حساب الحزب على إكس)
مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد بمدينة مرسين جنوب تركيا يوم 27 يونيو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله اوجلان (حساب الحزب على إكس)
TT

تركيا: مطالبة كردية بدور محوري لأوجلان في «نزع السلاح»

مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد بمدينة مرسين جنوب تركيا يوم 27 يونيو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله اوجلان (حساب الحزب على إكس)
مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد بمدينة مرسين جنوب تركيا يوم 27 يونيو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله اوجلان (حساب الحزب على إكس)

طالب حزب مؤيد للأكراد في تركيا بتحديد واضح للدور الذي سيضطلع به زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين، عبد الله أوجلان، في مرحلة نزع أسلحة «الحزب» وتطبيق «القانون الإطاري» لعملية «السلام» التي تطلق عليها أنقرة «عملية تركيا خالية من الإرهاب».

وقال نائب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» عضو الوفد المكلف الاتصالات بين الدولة التركية وأوجلان، المعروف بـ«وفد إيمرالي»، مدحت سانجار، إنهم يتوقعون من أوجلان أن يضطلع بدور في «لجنة نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي»، المنبثقة عن «مجلس الرصد والتقييم والمتابعة» الذي تشكل بموجب قانون «تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» الذي أقره البرلمان التركي في 10 أغسطس (آب) الحالي، وأن يضطلع بدور «فعال ونشط» في عملية نزع السلاح.

وأضاف: «لكي تُدار هذه العملية، فإنه يجب للسيد أوجلان أولاً أن يضطلع بدور محوري، ويجب أن يكون ذلك بطريقة محددة ومعلنة بوضوح... هذا ضروري لكي تكون هذه العملية الضخمة فعّالة».

مفترق طرق

ووصف القانون، الذي يُعرف بـ«القانون الإطاري» للسلام، الذي نشر بالجريدة الرسمية يوم 18 أغسطس بعد مصادقة الرئيس رجب طيب إردوغان عليه، بأنه «مفترق طرق تاريخي»، وأنه يمثل مرحلة جديدة في عملية السلام، التي قال إنها «تحمل إمكانات هائلة للتغيير بالنسبة إلى تركيا والمنطقة على حد سواء».

سانجار خلال لقاء مع ممثلي الصحف ووسائل الإعلام التركية في أنقرة (إعلام تركي)

ولفت سانجار، خلال لقاء مع ممثلي الصحف ووسائل الإعلام التركية في أنقرة ليل الأربعاء - الخميس، إلى أن «مجلس الرصد والتقييم» عقد أول اجتماعاته في 24 أغسطس الحالي، و«أعلن عن تشكيل 4 لجان تعني بالاندماج والقضايا القانونية ونزع الأسلحة، ولم يحدَّد تشكيل كل لجنة حتى الآن، وليس من المعروف ما إذا كان سيكون أوجلان عضواً في (لجنة نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي)؛ لكننا نتوقع أن يعلَن ذلك بشكل صريح وواضح».

وبشأن مزاعم نقل أوجلان إلى مكان آخر غير سجن «إيمرالي» الذي أمضى فيه نحو 27 سنة حتى الآن، قال سانجار إن «أوجلان لا يزال موجوداً في (إيمرالي)، لكن يجب ترتيب ظروف عمل أوجلان ومعيشته بما يسمح له بأداء الدور الذي اضطلع به في العملية».

وبشأن ما إذا كان أوجلان سيوجه نداء جديداً لـ«حزب العمال الكردستاني» بشأن إلقاء السلاح، قال سانجار إنه «لم يُتخذ أي قرار بعد في هذا الشأن، لكن إذا استدعى الأمر فقد يوجَّه مثل هذا النداء».

لا لقاءات مع قيادات «قنديل»

ونفى سانجار ادعاءات تناقلتها وسائل إعلام ومنصات للتواصل الاجتماعي بشأن لقاءات بين أوجلان وقيادات من «حزب العمال الكردستاني»، داخل «إيمرالي»، قائلاً: «لم يُعقد أي اجتماع من هذا القبيل، وقد أكد ذلك السيد أوجلان شخصياً، كما ورد في بيانات صادرة باسم (العمال الكردستاني)، وهو ما أكده مسؤولون حكوميون أيضاً».

وأدى نشر ما وصفت بأنه «محاضر اجتماعات» بين «وفد إيمرالي» وأوجلان، عقدت في مايو (أيار) الماضي ومطلع أغسطس الحالي، إلى حالة من الغضب والتوتر، ونشر حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عبر حسابه على «إكس» الثلاثاء، بياناً بخط يد أوجلان، عدّ فيه ما نشر «مؤامرة ضده».

وقال أوجلان إن المنشورات التي صدرت تحت اسم «محاضر اجتماعات» أُعدّت من قبل «جهات تسعى لعرقلة عملية (السلام والمجتمع الديمقراطي)»، التي أوضح أنها وصلت إلى «مرحلة حرجة».

وأضاف أن «محاولات بعض الجهات عرقلة العملية خلال هذه المرحلة التاريخية تُشكل مؤامرة ضدي».

وقبل ذلك بيومين، أصدر حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، في 23 أغسطس، بياناً حذر فيه من تداول نصوص معينة نُسبت إلى أوجلان تحت أسماء مثل «ملاحظات اجتماعات» أو «محاضر اجتماعات»، حوت عباراتٍ مُسيئةٍ بحقّ أفرادٍ، ووصف ذلك بأنه «نشاط خطير يهدف إلى تخريب جهود السيد أوجلان والعملية التي بلغت مرحلةً حاسمة، وهو أمرٌ غير مقبولٍ تحت أيّ ظرفٍ من الظروف».

«بيجاك» ينأى عن «الكردستاني»

في غضون ذلك، أعلن «حزب الحياة الحرة (بيجاك)» الكردستاني، الذي يشار إليه على أنه ذراع «حزب العمال الكردستاني»، أنه لا صلة له بالأخير، وأنه غير معني بدعوة أوجلان إلى نزع الأسلحة، في إطار العملية الجارية بتركيا، وأنه سيواصل نضاله في إيران مع بقاء قياداته في جبل قنديل شمال العراق، خلافاً لما تؤكده أنقرة بشأن شمول العملية الجارية جميع أذرع «العمال الكردستاني» بما فيها «بيجاك».

وأقر المتحدث باسم «الحزب»، ريوار أفدانان، في تصريحات أدلى بها لصحيفة قريبة من «الحزب» ونقلتها وسائل إعلام تركية الخميس، بتقاربهم الآيديولوجي مع «حزب العمال الكردستاني»، لكنه أكّد استقلالهم السياسي والتنظيمي، وأنه لا توجد صلة مباشرة بينهما.

مسلحون من حزب «الحياة الحرة (بيجاك)» الكردستاني في أثناء تدريبات بجبل قنديل في السليمانية شمال العراق خلال فبراير الماضي (رويترز)

وقال إنهم قد ينظرون في عملية مماثلة «إذا ما انطلقت عملية ديمقراطية حقيقية» في إيران، لكنه استدرك بأنهم «مستمرون في نضالنا، ولا يعنينا ما يجري في تركيا، ومستقبل (بيجاك) سيحدَّد وفق التطورات» الجارية في إيران.

وأشار أفدانان إلى أن «القانون الإطاري» الذي أُقر في البرلمان التركي، يشكل خطوة مهمة في التغييرات والتحولات الجارية لكنه لا يزال غير كافٍ، وأنه يشوبه قصور خطير.