مجاعة ثالثة تفتك بالغزيين

«الشرق الأوسط» ترصد تدهوراً في صحة أطفال القطاع نتيجة سوء التغذية

TT

مجاعة ثالثة تفتك بالغزيين

مجاعة ثالثة تفتك بالغزيين

«غزة أكثر الأماكن جوعاً على وجه الأرض». لم تكن هذه الكلمات مجرّد حديث عابر للمتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، واصفاً فيه الواقع الكارثي الذي وصل إليه الحال في قطاع غزة، مع استمرار المجاعة التي تطول كل الغزيين، بأطفالهم وشبابهم ونسائهم وحتى كبار السن منهم.

250 فلسطينياً على الأقل، من بينهم 66 طفلاً، قضوا جوعاً نتيجة سوء التغذية منذ بداية الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ نحو 20 شهراً ضد قطاع غزة. آخر هؤلاء كان الشاب أيوب صابر أبو الحصين (29 عاماً)، من خان يونس بجنوب القطاع، الذي فارق الحياة ليلة الاثنين - الثلاثاء.

الطفل عمر محمد الهمص (3 سنوات)، أحد الأطفال القابعين في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، يواجه خطر الموت نتيجة إصابته في قصف إسرائيلي سابق طال عائلته، وكذلك نتيجة معاناته من سوء تغذية حاد بسبب عدم توافر مواد غذائية مناسبة يمكن تقديمها له لتساعده على التعافي، ومنها الحليب الطبي المفقود داخل القطاع.

الجوع والإصابة وفقدان الأسرة أوجاع مضاعفة يواجهها الطفل الفلسطيني عمر الهمص (الشرق الأوسط)

فقدَ عمر والدته الحامل، وثلاثة من أشقائه الأطفال، فيما بقي وحيداً على قيد الحياة برفقة والده الذي يعاني من إصابة وصدمة حادة بعد استهداف عائلته في خيمة عاشوا فيها لأشهر بعد قصف منزلهم.

أمل في السفر

تحاول عمّة الطفل عمر أن تكون أباً وأماً له، وترافقه طوال الوقت في مجمع ناصر الطبي، وهي تتمسك بآخر أمل ترى أنه يسمح بإنقاذ حياة ابن شقيقها: السماح له بالسفر إلى خارج القطاع لتلقي العلاج.

تقول عمّة الطفل عمر في حديث لـ «الشرق الأوسط»: «منذ إصابته، لم يعد قادراً على السير بشكل طبيعي»، مشيرةً إلى أنه كان يتلقى العلاج في مستشفى الإندونيسي ببلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وعندما اقتحمت القوات الإسرائيلية هذه المنشأة الطبية تم نقل عمر إلى مجمع ناصر الطبي جنوباً، وجرت له عمليات جراحية عدة لعلاج جروحه نتيجة إصابته بالقصف. وأضافت أنه لا يزال يحتاج إلى عمليات أخرى دقيقة لا يمكن أن تجري في غزة بسبب حساسيتها، وهو بحاجة ماسة للعلاج في الخارج.

الطفل الفلسطيني عمر الهمص يكابد أثر إصابة جراء غارة إسرائيلية بالإضافة إلى سوء التغذية (الشرق الأوسط)

لفتت عمّة الطفل إلى أنه رغم محاولات الأطباء السيطرة على الحالة الصحية لعمر، فإن عدم توافر أغذية صحية مناسبة تساعده على التعافي زاد من سوء وضعه الصحي، الأمر الذي تسبب في مشكلات صحية مختلفة كان سوء التغذية جزءاً أساسياً منها.

من الممكن أن أفقد ابنتي في أي لحظة... وما أريده فقط أن تُعالَج في الخارج

أسماء العرجا والدة الطفلة ميار التي تعاني سوء التغذية:

وأوضح الدكتور أحمد الفرا، مدير قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي، أن الطفل الهمص يعاني من إصابات شديدة في الدماغ، وخضع لأكثر من عملية جراحية ولديه صعوبة في التنفس، وبات يصنّف من الحالات التي تعاني من سوء شديد في التغذية.

وبيّن الفرا، في حديث لـ «الشرق الأوسط»، أن وزن عمر الطبيعي كان 15 كيلوغراماً، والآن أصبح 10 كيلوغرامات فقط، لافتاً إلى أن حالته الصحية يُنظر إليها على أنها صعبة وسيكون مستقبله صعباً طالما استمر بهذا الوضع نتيجة الإصابة وسوء التغذية الذي يلازمه وعدم توافر المواد الغذائية اللازمة لمثل حالته.

صور قديمة للطفل الفلسطيني عمر الهمص وبعض أفراد أسرته قبل أن تتسبب الحرب الإسرائيلية في تجويع غزة (الشرق الأوسط)

وأوضح الفرا أنه تم استصدار تحويلة للعلاج له بالخارج، إلا أن إغلاق المعابر يحرمه الخروج للعلاج، مثله مثل آلاف غيره من الأطفال الغزيين، مشيراً إلى أن هناك نحو 13 ألف طفل بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع لعدم توافر الإمكانيات الطبية المطلوبة في مستشفياته.

وقالت مصادر طبية في غزة إن هناك نحو 1200 طفل يعانون حالياً من سوء التغذية في داخل مستشفيات القطاع وخارجها.

وتوصف هذه الفترة في قطاع غزة بأنها واحدة من الأصعب والأقسى منذ بداية الحرب بفعل المجاعة التي تتحقق حالياً. وسبق للقطاع أن شهد مجاعة مماثلة مرتين في مرحلتين منفصلتين، كانت أشدهما حدة في شمال القطاع واستمرت نحو 3 أشهر نتيجة فرض حصار مشدد وخانق على أكثر من 350 ألف فلسطيني بقوا هناك خلال محاولات التوغل الإسرائيلية، والأخرى أقل حدة استمرت لأقل من شهر بقليل في جنوب القطاع حيث كان يتواجد أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني.

توقعات بزيادة الأزمة

ويتوقع أن يزداد عدد ضحايا سوء التغذية اليوم في ظل استمرار عدم وجود آلية واضحة لتوزيع المساعدات على السكان في القطاع، بعد استئناف دخولها بشكل محدود، وإجبار السكان على التوجه إلى مناطق قريبة من أماكن تواجد الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يزيد من معاناة الغزيين الذين يدفعون حياتهم ثمناً لذلك.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت، في مايو (أيار) الماضي، من أن 71 ألف طفل ممن هم دون سن الخامسة من العمر، معرضون لخطر التعرض لسوء التغذية الحاد خلال فترة أقل من عام، في حال استمرت الأوضاع على ما هي عليه.

وقال حينها ممثل المنظمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة الدكتور ريك بيبركورن: «إن ما نراه في غزة هو أن الناس عالقون في هذه الحلقة المفرغة، حيث يغذّي نقص الغذاء المتنوع، وسوء التغذية، والأمراض بعضها بعضاً».

هذه واحدة من أسوأ أزمات الجوع بالعالم... وهي تتكشف في الوقت الراهن

الدكتور ريك بيبركورن ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة:

ونبه بيبركورن إلى أن الحظر الإسرائيلي الكامل على المساعدات لم يترك من إمدادات منظمة الصحة العالمية سوى ما يكفي لعلاج 500 طفل يعانون من سوء تغذية حاد، وهو «جزء بسيط من الاحتياجات الملحة».

أطفال يتدافعون للحصول على مساعدات غذائية في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 30 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

وترافق كلامه مع نشر تقرير أممي حول التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي تضمن تحذيراً من أن 470 ألف شخص في غزة سيواجهون جوعاً كارثياً (المرحلة الخامسة والأشد من التصنيف) خلال الفترة بين مايو (أيار)، وسبتمبر (أيلول) 2025، بزيادة قدرها 250 في المائة عن تقديرات التصنيف السابقة. وقال بيبركورن: «هذه واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، وهي تتكشف في الوقت الراهن».

لا أغذية في غزة

ومن بين حالات سوء التغذية التي رصدتها «الشرق الأوسط» حالة الطفلة ميار العرجا (أقل من عامين) التي تقبع هي الأخرى في قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي.

تقول أسماء العرجا، والدة الطفلة ميار، إن ابنتها تعاني بشدة من سوء التغذية، وإن لديها نقصاً حاداً في الوزن لعدم توافر الأغذية اللازمة مثل اللحوم والدجاج والبيض والأسماك والمكسرات، نتيجة إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر.

الطفلة الفلسطينية ميار العرجا عمرها أقل من عامين وتعاني سوء التغذية وتقيم في مجمع ناصر الطبي في غزة (الشرق الأوسط)

وتقول العرجا لـ «الشرق الأوسط»: «أنا ممكن أفقد بنتي في أي لحظة، وما أريده فقط أن تتعالج في الخارج»، مشيرةً إلى أنها تملك تحويلة لها لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي لا تسمح بسفرها للخارج لتلقي العلاج.

وبيّنت العرجا أن طفلتها بحاجة لأنواع مختلفة من الغذاء حتى تستطيع التعافي واستعادة وزنها، مشيرةً إلى أنها تواجه نقصاً حاداً في الوزن أيضاً بفعل عدم توافر الحليب الطبي اللازم لها، مشيرةً إلى أنها تعاني من التهابات حادة وهناك شبهات بوجود جرثومة لديها.

وكان وزن الطفلة ميار يصل إلى 15 كيلوغراماً، وأصبح حالياً نحو 6 كيلوغرامات فقط. وأشارت والدتها إلى أن وضع الأطفال بغزة يزداد سوءاً، لافتة إلى أن الحالات المصابة بسوء التغذية تزداد داخل مجمع ناصر الطبي، مضيفة أنها بالكاد تفارق هذه المنشأة الطبية نتيجة تدهور وضع حالة طفلتها من حين إلى آخر.

الطفلة الفلسطينية ميار العرجا تتمنى أن تحصل على فرصة للعلاج من سوء التغذية خارج غزة (الشرق الأوسط)

وقالت: «خايفة أفقد بنتي. حالتها كل يوم تسوء أكثر لأنه ما فيه علاج (ليس هناك علاج)»، موجهةً مناشدتها لكل المؤسسات الدولية بالتحرك لإنقاذها، والعمل على إنقاذ حياة مختلف الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في القطاع.

ضرر ممتد مدى الحياة

وتحذّر مصادر أممية من الضرر طويل الأمد الناجم عن سوء التغذية والذي يمكن أن «يستمر مدى الحياة» مع آثار تشمل التقزّم وضعف النمو المعرفي والصحة، وفق منظمة الصحة العالمية.

وتواجه الأمم المتحدة، كما يؤكد ينس لاركه، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، صعوبات في توصيل المساعدات الإنسانية إلى غزة، إذ لا تسمح إسرائيل بإدخالها إلا بكميات قليلة بعد حصار مطبق بدأته مطلع مارس (آذار) قبل استئناف هجومها العسكري بغزة.

الطفلة الفلسطينية ميار العرجا تعاني تبعات سوء الغذاء في غزة (الشرق الأوسط)

واعتبر أن العدد المحدود من شاحنات المساعدات «هو مجرد قطرة في محيط»، قائلاً إن مهمة توزيع المساعدات واجهت «قيوداً تشغيلية جعلتها إحدى أكثر عمليات المساعدة المعوّقة ليس فقط في عالم اليوم، بل في التاريخ الحديث».

وأوضح الناطق الأممي أنه بمجرد دخول الشحنات إلى غزة، يقتحم السكان طرق دخولها أو المستودعات التي تخزّن فيها، معتبراً ذلك أنه يأتي في إطار «غريزة بقاء. عمل يقوم به أشخاص يائسون يريدون إطعام أسرهم وأطفالهم».

وتابع: «كذلك، فإن المساعدات الموجودة في هذه الشاحنات موّلها مانحون لتوصيلها إلى هؤلاء الأشخاص، لذلك لا ألومهم»، مشيراً إلى أن هذه المساعدة مخصصة لسكان قطاع غزة «لكنها لا توزّع بالطريقة التي نريدها».

شاحنات مساعدات تدخل إلى قطاع غزة عبر معبر «زيكيم» غرب بيت لاهيا شمال قطاع غزة يوم 25 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ولجأت الولايات المتحدة، بالشراكة مع إسرائيل، لإعلان إنشاء مؤسسة غزة الإنسانية، لتوزيع المساعدات على السكان، إلا أن هذه الآلية أثبتت فشلها نتيجة استهداف منتظري المساعدات يومياً مما يتسبب بوقوع ضحايا.

ووفقاً لوزارة الصحة بغزة، فإنه منذ بدء عمل هذه المؤسسة في نهاية مايو الماضي، قُتل 853 فلسطينياً نتيجة استهداف منتظري المساعدات، منهم 408 ممن وصلوا لنقاط التوزيع المخصصة من المؤسسة الأميركية – الإسرائيلية، و175 نتيجة انتظارهم قرب طرق دخول الشاحنات، ومن بين مجمل الضحايا 80 في المائة من الشبان والرجال، و16 في المائة من القاصرين.


مقالات ذات صلة

ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

تحليل إخباري ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز) play-circle

السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

أعلن وزير الخارجية المصري، السبت، أن القاهرة تدرس الانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، وذلك بعد تلقي الرئيس السيسي دعوة بذلك من نظيره الأميركي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من برنامج الأغذية العالمي أثناء سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)

«الأونروا»: إسرائيل تواصل منع دخول مواد الإغاثة والإيواء لقطاع غزة

أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، السبت، أن إسرائيل مستمرة في منعها من إدخال مواد الإغاثة والإيواء العالقة خارج قطاع غزة منذ أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة )
شؤون إقليمية مقاتلون من حركة «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

إسرائيل: نزع سلاح «حماس» خلال شهرين... وإلا فالحرب

إسرائيل تعطي الجميع مهلة شهرين من أجل نزع سلاح «حماس» وإلا قامت بذلك بنفسها بعمل عسكري.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي قادة أميركا ومصر وقطر وتركيا خلال التوقيع على وثيقة «وقف الحرب» في غزة أثناء قمة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ) play-circle

ترمب يدعو السيسي وإردوغان للانضمام إلى مجلس السلام بغزة

كشفت القاهرة وأنقرة السبت، عن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنظيريه المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان للانضمام إلى «مجلس السلام»  الخاص بغزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عضو بالكونغرس الأميركي يهدد بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
TT

عضو بالكونغرس الأميركي يهدد بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، وهو حليف للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه «إذا استخدمت الحكومة السورية الجديدة القوة العسكرية ضد الأكراد السوريين و(قوات سوريا الديمقراطية)، فسيؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار هائلة في سوريا والمنطقة، وسيكشف لي كل ما أحتاج إلى معرفته عن هذا النظام الجديد».

وأضاف عبر منصة «إكس» أنه «إذا أقدمت الحكومة السورية على عمل عسكري، فسأبذل قصارى جهدي لإعادة تفعيل عقوبات قانون قيصر، وجعلها أشد وطأة».

وأفاد ​مصدر أمني سوري، وكالة «رويترز» للأنباء، بأن طائرات ‌التحالف الدولي الذي ‌تقوده ‌الولايات المتحدة ⁠حلقت ​فوق ‌بلدات تشهد توتراً في شمال سوريا، حيث دارت اشتباكات ⁠بين قوات ‌الجيش السوري والفصائل الكردية، اليوم السبت.

وتتبادل دمشق والإدارة الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال تطبيق اتفاق مارس (آذار) الذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية.

ودعمت الولايات المتحدة «قوات سوريا الديمقراطية» لسنوات طويلة، لكنها الآن تدعم أيضاً السلطة الجديدة في دمشق التي تشكلت عقب إسقاط حُكم عائلة الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وتوصل الكونغرس الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) إلى اتفاق من شأنه أن يلغي عقوبات قيصر على سوريا نهائياً، فاتحاً صفحة جديدة من الأمل للبلاد التي رسخت لأكثر من خمس سنوات تحت وطأة عقوبات قاسية فرضتها الولايات المتحدة على نظام الأسد.

كان «قانون قيصر» من أكثر قوانين العقوبات صرامة؛ إذ يمنع التعامل مالياً مع مؤسسات الدولة السورية، ويعاقب أي جهة أجنبية تتعاون مع دمشق.


العراق: انسداد كردي وتردد شيعي يعطّلان حسم «الرئاسات»

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق: انسداد كردي وتردد شيعي يعطّلان حسم «الرئاسات»

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

في وقت يُفترض أن يحسم فيه «الإطار التنسيقي الشيعي» في العراق مرشحه لمنصب رئيس مجلس الوزراء، لا تزال المفاوضات بين الحزبَين الكرديين الرئيسيين في إقليم كردستان، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني الكردستاني» برئاسة بافل طالباني، تراوح مكانها من دون التوصل إلى اتفاق بشأن منصب رئيس الجمهورية، وهو ما يعقّد مسار استكمال الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بتشكيل السلطات.

وكانت قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» قد أعلنت، في الأسبوع الماضي، أنها حسمت اسم المرشح لمنصب رئاسة الحكومة، غير أن رسالة صدرت عن المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف أدّت إلى تعطيل إعلان هذا المرشح رسمياً، الذي تبيّن لاحقاً أنه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي تنازل له رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني عن حقه في تشكيل الحكومة.

رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني لا يزال الرقم الأصعب في المعادلة السياسية (د.ب.أ)

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال السوداني، بصفته زعيم «ائتلاف الإعمار والتنمية» ورئيس الحكومة الحالي، يمثّل الرقم الأصعب في المعادلة السياسية، خصوصاً بعد تراجع «قوى الإطار» عن طرح اسم المالكي بشكل علني، في ظل بروز خلافات داخلية بين مكونات «الإطار» نفسها.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حدة المناورات السياسية داخل العراق، مع اتساع نطاق النقاشات والمفاوضات الهادفة إلى تضييق الخيارات وحسم أسماء المرشحين لمنصبَي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، ضمن المدد الدستورية التي حددها مجلس القضاء الأعلى. ووفقاً للوثيقة التي نشرها المجلس، فإن المدد الدستورية تشمل انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التصديق على نتائج الانتخابات، وانتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً، على أن يكلّف رئيس الجمهورية المنتخب مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة خلال خمسة عشر يوماً، فيما يمنح رئيس الوزراء المكلف 30 يوماً لتقديم تشكيلته الوزارية.

لا وفاق ولا اتفاق

وفي ظل هذه المدد، أعلن مجلس النواب العراقي قبول 15 طلب ترشح لمنصب رئاسة الجمهورية ممن استوفوا الشروط القانونية، من بين نحو 81 مرشحاً تقدموا بطلباتهم، مما أدى إلى تصاعد التكتيكات السياسية داخل الكتل البرلمانية، بهدف تقليص عدد المرشحين والتوصل إلى اسم واحد يمكن التوافق عليه داخل البرلمان. وفي هذا الإطار، أكد مصدر كردي مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن المفاوضات بين الحزبَين الكرديين الرئيسيين أحرزت تقدماً فيما يتعلق بتشكيل حكومة إقليم كردستان، التي تعذّر تشكيلها لأكثر من عام ونصف العام بسبب الخلافات السياسية، غير أن المفاوضات بشأن منصب رئيس الجمهورية لا تزال تشهد تعثراً واضحاً، من دون تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن.

قوى «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتها بحضور رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (أرشيفية - واع)

وفي الوقت الذي لم يتوصل فيه البيت الكردي إلى توافق حول مرشح موحد لرئاسة الجمهورية، سواء من أحد الحزبَين أو عبر طرح مرشح تسوية، لم يشهد البيت الشيعي بدوره اتفاقاً نهائياً بشأن منصب رئيس مجلس الوزراء. فعلى الرغم من تداول اسم نوري المالكي مرشحاً محتملاً، فإن غياب الإعلان الرسمي يعكس حجم التردد والانقسام داخل «الإطار التنسيقي»، في وقت تشير فيه التقديرات السياسية إلى أن الأنظار قد تتجه مجدداً نحو محمد شياع السوداني، الذي تصدّر نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر العام الماضي.

ومع اقتراب انتهاء المدد الدستورية الخاصة باستكمال انتخاب «الرئاسات»، تتزايد المخاوف من حدوث فراغ دستوري في حال عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل نهاية الشهر الحالي. ولا تزال الخلافات بين الأطراف الكردية قائمة، من دون أفق واضح لحسمها، باستثناء خيار طرح أكثر من مرشح وترك القرار للتصويت العلني داخل مجلس النواب.

فؤاد حسين مرشح «الحزب الديمقراطي الكردستاني» لمنصب رئاسة الجمهورية (الخارجية العراقية)

وكان «الحزب الديمقراطي الكردستاني» قد قرّر ترشيح وزير الخارجية فؤاد حسين لمنصب رئاسة الجمهورية، إلى جانب ترشيح محافظ أربيل السابق نوزاد هادي مرشحاً بديلاً، في خطوة عكست سعي الحزب إلى تحصين موقعه التفاوضي من خلال وضع خيارَين على طاولة التوافق. في المقابل، أعلن «الاتحاد الوطني الكردستاني» ترشيح نزار آميدي مرشحاً وحيداً له، مما يعكس عمق الانقسام داخل البيت الكردي حول هذا الاستحقاق.

أما على الصعيد الشيعي فقد أثارت التسريبات المتعلقة بترشيح نوري المالكي تساؤلات بشأن طبيعة رهانات «الإطار التنسيقي» ومدى انسجام أجنحته، بالإضافة إلى قدرته، في حال تم تثبيت هذا الخيار، على إنهاء الخلافات المرتبطة بتشكيل الحكومة وإقناع الشركاء السياسيين الآخرين، مع الالتزام بالمدد الدستورية وعدم تجاوزها.

وفي هذا السياق، قال الخبير القانوني الدكتور سيف السعدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن المدد الدستورية تُعدّ تنظيمية وليست حتمية، ولا يترتب على تجاوزها جزاء إجرائي مباشر. وأوضح أن المادة «54» من الدستور، وكذلك المادة «72»، قد جرى تجاوز المدد المنصوص عليها فيهما خلال الدورات البرلمانية السابقة، من دون أن يؤدي ذلك إلى آثار قانونية مباشرة. غير أن السعدي أشار إلى أن المتغير الأبرز هذه المرة يتمثّل في تأكيد رئيس مجلس القضاء الأعلى ضرورة الالتزام بالمدد الدستورية، بوصفها جزءاً من النظام العام، فضلاً عن أن المعطيات الجيوسياسية المحيطة بالعراق تفرض على القوى السياسية الإسراع في تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات. ولفت إلى أن تجاوز هذه المدد، وإن لم يترتب عليه جزاء قانوني، فإنه يعطي انطباعاً سلبياً عن مدى احترام القوى السياسية دستور البلاد. وختم بالقول إن «مجلس النواب لا يستطيع أداء دورَيه التشريعي والرقابي بشكل منتظم من دون وجود حكومة مكتملة الصلاحيات».

وفي ضوء هذا المشهد، يبدو أن العراق يقف عند مفترق حساس بين منطق التسويات السياسية المتعثرة وضغط التوقيتات الدستورية المتسارعة. فغياب التوافق داخل البيتَين الكردي والشيعي لا يهدد فقط استكمال الاستحقاقات الدستورية، بل يضع العملية السياسية برمتها أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة القوى الفاعلة على تجاوز حساباتها الضيقة، والاستجابة لمتطلبات الاستقرار السياسي والمؤسسي. وبينما يظل تجاوز المدد الدستورية ممكناً من الناحية القانونية، فإن كلفته السياسية هذه المرة قد تكون أعلى، في ظل الضغوط الداخلية والدولية، مما يجعل خيار التفاهم والتسوية أقل كلفة من استمرار المراوحة والدخول في فراغ دستوري مفتوح.

Your Premium trial has ended


السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
TT

السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)

أعلن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، السبت، أن القاهرة تدرس الانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، وذلك بعد تلقي الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة من نظيره الأميركي دونالد ترمب لشغل مقعد فيه.

وقال عبد العاطي في مؤتمر صحافي: «تلقينا دعوة من الجانب الأميركي موجهة من الرئيس الأميركي إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي للانضمام إلى (مجلس السلام)، ونحن ندرس هذا الأمر وندرس كل الوثائق»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف وزير الخارجية المصري أن تشكيل المجلس يمثل جزءاً من الاستحقاقات لقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي نص على تشكيل «مجلس السلام» برئاسة ترمب وعضوية 25 من رؤساء الدول في العالم، من بينها مصر.

وأعلن الرئيسان التركي والأرجنتيني ورئيس الوزراء الكندي تلقيهم دعوات للانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة. ومن المقرر أن يشرف المجلس على الحكم المؤقت للقطاع الذي ​يشهد وقف إطلاق نار هشاً ⁠منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأعلن البيت الأبيض، الجمعة، أسماء «مجلس السلام»، وشملت وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص لترمب ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وصهر ترمب جاريد كوشنر. وتشير خطة ترمب التي تم الكشف عنها في أكتوبر إلى أن الرئيس الأميركي سيرأس المجلس.

ولم يحدد بيان البيت الأبيض مسؤوليات كل عضو. ولا تتضمن الأسماء أي فلسطينيين. وقال البيت الأبيض إنه من المقرر إعلان المزيد من الأعضاء خلال الأسابيع المقبلة.