الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

بين سلطة الفن ونفوذ المال... التاريخ يعيد نفسه

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن
TT

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

ما أشبه اليوم بالأمس. بين زفاف يصفه البعض بـ«عرس القرن»، ويراه البعض الآخر استعراضاً للنفوذ العالمي الجديد، وبين عودة مسلسل «العصر المذهب» The Gilded Age في جزئه الثالث، وأخيراً وليس آخراً، انطلاق موسم الـ«هوت كوتور» الأسبوع المقبل في باريس. ثلاثة أحداث تتقاطع فيها مشاهد الثراء والجاه الفاحش، إلى جانب تصاعد نفوذ طبقة جديدة... كما لو أن التاريخ يعيد نفسه.

مسلسل«العصر المذهب» The Gilded Age الذي يعرف نجاحاً كبيراً، يتناول حقبة زمنية غيّرت التاريخ الحديث. شهدت ابتكارات واختراعات مهمة مثل الإضاءة الكهربائية، والسكك الحديدية، ما خلق طبقة جديدة من الأثرياء. هذه الاختراعات تبدو لنا اليوم عادية، إلا أنها كانت في عصرها ثورة صناعية بكل معنى الكلمة. المشهد الراهن لا يختلف كثيراً عما يصوره المسلسل. لم يتغير سوى الزمن والوسائل والسياق. فنحن الآن نتابع صعوداً غير مسبوق لطبقة جديدة كوّنت ثرواتها هذه المرة من الذكاء الاصطناعي والسياحة الفضائية وما شابه من تكنولوجيا.

لقطة من مسلسل «العصر المذهب» تظهر فيه الأزياء هادئة تعكس المال القديم (غيتي)

لكن الجميل في العمل الدرامي أن كاتبه جوليان فيلوز، وهو كاتب المسلسل نفسه الشهير Downton Abbey، التقط صراع الثروة وحبكه في معركة تاريخية دارت بين وريثات من أسر عريقة، وحديثات النعمة. كان أقوى سلاح فيها هو الموضة التي جعلت منصات عروضها حفلات باذخة. عناصر يعرف فيلوز أنها تشد الأنفاس وتوقظ تلك الأحداث التاريخية التي نسيناها أو تناسيناها.

قوة المال

عرس جيف بيزوس مؤسس «أمازون» ومقدمة البرامج التلفزيونية السابقة لورين سانشيز على إحدى جزر البندقية، أثار ضجة وجدلاً بين منبهر ومستنكر. ردود فعل تأخذنا إلى عام 1883، وذلك الحفل الضخم الذي أقامته ألفا فاندربيلت، زوجة رجل أعمال راكم ثروة ضخمة من السكك الحديدية. حرصت على أن يأتي الحفل أسطورياً، بحيث لم تبخل عليه بأي شيء، من طباخين فرنسيين إلى مغنيين وطبعاً، ريش وزخرفات غنية زينت ديكورات البيت كما الأزياء. فالهدف من هذا الحفل لم يكن للترفيه أو حسن الضيافة. كان المفتاح لاختراق ناد نخبوي مغلق تطلب منها خوض حرب اجتماعية ضد نظام كانت تتحكم فيه كارولين آستور. سيدة من الطبقة الأرستقراطية الأميركية يحسب لها المجتمع النيويوركي ألف حساب. كانت تعد المال الجديد تهديداً للتقاليد الأرستقراطية الكلاسيكية، ومن ثمّ كانت ترى في زوجات رجال الأعمال الجدد «حديثات نعمة» ليس لهن مكان في ناديها الخاص. لكن المال الجديد غلبها في الأخير، مؤكداً مقولة منسوبة لرجل الأعمال الأميركي جي. بول غيتي مفادها أن «المال هو القوة الحقيقية في هذا العالم، ولا شيء يتحرك من دونه».

بين فاندربيلت وسانشيز

لورين سانشيز في فستان زفاف من تصميم «دولتشي أند غابانا» برفقة زوجها جيف بيزوس (رويترز)

كما فعلت ألفا فاندربيلت قبل قرن ونصف، فعلت لورين سانشيز وكأنها امتداد لها. أعادت اختراع لعبة الدخول إلى المجتمع عبر بوابة المال والصورة. المبلغ الضخم الذي أنفقته ألفا فاندربيلت على حفلها الأسطوري مثلاً، قُدّر بربع مليون دولار، وهو مبلغ يوازي تكاليف عرس القرن التي قدرت بـ46 مليون دولار. كلتاهما، ألفا ولورين، تعرف أهمية الصورة في التأثير على الرأي العام. الأولى كانت أول من بدأ في تسريب أخبار عن حفلها في سابقة غير مألوفة، والثانية كما تابعنا في الأسبوع الماضي، صوّرت العرس كما لو أنه حفل دعائي أو حملة تسويقية، بحضور نخبة من أصحاب المليارات والنجوم والشخصيات المهمة، مثل عائلة كارداشيان وأوبرا وينفري وليوناردو دي كابريو والملكة رانيا وعائلتها. هي أيضاً كانت تستهدف انتزاع اعتراف بقوتها الجديدة.

كيم وكلوي كارداشيان من الحاضرات لعرس القرن (أ.ف.ب)

في كل هذه الصور، كانت الموضة الخيط الرابط بين القديم والجديد، وبين الراقي والمبالغ فيه. فساتين موقعة من جيورجيو أرماني و«ميزون سكاباريللي» و«ألكسندر ماكوين» و«دولتشي أند غابانا» و«بالنسياغا» و«ديور»، وهلم جرّاً، ظهرت بها سانشيز وعدد من الحاضرات. تلقت سانشيز الكثير من التعليقات على إطلالاتها، على أساس أن بعضها كان موفقاً وبعضها الآخر غير متناسق مع جسدها. لكن تبقى الحقيقة الراسخة أن هذه الإطلالات أدّت وظيفتها في شد الانتباه ومن تم تحقيق الهدف.

التأريخ بالريشة والإبرة

لقطة من معرض خاص بتشارلز فردريك وورث في متحف «لوبوتيه باليه» بباريس تظهر فيه لوحة فنية ملهمة (أ.ف.ب)

المقارنة بين مسلسل «العصر المذهب» وعرس بيزوس وسانشيز، تستحضر لنا رجلين شكّلا هذا المشهد المثير في منتصف القرن التاسع عشر. الأول هو الفنان جون سينغر سارجان الذي أرخها بالريشة من خلال بورتريهات رسمها لسيدات المجتمع الأميركي بدقة، وأصبحت الآن مرجعاً تاريخياً. غني عن القول أن العمل الدرامي استلهم منها الكثير، وبشكل حرفي أحياناً.

الثاني هو تشارلز فريدريك وورث، الأب الروحي للأزياء الراقية، التي نعرفها اليوم بالـ«هوت كوتور». كان المايسترو والأداة التي مكّنت هؤلاء السيدات، من التعبير عن مكانتهن الاجتماعية، سواء كن من وريثات العز القديم أو حديثات النعمة. كل طبقة استخدمتها بأسلوبها الخاص. الشريحة الأولى فضّلت فخامة هادئة تعكس ثقتها الراسخة، بينما مالت الثانية إلى «الماكسيماليزم» والمبالغة في التفاصيل لإثبات نفسها. المصمم فرديريك وورث كان الحلقة التي تجمع الطبقتين، وغذى بطريقة مباشرة وغير مباشرة هذه المنافسة. كان السفر بحراً إلى باريس من أجل اقتناء خزانة ملابس أقصى درجات التميز.

فريدريك وورث... مؤسس صناعة الموضة

لقطة من معرض خاص بتشارلز فردريك وورث في متحف «لوبوتيه باليه» بباريس (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان أن فريدريك وورث، الذي يحتضن متحف «لوبوتي باليه» بباريس معرضاً خاصاً به، هو من أسس لصناعة الموضة كما نعرفها اليوم. رسخ نفسه بوصفه مصمماً لا خياطاً في بادرة غير مسبوقة. ابتكر أيضاً نموذجاً تجارياً يُحتذى به حتى اليوم، حيث فرض على سيدات المجتمع الأرستقراطي والمخملي أن يأتين إليه لاختيار ما يناسبهن من أزياء جاهزة، وإجراء البروفات عوض أن يذهب إليهن. لم يستثن أحداً، حتى سيدات البلاط الفرنسي كن يحضرن إليه شخصياً.

قبل ذلك، كانت سيدات المجتمع الراقي يأتين بأقمشتهن وأفكارهن إلى الخيّاطين لينفذوا لهن ما يرغبن فيه. رفض وورث هذا المفهوم، وفرض رؤيته الخاصة عليهن. كان هو من يبتكر ويُقرر. «النساء يأتين إليّ ليطلبن أفكاري، لا ليُمليْن عليّ أفكارهن»، هكذا صرّح لمجلة «Blackwood's Edinburgh Magazine» عام 1858. بيد أنه كان يتنازل ويسمح لهن بإضافة التفاصيل والزخرفات، مثل الريش أوالتطريز وما شابه.

طبعاً كل شيء بثمنه، فكلما أضاف تفصيلاً جديداً زاد السعر.

من بين الإنجازات الكثيرة التي قام بها وتصب حتى الآن في صالح كل من أتى من بعده، أنه بدأ بتوقيع اسمه الشخصي على الأزياء. الفكرة كانت لمنع التقليد والتوثيق، لأنه كان قد بدأ تصوير تصاميمه في ذلك الحين، مستعيناً بزوجته بصفتها عارضة أزياء. هذه الممارسات لا تزال جزءاً أساسياً من صناعة الموضة إلى الآن.

ولد في إنجلترا ونضج في باريس

كان وورث ولا يزال الأب الروحي لـ«الهوت كوتور» أسسها كفن وصناع منذ أكثر من قرن من الزمن (أ.ف.ب)

وُلد وورث في إنجلترا عام 1825، وتدرّب على يد تاجرين في الأقمشة قبل أن ينتقل إلى باريس ليعمل بائعاً وخيّاطاً. بعد فترة قصيرة نسبياً، أسس داره الخاصة بالتعاون مع رجل الأعمال السويدي أوتو بوبيرغ تحت اسم «وورث وبوبيرغ».

شهد أوجه خلال الإمبراطورية الفرنسية الثانية (1852 - 1870)، حين كانت الحفلات التنكرية ذروة المناسبات الاجتماعية. فساتين وورث كانت عز الطلب لتفردها وأناقتها، ولأنه في هذه الفترة، أصبح المصمم الرسمي للإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث. توسّعت قائمة زبوناته من الطبقات الأرستقراطية الأوربية والفرنسية، لتشمل نساء مثل الكونتيسة إليزابيث غريفويل، التي ألهمت الكاتب الفرنسي مارسيل بروست شخصية الدوقة أوريان دو غيرمانت في روايته «البحث عن الزمن المفقود». وصول سمعته إلى الوريثات الأميركيات وبعدهن زوجات رجال الأعمال الجدد، كان مسألة وقت فقط.

من تصاميم «أرماني بريفيه» يظهر فيه فستان بتنورة مستديرة لكن بما يتناسب مع العصر الحالي (أرماني)

في عام 1868، وصفته إحدى المجلات بـ«السلطة المطلقة في بلاطات الملوك». واليوم، بعد أكثر من قرن على رحيله، لا تزال تصاميمه تبهر وتبدو وكأن الزمن لم ينل من جمالها. الفضل يعود إلى أنه إلى جانب خياله الخصب، كان أيضاً قارئاً جيداً للتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتكيّف معها. استبدل مثلا بالكرينيولين بطانات خفيفة، وخفف من الزخرفات المبالغ فيها، عندما تطلب الأمر بعض التقشف تماشياً مع روح الجمهورية الثالثة.

عندما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية عالية على الأزياء الفرنسية في تسعينات القرن التاسع عشر، شعر أن ذلك سيفتح الباب أمام المقلدين والمستنسخين لتصاميمه، الأمر الذي انبثقت عنه نواة غرفة تحمي الأزياء الراقية الفرنسية من التقليد. في عام 1868 تبلورت فيما أصبحت تُعرف بغرفة الهوتو كوتور الفرنسية Chambre Syndicale de la Haute Couture، المسؤولة حتى الآن عن حماية التصاميم والمصممين وتنظيم أسبوع باريس وانتقاء من يشارك فيه.

التفاصيل الغنية والمبتكرة هي عنوان كل موسم «هوت كوتور» (ستيفان رولان)

من رحم هذه الرؤية، سينطلق أسبوع الهوت كوتور يوم الاثنين المقبل بمشاركة مصممين وبيوت أزياء مثل «ميزون إيلي صعب» و «أرماني بريفيه» وستيفان رولان ورامي العلي و«ديور» و«شانيل» و«ميزون سكاباريللي» وغيرها من الأسماء المهمة. ستختلف الاقتراحات وتبقى الفكرة واحدة: مخاطبة امرأة ترغب في التميز والتفرد بأي ثمن.


مقالات ذات صلة

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

لمسات الموضة عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)

الأبيض... اللون الذي يُجمِّل ولا يُجامل

بعد أن كان يقتصر على فساتين الزفاف وعلى العروس وحدها، تمدد وتوسَّع بهدوء ليشمل كل المناسبات والمدعوات

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)

قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

بين الحين والآخر، تتصدّر تسريحات شعر بعينها مشهد الموضة. تتحوّل من مجرد اختيارات فردية إلى صيحات عالمية تُشعل فتيلها دور الأزياء والمشاهير ومنصات التواصل…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

إطلالات أوساكا تجاوزٌ لقواعد التنس الكلاسيكية والراقية، في كل تفاصيل اللعبة، أم انعكاسٌ لثقافة العصر وروح العصرنة بوصف الرياضة ترفيهاً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

لا يبدو أن «غوتشي» تحت إدارة ديمنا تبحث عن الرومانسية والنخبوية؛ بقدر ما تبحث عن التأثير الجماهيري الواسع وتحقيق الربح الذي يراوغها منذ سنوات...

جميلة حلفيشي (لندن)

عثمان ديمبيلي... بين ملاعب الكرة ومزارع الورد

عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
TT

عثمان ديمبيلي... بين ملاعب الكرة ومزارع الورد

عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على تمثيل إرثها وتعزيز صورتها أمام الجمهور الكروي. والمنافسة هنا على نجوم كرة القدم لم تعد تقتصر على الأندية والرعاة الرياضيين، بل امتدت إلى دور الأزياء والساعات والعطور الفاخرة.

عدد من اللاعبين وقّعوا عقوداً للظهور في حملات إعلانية أو للعمل سفراء لعلامات عالمية، ويأتي عثمان ديمبيلي، نجم سان جيرمان الفرنسي، في مقدمة هؤلاء. فقد أصبح وجهاً لعدد من العلامات الفاخرة، من بينها دار «زينيا» للأزياء، وانضم أخيراً إلى دار العطور الفرنسية «هنري جاك» المتخصصة في صناعة العطور حسب الطلب.

أظهرت الحملة أن المهارات البدنية والمشاعر المرهفة لا تتعارضان مع بعضهما (هنري جاك)

في الحملة التي أطلقتها الدار، يظهر ديمبيلي في صور ذات طابع سينمائي التُقطت له وسط مزارع الورود مستمتعاً بأجوائها والروائح المنبعثة منها. كان فيها هو البطل إلى جانب المناظر الطبيعية المحيطة به. فليس هناك أي قارورة عطر ترويجية واحدة كما هي الحال في هذه الحملات. ربما يكون السبب أن «هنري جاك» متخصصة في ابتكار عطورها حسب الطلب وليس من استراتيجية تجارية واسعة.

وهذا ما يجعل الشراكة للوهلة الأولى بين رياضة شعبية ودار متخصصة في صناعة العطور الراقية للنخبة بعيدة عن المنطق، غير أن «هنري جاك» ترى نقاط التقاء واضحة بين المجالين، أبرزها السعي إلى التميز والقدرة على تجاوز التوقعات، والتمسك بالاختيارات الشخصية. يشير البيان الصادر عنها بهذا الشأن «أن ما لا يعرفه كثيرون عن عثمان هو حساسيته المرهفة، ونضجه داخل الملعب وخارجه. فهو بطبعه متحفّظ، لكنه أيضاً ذو شخصية قيادية اكتسبها من المثابرة والانضباط وروح الفريق».

يبدو اللاعب منسجماً مع الطبيعة في الحملة (هنري جاك)

كما كشفت الدار في بيان صحافي أن هذه العلاقة التي تربط بينهما حالياً، لها ما يُبرّرها، وأن اهتمامه بالعطور ليس وليد هذه الشراكة، بل يعود إلى سنوات طويلة، إذ يُعرف بين المقربين منه بشغفه بالاقتناء، وتقديره للأشياء المصنوعة يدوياً بعناية ودقة، وهو ما ترى فيه انسجاماً طبيعياً مع فلسفتها القائمة على الحرفية والإتقان. وتتابع الدار أن اهتمامه بالعطور يشمل كل جوانب حياته، بما في ذلك «غرفة الملابس في الملاعب، حيث يثير فضول زملائه بعطور يحملها معه باستمرار، كما نادراً ما يسافر من دون مجموعة من القوارير الصغيرة، أو حقيبته العطرية الخاصة» .

يمثل عثمان ديمبيلي فن العيش بكل تجلياته (هنري جاك)

ديمبيلي بالنسبة للدار الفرنسية يُجسد مفهوم فنّ العيش الذي تتبناه منذ تأسيسها في عام 1975. فالعطر في نظرها ليس مجرد منتج فاخر، بل هو جزء من أسلوب حياة يرافق الإنسان في لحظاته اليومية ويعكس خياراته الشخصية. ومن هذه الزاوية، لا يبدو الانتقال من ملاعب كرة القدم إلى مزارع الورد أقل غرابة مما قد يبدو للوهلة الأولى. وإذا كان ديمبيلي يحيط عالمه الخاص بكثير من الخصوصية، فإن الدار تكشف عن اسم العطر الأقرب إليه: «كيك كلاك» Clic-Clac.


الأبيض... اللون الذي يُجمِّل ولا يُجامل

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
TT

الأبيض... اللون الذي يُجمِّل ولا يُجامل

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)

عندما يُذكر اللون الأبيض، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن صفاؤه وانتعاشه وخفته في فصل الصيف، من دون أن ننسى الأفراح. لكن ما تعرفه كل امرأة جرّبته، أن خفّته لا تعني الاستخفاف به وبساطته الظاهرة تُخفي وراءها تعقيدات لا بد من الانتباه إليها. فهو من أكثر الألوان صراحة وابتعاداً عن المجاملة إن لم يتم التعامل معه بحذر.

العارضة ناعومي كامبل وإطلالة ناصعة البياض (أ.ب)

فهو لا يفضح مدى جودة القماش، ودقة الخياطة فحسب بل يختبر توازن القَصَّة، وبالنتيجة لا يتساهل في أي من هذه الأمور عندما يتعلَّق الأمر بالتمويه عن تضاريس الجسم. وما علينا سوى أن نتذكر فستان زفاف ميغان ماركل، دوقة ساسيكس وما أثاره فستانها من انتقادات رغم أنه كان مفصلاً على مقاسها. فهو في كل الأحوال، يبقى صادقاً لا يجامل، لكن هذا لا يعني أنه لم يتغيَر. فقد تخفَّف كثيراً من صرامته بعد خضوعه لتقنيات متطورة من ناحية الأقمشة والقصَّات. وهذا ما يجعله في الصدارة كواحد من الألوان التي لا تستغني عنها الأنيقات.

ظهر أيضاً في عرض «ديور» لربيع وصيف 2026 (ديور)

المنافسة بين نقيضين

تسلّله الواضح في عروض الأزياء الأخيرة وتكرره في مناسبات السجاد الأحمر يطرح السؤال ما إذا كان الأسود يواجه منافساً أقوى منه، وهو الذي إئتمنته المرأة لعقود طويلة على أناقتها باعتباره رحيما بها؟. ربما يكون السؤال مبالغاً فيه، لكنه وجيه. فالمشهد على أرض الواقع يوحي بأن قواعد اللعبة تغيَرت.

العارضة آشلي غراهام أيضاً اعتمدته في حفل توزيع الموضة الأميركية (أ.ب)

مشهد الموضة يقول إن الأسود لم يغب تماماً، إلا أنه يواجه منافسة شرسة من نقيضه: الأبيض. فهو الآن ليس مجرد لون يقتصر على فساتين الزفاف وعلى العروس. فإلى جانب أن درجة «السحابي» هي لون العام، فإنه بكل درجاته، خرج من إطاره الضيق وتمدد بهدوء ليشمل كل المناسبات، بل والمدعوات أيضاً، وهو ما تؤكده إطلالات النجمات في حفلات «غولدن غلوب» وتوزيع جوائر الأوسكار وافتتاحات الأفلام.

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)

فبعد أن كُنَ يتجنَبنه إما خوفاً من «صراحته» أو من إيحاءاته المرتبطة بفساتين العرائس، وصلت جُرأتهن إلى اختياره حتى بقماش الدانتيل المرتبط ارتباطاً وثيقاً بفساتين الزفاف، كما تُظهر إطلالة للعارضة الشابة كايا غيربر، بفستان أبيض تصميم سارة بيرتون مصممة دار «جيفنشي» لدى حضورها حفل متحف الأكاديمية السنوي الخامس في العام الماضي.

فستان يليق بعروس، لكن الموضة المعاصرة أذابت الفوارق وجعلته مقبولاً لكل المناسبات والفصول والمواسم.

اقترحته المصممة إليزابيثا فرانجي منسدلاً بخطوط بسيطة (إليزابيثا فرانجي)

إضافة إلى هذا، فإن فساتين الزفاف أصبحت أكثر بساطة، بعد أن تخلّصت نسبة عالية من العرائس من حُلم العروس الأميرة. تجسّدت هذه البساطة في الابتعاد عن الكشاكش والتنورات الفخمة والزخرفات السخية التي كانت تحصر الفستان في ليلة واحدة. أما اليوم، فالعروس ترغب في فستان يمكنها ارتداؤه في مناسبات أخرى.

الممثلة كايت هادسون في إحدى المناسبات المهمة (أ.ف.ب)

كان من الطبيعي أن ينعكس هذا التحول في الذائقة العامة على طريقة تعامل المصممين مع الأبيض، رغم إدراكهم أنه صعب من الناحية التقنية مقارنة بالأسود، وأن أي خطأ في التصميم، أو في نوعية القماش أو الحياكة، يُمكن أن يُبرز التصميم بشكل لا يرحم. فحتى عهد قريب، كانوا يستخدمونه في النماذج الأولية، لمساعدتهم على كشف أي خطأ أو عيب بوضوح. الآن، وبعد أن فهموه، عملوا على تفكيكه من تفاصيله السخية، التي كانت تضاف إليه لإخراجه من حياده مما أكسبه مرونة وحداثة.

الممثلة باميلا أندرسون على السجاد الأحمر بإطلالة عصرية (إ.ب.أ)

بين الماضي والحاضر

البحث في تاريخه وتطوره في عالم الموضة يكشف لنا أنه كان ولا يزال يحمل دلالات متعددة ومثيرة تتراوح بين النقاء والسلطة والنعومة والتمرد والأفراح وأحياناً الحداد. له في كل سياق قصَة وقِصَة.

أما قصته مع الموضة، فتبدأ في صيف 1938، عندما كان حلّاً موفقاً لمأزق ديبلوماسي. فقبل أيام من زيارة رسمية للملك جورج السادس والملكة إليزابيث إلى باريس، توفيت والدة إليزابيث ما دعى لتأجيل الزيارة لمدة ثلاثة أسابيع. استغل نورمان هارتنيل، مصممة أزياء الملكة، هذا الوقت ليعيد التفكير بينما يتناسب مع الوضع. لم يكن اللون الأسود خياراً عملياً لصيف باريس ولا لكسب ود الحكومة والشعب الفرنسيين.

أميرة موناكو تشارلين في زي أنيق (أ.ب)

وجد الحل في الأبيض على أساس أن الملكات الفرنسيات، وحتى القرن السابع عشر، كن يرتدينه في الحداد. وبالفعل في أواخر يوليو (تموز)، غادرت الملكة قصر باكنهام وهي ترتدي الأسود، لكنها قبل النزول من القطار الملكي استبدلت به الأبيض. راقت الصورة للشعب الفرنسي ووصل الإعجاب بالمصمم هارتنيل إلى تعيينه ضابطاً في الأكاديمية الفرنسية.

من القصور إلى منصات الأزياء

الممثلة دافني زونيغ وإطلالة متألقة (أ.ف.ب)

من اقتراحات «ديور» لربيع وصيف 2026 (ديور)

فما نجح فيه هارتنيل أنه أخرج الأبيض من حياديته ووضعه في الصدارة.

وتدريجياً، بدأ حضوره يتسلل إلى مجموعات المصممين الفرنسيين الكبار بدرجاته المختلفة. في البداية بحذر وبجرعات خفيفة، ثم بثقة زادت في بداية الألفية. ففي هذه الحقبة كشف للنجمات على ميزة كنَ في أمس الحاجة إليها، أنه تحت أضواء الكاميرات، يعكس الضوء. الأسود في المقابل، لا ينتقص من أناقتهن. فقط يمنح الإطلالة عُمقاً من نوع آخر لأنه يمتصُ الضوء.

كما قدَّمته دار «جيورجيو أرماني» في خط «بريفيه» (جيورجيو أرماني)

ورغم أن الأبيض من الألوان التي تعكس الضوء وتُضفي على البشرة إشراقاً وألقاً، فإنه يحتاج إلى مهارة في التنسيق، للاستفادة من هالته وجاذبيته، سواء كان عبارة عن قطعة بسيطة من القطن أو الكتان أو فستان سهرة الحرير أو الموسلين أو الدانتيل. لا يهم إن كانت للنهار أو المساء، فكل تفصيلة فيه لا تقبل المساومة.

فستان بسيط يناسب النهار والمساء (كارولينا هيريرا)

يكفي أن يأتي على شكل أي قطعة لكي يرتقي بالإطلالة ككل. قميص أبيض بسيط من القطن مثلاً يمكن أن يجعل بنطلون جينز عملي وعادي في غاية الأناقة، كما يمكن أن يُحوِل تنورة من الحرير أو التول أو الجلد إلى خيار مسائي مفعم بالرومانسية. فهو لا يصل إلى هذه المرحلة من الجمال من دون خامة جيدة وطريقة تنسيق ذكية. فهو لا يمنح أناقته مجاناً. بالعكس، بقدر ما تعطيه من اهتمام وعناية يمنحك من أناقة وحضور.


قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
TT

قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)

بين الحين والآخر، تتصدّر تسريحات شعر بعينها مشهد الموضة. تتحوّل من مجرد اختيارات فردية إلى صيحات عالمية تُشعل فتيلها دور الأزياء والمشاهير ومنصات التواصل الاجتماعي؛ مثل «إنستغرام» و«تيك توك».

وفي هذا السياق، تبرز حالياً قَصَّة «البوب اليابانية». قَصَّة تعتمد على تقنيات قصّ دقيقة وهندسية، بطول يتراوح غالباً بين خط الفك وعظمة الترقوة، مع طبقات خفيفة أو شبه معدومة. وعلى خلاف أنماط «البوب» الغربية، والفرنسية تحديداً، التي ربّما تكون أكثر مرونة وعفوية، يقوم هذا الأسلوب على الخطوط الحادة والتناسق الصارم.

ظهرت هذه القَصَّة أول مرة في طوكيو ثم انتشرت في العالم (بيربري)

وانطلقت هذه الصيحة من قلب طوكيو، حيث تتقاطع الموضة مع ثقافة الشباب المتأثرين بأسلوب فناني جي_بوب J-pop الذين رسخوها بأسلوب يجمع بين البساطة والهوية. وسرعان ما تحوّلت من مجرد صيحة عابرة إلى تسريحة وجدت هوى لدى كثير من الشابات، ما جعلها تنتشر عالمياً. ووفق ما تشير إليه بيانات بحث حديثة، فإنها تُسجِّل عمليات بحث عنها وعن مواصفاتها بـ«اهتمام متصاعد»، وفق قول دانييل لويس، وهي مصففة شعر.

إيما لايرد وقَصَّة «بوب» أنيقة (لوي فويتون)

وتقول إن «هذا الإقبال يعكس تحولاً في الذوق العام، يبتعد عن التسريحات العفوية والمعقدة نحو قصات أكثر دقة وصقلاً». وتضيف: «هذه ليست قصة تعتمد على الحجم أو التمويج لإخفاء التفاصيل. كل جزء فيها محسوب بدقة، لهذا تبدو مصقولة بشكل واضح». يوافقها الرأي مصففو شعر وخبراء آخرون على أساس أن انتشار «البوب» الياباني تحديداً، يأتي في وقت تميل فيه صناعة الجمال إلى أساليب أقل تعقيداً وأكثر ثباتاً تنسجم مع إيقاع الحياة السريع.

الانتشار السريع

تجاوزها الحدود اليابانية إلى العالم كان مسألة وقت فقط، حسب الخبراء، لا سيما أن بساطتها المصقولة وروحها الشبابية لمستا وتراً حساساً لدى كثير من الفتيات.

جيسيكا تشاستين واحدة ممن تبنوا هذه القَصَّة مؤخراً (أ.ف.ب)

ووفق رأيهم، هي تطور طبيعي لقَصَّة «البوب» التقليدية التي ظهرت بها نجمات عديدات؛ مثل جيسيكا تشاستين التي ظهرت بها مؤخراً بطول قصير مُستمد من الطابع الكلاسيكي الدقيق لهذا الأسلوب، وريهانا التي ظهرت بها أطول غير متماثلة، بينما اعتمدتها ناعومي واتس بأسلوب ناعم ومحدد عند خط الفك، كذلك كيرا نايتلي التي ارتبطت منذ سنوات بنسخ متعددة من هذه القَصَّة.

وتقول لويس: «إنها من القصات التي تحتفظ بشكلها من دون جهد يومي، على شرط قصها بانتظام كل 6 أو 8 أسابيع لتحافظ على توازنها».

الممثلة هبة بناني وقَصَّة «بوب» على الطريقة الفرنسية (أ.ف.ب)

لكن لا بد من الإشارة إلى أن نُسختها اليابانية تحديداً، تناسب بشكل خاص الشعر الناعم إلى المموج بشكل خفيف. وهذا يعني أنها أقل انسجاماً مع الشعر الأجعد أو الشديد التموج؛ إذ يتطلب هذا النوع من الشعر درجات أعلى من العناية والتصفيف اليومي للحصول على النتيجة نفسها، وهو ما يتعارض مع فكرة البساطة والعملية التي تقوم عليها هذه القَصَّة في الأساس.