الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

بين سلطة الفن ونفوذ المال... التاريخ يعيد نفسه

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن
TT

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

الأزياء الراقية... من العصر المذهب إلى عُرس القرن

ما أشبه اليوم بالأمس. بين زفاف يصفه البعض بـ«عرس القرن»، ويراه البعض الآخر استعراضاً للنفوذ العالمي الجديد، وبين عودة مسلسل «العصر المذهب» The Gilded Age في جزئه الثالث، وأخيراً وليس آخراً، انطلاق موسم الـ«هوت كوتور» الأسبوع المقبل في باريس. ثلاثة أحداث تتقاطع فيها مشاهد الثراء والجاه الفاحش، إلى جانب تصاعد نفوذ طبقة جديدة... كما لو أن التاريخ يعيد نفسه.

مسلسل«العصر المذهب» The Gilded Age الذي يعرف نجاحاً كبيراً، يتناول حقبة زمنية غيّرت التاريخ الحديث. شهدت ابتكارات واختراعات مهمة مثل الإضاءة الكهربائية، والسكك الحديدية، ما خلق طبقة جديدة من الأثرياء. هذه الاختراعات تبدو لنا اليوم عادية، إلا أنها كانت في عصرها ثورة صناعية بكل معنى الكلمة. المشهد الراهن لا يختلف كثيراً عما يصوره المسلسل. لم يتغير سوى الزمن والوسائل والسياق. فنحن الآن نتابع صعوداً غير مسبوق لطبقة جديدة كوّنت ثرواتها هذه المرة من الذكاء الاصطناعي والسياحة الفضائية وما شابه من تكنولوجيا.

لقطة من مسلسل «العصر المذهب» تظهر فيه الأزياء هادئة تعكس المال القديم (غيتي)

لكن الجميل في العمل الدرامي أن كاتبه جوليان فيلوز، وهو كاتب المسلسل نفسه الشهير Downton Abbey، التقط صراع الثروة وحبكه في معركة تاريخية دارت بين وريثات من أسر عريقة، وحديثات النعمة. كان أقوى سلاح فيها هو الموضة التي جعلت منصات عروضها حفلات باذخة. عناصر يعرف فيلوز أنها تشد الأنفاس وتوقظ تلك الأحداث التاريخية التي نسيناها أو تناسيناها.

قوة المال

عرس جيف بيزوس مؤسس «أمازون» ومقدمة البرامج التلفزيونية السابقة لورين سانشيز على إحدى جزر البندقية، أثار ضجة وجدلاً بين منبهر ومستنكر. ردود فعل تأخذنا إلى عام 1883، وذلك الحفل الضخم الذي أقامته ألفا فاندربيلت، زوجة رجل أعمال راكم ثروة ضخمة من السكك الحديدية. حرصت على أن يأتي الحفل أسطورياً، بحيث لم تبخل عليه بأي شيء، من طباخين فرنسيين إلى مغنيين وطبعاً، ريش وزخرفات غنية زينت ديكورات البيت كما الأزياء. فالهدف من هذا الحفل لم يكن للترفيه أو حسن الضيافة. كان المفتاح لاختراق ناد نخبوي مغلق تطلب منها خوض حرب اجتماعية ضد نظام كانت تتحكم فيه كارولين آستور. سيدة من الطبقة الأرستقراطية الأميركية يحسب لها المجتمع النيويوركي ألف حساب. كانت تعد المال الجديد تهديداً للتقاليد الأرستقراطية الكلاسيكية، ومن ثمّ كانت ترى في زوجات رجال الأعمال الجدد «حديثات نعمة» ليس لهن مكان في ناديها الخاص. لكن المال الجديد غلبها في الأخير، مؤكداً مقولة منسوبة لرجل الأعمال الأميركي جي. بول غيتي مفادها أن «المال هو القوة الحقيقية في هذا العالم، ولا شيء يتحرك من دونه».

بين فاندربيلت وسانشيز

لورين سانشيز في فستان زفاف من تصميم «دولتشي أند غابانا» برفقة زوجها جيف بيزوس (رويترز)

كما فعلت ألفا فاندربيلت قبل قرن ونصف، فعلت لورين سانشيز وكأنها امتداد لها. أعادت اختراع لعبة الدخول إلى المجتمع عبر بوابة المال والصورة. المبلغ الضخم الذي أنفقته ألفا فاندربيلت على حفلها الأسطوري مثلاً، قُدّر بربع مليون دولار، وهو مبلغ يوازي تكاليف عرس القرن التي قدرت بـ46 مليون دولار. كلتاهما، ألفا ولورين، تعرف أهمية الصورة في التأثير على الرأي العام. الأولى كانت أول من بدأ في تسريب أخبار عن حفلها في سابقة غير مألوفة، والثانية كما تابعنا في الأسبوع الماضي، صوّرت العرس كما لو أنه حفل دعائي أو حملة تسويقية، بحضور نخبة من أصحاب المليارات والنجوم والشخصيات المهمة، مثل عائلة كارداشيان وأوبرا وينفري وليوناردو دي كابريو والملكة رانيا وعائلتها. هي أيضاً كانت تستهدف انتزاع اعتراف بقوتها الجديدة.

كيم وكلوي كارداشيان من الحاضرات لعرس القرن (أ.ف.ب)

في كل هذه الصور، كانت الموضة الخيط الرابط بين القديم والجديد، وبين الراقي والمبالغ فيه. فساتين موقعة من جيورجيو أرماني و«ميزون سكاباريللي» و«ألكسندر ماكوين» و«دولتشي أند غابانا» و«بالنسياغا» و«ديور»، وهلم جرّاً، ظهرت بها سانشيز وعدد من الحاضرات. تلقت سانشيز الكثير من التعليقات على إطلالاتها، على أساس أن بعضها كان موفقاً وبعضها الآخر غير متناسق مع جسدها. لكن تبقى الحقيقة الراسخة أن هذه الإطلالات أدّت وظيفتها في شد الانتباه ومن تم تحقيق الهدف.

التأريخ بالريشة والإبرة

لقطة من معرض خاص بتشارلز فردريك وورث في متحف «لوبوتيه باليه» بباريس تظهر فيه لوحة فنية ملهمة (أ.ف.ب)

المقارنة بين مسلسل «العصر المذهب» وعرس بيزوس وسانشيز، تستحضر لنا رجلين شكّلا هذا المشهد المثير في منتصف القرن التاسع عشر. الأول هو الفنان جون سينغر سارجان الذي أرخها بالريشة من خلال بورتريهات رسمها لسيدات المجتمع الأميركي بدقة، وأصبحت الآن مرجعاً تاريخياً. غني عن القول أن العمل الدرامي استلهم منها الكثير، وبشكل حرفي أحياناً.

الثاني هو تشارلز فريدريك وورث، الأب الروحي للأزياء الراقية، التي نعرفها اليوم بالـ«هوت كوتور». كان المايسترو والأداة التي مكّنت هؤلاء السيدات، من التعبير عن مكانتهن الاجتماعية، سواء كن من وريثات العز القديم أو حديثات النعمة. كل طبقة استخدمتها بأسلوبها الخاص. الشريحة الأولى فضّلت فخامة هادئة تعكس ثقتها الراسخة، بينما مالت الثانية إلى «الماكسيماليزم» والمبالغة في التفاصيل لإثبات نفسها. المصمم فرديريك وورث كان الحلقة التي تجمع الطبقتين، وغذى بطريقة مباشرة وغير مباشرة هذه المنافسة. كان السفر بحراً إلى باريس من أجل اقتناء خزانة ملابس أقصى درجات التميز.

فريدريك وورث... مؤسس صناعة الموضة

لقطة من معرض خاص بتشارلز فردريك وورث في متحف «لوبوتيه باليه» بباريس (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان أن فريدريك وورث، الذي يحتضن متحف «لوبوتي باليه» بباريس معرضاً خاصاً به، هو من أسس لصناعة الموضة كما نعرفها اليوم. رسخ نفسه بوصفه مصمماً لا خياطاً في بادرة غير مسبوقة. ابتكر أيضاً نموذجاً تجارياً يُحتذى به حتى اليوم، حيث فرض على سيدات المجتمع الأرستقراطي والمخملي أن يأتين إليه لاختيار ما يناسبهن من أزياء جاهزة، وإجراء البروفات عوض أن يذهب إليهن. لم يستثن أحداً، حتى سيدات البلاط الفرنسي كن يحضرن إليه شخصياً.

قبل ذلك، كانت سيدات المجتمع الراقي يأتين بأقمشتهن وأفكارهن إلى الخيّاطين لينفذوا لهن ما يرغبن فيه. رفض وورث هذا المفهوم، وفرض رؤيته الخاصة عليهن. كان هو من يبتكر ويُقرر. «النساء يأتين إليّ ليطلبن أفكاري، لا ليُمليْن عليّ أفكارهن»، هكذا صرّح لمجلة «Blackwood's Edinburgh Magazine» عام 1858. بيد أنه كان يتنازل ويسمح لهن بإضافة التفاصيل والزخرفات، مثل الريش أوالتطريز وما شابه.

طبعاً كل شيء بثمنه، فكلما أضاف تفصيلاً جديداً زاد السعر.

من بين الإنجازات الكثيرة التي قام بها وتصب حتى الآن في صالح كل من أتى من بعده، أنه بدأ بتوقيع اسمه الشخصي على الأزياء. الفكرة كانت لمنع التقليد والتوثيق، لأنه كان قد بدأ تصوير تصاميمه في ذلك الحين، مستعيناً بزوجته بصفتها عارضة أزياء. هذه الممارسات لا تزال جزءاً أساسياً من صناعة الموضة إلى الآن.

ولد في إنجلترا ونضج في باريس

كان وورث ولا يزال الأب الروحي لـ«الهوت كوتور» أسسها كفن وصناع منذ أكثر من قرن من الزمن (أ.ف.ب)

وُلد وورث في إنجلترا عام 1825، وتدرّب على يد تاجرين في الأقمشة قبل أن ينتقل إلى باريس ليعمل بائعاً وخيّاطاً. بعد فترة قصيرة نسبياً، أسس داره الخاصة بالتعاون مع رجل الأعمال السويدي أوتو بوبيرغ تحت اسم «وورث وبوبيرغ».

شهد أوجه خلال الإمبراطورية الفرنسية الثانية (1852 - 1870)، حين كانت الحفلات التنكرية ذروة المناسبات الاجتماعية. فساتين وورث كانت عز الطلب لتفردها وأناقتها، ولأنه في هذه الفترة، أصبح المصمم الرسمي للإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث. توسّعت قائمة زبوناته من الطبقات الأرستقراطية الأوربية والفرنسية، لتشمل نساء مثل الكونتيسة إليزابيث غريفويل، التي ألهمت الكاتب الفرنسي مارسيل بروست شخصية الدوقة أوريان دو غيرمانت في روايته «البحث عن الزمن المفقود». وصول سمعته إلى الوريثات الأميركيات وبعدهن زوجات رجال الأعمال الجدد، كان مسألة وقت فقط.

من تصاميم «أرماني بريفيه» يظهر فيه فستان بتنورة مستديرة لكن بما يتناسب مع العصر الحالي (أرماني)

في عام 1868، وصفته إحدى المجلات بـ«السلطة المطلقة في بلاطات الملوك». واليوم، بعد أكثر من قرن على رحيله، لا تزال تصاميمه تبهر وتبدو وكأن الزمن لم ينل من جمالها. الفضل يعود إلى أنه إلى جانب خياله الخصب، كان أيضاً قارئاً جيداً للتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتكيّف معها. استبدل مثلا بالكرينيولين بطانات خفيفة، وخفف من الزخرفات المبالغ فيها، عندما تطلب الأمر بعض التقشف تماشياً مع روح الجمهورية الثالثة.

عندما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية عالية على الأزياء الفرنسية في تسعينات القرن التاسع عشر، شعر أن ذلك سيفتح الباب أمام المقلدين والمستنسخين لتصاميمه، الأمر الذي انبثقت عنه نواة غرفة تحمي الأزياء الراقية الفرنسية من التقليد. في عام 1868 تبلورت فيما أصبحت تُعرف بغرفة الهوتو كوتور الفرنسية Chambre Syndicale de la Haute Couture، المسؤولة حتى الآن عن حماية التصاميم والمصممين وتنظيم أسبوع باريس وانتقاء من يشارك فيه.

التفاصيل الغنية والمبتكرة هي عنوان كل موسم «هوت كوتور» (ستيفان رولان)

من رحم هذه الرؤية، سينطلق أسبوع الهوت كوتور يوم الاثنين المقبل بمشاركة مصممين وبيوت أزياء مثل «ميزون إيلي صعب» و «أرماني بريفيه» وستيفان رولان ورامي العلي و«ديور» و«شانيل» و«ميزون سكاباريللي» وغيرها من الأسماء المهمة. ستختلف الاقتراحات وتبقى الفكرة واحدة: مخاطبة امرأة ترغب في التميز والتفرد بأي ثمن.


مقالات ذات صلة

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

مجموعة تحتفل بامرأة معاصرة ترغب في أزياء تغطي كل احتياجاتها ولا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة الذكاء الاصطناعي في خدمة الموضة (غيتي)

هل يجعل الذكاء الاصطناعي استئجار الملابس هو الموضة المقبلة؟

الذكاء الاصطناعي قد يشجع على استئجار الملابس بدلاً من شرائها، عبر تجربة القطع افتراضياً؛ ما يقلل الهدر والأثر البيئي للأزياء السريعة.

سمير أندراوس (لندن)
لمسات الموضة حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

تقول هاجر نبيل إنها تحاول في هذه المجموعة أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وكشف بعض أسرار التعلق بها.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
TT

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

عندما قدّمت علامة «برادا» تشكيلتها لربيع وصيف 2027 خلال «أسبوع ميلانو» الأخير، أكدت مرة أخرى أنها تضع مفهومي الانضباط والتناسق تحت المجهر، وفي الوقت ذاته تُرسِّخ أفكاراً أصبحت جينات ترتبط بالدار منذ تسلمت قيادتها الفنية ميوتشيا برادا.

منذ البداية، تُسوّق المصممة لفكرة أنه ليست للجمال قاعدة واحدة يجب التقيد بها. شريكها الفني، راف سيمونز يتفق معها في هذه الرؤية، التي تقول إنه من الفوضى يولد الإبداع، ومن تحت عباءة «القبح» وعدم التناسق يولد جمال، قد لا يكون تقليدياً بالضرورة، لكنه ينجح في فتح نقاشات فكرية وفنية مثيرة.

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

63 تنورة

من بين الجينات التي تعود إليها الدار في كل موسم، التنورة. فهي حاضرة في كل مجموعة مهما تبدّلت توجهات الموضة وتغيّرت نزعاتها. في الموسم المقبل، ستطغى على باقي القطع. فهي بطلة قصتها لربيع وصيف 2027 دون منازع، حيث اكتسحت العرض من خلال نحو 63 إطلالة. ولا يستغرب متابعو مسيرة الدار وأسلوب ميوتشيا الشخصي هذا العدد؛ لأنه ينسجم مع قناعة راسخة ومستديمة لدى ميوتشيا برادا بأهمية هذه القطعة ومكانتها في خزانة المرأة.

ففي مقابلة أجرتها معها إحدى المجلات في عام 2006 قالت: «بالنسبة إليّ، تُشبه التنورة القميص؛ يمكن تنسيقها بسهولة لتناسب مختلف المناسبات. لهذا أضع في كل مجموعة، وفي كل موسم، كل أفكاري فيها». وتابعت: «حتى عندما تبدو غريبة أو مُفرطة في الجرأة، فإن هذه الصفات لا تُؤثر على الإطلالة العامة لصاحبتها؛ لأنها بكل بساطة تقع في الجزء السفلي من الجسم».

ظهرت أيضاً مع جاكيتات من اللون والخامة نفسيهما (أ.ف.ب)

بعد 20 عاماً على هذه المقولة، جاءت ترجمتها في مجموعتها لربيع وصيف 2027 عبر أشكال وألوان تتراوح بين القصات الكلاسيكية ذات الطيات والثنيات الجانبية، والتصاميم العصرية المنسدلة، إلى جانب مزيج من الأقمشة المترفة والمواد الحديثة التي تزيّنت بالكريستال والأشرطة، وترافقت مع طبقات شفافة.

ورغم أنه ليس من السهل أن تُبنى تشكيلة بالكامل على قطعة واحدة، فإن ميوتشيا برادا وراف سيمونز تداركا الأمر بحرصهما على التنويع في تصاميمها وتفاصيلها. لكن مما ساعد على تماسك العرض في المقام الأول، ولم يُصب الناظر بالملل فعلياً، أن برادا وسيمونز لم يتعاملا معها على أنها قطعة ثابتة وأساسية فحسب، بل استخدماها مساحةً للتجريب وإعادة التفكير في الشكل والخامة وطريقة التنسيق، لتخدم في النهاية المرأة.

الفني والجريء

افتٌتح العرض بإطلالة مكونة من قميص داخلي من الدانتيل الأسود وتنورة بلون أحمر زاهٍ. المثير فيها أنها تنورة منخفضة الخصر تكشف جزءاً واضحاً من البطن. لم تكن الإطلالة الثانية أقل إثارة. كانت هي الأخرى تنورة بفتحة عالية جداً، في حين ظهرت العارضة الثالثة مرتدية حمالة صدر مع تنورة ذات طيات وكشاكش جانبية مبتكرة. وهكذا تكرر المشهد وتوالت الإطلالات بتناسبات تسمح لهذه القطعة بالانحدار نحو الوركين بدلاً من أن تستقر عند الخصر كما هو متعارف عليه أو تغطي الركبة ولا تتعداها كثيراً. وربما كان طولها هو القاسم المشترك بينها؛ لأنها جاءت تلامس الركبة أو بالكاد تُغطيها، باستثناء قطع قليلة جداً لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

جرأة التنسيق لم تمحُ جمال التنورة ومرونتها (أ.ب)

اختبار الأفكار

تجدر الإشارة هنا إلى أن الحالة التجريبية التي خضعت لها التنورة هذا الموسم، ليست جديدة على مصممة تتعامل مع الأنوثة بوصفها أكثر من مجرد مظهر خارجي، وتأخذنا إلى خلفيتها الثقافية وميولها الفكرية اليسارية، بما في ذلك، علاقتها الطويلة بقضايا المرأة وتحريرها من القوالب الجاهزة، التي كانت التنورة طرفاً فيها إلى حد ما.

فحتى في شبابها وهي ناشطة في «الحزب الشيوعي الإيطالي»؛ أي في وقت لم تكن فيه التنورة جزءاً من الثقافة اليسارية مثل الجينز، تبنّتها ميوتشيا برادا زيّاً خاصاً بها، في مفارقة تعكس استقلالها وعدم ميلها إلى التقيد بالقواعد الجمالية والاجتماعية السائدة. مع الوقت؛ أصبحت واحدة من المفردات التي تستعملها وسيلةً للتعبير عن التناقض والاستقلال؛ وليست فقط رمزاً للأناقة كما يراها المجتمع.

وجه الاختلاف بينها وبين بعض النسويات، اللاتي رفضنها، أنها لم تُعانقها بصورتها الأنثوية المُغرية أو الرومانسية. اختارت في المقابل اتجاهاً ثالثاً يتعامل معها بوصفها قطعة أساسية تعتمد على طُرق تنسيقها للحصول على المظهر الذي تتوخاه المرأة، وهكذا تُثبت أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

إذا كانت بتصميمها المستقيم والضيق تناسب امرأة تريد إبراز أنوثتها، مثل كيم كاردشيان، وبشكلها المستدير تخاطب امرأة رومانسية، فإنها بالشكل الذي تقترحه دائماً، تفرض نفسها بجدية تُركّز على الفني والمريح بدل الأنثوي وحده. وهذا يعني أنها لا تعانق الجسم بقدر ما تلاعبه وتتراقص معه، وهنا تكمن عمليتها وجاذبيتها.

نُسقت مع كنزات وسترات لخلق تنوع يُدخلها كل المناسبات (أ.ف.ب)

وربما هذا ما شفع لهذه المجموعة وأنقذها من إصابة المتابع بالتخمة. فهي تُقدم احتمالات لا تنتهي للقطعة الواحدة، وفق طريقة تنسيقها. عندما تنسَّق مع سترات مستوحاة من خزانة الرجل، فإنها تعطي تأثيراً مختلفاً عن تنسيقها مع قمصان مع حمالات صدر. الأمر ذاته ينطبق على التنوع في الخامات، التي تتراوح بين النايلون والأقمشة الصناعية والقطن والجلد، لتلعب على ازدواجية القوة والنعومة. وفي كل الإطلالات تقريباً، تبدو إطاراً تُسقط عليه الدار الأفكار الجديدة، وتستعمل الخامات المتنوعة والتفاصيل المبتكرة لخلق شخصيات مختلفة تتراوح بين البساطة والتعقيد.

طريقة تنسيقها تحدد مكانتها والمناسبة (إ.ب.أ)

توظيف الفكري بأدوات تجارية

من يتابع مسيرة ميوتشيا برادا منذ عقود، يعرف أن وراء اختياراتها الجمالية والفنية، فكرة تتجاوز الشكل وحده. فهي تعشق إثارة النقاشات الفكرية من خلال الموضة، وهو ما وجدته أيضاً في شريكها الفني راف سيمونز. بينهما انسجام كبير في القناعات والرؤى، ورغبة مشتركة في طرح الأسئلة أكبر من تقديم ابالإنجدلإجابات الجاهزة.

ومن خلال محاولتهما كسر القوالب المألوفة والتقاليد الراسخة، فهما لا يختبران فقط حدود الموضة أو قولبتها، بل يقدمان تصوراً أوسع شمولية للجمال. هذا التصور يفتح مساحة تتسع لكل الاحتمالات؛ للرومانسية والشاعرية وللجدية والعملية، ولما هو جريء وغير متوقع تبعاً لشخصية المرأة التي ترتديه.

ويبقى اللافت أنه، حتى في أعلى اقتراحاتهما جرأة، تظل هناك قدرة عجيبة على مخاطبة سوق واسعة تعرف «برادا» جيداً كيف تصل إليها. فقد سبق للدار أن قدمت تصاميم بدت، عند ظهورها أول مرة، غير مألوفة أو حتى صادمة، قبل أن تجد طريقها تدريجياً إلى خزانة المرأة وتتحول اختياراتٍ ناجحةً تجارياً. وهذه ربما من أشد نقاط قوة «برادا»: قدرتها على دفع حدود المألوف، من دون أن تفقد صلتها بالمرأة أو بالسوق.

لعبت على النعومة والقوة عبر الجمع بين الحرير والجلد (إ.ب.أ)

وهذه القدرة على دفع حدود المألوف، من دون فقدان الصلة بالسوق، تتجلى بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها ميوتشيا مع التنورة. فهي ودار «برادا» عموما تدركان أن عالم الأعمال لا يكتفي بالأفكار الفلسفية والفنية أو بالمشاعر، بل لا بد في نهاية المطاف من ترجمتها أرقاماً؛ لذلك تصوغ المصممة التنورة بأشكال مفعمة بالأناقة والجمال تلائم مناسبات متعددة، وتجمع في الوقت نفسه بين العملية والمرونة، بما يتيح للمرأة حرية أكبر في الحركة. والأهم؛ أنها لا تَفرض على الجسد، مهما اختلفت مقاييسه وأبعاده، نموذجاً واحداً أو صورةً محددة للأنوثة.

فالتصميم يَترك مساحة للمرأة كي تمنحه شخصيتها الخاصة، بدل أن يَفرض عليها نمطاً جاهزاً ومكرراً. ولعل هذا ما يجعل التنورة في هذا العرض أكبر من مجرد قطعة متكررة على المنصة أكثر من 60 مرة. فمع نهاية العرض، يتضح أن كل تصميم قُدِّم تأكيدٌ جديدٌ على أن التنورة ستكون الزي الرسمي لامرأة «برادا» في الموسم المقبل.


مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
TT

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

هناك جروح لا تأتي من الفراق نفسه، وإنما من الطريقة التي يحدث بها الفراق وما يتركه من فراغ، عندما تنتهي علاقة عمرها سنوات في لحظة واحدة، ينتقل فيها الطرف الآخر إلى الصفحة التالية بسهولة وباحتفالية، بينما تبقى أنت عالقاً تبحث عن تفسير لكي تضع نقطة النهاية.

جُرح التخلي والإحساس بالفقد لا يخصان العلاقات العاطفية وحدها، بل يمكن أن يحدثا في العمل أيضاً. وربما يكونا أكثر قسوة عندما يكون هذا العمل هو الذي بنيت فيه جزءاً كبيراً من هويتك وحياتك. وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة مصممة «شانيل» السابقة فيرجيني فيارد في كتاب بعنوان «نظرة: حياة في دار شانيل» Un regard: Une vie chez Chanel نشرته مؤخراً ليتزامن صدوره مع أسبوع باريس لربيع وصيف 2027.

فيرجيني فيار تحيي الحضور بعد انتهاء عرضها لربيع وصيف 2024 (أ.ف.ب)

فالمصممة التي قضت أكثر من ثلاثين عاماً في الدار الفرنسية، وعملت إلى جانب كارل لاغرفيلد لعقود، ثم أصبحت المديرة الإبداعية للدار بعد وفاته، تفتح للمرة الأولى تقريباً هذا الباب المغلق منذ خروجها في عام 2024: باب الألم.

فيار لا تتحدث في الكتاب عن الملابس والعروض والنجاحات والإخفاقات فقط، بل تفتح أيضاً الباب أمام مشاعر نادراً ما نراها خلف بريق عالم الموضة: غضبها وحزنها من الطريقة التي انتهت بها علاقتها بـ«شانيل»، والأكثر من ذلك، ألمها من شعورها بأن ما قدمته للدار لم يحظَ بالاعتراف الذي كانت تتوقعه.

لذلك، فإن كتابها Un regard: Une vie chez Chanel، ليس مجرد مذكرات عن الموضة، بل حكاية مصممة تحاول أن تستعيد مكانها في قصة أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صناعتها. مصممة لا تحاول فقط أن تتذكر ما كان، بل أن تعرف أيضاً ماذا بقي منها بعد أن أغلقت «شانيل» الباب خلفها.

في الكتاب، كما في تصريحاتها الإعلامية، لا تتساءل لماذا تخلَت عني «شانيل»، بقدر ما تتساءل: كيف لا أُذكر، وكأنني لم أكن هناك أو أترك أثراً؟ وكيف يمكن أن تُطوى السنوات التي قضيتها فيها بهذه السهولة كما لم تكن؟.

ماذا فعل بها الرحيل؟

تؤكد فيارد في مقابلاتها التلفزيونية أنها متحدثة غير جيدة. فقد كانت دائماً تتجنَب الأضواء مفضلة أن تتحدث أعمالها عنها، ورغم ذلك نجحت إلى حد كبير في أن تنقل إلى المشاهد والقارئ، شيئاً من حزنها وألمها في كونها اختُزلت إلى مجرد «فاصل» في قصة «شانيل»، بين كارل لاغرفيلد وماثيو بلازي.

 

ظلت وفيَّة لأسلوبها الهادئ في كل تشكيلاتها (صورة أرشيفية)

دخلت المصممة «شانيل» عام 1986، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً من الدار، وإن بقيت طويلاً بعيداً عن الأضواء. كانت المرأة التي تعمل خلف الكواليس، تعرف تفاصيل الملابس، وتتابع الحرفيين وفرق العمل، وتحوّل أفكار كارل لاغرفيلد إلى مجموعات حقيقية. كانت، كما تقول عن نفسها: «مترجمة جيدة جداً لأفكاره». وهنا تبدأ قصة علاقة طويلة ومعقدة مع لاغرفيلد.

كان هو الشخصية الطاغية، صاحب الحضور الإعلامي والشخصية الاستعراضية، بينما كانت هي أكثر تحفظاً وهدوءاً. أمضيا معاً عقوداً، كان فيها لاغرفيلد معلماً وصديقاً ورئيساً وشخصاً اكتشف موهبتها، لكنه كان أيضاً شخصية كبيرة إلى درجة جعلت من الصعب عليها أن تجد لنفسها مساحة مستقلة. ظلت في عيون متابعي الموضة تحت جلبابه حتى بعد وفاته.

تكتب فيارد في نهاية كتابها رسالة إلى لاغرفيلد، وتقول له: «ألومك قليلاً... لأنك كنت الوحيد الذي رآني حقاً». هذه الجملة ربما تلخص امتناناً عميقاً لرجل ساعدها على اكتشاف نفسها، وفي الوقت نفسه كان قربها منه بمثابة نقمة لأنه جعلها تعيش دائماً في ظله.

فبعد وفاته في عام 2019، أصبحت فيارد المديرة الإبداعية لـ«شانيل». لم يكن الأمر سهلاً. فهي لم ترث المنصب فقط؛ ورثت المقارنة معه. كان عليها أن تثبت قدرتها على قيادة «شانيل» من دون أن تحاول أن تكون كارل لاغرفيلد جديداً.

ظلت فيرجيني وفية لأسلوب الدار وتلعب على المضمون والجينات المتوارثة (إ.ب.أ)

جاء أسلوبها أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً تركز فيه على الحرفية أكثر من خلال تصاميم يمكن أن تعيش معها المرأة لزمن طويل، ولا تعتمد على الإبهار الذي تصنعه عروض الأزياء الضخمة. وخلال خمس سنوات على رأس الدار، قدمت لحظات مهمة، من بينها عرض «متييه داغ» Métiers d’Art في داكار عام 2022، الذي تعتبره من أكثر أعمالها فخراً. وتُذكّر بأن الدار حققت خلال إدارتها نتائج تجارية قوية، حتى لو لم تلقَ مجموعاتها دائماً الترحيب نفسه في الصحافة وفي أوساط الموضة.

لكن تجربتها لم تكن خالية من الأخطاء. وهنا تبدو فيارد صريحة مع نفسها. فهي تعترف بأنها كانت شديدة التحفظ، وأنها لم تأخذ الوقت الكافي لاختيار «ذراع يمنى» يساعدها كما كانت هي مع كارل لاغرفيلد، ترى الآن أن ذلك جعلها أكثر هشاشة. كما تعترف بأن عرض مارسيليا في مايو 2024 لم يكن ناجحاً كما كانت تتمنى.

من عرضها على نهر السين لخريف وشتاء 2024 (صورة أرشيفية)

ثم جاء الخامس من يونيو 2024، حين أبلغها آلان فيرتهايمر، أحد مالكي «شانيل»، بأن العلاقة ستنتهي. لم تكن تتوقع القرار. ولم تحصل، بحسب روايتها، على تفسير واضح. وبعد الغداء وقعت الأوراق، ودَعت فريقها، وفي اليوم التالي وصلت صناديق أغراضها إلى منزلها. كان كل شيء سريعاً بشكل مؤلم.

وفي مقابلتها التلفزيونية الأخيرة مع برنامج Quotidien، التي عُرضت في 2 أكتوبر 2026، عادت فيارد إلى تلك اللحظة للمرة الأولى، عندما سُئلت عن سبب إقالتها، وردّت ببساطة إنها لم تحصل على تفسير شاف، وإنها حتى اليوم لا تعرف تماماً لماذا حدث ذلك. وأضافت أن هذا تحديداً أحد الأسباب التي دفعتها إلى تأليف الكتاب: «كنت أريد أن أفهم».

الأصعب، كما قالت، لم يكن فقط إنهاء العقد، وبأن الأمر كان سيصبح أقل إيلاماً لو قيل لها ببساطة: «انتهى الأمر، لكن السنوات التي قضيتها معنا كانت جميلة». فهذا بالنسبة إليها، كان سيجعل النهاية أكثر إنسانية.

رفض النسيان

ثم جاء الجرح الأكبر من الذاكرة عندما غادرت الدار، حيث شعرت أن اسمها بدأ يختفي من رواية تاريخ «شانيل». كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد مرحلة انتقالية بين اسمين، أو حسب قولها «مجرد فاصل».

تقول في واحدة من أكثر العبارات حزناً في الكتاب، إنها عندما تنظر اليوم إلى مجموعاتها تتساءل كيف استطاعت أن تكون «قوية إلى هذا الحد وقليلة الحضور في الذاكرة الجماعية بهذا الشكل وكأن مجموعاتها عبرت العالم في صمت»، وكانت هي موجودة «خلف زجاج».


«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
TT

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

لم تتغير صورة المرأة في عرض «كارولينا هيريرا لربيع وصيف 2027»؛ فهي لا تزال مفعمة بالأنوثة والجمال والفخامة. لم يتغير أيضاً مصدر إلهامها: نيويورك، المدينة التي قدمت فيها كارولينا هيريرا أول عرض لها في عام 1981.

تقول الدار في بيانها الصحافي إن المجموعة تعود إلى العالم الذي ابتكرته كارولينا في نيويورك عام 1981، من خلال لوحة ألوان تتباين بين الأسود والأبيض وأحمر هيريرا والأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك، كما تستمدّ بعض تفاصيلها الأخرى، الوحي من بسكويت نيويورك الشهير بلونيه الأسود والأبيض.

الأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك سيحضر بقوة في الموسم المقبل (كارولينا هيريرا)

يستمد هذا العالم أيضاً إلهامه من أيقونات موضة أسهمن في رسم ملامحه، مثل سي. زي. غِست، سيدة مجتمع معروفة في نيويورك، وديانا فريلاند، التي ترأست مجلة «فوغ» الأميركية و«هاربر بازار» سابقاً، ولي رادزويل، الشقيقة الصغرى لجاكلين كينيدي أوناسيس. وفي هذا السياق، يقول غوردون ويس، مصمم الدار الحالي: «أردتُ أن أتخيّل كيف تبدو تلك المرأة الراقية اليوم». ترجم هذه الفكرة في أزياء تغطي احتياجات امرأة لا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

تباينت اقتراحات الدار بين أزياء للنهار وأخرى للمساء والسهرة (كارولينا هيريرا)

فهذه المرأة دائمة الحركة؛ قد تتنزه في بارك أفينيو أو تُلبِي دعوة غذاء، أو تضطر للركض لتستوقف سيّارة أجرة للحاق باجتماع عمل، وبالتالي تحتاج لكل هذه التحركات أزياء مناسبة.

لبَى غوردون ويس هذه الرغبات أو المتطلبات، واقترح مجموعة تنتقل من النهار إلى المساء بانسيابية وفخامة، من خلال سترات ذات قصّات طويلة، وتنانير واسعة وفساتين مستقيمة ومرنة في الوقت نفسه. تعتمد للنهار على أقمشة التويد والبوبلين القطني والغاباردين والدنيم للنهار، وللمساء والسهرة على الشيفون والأورغانزا والدانتيل المعدني وقماش الغزار.

تعود الدار إلى القيم التي رسمت هويّة الدار منذ انطلاقتها في عام 1981 (كارولينا هيريرا)

وبما أن مصمم الدار، غوردن ويس، لا يعترف بالحلول الوسطى، ويعشق الألوان الصارخة والنقشات الواضحة، فإن المجموعة طرحت أزياء كثيرة بنقشات البولكا، إحدى بصمات الدار، بألوان متنوعة طالت الإكسسوارات أيضاً، إلى جانب أخرى متفتحة بالورود والأزهار.

شراكات استثنائية

بورتريه السيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول (كارولينا هيريرا)

وتروي المجموعة حكاية هيريرا مع نيويورك عبر ثلاث شراكات، تستحضر كلّ منها محطّة من تاريخ الدار في المدينة.

في الأولى، تتعاون مع مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية لتقديم بورتريه للسيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول. وتظهر الصورة، التي يُرخَّص استخدامها للمرّة الأولى، على مجموعة مختارة من القطع، من بينها فستان قصير مطرّز وحقيبة «جاكلين». ويستحضر البورتريه الصداقة التي جمعت وارهول بالسيدة هيريرا والعالم الإبداعي الذي جمعهما في نيويورك.

تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية (كارولينا هيريرا)

في الثانية، تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية. وفي إطار هذه الشراكة، يُعيد فستان وقطع منفصلة أخرى مطرّزة، إحياء غلاف العدد الذي وصل إلى أكشاك الصحف في 27 أبريل (نيسان) 1981، وهو اليوم نفسه الذي قدّمت فيه كارولينا هيريرا أوّل عرض أزياء لها في نادي متروبوليتان. رسمت الفنانة لوني سو جونسون الغلاف الأصلي، فيما أعاد مشغل هيريرا تجسيد أفق مانهاتن الظاهر فيه بالتطريز اليدوي.

تطريزات غنية مستوحاة من علاقة الدار بشركة «تافين» للمجوهرات (كارولينا هيريرا)

أمّا الشراكة الثالثة، فتجمع كارولينا هيريرا بدار المجوهرات الراقية Taffin، التي أسّسها «جايمس دي جيفنشي». وتعود الحكاية إلى عنوان جمع الدارَين يوماً: 954 ماديسون أفينيو. فقد كان المبنى يحتضن متجراً لـ«جيفنشي»، ثم افتتحت «تافين» أول صالة عرض لها في طابقه الثالث. وحين استحوذت كارولينا هيريرا على المبنى لاحقاً، بقيت «تافين» فيه لسنوات عدّة، كذلك العلاقة التي تربطهما ببعض.