الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

آمال موسى في ديوان «عاشقة ولا أنظر في النهر»

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة
TT

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

تسيطر هموم العشق وما يثيره من مكابدات عاطفية على أجواء ديوان «عاشقة ولا أنظر في النهر» الصادر عن دار «سراس» للشاعرة التونسية آمال موسى، ويتحول كينونةَ وجودٍ وحياة؛ فلا تستحضر الشاعرة العشق برموزه ودلالاته كقيمة مطلقة مجردة، لا علاقة لها بالواقع المعيش، إنما هو ابن هذا الواقع، من نبعه يستفي فيضه وتوهجه، وانطفاءه وذبوله أيضاً. يحيل إلى ذلك على نحو لافت، عنوان الديوان، الذي يكرس برمزيته لنهر الذات الخاص، ويعلي من شأنه، في مقابل غض النظر عن النهر بمفهومه المادي المباشر الماثل للعيان، يعزز كل هذا شعرية تعتمد على المكاشفة والبوح، تغلف نصوص الديون، وتتقلب ما بين الوضوح والجرأة والحدة، والهدوء المفاجئ، الذي يبدو بمثابة استراحة مؤقتة للذات من مكابدات هذا العشق؛ تتأمل تحت مظلتها الواقع والأشياء من نقطة الصفر، وتلملم ما قد تناثر في قلب النص «المتن»، وعلى الخواف من فتات، يشكل خليطاً من الأفكار والرؤى البسيطة والمعقدة التي تحكم الوجود، وتنتهك دورانه الطبيعي بتعقيدات الفلسفة التي تحبس الحياة في طوفان من الأسئلة العقلية ذات المنطق المراوغ.

وسط كل هذا تبحث الشاعرة عن نقطة تلمّ شتات المتناقضات، ربما تستقيم العلاقة، وتصبح أكثر وضوحاً بخاصة بين العلة والمعلول، أو بين الدال والمدلول. اللافت أيضاً أن البحث عن هذه النقطة، يظل مفتوحاً بحيوية على شتى العناصر والأشياء التي تشكل حركة الحياة والوجود، فلا بأس أن تستدعى هذه النقطة من عوالم الطفولة تداعب من خلالها الأم، حيث تتصدر صورتها المشهد، وتتذكر ابنتها الشاعرة كيف أنها لم تعجن الخبز يوماً، وأنها كانت تتمنى أن تتعلم منها خبيزه وتشم رائحته الشهية، وهو ما يطالعنا في النص الذي تستهل به الديوان «أَعلَّمُني عجينَ الخبزِ بكلِّ شيء»، حيث اللعب على وتر الزمن، وفي لحظة عبثية تبدو فيها الذات وكأنها تدور على نفسها تحت رحاه الثقيلة الوطأة، فتقول في مقاطع من النص:

«ها أنّيِ في اللحظة الصفرِ من العشقِ

في اللحظة الصفرِ من الكتابةِ

في اللحظة الصفرِ من المعنى

في اللحظة الصفر من المتعةِ

في اللحظة القصوى من الملّلِ

أُجالسُ عاشقاً مُنهكاً وجان بودريار ورولان بارت

وجسداً يحملُ حلُماً تجاوز الشهرَ التّاسعَ بعشرةِ أيامٍ.

قلتُ لبودريار:

الدّالُ والمدلولُ عادا إلى الصفر أخيراً

عادا قُبَيلَ موسمِ الحصادِ بقليلٍ، يُلملمانِ شتاتَ

معنىً جديدٍ

أخضرَ لم يبلغِ السعادةَ بعدُ

لم يأخذْ من السّماءِ كفايتَه من الماءِ

بينَ الصِّفرِ وإكسيرِ الحياةِ سرٌ لم يهتكْهُ بودريار.

الصِّفرُ ليس موتاً

ليس وحدةً

الصِّفرُ بدايةُ حبٍّ جديدٍ

تحرُّشُ الفكرةِ بِجسدي

واستسلامي لها

زفافٌ بينَ دال ومدلولٍ في ذروةِ الانحرافِ بالكلماتِ

هما أنا وأنت يا عاشقي المنهك».

نلاحظ هنا أن الشاعرة استخدمت دال الصفر، ليس بمعنى النهاية أو العدم، إنما بمعنى المقدرة على التشبث بإرادة الحياة، وكأنها في هذه النقطة الصفرية تحديداً تولد بشكل جديد. وسط الانهاك تستدعي صورة الأم والخبز، ولا يتسم هذا الاستدعاء بالحنين إلى الماضي فقط، إنما باللعب معه أيضاً، كأنه حلم يتراءى في المنام:

«قال لي رجلٌ رأيتُه يمسكُ بِيَدي في المنامِ:

الحياة ترتشفُ قهوتَها باردةً.

يا أيتّهُا الحياةُ:

أمي من نساءِ المدينةِ

لم تعجنِ الخبزَ يوماً

لم أتعلَّمْ صُنعَ الخُبزِ

ما جدوى القراءةِ والكتابةِ والأناقةِ والانتباهِ للتفاصيل

والقبضِ على الشياطينِ من وراءِ الملائكةِ؟

لم أتعلَّمْ عجْنَ الخُبزِ

وعندما جرَّبتُ

هالني ما يتطلَّبهُ الخُبزُ من عِنادٍ

لستُ عنيدةً بِما يكفي

هكذا اعترفَ لي عجينُ الخبزِ الذي لم أُفلحْ في مزيدِ

من استفزازِ بياضِهِ».

في المطبخ يرافقها هذا المشهد، كظل لها بخاصة في نص «أنا والبيضة شقيقتان» فتحاور كائناته «الملاعق والشوك والسكاكين والأطباق» وغيرها، وكأنها عناصر حية، تتمتع بعلائق سرية لوحدة وجود، تملك القدرة على تفكيكه وصياغته من جديد، وتوهم بأن ثمة حواراً متقطعاً ومتخفياً بينها وبين هذه الكائنات يتسرب في نسيج بعض النصوص ويبلغ ذروته من التهكم والسخرية حين يستحضر رموزاً من أبرز صانعي الفلسفة والفكر والحكمة في العالم.، مثل جان بودريار، رولان بارت، كارل ماركس، ميشيل فوكو، أرسطو، أفلاطون، كما تقول في هذا النص:

«أشياءُ كثيرةٌ في مطبخي تُشبهني

أتماهى معَ هذه الأشياءِ ونُؤنسُ بعضَنا.

الماءُ والنّارُ والكهرباءُ

الخضارُ والفواكهُ الممتلئةُ بالماءِ والفواكهِ الجافَّةِ

الصحونُ والكؤوسُ

وأواني الطبخ النّحاسية تروي سيرةَ امرأة من

القيروان

ملاعقُ صغيرةٌ وكبيرةٌ في مقاساتِ أحلامي

النّحيفةِ والمُكتنزةِ قليلاً

وسكينٌ واحدة.

لا أحبُّ السّكاكين.

في السَّكاكين يختبئُ خوفُ هابيلَ».

.........

«المطبخ غرفةٌ تستيقظُ فيها الشهواتُ

حسابُنا البنكيُّ المبعثرُ داخلَ الثلاجةِ وبينَ الطاولةِ

وسلة المُهملاتِ.

البعضُ يكتبُ

البعضُ يُعدُّ طعامَه

وأنا أكتبُ وأطبخُ

بعضي يُعِدُّ طبقاً عاشقاً لقطبٍ قد يطرقُ بابَ مطبخي

وكلي يكتبُ الشّعر لبطلٍ صنعتُه يدايَ بالماءِ

والخيالِ ورطلٍ من شهد الملكات.».

تخلص الشاعرة في هذا النص الطويل الشيق إلى إحساس ما، يتدفق بشكل تلقائي أن «في هذا المطبخ/ ما يشبه وحدة الوجود/ أو كوكتيل من عصيرِ الحكمةِ والحشائشِ البريّةِ/ تسكبه كل صباح.». إنها إذن حالة وجود، لا تنفصل فيها الأشياء عن ظلالها، ولا يمكن النظر لأحدهما بمعزل عن الآخر، تماماً كما في العشق، حيث لا ينفصل العاشق عن المعشوق، بل يبتعدان أحياناً لتضيق المسافة بينهما، ويصبحان أقرب، بل أكثر انسجاماً مع مشاغل الروح والجسد. فليس ثمة قطيعة عدمية بين البشر والأشياء، بقدر ما هي مجرد وجهات نظر متباينة، لا تلغي وجود الآخر، بل تحرص عليه في أقصى لحظات الحب والعشق؛ أقصى لحظات الحزن والبكاء... ربما لذلك تهدي الشاعرة الديوان إلى العشق في صورته المطلقة قائلة: «إلى من رفعه العشق إلى درجات اللهب وتداوى به شهدا ومرارة. إلى من تدثر بالعشق في شتاء الحياة وخريفها... إليه هذه القصائد المضمخة بعناصر الوجود الأربعة».

يقع الديوان في (117) صفحة ويضم 14 قصيدة، تنهل من براح قصيدة النثر، بل إنه يسمي المرأة باسمها «قصيدة نثر»، في ظلالها تقلب الشاعرة دفتر أيامها، محاولة الإمساك بالبئر الأولى للحنين، وعلى سبيل السخرية من الزمن تقول:

«حتى الخيبات أشتاقُ إلى بداياتها.

أحنُ إلى حربٍ شرسة عاشها أجدادي

أصوبُ فيها البندقية نحو هذا الحاضر

فيسقطُ قتيلاً،

وينزفُ طحيناً أبيضَ ورقائق بطاطا معلبة وبيبسي كولا.

أحنُ،

إلى من ألقى بي في كل هذا الحنين.» في القصائد الأخيرة بالديوان تتكثف معاني الغربة إلى حد الشعور بالعزلة والاستلاب أحياناً، وتنجح الذات الشاعرة في مواجهتها وترويضها وتضفيرها في بنية الصورة الشعرية التي تنفتح بشكل أكثر اتساعاً على روح الحكاية والتفاصيل بما تضمره من روائح حسية ومعنوية توثق للحالة في مجريات الحياة، كما يذهب الشعر إلى الأشياء البسيطة ونزقها المباغت، مثل «شوق الإبرة للخيط»، «القط البري» «رجل البلدية (حارق الأمل)» وتتناص القصائد مع معطيات من التراث الديني، لكنها مع ذلك تتحاشى السرد كفعل قص، وتتعامل معه كوميض يضيء فضاء المشهد وينميه درامياً وجمالياً. هكذا ترسم الشاعرة صورة العاشق الذي تتمنى في نص بعنوان » فراغ الوردة من الاستروجين» تقول فيه:

«الشفاه فهمتْ كم يهابُ الموتُ القبلةَ

شفاهُك تثأر من صورة العاشق السخيف

عاشقٌ تاب عن المرآة

لا يذهب إلى النهر

عاشقٌ تعلَّمَ الزهو بوجه من يُحب

لا بوجهه

أن ينحني بشهامةٍ للماء

ويركب أعلى موجةٍ في الشعور حتى يصبحَ وجههُ مرآةً للنهر.

عاشقٌ،

يُلاعب الأزمنة

يُبارزها

لا يخشاها

يُربكُ عقارب السّاعة

يمنحنا ساعةً في اليوم يغلبُ فيها الضوءُ الظلمة

ليطمئنَ فينا الأملُ ويكبرَ.«

في الختام، هذا ديوان مهم ومتميز في تجربة الشاعرة آمال موسى، أرجو أن أكون في هذه الإطلالة أمسكت بشيء من خيوط هذا التميز، أو العشق الذي يوحد نداء العاشق بهتاف الحياة.


مقالات ذات صلة

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

ثقافة وفنون الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون قبّة ديوان قصر هشام

قبّة ديوان قصر هشام

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي

«الشرق الأوسط» (برلين)
ثقافة وفنون «أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

رواية صغيرة، أو «نوفيلا» كما بات يطلق عليها، تحاول أن تغوص فيما يمكن للذكاء الاصطناعي حتى في مستواه البدائي الذي لم يبلغ سن الرشد بعد،

سوسن الأبطح
ثقافة وفنون «قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

في بنية سردية مدهشة تجمع بين الواقعي والفانتازي، ترصد رواية «قطط طهران» للكاتب الإيراني علي رضا عراقي، الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد فيصل،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء
TT

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري في إخصاب الأرض ورفدها بأسباب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفي جعل الكوكب الأرضي مكاناً صالحاً للعيش، وفي رسم خرائط الهجرات التي رسمت من خلالها حدود الدول.

وإذا كانت الأنهار، وفق ما أظهره التاريخ وأكدته الأدلة المحسوسة، قد هيأت الظروف الملائمة لنشوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعاً لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شرق العالم وغربه، وأن تكون منجماً للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نوع. ولأن حضور الماء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المياه وأحواضها، أحد أكثر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر.

وكما أن على الثلج أن يخسر هويته ومادته الصلبة، ليرفد بالماء اللازم مجاري الأنهار، فإن ما يحدث للأنهار هو الشيء نفسه، ولو بصورة أخرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بعناق البحر والاتحاد فيه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها من الاستعارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المتراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية التلقائية، ولا بسبب غضب شتائها الطوفاني، أو نعاس صيفها المقمر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على الملاءمة بين حاجة الجماعة إلى تاريخ مشترك، وحاجة الأفراد إلى تأهيل ذاكرتهم بالأسرار.

ولهذه الأسباب وغيرها، تمكنت الأنهار بمختلف أحجامها، من رفد الأذهان ورفوف المكتبات، بأعمال وسرديات شديدة الفرادة، من بينها «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«قلب الظلام» لكونراد، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك.

وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الطول والغزارة والاتساع أمام أنهار العالم الكبرى، فإنه بالقياس إلى البلد الصغير الذي يشقه مجراه من الوريد إلى الوريد، يلعب الدور نفسه الذي يلعبه أترابه في حياة الشعوب والجماعات. إضافةً إلى أنه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلاً للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث تمكنت دولة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلاً إلى ما وراء النهر.

أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خروجه من نبع العلَّيق غربي بعلبك، حتى مصبه في المتوسط، إلى الشمال من صور، من أن يجتذب إلى مجراه كثيراً من الروافد، بدءاً من البردوني وعمّيق والخريزات، وصولاً إلى ينابيع عين الزرقا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغيرها. كما أن إسهامه في حياة الفلاحين الساكنين إلى جواره، تراوح بين ري الأراضي العطشى، وتوليد الكهرباء، وبين إتراع قصص الحب بما يلزمها من الظلال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض القرى، كما هو حال «علي النهري»، و«دير قانون النهر»، اتخذ من بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المصب أطلق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية».

ومع أن الليطاني قد ارتبط في أذهان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلى أن الشطر الأخير من النهر، حيث تكاد الحدود اللبنانية والفلسطينية تتلامسان تماماً في غير موضع، كان ولا يزال الجزء الأكثر عرضة للأطماع من سواه. فهو الذي اشتعلت من حوله الحروب، وسُميت باسمه «عملية الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة.

أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والتقارب الحميم بين ضفتيه، في جعله مقصداً شبه دائم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شح المواسم وانقلاب الأحوال، ويُلقون إليه بأجسادهم التعبى، وأرواحهم الظامئة إلى السكينة.

وإذا كان من البديهي، أن يشكل الليطاني، بمياهه الرقراقة وأشجاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحد ينابيع الإلهام الأكثر ثراءً لشعراء جبل عامل وكتابه، فإن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، هو ألا يحظى النهر بالاهتمام نفسه، الذي لقيته أنهار العالم المماثلة، رغم كل ما يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والدنيوية، وبعضه الآخر بالفلكلور والأهازيج والأغاني.

ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المجال، فإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المحسن الصوري، ابن مدينة صور، تحت عنوان «لا يوم كيومنا بشاطئ ليطا»، وهو اسم النهر آنذاك. وفي تلك الأبيات، ذات النظم المتكلف والتقفية المتعسفة، التي اضطره اسم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري:

والطلُّ ينشر كلّ وقتٍ لؤلؤاً فيها سقيطا

وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا

فإذا رأيت الدرّ أبصرت العقيق به منوطا

حالٌ تردُّ إلى التصابي كلَّ كسلانٍ نشيطا

وقد اختلف الوضع قليلاً بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث إن تحلُّق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل التبلور الصعب للكيانات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والباحثة عن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكاناً لانعقاد المؤتمر الشهير الذي تنادى إليه العامليون للإعلان عن مبايعة فيصل الأول عام 1920 ملكاً على بلاد الشام، تجسيداً واضحاً لرمزية المكان وخصوصيته ودلالاته، فقد تحول الوادي المذكور وللأسباب نفسها، إلى ملتقى أثير للشعراء وتابعيهم، والى موئل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر.

وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغيرها، في قصائد العامليين ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والحنين وقصائد الوصف، غير واحد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزتْ ثرَّةُ السحابِ الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها:

وادي الحجيْر سقاكَ وكَّافُ الحيا

كم فيك للأبصار من مستمتَعِ

جُمعتْ من الأشجار فيك بواسقٌ أمثالها

بسواكَ لم تتجمّع

ولقد تقاسمنا الغضا وغصونهُ

في راحتيك وناره في أضلعي

وادٍ حكتْ أزهارهُ ورياضهُ وجهاً

من الحسناء غير مقنَّعِ

على أن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، لا ينحصر فقط بما تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلى مستنقع للسموم، بل بكون هذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صلابة، للغة شعراء الجنوب وكتابه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعمال شعرية وروائية. وإذ تحتاج مقاربة هذه الإشكالية إلى غير هذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيراً هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدراً دائم التجدد للإلهام والأمل، وإرادة البقاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جدولاً صغيراً كنهر بويب، المحاط بغابات النخيل الوارفة في جنوب العراق، إلى مقام الأسطورة، فحريٌّ بأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه.


قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
TT

قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المتعاقبة في هذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المدنية. يعود الجزء الأكبر من هذه اللقى في الأصل إلى حلل زينية معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، وتُعتبر أهمّ شواهده تلك التي خرجت من قصر المَشتى في الأردن، وقصر الحير الغربي في سوريا، وقصر هشام في فلسطين. تتكوّن هذه النقوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية المتعدّدة، منها النباتي، ومنها الحيواني، ومنها الآدمي. تحضر هذه العناصر المختلفة في قطعة كبيرة مستديرة الشكل، قيل إنها كانت تزيّن قبة ديوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الرفيع، وتختزل جمالية خاصة طبعت الفن الإسلامي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه.

تجمع حلل قصر هشام بين عناصر متعدّدة تعود إلى فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، وتعكس قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا تبدو هذه الحلل متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأموي. إلى جانب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كالتيجان والأفاريز والفتحات المعروفة بالنوافذ، اعتمدت هذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة متنوعة من الأشكال الحيوانية، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانب والخيول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هذه العناصر الحية في شبكات زخرفية غلب عليها طابع التحوير والموازاة والتجانس المحكم، وحوى بعض منها عناصر آدمية متعدّدة الأشكال، بدت مدمجة بشكل كامل في التصاميم النباتية والسلاسل الزخرفية الهندسية. تجلّى هذا الانصهار بشكل لافت في قطعة دائرية من الحجم الكبير، رأى أهل الاختصاص أنها كانت تزيّن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الديوان الخاص بقصر هشام، وهذه القاعة مربّعة، وطول ضلعها نحو 4 أمتار.

وصلت هذه القطعة المستديرة مهشّمة، وتم جمع مكوّناتها المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم متأنية. تحضر في الوسط زهرة محوّرة هندسياً تحيط بها ستة وجوه آدمية صيغت في وضعية المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نواة هذه القبة المتقنة، ويبلغ طول قطره نحو 1.5 متر. تلتف الوجوه الستة في حلقة دائرية يحيط بها شريط تزيّنه أغصان مورقة. ويلتفّ من حول هذا الشريط شريط أكبر حجماً تزيّنه أغصان مورقة مغايرة في الشكل. حافظت الكتلة الوردية التي تحتل وسط الصورة على مكوّناتها بشكل شبه كامل، ونقع على صورة توثيقية لها في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة أوكسفورد في سنة 1959، وحمل عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بتلات، تحيط بها سلسلة بتلات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تحيط بهذه السلسلة ست أوراق نباتية عريضة من فصيلة الأقنثا، وهذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصراً من عناصر الفنين اليوناني والروماني المتوارثين عبر العصور والقارات. على صعيد الأسلوب المتبع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الطابع الهندسي التجريدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي.

تنعقد حول هذه الأوراق سلسلة من ستة وجوه، تتشابه حتى التماثل. تبدو هذه الوجوه النضرة أنثوية في المقام الأوّل، غير أن التفحّص فيها يظهر أن اثنين منها ملتحيان، ممّا يعني أنها تجمع بين وجوه من الجنسين. التكوين واحد، ويتمثل بوجه بيضاوي ممتلئ، بدت ملامحه المجسّمة واضحة وجليّة. العينان لوزيتان ضخمتان، يتوسّط كلّ منهما بؤبؤ على شكل ثقب دائري غائر، والحاجبان عريضان ومقوّسان ومنفصلان. الأنف ناتئ ومستقيم، ومنخراه ظاهران. الثغر منمنم، وتعلوه ابتسامة خفرة. العنق عريضة ومكتنزة، وتشكّل قاعدة للرأس المنتصب من فوقها.

يعلو كل رأس قوس تزينه سلسلة من الفصوص البيضاوية، وتشكل هذه الأقواس شريطاً يحدّه شريطان نحيلان يخلوان من أي زخرفة. يلتف فوق هذا الشريط غصن مورق تُظهر أوراقه أنه من فصيلة الكرمة. تنصهر هذه الكرمة داخل شريط يتألف من سلسلة مشابهة من الأقواس المتجانسة، في قالب يحافظ كذلك على طابعه الواقعي الكلاسيكي، كما تشهد أوراق الدالية المصوغة بأسلوب واقعي. يلتف حول هذه الدالية شريط يماثل الشريط الذي يحيط بالوجوه، ومن حول هذا الشريط، تلتف سلسلة من الأغصان اللولبية، تشكّل خانات دائرية تحوي كل منها نبتة محوّرة، تستعيد شكل الأقنثا بأسلوب زخرفي مبتكر. تأتلف هذه النبتة من ورقتين متعاكستين، تعلوهما ورقتان عموديتان، وبين هاتين الورقتين، ينساب كوز مثمر بدت حبوبه مرصوفة في كتلة متراصة. يكتمل هذا التكوين الزخرفي المتين مع شريط دائري يلتف من حوله، وتزيّن هذا الشريط كذلك فصوص بيضاوية، وفقاً للطراز المتبع.

تتميّز هذه الشبكة بدقّتها ورهافة صناعتها، كما تتميز بهذه السلسلة من الوجوه الفتية التي تحيط بالوردة التي تحتل وسط التأليف. تتبع هذه الوجوه أسلوباً محلياً شاع بشكل خاص في تدمر، وتحضر في شواهد أثرية أخرى خرجت من بين أطلال قصر هشام، منها لوح مستطيل حوى تسعة وجوه تطل من وسط سلسلة من الميداليات الدائرية المتشابكة. في هذه اللوحة، كما في العديد من اللقى الجزئية، تطلّ هذه الوجوه في وضعية المواجهة، وتفتح عيونها اللوزية الشاخصة، وكأنّها تتأمل في ما لا يُرى.


المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين
TT

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية وبداياته الفنية، وصولاً إلى تحوله إلى واحد من أكثر الفنانين تأثيراً وحضوراً في الوجدان الشعبي الكردي.

ويبرز الكتاب المكانة الريادية التي شغلها يوسف جلبي في تاريخ الأغنية الكردية، إذ كان من أوائل الفنانين الذين عملوا على حفظ الأغنية التراثية الكردية وصونها من الضياع، كما أعاد أداء عدد كبير من الأغاني الشعبية المتوارثة، وفي الوقت نفسه ألّف كلمات أغنيات جديدة، ولحّنها وغنَّاها، ليترك إرثاً فنياً جمع بين الحفاظ على التراث وتجديده وتطويره. وقد شكّلت أعماله جسراً بين الذاكرة الشعبية والإبداع الفني، الأمر الذي جعل اسمه حاضراً في ذاكرة أجيال متعاقبة من الفنانين والجمهور.

ويستند المؤلف إلى جهد توثيقي امتد سنوات، اعتمد خلاله على لقاءات وشهادات ووثائق ومرويات نادرة، ويحتل الحوار المطول مع نجله البكر جلبي جلبي، موقعاً محورياً في الكتاب، حيث يقدم شهادات تفصيلية عن حياة والده وفنه وعلاقاته الاجتماعية والظروف التي أحاطت باعتقاله. كما يضم الكتاب شهادات ومرويات من أفراد أسرته ومحيطه، تسهم في رسم صورة أكثر اكتمالاً للفنان الإنسان وللمرحلة التي عاشها.

كما يتناول الكتاب الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بيوسف جلبي، والضغوط التي تعرض لها بسبب مواقفه وأغانيه، وصولاً إلى اعتقاله وتعذيبه على يد عناصر المكتب الثاني تحت إشراف ضابط الاستخبارات في قامشلي حكمت ميني، وانتهاء حياته تحت التعذيب عام 1962، في حادثة لا تزال حاضرة في الذاكرة الثقافية الكردية بوصفها واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الفن الكردي.

ويحاول المؤلف من خلال هذا العمل إعادة فتح ملف يوسف جلبي فنياً وإنسانياً، وإعادة الاعتبار إلى إرثه الذي تعرَّض جانب منه للتغييب والضياع نتيجة غياب التوثيق، رغم تأثيره العميق في مسيرة الأغنية الكردية وفي عدد كبير من الفنانين الذين حملوا أغانيه وألحانه إلى الأجيال اللاحقة.

قدم للكتاب الدكتور محمد عزيز زازا والدكتور ولات محمد، اللذان تناولا تجربة يوسف جلبي الفنية ومكانته في تاريخ الغناء الكردي ودوره بوصفه أحد الآباء المؤسسين للأغنية الكردية في سوريا. وكان غلاف الكتاب لوحة تشكيلية للفنان رحيمو حسين.