مصر: «انتفاضة برلمانية» ضد الحكومة إثر حادث «فتيات المنوفية»

وسط تصاعد الانتقادات حول الواقعة

حوادث النقل الثقيل تتكرر على الطرق السريعة بمصر (أ.ف.ب)
حوادث النقل الثقيل تتكرر على الطرق السريعة بمصر (أ.ف.ب)
TT

مصر: «انتفاضة برلمانية» ضد الحكومة إثر حادث «فتيات المنوفية»

حوادث النقل الثقيل تتكرر على الطرق السريعة بمصر (أ.ف.ب)
حوادث النقل الثقيل تتكرر على الطرق السريعة بمصر (أ.ف.ب)

واجهت الحكومة المصرية «انتفاضةً برلمانيةً» على وقع حادث الطريق «الدائري الإقليمي»، الجمعة، الذي نتج عنه مقتل 19 فتاة وإصابة 3 أخريات من محافظة المنوفية (شمال القاهرة).

وطالب عدد من أعضاء مجلس النواب المصري (البرلمان) في جلسة عامة، الأحد، بمحاسبة مسؤولين بالحكومة، إلى جانب تشكيل لجنة تقصي حقائق للوقوف على أسباب الحادث، وما إذا كانت هناك وقائع إهمال.

فيما استحضر مستخدمون على منصات «التواصل الاجتماعي» مشهداً للفنان المصري الراحل أحمد زكي في عمله السينمائي «ضد الحكومة»، يدعو فيه لمحاسبة مسؤولين بالحكومة، في واقعة مماثلة جسدها الفيلم خلال فترة تسعينات القرن الماضي.

ووقع حادث التصادم المروّع على الطريق الدائري الإقليمي بنطاق مركز أشمون في محافظة المنوفية، إثر تصادم سيارة «نقل ثقيل» بحافلة صغيرة تقل الفتيات من أماكن سكنهن في قرية «كفر السنابسة» إلى مكان عملهن في مزارع العنب بدلتا النيل، وحسب التحريات الأولية فإن «الحادث وقع نتيجة تصادم مباشر بين سيارة النقل الثقيل والحافلة الصغيرة (ميكروباص) بسبب السرعة الزائدة».

وتبيّن أن الضحايا جميعهن فتيات صغيرات السن، تتراوح أعمارهن بين 14 و22 عاماً، يعملن بـ«اليومية» في إحدى مزارع العنب، ومنهن مَن كانت العائل الوحيد لأسرتها.

مجلس النواب المصري خلال مناقشة حادث «فتيات المنوفية» (مجلس النواب المصري)

وخلال جلسة مجلس النواب، الأحد، دعا رئيس البرلمان المصري، حنفي جبالي، للوقوف حداداً على ضحايا حادث «فتيات المنوفية»، وكلف «لجنة النقل» في المجلس بـ«دراسة أسباب الحادث وتقديم تقرير لعرضه على البرلمان».

وشهد اجتماع «النواب» انتقادات للحكومة المصرية بسبب الحادث، وتقدمت عضو المجلس إيفلين متى بطلب إحاطة لوزير النقل والصناعة كامل الوزير، بشأن سبب التأخر في استكمال أو تطوير بعض مشروعات الطرق، ما يتسبب في تفاقم حوادث التصادم.

كما تقدمت عضو المجلس عن حزب «التجمع»، سلمى مراد، ببيان عاجل إلى رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، ووزير النقل، بشأن «الحوادث المتكررة على الطريق الدائري الإقليمي»، وأشارت إلى أن «هذا الطريق يشهد حوادث يومياً، تتسبب في وقوع وفيات، دون تحرك جاد من الحكومة»، ودعت إلى «وقف تشغيل الطريق، وتشكيل لجنة تقصي حقائق، تضم متخصصين وخبراء في مجالات الطرق والمرور، لتحديد نقاط الخطر على الطريق، والعمل على إصلاحها».

وشدد رئيس حزب «العدل»، عضو البرلمان، عبد المنعم إمام، على «ضرورة المحاسبة الفورية لكل المقصرين المسؤولين عن الحادث»، وقال إن «الطريق الذي شهد الحادث، تكلف إنشاؤه نحو 20 مليار جنيه» (الدولار يساوي 49.7 في البنك المركزي).

في المقابل اعتبر وزير المجالس النيابية والشؤون القانونية والاتصال السياسي، محمود فوزي، أن «الحكومة لا تعفي نفسها من المسؤولية في الحادث»، وأشار إلى «تشكيل لجنة حكومية موسعة لمعاينة موقع الحادث، والوقوف على الحقائق بشكل كامل»، لافتاً إلى أن «سائق سيارة النقل الثقيل ثبت تعاطيه المواد المخدرة»، وشدد على أن الحكومة «لن تتهاون في المساءلة والمحاسبة والمكاشفة» إلى جانب «التواصل الدائم مع أسر الضحايا».

حادث سير سابق في مصر (أ.ف.ب)

ورغم انتقادات نواب البرلمان للحكومة على الوضع الفني لبعض الطرق المنشأة حديثاً وغياب الصيانة بها، فإن فوزي رأى أن بلاده «حققت طفرة في مجال تطوير وتشييد الطرق»، وقال إن تصنيف بلاده في المؤشر العالمي لجودة الطرق انخفض من المركز 118 عام 2015 إلى المركز 18 العام الماضي، عاداً أن إجراءات تطوير وتشييد الطرق الجديدة ساهمت في انخفاض وفيات حوادث الطرق خلال السنوات الماضية بنسبة 29 في المائة.

وتابع رئيس الوزراء المصري ما دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن تعويضات ضحايا الحادث، وتنفيذ أعمال الصيانة والتطوير بالطريق الدائري الإقليمي، والالتزام بإجراءات الأمن والسلامة، وكلف السلطات المصرية بإجراء كشف تعاطي المواد المخدرة لكل سائقي النقل بصورة دورية ومفاجئة، كما وجه بإعفاء كامل المصروفات الدراسية لأسر ضحايا الحادث، وصرف معاش استثنائي لهذه الأسر، وإطلاق أسماء الضحايا على المباني الحكومية والشوارع بمسقط رأسهم، حسب إفادة لمجلس الوزراء المصري، الأحد.

كان الرئيس المصري قد طلب زيادة تعويضات ضحايا الحادث، بمبلغ مائة ألف جنيه لكل حالة وفاة، و25 ألف جنيه لكل حالة إصابة، ودعا وفق إفادة للرئاسة المصرية، السبت، الحكومة، إلى «متابعة صيانة وإصلاح الطرق بكل دقة، خصوصاً الطريق الدائري الإقليمي وسرعة الانتهاء منها والتأكد من وجود الإرشادات في مناطق الإصلاح وتعديل مسار الطريق بصورة واضحة، وإزالة العوائق التي ينجم عنها الحوادث».

انتقادات من نواب البرلمان المصري للحكومة بسبب حادث الطريق الدائري الإقليمي (مجلس النواب المصري)

بموازاة ذلك، تصاعدت الانتقادات ضد الحكومة المصرية، على وسائل التواصل الاجتماعي بمصر، واستحضر مستخدمون مشاهد للفنان أحمد زكي في فيلمه «ضد الحكومة»، التي يُحمل فيها الحكومة المسؤولية عن حادث تصادم قطار بحافلة طلاب مدارس حينها.

فيما اعتبر مستخدمون أن حادث «فتيات المنوفية» يعكس وقوع حالات من الإهمال في أعمال الصيانة، والرقابة على تعاطي المخدرات خصوصاً لسائقي النقل.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، جمال سلامة، أن «الانتفاضة البرلمانية» ضد الحكومة «تعكس مدى فداحة حادث (فتيات المنوفية) وحالة التقصير، وضرورة محاسبة المسؤول». واستبعد سلامة «اتخاذ البرلمان أي إجراء تصعيدي ضد الحكومة مثل الاستجواب أو سحب الثقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا السيناريو غير مطروح في ظل وجود أغلبية برلمانية مؤيدة للحكومة».

ووفق وكيل «لجنة النقل والمواصلات» في مجلس النواب، محمود الضبع، فإن هناك اهتماماً من المجلس للوقوف على أسباب الحادث ومساءلة المقصرين، وأشار إلى أن «لجنة النقل» طلبت كافة التقارير والمستندات المتعلقة بالطريق والحادث لدراستها وتحديد أسباب الحادث»، وقال إن «الحادث لن يمر دون محاسبة». وأوضح الضبع لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك عدداً من طلبات الإحاطة مقدمة من نواب البرلمان بشأن الطريق الدائري الإقليمي»، وقال إن «دراسة لجنة النقل للحادث سوف تتناول أيضاً الوضع الفني للطريق لتجنب أي حوادث مماثلة مرة أخرى».

كما دعا عضو مجلس النواب محمد بدراوي إلى «ضرورة مثول وزير النقل والصناعة أمام البرلمان لاستيضاح أسباب الحادث»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه طلب وبرلمانيون آخرون ضرورة «حضور الوزير المسؤول للمجلس لمتابعة ما وقع في الحادث بشكل مفصل».

وفي اعتقاد بدراوي، فإن الحادث يفرض «ضرورة المراجعة المشددة لمنظومة الطرق وأعمال الصيانة بها»، وقال إن الأمر «يستدعي كذلك تشكيل لجنة فنية من خبراء لمراجعة إجراءات صيانة الطريق الدائري الإقليمي، وما إذا كنا في حاجة لغلق الطريق كاملاً أو بشكل جزئي وآليات تشغيله».


مقالات ذات صلة

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

العالم العربي رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

تستعد مصر لإجراء تعديل وزاري على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، هذا الأسبوع، بعد سلسلة من التكهنات بالتزامن مع انعقاد مجلس النواب الجديد، وبدء جلساته الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)

«القبول المجتمعي» يعرقل عمليات التبرع بأعضاء المتوفين في مصر

تحدث مسؤول حكومي عن أن «القبول المجتمعي» هو إحدى الإشكاليات الكبرى التي تعرقل التبرع بأعضاء المتوفين.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال جلسة مباحثات مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في القاهرة (الصفحة الرسمية للرئاسة المصرية)

السيسي: نرفض أي إجراءات تمس وحدة الصومال

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الأحد)، موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد هواتف محمولة  (رويترز - أرشيفية)

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

قال مجلس الوزراء المصري، في بيان، السبت، إن القاهرة وقعت صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار لتخصيص 410 ميجاهرتز إضافية من الطيف الترددي الجديد لشركات المحمول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو الذي يقاتل القوات الحكومية منذ عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس»، الاثنين: «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وجمّد السودان عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان.


محمية «السنط» الطبيعية السودانية تتعرض لاعتداء بيئي بشع

مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

محمية «السنط» الطبيعية السودانية تتعرض لاعتداء بيئي بشع

مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)

في الأشهر الأولى لاندلاع الحرب منتصف أبريل (نيسان) 2023، شهدت «غابة السنط»، وهي محمية طبيعية تقع على ضفاف النيل الأبيض بالعاصمة الخرطوم، لعملية إبادة جماعية وقطع جائر للأشجار لإنتاج الأخشاب التي أصبحت المصدر الوحيد لطهي الطعام وتشغيل أفران الخبز بعد نفاد مصادر الطاقة وانقطاع الكهرباء وانقطاع إمداد سلاسل غاز الطبخ.

ورصدت «الشرق الأوسط«» حجم التخريب والدمار والقطع العشوائي والاحتطاب داخل الغابة، وهي واحدة من أعرق وأكبر المحميات الطبيعية داخل العاصمة الخرطوم، وقد أُدرجت رسمياً ضمن منظومة المحميات منذ عام 1939.

تُعَدُّ غابة «السنط» القريبة من مقرن النيلين، من أعرق المساحات الخضراء الطبيعية في الخرطوم؛ فهي واقعة على الضفة الشرقية للنيل الأبيض قرب ملتقى النيلين، وهي غابة مركزية محجوزة مساحتها 34.482 فدان موزعة على النحو الآتي: مساحة المرابيع المزروعة حوالي 25 مربوعاً تساوي 45.453 فدان؛ الطرق والشوارع 39.8 فدان، والحديقة الشجرية والمشتل 50.20 فدان.

وتساهم الغابة في امتصاص الغازات التي تنبعث من المصانع وعوادم السيارات والمنشآت الصناعية، والكثافة السكانية الناتجة عن عمليات النزوح والهجرات الجماعية بسبب الحروب والجفاف.

جريمة بشعة

أطلقت الأيام الماضية مبادرة رصد التعديات البيئية وتعزيز وعي المجتمع بقضايا الطبيعة، فوجهت نداءً عاجلاً لوقف الاعتداء على غابة «السنط»، والوقف الفوري لأعمال قطع الأشجار والتجريف الجارية في المنطقة.

ويقول رئيس السابق للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية بولاية الخرطوم بشرى حامد: «ما شهدته غابة السنط يعد واحداً من أبشع الجرائم البيئية في تاريخ ولاية الخرطوم، وتحتاج إلى توثيق ودراسة شاملة وتحديد تكلفة الضرر ووضع خطة وبرنامج ومشروع عملي علمي بيئي قابل للتمويل والتنفيذ وفق خطة زمنية محددة».

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح: «قطع الأشجار يؤثر سلباً على هجرة الطيور بالنسبة للعالم والبيئة، وهجرة الطيور حال توقفها فهذا يعني توقف مسألة التنوع الحيوي والإحيائي في العالم ما يؤثر على البيئة بصورة كبيرة جداً».

وتعد «الغابة» موئلاً لكثير من الكائنات الحية التي تلعب دوراً كبيراً في البيئة من خلال تفاعلها مع بعضها البعض وتشكيل البيئة الحيوية الموجودة في تلك المنطقة».

خسارة التنوع الحيوي

سبق أن نفذت الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية حملة كبرى لحماية غابة السنط بالخرطوم من الأنشطة السالبة، مثل الحرق والإتلاف والقطع الجائر الذي تعرضت له الغابة خلال الفترة الماضية.

وقال خبير البيئة وتغيرات المناخ نور الدين أحمد لـ«الشرق الأوسط»: «غابة السنط تتمثل أهميتها في أنها بيئية وعلمية وثقافية وسياحية، والطيور المهاجرة من أوروبا تستريح في تلك الغابة لتميزها، وهي موئل بيئي متميز لملايين الكائنات الحية، وتعد من أعرق المساحات الخضراء في الخرطوم».

وأضاف: «بعد اشتعال الحرب وانعدام مصادر الطاقة، لجأ الناس إلى الغابة وقطع الأخشاب لطهي الطعام وتشغيل الأفران لإنتاج الخبز، فحدثت إبادة بيئية، ينتظر أن تكون لها عواقب بيئية وفقدان التنوع الحيوي للطبيعة».

وشدد الخبير البيئي على «أهمية وقف التعديات على غابة السنط، وإعادة الحياة إليها مرة أخرى للحفاظ على التوازن الطبيعي والتقليل من وتيرة التغير المناخي المحلي».

محمية محجوزة

اكتسبت الغابة اسمها من أشجار «السنط» التي كانت تنمو فيها بكثافة، وتلعب دوراً تعليمياً مهماً، فقد أنشئت مدرسة خبراء الغابات منذ عام 1946 لتدريب كوادر الغابات من الخبراء والملاحظين على تقنيات وإدارة وزراعة الغابات.

وخرجت المدرسة الرعيل الأول من فنيّ الغابات الذين كان لهم الدور العظيم في زراعة الغابات في كل مناطق السودان، من جبال وهضاب وأودية وسهول وصحارٍ.

وأوضح أستاذ الغابات والموارد الطبيعية بروفسور طلعت دفع الله أن «غابة السنط» واحدة من أكبر المساحات الطبيعية على الضفة الشرقية للنيل الأبيض، وقريبة من ملتقى النيلين وهي غابة مركزية محجوزة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الغابة مسجلة في الجريدة الرسمية (الغازيتا) بالرقم 563 بتاريخ 15 يونيو (حزيران) 1932، وهو العام الذي صادف أول سياسة للغابات في السودان، وصدور قانون الغابات المركزية وقانون غابات المديريات.

وأكد أن «الغابة تكتسب أهميتها التعليمية وأنشئت بها مدرسة خبراء الغابات عام 1946 وتدريب أول كوادر لخبراء الغابات وتخريج الرعيل الأول من فنيي الغابات والملاحظين الذين استزرعوا غابات السودان في الجبال والهضاب والأودية والسهول والصحاري في البلاد».

ووفقاً للأكاديمي المختص، فإن الغابة تعد ملاذاً للتنوع الإحيائي، تعمل عليها كل من المراكز البحثية: «مجلس الطيور العالمي، الإدارة العامة للحياة البرية، مركز الحياة البرية، كليات الموارد الطبيعية بالجامعات السودانية، جمعية الحياة البرية»، وترصد حركة الطيور المهاجرة والمستوطنة التي تغشى الغابة بأعداد كبيرة.

وأشار دفع الله إلى أن الخرطوم ازدحمت بالمصانع والسيارات ما أدى إلى تلوث بيئي، والغابة تعتبر مستودعاً لامتصاص الغازات الكربونية وتساهم في امتصاص السموم باعتبارها الغابة الطبيعية الموجودة وسط الخرطوم.

وقال: «القيمة السياحية للغابة تقدم خدمة جليلة للشعب السوداني وهي الرئة الوحيدة لتنفس الهواء بعد إزالة حزام الخرطوم الأخضر، بالتالي هي متنفس طبيعي لسكان الخرطوم والزوار أثناء قضاء الرحلات والعطلات الرسمية والأعياد، والغابة تتمتع بإطلالة مباشرة على النيل الأبيض، وتصدح الطيور فوق الأشجار وتضفي أجواء رائعة».

ودعا الجمعية السودانية لحماية البيئة لإنقاذ هذه الغابة باعتبارها إحدى المقتنيات التراثية السودانية، وبحكم تاريخها القوي في التصدي والمناصرة. ووفقاً لخبراء الغابات والبيئة، فإن تجريف وتدمير «غابة السنط» بالقطع العشوائي للأشجار إعلان موت بطيء للنظام الذي يحمي الخرطوم، وما جاورها من أخطار التلوث والغازات السامة التي تخنق رئة المنطقة الحيوية التي يسكنها ملايين المواطنين.


«القبول المجتمعي» يعرقل عمليات التبرع بأعضاء المتوفين في مصر

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«القبول المجتمعي» يعرقل عمليات التبرع بأعضاء المتوفين في مصر

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)

في وقت دعم فيه مشاهير مقترحاً برلمانياً مصرياً بشأن تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، تحدث مسؤول حكومي عن أن «القبول المجتمعي» هو إحدى الإشكاليات الكبرى التي تعرقل التبرع بأعضاء المتوفين.

وما زالت أصداء المقترح الذي تقدمت به عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، ودعت فيه إلى «تيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة»، تتواصل وسط انقسام بين مؤيد ومعارض، خصوصاً بعد عودة التباينات حول «التبرع بالأعضاء كاملة» للمشهد.

ورغم صدور تشريع مصري ينظم «زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً فإنه «معطل» بحسب مراقبين.

وطفا مصطلح «القبول المجتمعي» على الواجهة خلال الساعات الماضية، بعدما قال متحدث وزارة الصحة المصرية، الدكتور حسام عبد الغفار، إن «القبول المجتمعي هو إحدى الإشكاليات الكبرى أمام التبرع بالأعضاء». وأضاف في تصريحات متلفزة، مساء السبت، أنه «حتى الآن لم يتم تنفيذ أي حالة تبرع لنقل عضو من شخص متوفى إلى شخص حي».

وأشار إلى أن «القانون الصادر سنة 2010 يبيح نقل الأعضاء من المتوفين إذا ثبتت الوفاة طبياً، وبشرط الموافقة الموثقة».

كما لفت متحدث باسم وزارة الصحة إلى أن «الوزارة تعمل منذ أكثر من عامين على تطوير منظومة متكاملة تشمل مدينة النيل الطبية التي ستضم أكبر مركز لزراعة الأعضاء».

أيضاً الإعلامي المصري، عمرو أديب تحدث عن فكرة «القبول المجتمعي»، حيث قال في برنامجه «الحكاية» على قناة «إم بي سي مصر»، مساء السبت، إن «الشعب المصري لم يتقبل حتى الآن فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، رغم وجود قانون ينظم ذلك».

وأوضح أن «المواطن المصري غير مستوعب لفكرة أن يتبرع بأعضائه»، مؤكداً أنه «حتى الآن لم يُسجل أي مواطن موافقة صريحة على التبرع بأعضائه بعد الوفاة، وأن الكلام يبدو رومانسياً؛ لكن الواقع مختلف تماماً».

وبحسب أديب فإن «المصريين يتحدثون بسهولة عن التبرع في الكلام العام، لكنهم يتراجعون عند الجد»، لافتاً إلى أن «المجتمع تجاوز مرحلة الجدل الديني، لكن العائق الرئيسي يبقى نفسياً وثقافياً»، مشدداً على أن «الفهم الحقيقي يحتاج إلى وقت وتوعية مكثفة».

أستاذة علم النفس السياسي بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية»، الدكتورة سوسن فايد، ترى أن «القبول المجتمعي» لـ«التبرع بالأعضاء» مرتبط بثقافة المصريين؛ لأنها قضية تتعلق بالوفاة، وهو أمر لدى البعض «الحديث فيه مكروه»، و«يجب عدم الاقتراب من جثمان المتوفى وأخذ أجزاء منه»، كما أنه مرتبط أيضاً باستعداد كل شخص وقدرته على التبرع وشعور أهله بالرضا.

ودعت إلى «العمل على تدشين مشروع ثقافي يوضح للناس أن التبرع بالأعضاء لن يؤثر في المتوفى بعد وفاته، بل إنه سوف يحصل على الثواب»، وهنا «الثقافة الدينية ستلعب دوراً كبيراً، بحيث تجعل الأفكار تتغير بالإقناع».

مواطنون مصريون في منطقة العتبة بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتضيف فايد لـ«الشرق الأوسط»، أن «التبرع بالأعضاء من المسائل التي لم يتم التطرق لها بشكل جيد، حتى يحدث تغيير ثقافي حول القضية». وتفسر: «يتم ذلك عبر مناقشة أبعاد الموضوع لتوسيع الفكر، وقد يتحول شخص رافض له إلى قبوله، وهذا يحتاج إلى جهود وتحركات على الأرض مع الناس وليس على السوشيال ميديا».

وكانت دار الإفتاء المصرية قد حسمت الجدل الفقهي مراراً في وقت سابق، مؤكدة أن «التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة جائز شرعاً، إذا توافرت الضرورة الطبية، والتزم النقل بالضوابط الشرعية والقانونية، وبعيداً عن أي صورة من صور التجارة أو الاستغلال».

أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «القبول المجتمعي حول التبرع بالأعضاء يتوقف على الأسرة والإنسان نفسه، فهناك من يرفض التبرع، وآخر يرحب به ويقبله، لكن ليس هناك توجه موحد يتحدث عن أن التبرع أمر مفيد؛ لأن الفكرة ببساطة هي أن إنساناً يموت وآخر يحتاج إلى عضو يجعله يعيش بشكل أفضل».

وتوضح أننا «لم نتعامل مع قضية التبرع بالأعضاء بشكل ديني واجتماعي كبيرين؛ لذا سنجد من يحرمه أو يؤيده، ولا بد من محاولة تقريب الأفكار في الأمر عبر النقاش، وهذا لم يحدث، فقط ما يحدث هو أن البعض يعلن نيته في التبرع، ويوصى بها، والآخر يرفض ويعترض؛ لذا تحدث البلبلة من وقت لآخر».

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)

ودعت خضر إلى «مناقشة القضية بطريقة هادئة أو كحوار مجتمعي بين الأطباء وعلماء الدين الإسلامي والمسيحي ومختصين على مستوى عالٍ في الحوار، عبر طرح وجهتي النظر، وقد نصل وقتها إلى القبول المجتمعي للأمر».

وتشير إلى أنه «يجب حصول توافق ديني ومجتمعي وطبي حول جدوى التبرع، وأنه ممكن أن يسعد شخصاً يعاني»، موضحة أن «التبرع بالأعضاء أمر إنساني مهم، لكننا لم نستطع أن ندخله في دائرة العواطف الإنسانية».

في سياق ذلك، دعم مشاهير مقترح «التبرع بالجلد» وكذا الأعضاء بعد الوفاة، بينما يتواصل الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي بين انتقاد «التبرع بالأعضاء» وقبوله بوصفه «سوف ينقذ مرضى».

دعوات للعمل على تدشين مشروع ثقافي يؤصل لـ«التبرع بالأعضاء» (الشرق الأوسط)

وأعلن الإعلامي المصري، أحمد سالم، عبر حسابه على «فسيبوك» استعداده للتبرع بأعضائه بعد وفاته، وقالت الإعلامية والفنانة المصرية، منى عبد الغني، خلال برنامجها إنها «قررت التبرع بأعضائها بعد الوفاة». وكان عدد من الفنانين قد أعلنوا في وقت سابق موافقتهم على التبرع بأعضائهم، من بينهم إلهام شاهين.

كما استغل جراح القلب العالمي، الدكتور مجدي يعقوب، ظهوره في برنامج متلفز، الشهر الحالي، ليدعو إلى «الإسراع بتفعيل وتقنين منظومة زراعة الأعضاء».

وشدد حينها على أن «الخوف السائد من التبرع بعد الوفاة يعود بالأساس إلى هواجس شعبية عن الاتجار بالأعضاء، رغم وجود ضمانات قانونية وطبية صارمة تحول دون أي تلاعب»، مطالباً بضرورة «موافقة المجتمع نفسه بوصفه الطرف المتبرع وصاحب القرار وصاحب المخاوف أيضاً».