لعبة «قط وفأر»... الضربات الأميركية تربك مراقبة المنشآت الإيرانية

تفتيش غائب... ومخزونات اليورانيوم مفقودة

صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
TT

لعبة «قط وفأر»... الضربات الأميركية تربك مراقبة المنشآت الإيرانية

صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)

تسبَّب القصف الأميركي والإسرائيلي للمواقع النووية الإيرانية في معضلة بالنسبة لمفتشي الأمم المتحدة في إيران، تتعلق بكيفية معرفة ما إذا كانت مخزونات اليورانيوم المخصّب، وبعضها قريب من درجة النقاء اللازمة لصنع الأسلحة النووية، قد دُفنت تحت الأنقاض أم تم إخفاؤها في مكان سري.

وبعد هجمات الأسبوع الماضي على 3 من أهم المواقع النووية الإيرانية، في «فوردو» و«نطنز» و«أصفهان»، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه «تم محو» المنشآت باستخدام الذخائر الأميركية، بما في ذلك قنابل خارقة للتحصينات.

لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تراقب برنامج طهران النووي، قالت إنه لم تتضح بعد الأضرار التي لحقت بمنشأة «فوردو»، وهي منشأة في أعماق جبل تنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب.

وقال المدير العام للوكالة، التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، الاثنين، إن من المرجح للغاية أن تكون أجهزة الطرد المركزي الحساسة المستخدَمة في تخصيب اليورانيوم داخل «فوردو» قد تضررت بشدة. لكن هناك غموضاً أكبر بكثير حول ما إذا كان قد تم تدمير 9 أطنان من اليورانيوم المخصّب في إيران، من بينها أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب إلى درجة نقاء قريبة من الدرجة اللازمة لصنع الأسلحة.

غروسي يصل إلى قصر الإليزيه في باريس... الأربعاء (أ.ف.ب)

وتسعى حكومات الغرب جاهدةً لتحديد ما حدث لهذا اليورانيوم. وقال أكثر من 10 مسؤولين حاليين وسابقين مشاركين في جهود كبح البرنامج النووي الإيراني، لوكالة «رويترز» إن الهجمات ربما وفَّرت الغطاء المثالي لإيران لإخفاء مخزونها من اليورانيوم، ومن المرجح أن يكون أي تحقيق وبحث تجريه «الوكالة الذرية» شاقاً، ويستلزم وقتاً طويلاً.

وقال أولي هاينونن، الذي كان كبير مفتشي الوكالة في الفترة من 2005 إلى 2010، إن البحث سيتضمَّن على الأرجح عمليةً معقدةً لاستعادة المواد من المباني المتضررة، بالإضافة إلى البحث الجنائي وأخذ العينات البيئية، وهو ما يستغرق وقتا طويلاً.

وقال هاينونن، الذي تعامَل على نطاق واسع مع إيران في أثناء عمله مفتشاً، ويعمل الآن في مركز «ستيمسون للأبحاث» في واشنطن: «قد تكون هناك مواد لا يمكن الوصول إليها، أو متناثرة تحت الأنقاض أو فُقدت في أثناء القصف».

ملصق لمنشأة «فوردو» لتخصيب الوقود يُعرض عقب مؤتمر صحافي لوزير الدفاع ورئيس الأركان في البنتاغون (أ.ف.ب)

ووفقاً لمقياس «الوكالة الذرية» فإن الكمية التي تزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهي درجة قريبة من نسبة النقاء 90 في المائة تقريباً اللازمة لصنع الأسلحة، تكفي إذا ما تم تخصيبها بدرجة أكبر لصنع 9 أسلحة نووية.

وحتى لو تبقى جزء بسيط من هذه الكمية دون معرفة مصيره، فسيكون مصدر قلق كبير للقوى الغربية، التي تعتقد أن إيران تبقي على الأقل خيار صنع الأسلحة النووية مطروحاً.

وهناك مؤشرات على أن إيران ربما نقلت بعضاً من اليورانيوم المخصّب قبل أن يتعرَّض للهجمات.

وقال غروسي إن إيران أبلغته في 13 يونيو (حزيران)، وهو أول يوم من الهجمات الإسرائيلية، أنها ستتخذ إجراءات لحماية معداتها وموادها النووية. ورغم أن إيران لم تفصح عن مزيد من التفاصيل، فإنه قال إن ذلك ربما يشير إلى النقل.

وقال دبلوماسي غربي مطلع على ملف إيران النووي، بعد أن طلب عدم ذكر اسمه؛ بسبب حساسية الأمر، إن أغلب اليورانيوم المخصّب في «فوردو» سيتكشف فيما بعد أنه نُقل قبل أيام من الهجمات الأشد «كما لو أنهم علموا تماماً أنها ستحدث».

وقال بعض الخبراء إن صفاً من المركبات، ومن بينها شاحنات، ظهرت في صور بالأقمار الاصطناعية خارج موقع «فوردو» قبل ضربه، بما يشير إلى نقل اليورانيوم المخصّب إلى مكان آخر. لكن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قال، يوم الخميس، إنه ليس على علم بأي معلومات مخابراتية تشير إلى أن إيران نقلته.

وزير الدفاع الأميركي ورئيس الأركان لسلاح الجو خلال مؤتمر صحافي أمس حول الضربات الأخيرة للمنشآت النووية الإيرانية (أ.ف.ب)

واستبعد ترمب أيضاً مثل تلك المخاوف. وفي مقابلة من المقرر نشرها اليوم (الأحد) مع برنامج على قناة «فوكس نيوز»، أصرَّ على أن الإيرانيين «لم ينقلوا أي شيء». وقال: «هذا أمر خطير للغاية لتنفيذه. إنه ثقيل جداً... ثقيل جداً جداً. من الصعب جداً تنفيذ هذا الأمر... إضافة إلى ذلك، لم نلمح بشكل كبير؛ لأنهم لم يعلموا أننا قادمون إلا عندما نفَّذنا كما تعلم».

وقال أحد الدبلوماسيين الغربيين إن التحقق من وضع مخزون اليورانيوم سيُشكِّل تحدياً كبيراً بالنظر إلى القائمة الطويلة من الخلافات بين «الوكالة الذرية» وطهران، بما شمل عدم تقديم إيران تفسيراً له مصداقية لآثار اليورانيوم التي عُثر عليها في مواقع غير معلنة. وتابع قائلاً: «ستكون لعبة قط وفأر». وتقول إيران إنها تفي بكل التزاماتها أمام الوكالة.

صورة ضبابية

قبل أن تشنَّ إسرائيل حملتها العسكرية التي دامت 12 يوماً بهدف تدمير قدرات إيران النووية والصاروخية، كانت «الوكالة الذرية» تتمتع بإمكانية الوصول بانتظام إلى مواقع تخصيب اليورانيوم الإيرانية، وتراقب الأنشطة داخلها على مدار الساعة، إذ إن طهران موقعة على معاهدة «حظر الانتشار النووي»، التي تضم 191 دولة. لكن الآن، جعلت الأنقاض والرماد الصورة ضبابية.

علاوة على ذلك، هدَّدت إيران بوقف العمل مع الوكالة. ووافق البرلمان الإيراني، يوم الأربعاء الماضي، على تعليق التعاون مع الهيئة التابعة للأمم المتحدة، مدفوعاً بالغضب من عدم قدرة نظام حظر الانتشار النووي على حماية البلاد من الضربات التي تعدّها دول كثيرة غير قانونية.

ملصق يعرض تفاصيل ترتبط بمنشأة «فوردو» لتخصيب الوقود في إيران (رويترز)

وتقول طهران إن قراراً صدر هذا الشهر عن مجلس محافظي الوكالة، المؤلف من 35 دولة، قال إن إيران انتهكت التزاماتها المتعلقة بحظر الانتشار، مهَّد الطريق لهجمات إسرائيل من خلال توفير غطاء دبلوماسي، وهو ما نفته الوكالة.

وبدأت هجمات إسرائيل في اليوم التالي من صدور القرار. ونفت إيران مراراً امتلاكها برنامجاً نشطاً لتطوير قنبلة نووية. وخلصت المخابرات الأميركية إلى أنه «لا دليل على أن طهران تتخذ خطوات نحو تطوير مثل تلك الأسلحة»، في تقرير رفضه ترمب قبل شنّ الغارات الجوية.

مع هذا، يقول الخبراء إنه لا يوجد مبرر لتخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60 في المائة لبرنامج نووي مدني، الذي يمكن تشغيله بتخصيب اليورانيوم عند درجة أقل من 5 في المائة.

بصفتها طرفاً في معاهدة «حظر الانتشار النووي»، يتعين على إيران تقديم تقارير بمخزونها من اليورانيوم المخصّب. ويتعيَّن على الوكالة بعد ذلك التحقق من تلك التقارير عبر وسائل تشمل عمليات التفتيش. إلا أن صلاحيات الوكالة محدودة، فهي تفتش المنشآت النووية الإيرانية المعلنة، لكنها لا تستطيع إجراء عمليات تفتيش مفاجئة في مواقع غير معلنة.

وتقول الوكالة إن إيران لديها عدد غير معروف من أجهزة الطرد المركزي الإضافية المخزنة في مواقع لا تعلم بها، وهي أجهزة يمكن بها إنشاء موقع تخصيب جديد أو سري.

وهذا يجعل تعقب المواد التي يمكن تخصيبها لدرجة نقاء أكبر، خصوصاً تلك الأقرب إلى درجة صنع القنبلة، له أهمية كبيرة.

وكتبت كيلسي دافنبورت من «جمعية الحد من الأسلحة» ومقرها واشنطن على منصة «إكس»، يوم الجمعة: «ربما لم يكن مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المائة جزءاً من (المهمة)، لكنه يشكل جزءاً كبيراً من خطر الانتشار، لا سيما إذا لم يُكشف عن مصير أجهزة الطرد المركزي».

يمكن للوكالة تلقي معلومات مخابراتية من الدول الأعضاء، ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تتلقاها بالفعل. غير أنها تقول إنها لا تأخذ المعلومات على نحو مُسلَّم به، وتتحقق بشكل مستقل منها.

وبعد قصف مواقع تخصيب اليورانيوم، يعتقد مسؤولون أن إسرائيل والولايات المتحدة هما الدولتان الأكثر احتمالاً لاتهام إيران بإخفاء اليورانيوم أو استئناف تخصيبه.

ولم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لطلب للتعليق على هذه القصة.

مطاردة الأشباح

أظهر بحث مفتشي الأمم المتحدة دون جدوى عن مخابئ كبيرة لأسلحة الدمار الشامل في العراق، والذي سبق الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، الصعوبةَ الهائلةَ في التحقق من ادعاءات القوى الأجنبية بشأن مخزونات المواد المخفية، في ظل قلة المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها.

وكما هي الحال في العراق، ربما ينتهي الأمر بالمفتشين إلى مطاردة الأشباح.

قال أحد الدبلوماسيين الغربيين لـ«رويترز»: «إذا كشف الإيرانيون (عن مكان) وجود 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، فستكون المشكلة قابلة للحل. ولكن إذا لم يفعلوا ذلك، فلن يتأكد أحد أبداً مما حدث لها».

وقالت «الوكالة الذرية»، التي تمثل 180 من الدول الأعضاء، إنها لا تستطيع ضمان أن يكون التطوير النووي الإيراني سلمياً تماماً، لكنها لا تملك أي مؤشرات موثوقة على وجود برنامج أسلحة منسق.

ودعمت الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية أعمال التحقق والمراقبة التي تنفِّذها الوكالة، وحثت طهران على ضمان سلامة مفتشيها في البلاد.

وستكون مهمة حصر كل غرام من اليورانيوم المخصّب، وهو المعيار الذي تعتمده «الوكالة الذرية»، طويلةً وشاقةً.

قالت الوكالة إن منشأة «نطنز»، المقامة فوق الأرض وهي الأصغر من بين المنشأتين اللتين تخصّبان اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 في المائة، جرت تسويتها بالأرض خلال القصف، مما يشير إلى احتمال التخلص من جزء صغير من مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب.

وتعرَّضت منشأة تخصيب اليورانيوم الإيرانية «فوردو» لقصف عنيف، مطلع الأسبوع الماضي، عندما أسقطت الولايات المتحدة أكبر قنابلها التقليدية عليها، وهي منشأة مقامة في عمق جبل كانت تنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المائة. ولا تزال الأضرار التي لحقت بأقسامها تحت الأرض غير واضحة.

كما قُصفت منطقة تحت الأرض في أصفهان، كان يُخزَّن بها معظم اليورانيوم الإيراني الأعلى تخصيبً؛ مما تسبب في أضرار بمداخل الأنفاق المؤدية إليها.

ولم يتسنَّ لـ«الوكالة الذرية» إجراء عمليات تفتيش منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على إيران، وهو ما يجعل الوضع هناك ضبابياً.

وقال غروسي، يوم الأربعاء، إن الظروف في المواقع التي تعرَّضت للقصف ستجعل عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية هناك صعباً، مشيراً إلى أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت. وقال: «توجد أنقاض، وقد تكون هناك ذخائر غير منفجرة».

وقال هاينونن، كبير مفتشي الوكالة السابق، «من الضروري أن تتحلى الوكالة بالشفافية، وأن تعرض على الفور ما يتمكَّن مفتشوها من التحقق منه بشكل مستقل، بما في ذلك أي شكوك وما بقي مجهولاً». وأضاف: «يمكن للدول الأعضاء بعد ذلك إجراء تقييمات المخاطر الخاصة بها».


مقالات ذات صلة

إسرائيل لضرب وكلاء إيران قبل إشراكهم في الحرب

شؤون إقليمية جنديان إسرائيليان يطلقان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي)

إسرائيل لضرب وكلاء إيران قبل إشراكهم في الحرب

قالت مصادر عسكرية إسرائيلية إن الجيش الإسرائيلي يستعد لتوجيه ضربات «ضخمة وغير مسبوقة» إلى جماعات مدعومة من إيران.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو: إيران ستواجه رداً «لا يمكنها تصوره» إن هاجمت إسرائيل

حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، من أن بلاده سترد بقوة على إيران إن هاجمتها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في بحر العرب (رويترز)

تدفق عسكري إلى الشرق الأوسط... وترمب يمهل 10 أيام

رغم إبلاغ كبار مسؤولي الأمن القومي الرئيس دونالد ترمب بأن الجيش الأميركي بات «جاهزاً» لتنفيذ ضربات محتملة، فإن القرار النهائي لا يزال قيد المراجعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية فنيون يجرون فحوصات وقائية لطائرة التزود بالوقود جواً «بوينغ كيه سي -135» في قاعدة بالشرق الأوسط (سنتكوم)

إيران أمام أسبوعين حاسمين

تُواجه إيران مهلة أسبوعين، وُصفت بالحاسمة، لتقديم مقترحات مكتوبة ومفصلة بشأن برنامجها النووي، وسط تحذيرات أميركية من أن فشل المسار الدبلوماسي قد يفتح الباب.

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي بلانت لبز تظهر الجهود الجارية لتقوية وتدعيم مدخلي نفقين في منشأة تقع في مجمع بالقرب من نطنز (رويترز)

إيران تُحصن مواقع حساسة وسط توترات مع أميركا

تُظهر صور أقمار اصطناعية أن إيران شيدت مؤخراً درعاً خرسانياً فوق منشأة جديدة في موقع عسكري حساس وأخفته بالتربة، وفق ما أفاد به خبراء.

«الشرق الأوسط» (لندن_طهران)

هل يقبل ترمب بـ«تخصيب رمزي» في إيران؟

ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي ويظهر أمامه مجسم من قاذفات «بي 2» (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي ويظهر أمامه مجسم من قاذفات «بي 2» (أ.ف.ب)
TT

هل يقبل ترمب بـ«تخصيب رمزي» في إيران؟

ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي ويظهر أمامه مجسم من قاذفات «بي 2» (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي ويظهر أمامه مجسم من قاذفات «بي 2» (أ.ف.ب)

أفاد موقع «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة، بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تدرس احتمال قبول صيغة تسمح لإيران بـ«تخصيب رمزي محدود» داخل أراضيها، شرط أن تتضمن ضمانات تقنية مفصلة تثبت عدم وجود أي مسار نحو امتلاك سلاح نووي.

وأشار الموقع إلى «احتمال وجود هامش، ولو ضيقاً، بين الخطوط الحمراء التي وضعتها الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق يقيّد القدرات النووية الإيرانية، ويمنع اندلاع حرب». وذكر المسؤول أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر ترمب، جاريد كوشنر، أبلغا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن موقف ترمب هو «صفر تخصيب» على الأراضي الإيرانية. لكنه أضاف أنه إذا تضمن المقترح «تخصيباً محدوداً رمزياً»، وقدم الإيرانيون أدلة مفصلة تثبت أنه لا يشكل تهديداً، فستدرس واشنطن ذلك.

وأشار مسؤول آخر إلى أن ترمب يفضل المسار الدبلوماسي، مؤكداً ضرورة توصل طهران إلى اتفاق قبل فوات الأوان، مشدداً على منعها من امتلاك سلاح نووي أو القدرة على تخصيب اليورانيوم.

بزشكيان: «لن ننحني»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

وفي الأثناء، قال ​الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يوم السبت، إن بلاده ‌لن «‌تحني ​رأسها» ‌أمام ⁠ضغوط ​القوى العالمية، وذلك ⁠في ظل محادثات نووية مع ⁠الولايات المتحدة. وأضاف ‌بزشكيان، ‌في ​كلمة ‌بثها ‌التلفزيون الرسمي الإيراني: «القوى العالمية تصطف ‌لإجبارنا على أن نحني رؤوسنا... ⁠لكننا ⁠لن نحني رؤوسنا رغم كل المشكلات التي يخلقونها لنا».

غير أن مسؤولاً أميركياً رفيع المستوى قال إن سقف التوقعات مرتفع للغاية، وإن أي مقترح إيراني يجب أن يكون «جوهرياً» وقابلاً للتسويق سياسياً داخل الولايات المتحدة، محذراً من أن صبر واشنطن لن يكون طويلاً إذا لجأت طهران إلى المماطلة.

وبحسب مصادر مطلعة، عُرضت على ترمب حزمة واسعة من الخيارات العسكرية، من بينها سيناريوهات تستهدف القيادة العليا في إيران، بما يشمل المرشد ونجله، ضمن خطط قال أحد كبار مستشاريه إنها «تتضمن خياراً لكل سيناريو».

وأكد مصدر ثانٍ أن خطة لاستهداف المرشد ونجله طرحت قبل أسابيع ضمن النقاشات الداخلية. ومع ذلك، أشار مستشار بارز إلى أن الرئيس الأميركي لم يحسم قراره بعد، وأنه قد يتخذ قراراً بالتحرك أو التراجع في أي وقت.

«صفر تخصيب»

صورة عامة لمفاعل بوشهر النووي الإيراني (رويترز - أرشيفية)

وفي المقابل، شدد مسؤول أميركي على أن الموقف المعلن لترمب هو «صفر تخصيب» على الأراضي الإيرانية، لكنه أوضح أن واشنطن ستدرس أي عرض يتضمن تخصيباً رمزياً محدوداً إذا قدّمت طهران إثباتات تقنية تفصيلية تؤكد عدم وجود تهديد.

وأضاف مصدر مطلع على المحادثات أن وسطاء إقليميين أبلغوا الطرفين بأن أي اتفاق يجب أن يتيح لكل جانب إعلان «انتصار سياسي»، وأن يكون مقبولاً على المستوى الإقليمي.

وأكد مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة ستنتظر المقترح الإيراني المكتوب قبل اتخاذ قرار بشأن الخطوات التالية، قائلاً إن «الكرة في ملعبهم».

ونقلت شبكة «سي بي إس نيوز» عن مسؤولین أمیرکیین، يوم الأربعاء، أن إيران طرحت خلال المحادثات فكرة تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة محددة قد تتراوح بين عام وثلاثة أعوام أو خمسة أعوام، فيما قال البعض إن هذه الفترة تغطي ما تبقى من سنوات ترمب في البيت الأبيض.

من جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الجمعة، إن الولايات المتحدة لم تطالب بوقف ​تخصيب اليورانيوم نهائياً خلال المحادثات النووية التي جرت في جنيف مؤخراً، ولم تعرض إيران تعليقه. وأردف يقول في مقابلة مع قناة «إم. إس ناو» الإخبارية: «لم نعرض أي تعليق لتخصيب اليورانيوم، ولم تطلب الولايات ‌المتحدة وقف ‌التخصيب نهائياً». وأضاف: «ما نتحدث ​عنه ‌الآن ⁠هو ​كيفية ضمان ⁠أن يكون برنامج إيران النووي، ومن بينه التخصيب، سلمياً وأن يظل سلمياً إلى الأبد».

مقترح مضاد

عراقجي والوفد التفاوضي لدى وصولهم إلى مقر المحادثات بمسقط في 6 فبراير(الخارجية الإيرانية)

وقال عراقجي إنه يتوقع إعداد مسودة مقترح مضاد خلال أيام عقب محادثات نووية مع الولايات المتحدة، وذلك في الوقت الذي أشار فيه الرئيس ترمب إلى أنه يدرس شن هجمات عسكرية محدودة. وقال مسؤولان ​أميركيان لـ«رويترز» إن تخطيط الجيش الأميركي بشأن إيران وصل إلى مرحلة متقدمة مع وجود خيارات تتضمن استهداف أفراد في إطار هجوم، بل والسعي إلى تغيير النظام في طهران إذا أمر ترمب بذلك.

وكان عراقجي قال، في أعقاب مناقشات غير مباشرة في جنيف، يوم الثلاثاء، مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر ترمب، إن الجانبين توصلا إلى تفاهم بشأن «المبادئ التوجيهية» الرئيسية، لكن هذا لا يعني أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكاً.

وذكر عراقجي أن مقترحه المضاد قد يكون جاهزاً خلال اليومين أو الأيام الثلاثة المقبلة ليراجعها كبار المسؤولين الإيرانيين، مع احتمال إجراء مزيد من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في غضون أسبوع أو نحوه. وأضاف أن الخيار العسكري ⁠لن يؤدي إلا إلى تعقيد الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق.


بزشكيان: إيران لن تحني رأسها أمام ضغوط القوى العالمية

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
TT

بزشكيان: إيران لن تحني رأسها أمام ضغوط القوى العالمية

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

قال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، السبت، إن بلاده لن «تحني رأسها» أمام ضغوط القوى العالمية، وذلك في ظل محادثات نووية مع الولايات المتحدة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف بزشكيان، في كلمة بثها التلفزيون الرسمي الإيراني: «القوى العالمية تصطف لإجبارنا على أن نحني رؤوسنا... لكننا لن نحني رؤوسنا رغم كل المشكلات التي يخلقونها لنا».

وأمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إيران 15 يوماً حدّاً أقصى لإبرام «صفقة مجدية» في المباحثات الجارية بين الطرفين أو مواجهة «أمور سيئة»، فيما دافعت طهران مجدداً عن حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفيما يتواصل الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن بلاده الحليفة لواشنطن سترد بقوة على طهران إن هاجمتها.

واستأنفت الولايات المتحدة وإيران مباحثاتهما غير المباشرة بوساطة من عُمان في السادس من فبراير (شباط). وعقدتا جولة ثانية في جنيف، الثلاثاء، أعلنتا بعدها عزمهما على مواصلتها.

وفيما كشفت إيران، الأربعاء، عن أنها تُعدّ مسودة إطار عمل لدفع هذه المفاوضات قدماً، واصلت الولايات المتحدة في لهجتها التحذيرية قائلة إن هناك «أسباباً عدة» لتوجيه ضربة لطهران.

وعدّ ترمب أنه «ثبت على مر السنين أنه ليس من السهل التوصل إلى صفقة مجدية مع إيران. علينا أن نتوصل إلى صفقة مجدية وإلا فستحدث أمور سيئة».

وأضاف: «علينا ربما الذهاب خطوة أبعد، أو ربما لا، أو ربما نبرم اتفاقاً. ستكتشفون ذلك على الأرجح خلال الأيام العشرة المقبلة». وفي وقت لاحق، تحدث ترمب للصحافيين عن مهلة قصوى هي «10 - 15 يوماً».


عراقجي رداً على ترمب: مَن يشكك في بياناتنا فليقدم الأدلة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الأمم المتحدة (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الأمم المتحدة (رويترز)
TT

عراقجي رداً على ترمب: مَن يشكك في بياناتنا فليقدم الأدلة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الأمم المتحدة (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الأمم المتحدة (رويترز)

طالب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتقديم «أدلة» على ما أعلنه بشأن مقتل 32 ألف شخص في احتجاجات يناير التي هزّت إيران.

كان ترمب قد قال أمس، للمرة الأولى، إن 32 ألف شخص قُتلوا في إيران خلال فترة زمنية قصيرة.

وقال عراقجي بنبرة تحدٍّ، في منشور على منصة «إكس»، إنه «إذا كان لدى أي شخص شك في صحة بياناتنا، فليتحدث بتقديم أدلة».

وكتب عراقجي أن الحكومة الإيرانية «نشرت سابقاً، في إطار التزامها بالشفافية الكاملة أمام الشعب، قائمة شاملة بأسماء جميع الضحايا وعددهم 3117»، ممن وصفهم بـ«ضحايا العملية الإرهابية الأخيرة». وأضاف أن نحو 200 من الأسماء الواردة في القائمة تعود إلى عناصر من قوات الشرطة والأجهزة الأمنية.

جاءت هذه التصريحات في وقت أثار فيه الرقم الرسمي، وهو 3117 قتيلاً، ردود فعل واسعة وغالباً انتقادية على منصات التواصل الاجتماعي داخل إيران. ووصف عدد من المنتقدين والمعارضين للجمهورية الإسلامية هذا الرقم بأنه «رقم سحري» أو «رقم متكرر»، مشيرين إلى أنه سبق أن تكرر في مناسبات مختلفة، بينها إحصاءات رسمية متعلقة بإصابات كورونا وحالات تسمم كحولي.

في المقابل، أعادت وسائل إعلام مقربة من الحكومة، مثل «إيسنا» الحكومية و«تسنيم» الرسمية، نشر منشور عراقجي بوصفه رداً «حازماً وشفافاً» على ما وصفتها بـ«ادعاءات خارجية مبالغ فيها».

وقالت وكالة «إرنا» الرسمية تعليقاً على منشور عراقجي بأن مكتب رئاسة الجمهورية كان قد أصدر بياناً، «بناءً على سياسة الشفافية والمساءلة، وبإيعاز من الرئيس بزشكيان»، تضمن قائمة بأسماء 2986 من ضحايا «الأحداث الأخيرة»، بعد تجميع الأسماء التي أعدّتها منظمة الطب الشرعي ومطابقتها مع بيانات منظمة تسجيل الأحوال المدنية، ونشر بيانات المتوفين.

وقال مكتب الرئاسة الإيرانية، في بيان صدر بشأن أحداث الثامن والتاسع من يناير (كانون الثاني)، إن «جميع ضحايا هذه الأحداث والاضطرابات الأخيرة هم أبناء هذا الوطن، ولا ينبغي ترك أي ثكلى في صمت أو من دون دعم».

وأضاف البيان أن من وصفهم بـ«أعداء الوطن ومغرضيه التاريخيين» يتعاملون مع أرواح الناس على أنها «أرقام وحسابات» ويسعون، حسب تعبيره، إلى «تحقيق مكاسب سياسية من خلال زيادتها وتضخيمها»، مؤكداً أن الحكومة ترى أن ضحايا الأحداث «ليسوا مجرد أرقام، بل يمثل كل واحد منهم عالماً من الروابط والعلاقات».

وتابع البيان أن «كل إيراني يمثل إيران بأكملها»، معتبراً أن الرئيس «يعدّ نفسه حامياً لحقوقهم وفق واجبه الأخلاقي والعهد الذي قطعه مع الشعب»، وفق ما ورد في نص البيان.

وأكدت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) ومقرها الولايات المتحدة، حتى الآن هوية أكثر من 7000 شخص قُتلوا في حملة القمع من السلطات الإيرانية على الاحتجاجات المناهضة للحكومة الناجمة عن الظروف الاقتصادية الصعبة.

وتقول الوكالة إنها تواصل التحقق من 11744 حالة وفاة، مشيرةً إلى أن عدد المعتقلين يتخطى 52 ألفاً.