لعبة «قط وفأر»... الضربات الأميركية تربك مراقبة المنشآت الإيرانية

تفتيش غائب... ومخزونات اليورانيوم مفقودة

صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
TT

لعبة «قط وفأر»... الضربات الأميركية تربك مراقبة المنشآت الإيرانية

صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)

تسبَّب القصف الأميركي والإسرائيلي للمواقع النووية الإيرانية في معضلة بالنسبة لمفتشي الأمم المتحدة في إيران، تتعلق بكيفية معرفة ما إذا كانت مخزونات اليورانيوم المخصّب، وبعضها قريب من درجة النقاء اللازمة لصنع الأسلحة النووية، قد دُفنت تحت الأنقاض أم تم إخفاؤها في مكان سري.

وبعد هجمات الأسبوع الماضي على 3 من أهم المواقع النووية الإيرانية، في «فوردو» و«نطنز» و«أصفهان»، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه «تم محو» المنشآت باستخدام الذخائر الأميركية، بما في ذلك قنابل خارقة للتحصينات.

لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تراقب برنامج طهران النووي، قالت إنه لم تتضح بعد الأضرار التي لحقت بمنشأة «فوردو»، وهي منشأة في أعماق جبل تنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب.

وقال المدير العام للوكالة، التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، الاثنين، إن من المرجح للغاية أن تكون أجهزة الطرد المركزي الحساسة المستخدَمة في تخصيب اليورانيوم داخل «فوردو» قد تضررت بشدة. لكن هناك غموضاً أكبر بكثير حول ما إذا كان قد تم تدمير 9 أطنان من اليورانيوم المخصّب في إيران، من بينها أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب إلى درجة نقاء قريبة من الدرجة اللازمة لصنع الأسلحة.

غروسي يصل إلى قصر الإليزيه في باريس... الأربعاء (أ.ف.ب)

وتسعى حكومات الغرب جاهدةً لتحديد ما حدث لهذا اليورانيوم. وقال أكثر من 10 مسؤولين حاليين وسابقين مشاركين في جهود كبح البرنامج النووي الإيراني، لوكالة «رويترز» إن الهجمات ربما وفَّرت الغطاء المثالي لإيران لإخفاء مخزونها من اليورانيوم، ومن المرجح أن يكون أي تحقيق وبحث تجريه «الوكالة الذرية» شاقاً، ويستلزم وقتاً طويلاً.

وقال أولي هاينونن، الذي كان كبير مفتشي الوكالة في الفترة من 2005 إلى 2010، إن البحث سيتضمَّن على الأرجح عمليةً معقدةً لاستعادة المواد من المباني المتضررة، بالإضافة إلى البحث الجنائي وأخذ العينات البيئية، وهو ما يستغرق وقتا طويلاً.

وقال هاينونن، الذي تعامَل على نطاق واسع مع إيران في أثناء عمله مفتشاً، ويعمل الآن في مركز «ستيمسون للأبحاث» في واشنطن: «قد تكون هناك مواد لا يمكن الوصول إليها، أو متناثرة تحت الأنقاض أو فُقدت في أثناء القصف».

ملصق لمنشأة «فوردو» لتخصيب الوقود يُعرض عقب مؤتمر صحافي لوزير الدفاع ورئيس الأركان في البنتاغون (أ.ف.ب)

ووفقاً لمقياس «الوكالة الذرية» فإن الكمية التي تزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهي درجة قريبة من نسبة النقاء 90 في المائة تقريباً اللازمة لصنع الأسلحة، تكفي إذا ما تم تخصيبها بدرجة أكبر لصنع 9 أسلحة نووية.

وحتى لو تبقى جزء بسيط من هذه الكمية دون معرفة مصيره، فسيكون مصدر قلق كبير للقوى الغربية، التي تعتقد أن إيران تبقي على الأقل خيار صنع الأسلحة النووية مطروحاً.

وهناك مؤشرات على أن إيران ربما نقلت بعضاً من اليورانيوم المخصّب قبل أن يتعرَّض للهجمات.

وقال غروسي إن إيران أبلغته في 13 يونيو (حزيران)، وهو أول يوم من الهجمات الإسرائيلية، أنها ستتخذ إجراءات لحماية معداتها وموادها النووية. ورغم أن إيران لم تفصح عن مزيد من التفاصيل، فإنه قال إن ذلك ربما يشير إلى النقل.

وقال دبلوماسي غربي مطلع على ملف إيران النووي، بعد أن طلب عدم ذكر اسمه؛ بسبب حساسية الأمر، إن أغلب اليورانيوم المخصّب في «فوردو» سيتكشف فيما بعد أنه نُقل قبل أيام من الهجمات الأشد «كما لو أنهم علموا تماماً أنها ستحدث».

وقال بعض الخبراء إن صفاً من المركبات، ومن بينها شاحنات، ظهرت في صور بالأقمار الاصطناعية خارج موقع «فوردو» قبل ضربه، بما يشير إلى نقل اليورانيوم المخصّب إلى مكان آخر. لكن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قال، يوم الخميس، إنه ليس على علم بأي معلومات مخابراتية تشير إلى أن إيران نقلته.

وزير الدفاع الأميركي ورئيس الأركان لسلاح الجو خلال مؤتمر صحافي أمس حول الضربات الأخيرة للمنشآت النووية الإيرانية (أ.ف.ب)

واستبعد ترمب أيضاً مثل تلك المخاوف. وفي مقابلة من المقرر نشرها اليوم (الأحد) مع برنامج على قناة «فوكس نيوز»، أصرَّ على أن الإيرانيين «لم ينقلوا أي شيء». وقال: «هذا أمر خطير للغاية لتنفيذه. إنه ثقيل جداً... ثقيل جداً جداً. من الصعب جداً تنفيذ هذا الأمر... إضافة إلى ذلك، لم نلمح بشكل كبير؛ لأنهم لم يعلموا أننا قادمون إلا عندما نفَّذنا كما تعلم».

وقال أحد الدبلوماسيين الغربيين إن التحقق من وضع مخزون اليورانيوم سيُشكِّل تحدياً كبيراً بالنظر إلى القائمة الطويلة من الخلافات بين «الوكالة الذرية» وطهران، بما شمل عدم تقديم إيران تفسيراً له مصداقية لآثار اليورانيوم التي عُثر عليها في مواقع غير معلنة. وتابع قائلاً: «ستكون لعبة قط وفأر». وتقول إيران إنها تفي بكل التزاماتها أمام الوكالة.

صورة ضبابية

قبل أن تشنَّ إسرائيل حملتها العسكرية التي دامت 12 يوماً بهدف تدمير قدرات إيران النووية والصاروخية، كانت «الوكالة الذرية» تتمتع بإمكانية الوصول بانتظام إلى مواقع تخصيب اليورانيوم الإيرانية، وتراقب الأنشطة داخلها على مدار الساعة، إذ إن طهران موقعة على معاهدة «حظر الانتشار النووي»، التي تضم 191 دولة. لكن الآن، جعلت الأنقاض والرماد الصورة ضبابية.

علاوة على ذلك، هدَّدت إيران بوقف العمل مع الوكالة. ووافق البرلمان الإيراني، يوم الأربعاء الماضي، على تعليق التعاون مع الهيئة التابعة للأمم المتحدة، مدفوعاً بالغضب من عدم قدرة نظام حظر الانتشار النووي على حماية البلاد من الضربات التي تعدّها دول كثيرة غير قانونية.

ملصق يعرض تفاصيل ترتبط بمنشأة «فوردو» لتخصيب الوقود في إيران (رويترز)

وتقول طهران إن قراراً صدر هذا الشهر عن مجلس محافظي الوكالة، المؤلف من 35 دولة، قال إن إيران انتهكت التزاماتها المتعلقة بحظر الانتشار، مهَّد الطريق لهجمات إسرائيل من خلال توفير غطاء دبلوماسي، وهو ما نفته الوكالة.

وبدأت هجمات إسرائيل في اليوم التالي من صدور القرار. ونفت إيران مراراً امتلاكها برنامجاً نشطاً لتطوير قنبلة نووية. وخلصت المخابرات الأميركية إلى أنه «لا دليل على أن طهران تتخذ خطوات نحو تطوير مثل تلك الأسلحة»، في تقرير رفضه ترمب قبل شنّ الغارات الجوية.

مع هذا، يقول الخبراء إنه لا يوجد مبرر لتخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60 في المائة لبرنامج نووي مدني، الذي يمكن تشغيله بتخصيب اليورانيوم عند درجة أقل من 5 في المائة.

بصفتها طرفاً في معاهدة «حظر الانتشار النووي»، يتعين على إيران تقديم تقارير بمخزونها من اليورانيوم المخصّب. ويتعيَّن على الوكالة بعد ذلك التحقق من تلك التقارير عبر وسائل تشمل عمليات التفتيش. إلا أن صلاحيات الوكالة محدودة، فهي تفتش المنشآت النووية الإيرانية المعلنة، لكنها لا تستطيع إجراء عمليات تفتيش مفاجئة في مواقع غير معلنة.

وتقول الوكالة إن إيران لديها عدد غير معروف من أجهزة الطرد المركزي الإضافية المخزنة في مواقع لا تعلم بها، وهي أجهزة يمكن بها إنشاء موقع تخصيب جديد أو سري.

وهذا يجعل تعقب المواد التي يمكن تخصيبها لدرجة نقاء أكبر، خصوصاً تلك الأقرب إلى درجة صنع القنبلة، له أهمية كبيرة.

وكتبت كيلسي دافنبورت من «جمعية الحد من الأسلحة» ومقرها واشنطن على منصة «إكس»، يوم الجمعة: «ربما لم يكن مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المائة جزءاً من (المهمة)، لكنه يشكل جزءاً كبيراً من خطر الانتشار، لا سيما إذا لم يُكشف عن مصير أجهزة الطرد المركزي».

يمكن للوكالة تلقي معلومات مخابراتية من الدول الأعضاء، ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تتلقاها بالفعل. غير أنها تقول إنها لا تأخذ المعلومات على نحو مُسلَّم به، وتتحقق بشكل مستقل منها.

وبعد قصف مواقع تخصيب اليورانيوم، يعتقد مسؤولون أن إسرائيل والولايات المتحدة هما الدولتان الأكثر احتمالاً لاتهام إيران بإخفاء اليورانيوم أو استئناف تخصيبه.

ولم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لطلب للتعليق على هذه القصة.

مطاردة الأشباح

أظهر بحث مفتشي الأمم المتحدة دون جدوى عن مخابئ كبيرة لأسلحة الدمار الشامل في العراق، والذي سبق الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، الصعوبةَ الهائلةَ في التحقق من ادعاءات القوى الأجنبية بشأن مخزونات المواد المخفية، في ظل قلة المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها.

وكما هي الحال في العراق، ربما ينتهي الأمر بالمفتشين إلى مطاردة الأشباح.

قال أحد الدبلوماسيين الغربيين لـ«رويترز»: «إذا كشف الإيرانيون (عن مكان) وجود 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، فستكون المشكلة قابلة للحل. ولكن إذا لم يفعلوا ذلك، فلن يتأكد أحد أبداً مما حدث لها».

وقالت «الوكالة الذرية»، التي تمثل 180 من الدول الأعضاء، إنها لا تستطيع ضمان أن يكون التطوير النووي الإيراني سلمياً تماماً، لكنها لا تملك أي مؤشرات موثوقة على وجود برنامج أسلحة منسق.

ودعمت الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية أعمال التحقق والمراقبة التي تنفِّذها الوكالة، وحثت طهران على ضمان سلامة مفتشيها في البلاد.

وستكون مهمة حصر كل غرام من اليورانيوم المخصّب، وهو المعيار الذي تعتمده «الوكالة الذرية»، طويلةً وشاقةً.

قالت الوكالة إن منشأة «نطنز»، المقامة فوق الأرض وهي الأصغر من بين المنشأتين اللتين تخصّبان اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 في المائة، جرت تسويتها بالأرض خلال القصف، مما يشير إلى احتمال التخلص من جزء صغير من مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب.

وتعرَّضت منشأة تخصيب اليورانيوم الإيرانية «فوردو» لقصف عنيف، مطلع الأسبوع الماضي، عندما أسقطت الولايات المتحدة أكبر قنابلها التقليدية عليها، وهي منشأة مقامة في عمق جبل كانت تنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المائة. ولا تزال الأضرار التي لحقت بأقسامها تحت الأرض غير واضحة.

كما قُصفت منطقة تحت الأرض في أصفهان، كان يُخزَّن بها معظم اليورانيوم الإيراني الأعلى تخصيبً؛ مما تسبب في أضرار بمداخل الأنفاق المؤدية إليها.

ولم يتسنَّ لـ«الوكالة الذرية» إجراء عمليات تفتيش منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على إيران، وهو ما يجعل الوضع هناك ضبابياً.

وقال غروسي، يوم الأربعاء، إن الظروف في المواقع التي تعرَّضت للقصف ستجعل عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية هناك صعباً، مشيراً إلى أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت. وقال: «توجد أنقاض، وقد تكون هناك ذخائر غير منفجرة».

وقال هاينونن، كبير مفتشي الوكالة السابق، «من الضروري أن تتحلى الوكالة بالشفافية، وأن تعرض على الفور ما يتمكَّن مفتشوها من التحقق منه بشكل مستقل، بما في ذلك أي شكوك وما بقي مجهولاً». وأضاف: «يمكن للدول الأعضاء بعد ذلك إجراء تقييمات المخاطر الخاصة بها».


مقالات ذات صلة

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - إرنا)

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

قالت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، إنّه «لا فرق» بالنسبة إلى طهران بشأن من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية...

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض بواشنطن سبتمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

هل تُستأنف الحرب على إيران بعد الانتخابات الأميركية؟

أعد الجيشان الأميركي والإسرائيلي خططاً محددة لشن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر المقبل

جوليان بارنز (واشنطن) إريك شميت (واشنطن) رونين بيرغمان (واشنطن) ناتان أودنهايمر (واشنطن) فرناز فصيح (واشنطن)
شؤون إقليمية نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن «إسقاط النظام» في إيران هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني، مضيفاً أنه أعطى توجيهات بهذا الشأن

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث بمقر وزارة الخارجية الإسرائيلية في 14 أكتوبر (إ.ب.أ)

نتنياهو يلوّح بضربة «استباقية» لإيران دون واشنطن

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعداد بلاده لتنفيذ ضربة استباقية ضد إيران دون مساعدة أميركية، واضعاً إسقاط النظام في طهران ضمن أهدافه.

«الشرق الأوسط» (لندن-تل أبيب-طهران)
شؤون إقليمية بحرية «الحرس الثوري» تهدد السفن الأميركية (فارس)

إيران تعتمد تكتيكات جديدة في مهاجمة سفن هرمز

تتواصل التطورات العسكرية المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، مع تقارير عن اعتماد إيران أساليب جديدة لاستهداف السفن.

«الشرق الأوسط» (طهران)

«يهود شرقيون وغربيون وعرب ومهاجرون»... مَن يحسم انتخابات إسرائيل؟

إعلان انتخابي لحزب «الليكود» يظهر فيه نتنياهو وترمب مع عبارة باللغة العبرية تقول: «لدينا فرصة واحدة للفوز» في القدس يوم الاثنين (أ.ب)
إعلان انتخابي لحزب «الليكود» يظهر فيه نتنياهو وترمب مع عبارة باللغة العبرية تقول: «لدينا فرصة واحدة للفوز» في القدس يوم الاثنين (أ.ب)
TT

«يهود شرقيون وغربيون وعرب ومهاجرون»... مَن يحسم انتخابات إسرائيل؟

إعلان انتخابي لحزب «الليكود» يظهر فيه نتنياهو وترمب مع عبارة باللغة العبرية تقول: «لدينا فرصة واحدة للفوز» في القدس يوم الاثنين (أ.ب)
إعلان انتخابي لحزب «الليكود» يظهر فيه نتنياهو وترمب مع عبارة باللغة العبرية تقول: «لدينا فرصة واحدة للفوز» في القدس يوم الاثنين (أ.ب)

بلافتات كُتبت بأحرف عبرية وهتافات بكلمات عربية بالدارجة المغربية، منها: «رئيس لحكومة ديالنا (أي رئيس حكومتنا)»، استقبل يهود من أصول مغربية في مدينة إيلات غادي آيزنكوت المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في انتخابات البرلمان (الكنيست) التي تنطلق الثلاثاء.

وكانت زيارة آيزنكوت الذي تعود أصوله إلى المغرب، خاتمة لجولة شملت 40 بلدة في إسرائيل تعيش فيها أغلبية من اليهود الشرقيين عموماً، والمغاربة بشكل خاص، والتي أطلقت عليها حملته الانتخابية اسم «البلدات الذهبية»، وهم يبنون على أن تكون فعلاً ذهبية وتحسم اللعبة، وتستقطب أكبر كمية من مصوّتي «الليكود» (حزب نتنياهو) إلى حزب «يشار» (حزب آيزنكوت).

وينقل ذلك الاحتفاء والتعويل جانباً من التشابك الديمغرافي في إسرائيل، وطبيعة الفئات التي يمكنها حسم مصير الانتخابات، خاصة بعدما فشلت الاستطلاعات المختلفة في ترجيح كفة أي من المتنافسَين الرئيسيين فيها، وقدرتهما على حسم أغلبية (60 مقعداً +1) من أصل 120 مقعداً تمثل إجمالي عدد أعضاء الكنيست.

حملة تلفزيونية يظهر فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسه الرئيسي مرشح المعارضة غادي آيزنكوت (أ.ب)

وتتوزع كتل التصويت في إسرائيل بين يهود من أصول شرقية، وآخرين غربيين، فضلاً عن فلسطينيين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية بحكم الأمر الواقع بعد احتلال قراهم وإنشاء إسرائيل على أنقاضها، ويُعرفون بـ«عرب إسرائيل»، وكذلك فئة من الإسرائيليين المهاجرين.

ما كتل التصويت؟

اليهود الشرقيون عموماً يشكلون نحو 45 بالمائة من المواطنين في إسرائيل، بينهم مليون يهودي من أصول مغربية، وهم يعيشون في بلدات ومدن الريف، البعيدة عن المركز. عندما جلبتهم حكومة ديفيد بن غوريون إلى البلاد في مطلع الخمسينيات أسكنتهم في مخيمات لاجئين سُميت «معبروت» (معابر) في ظروف معيشية متدنية، وتعاملت معهم بتفوق عرقي مفضوح وتمييز عنصري صارخ، وقد غضبت أكثريتهم على الحكومة وكرهوها.

بعد سنين استغل «الليكود» الشعور بالظلم في تجنيدهم لصالحه، ومنذ سنة 1977، التي يسمونها سنة «الصحوة»، وهم يمنحون نحو ثلثَي أصواتهم إلى «الليكود» وبقية أحزاب اليمين، وبطبيعتهم العاطفية نسبياً كانوا وما زالوا يتعاملون مع القائد (رئيس الحكومة) بتبجيل، وفي مهرجاناتهم السياسية يهتفون لنتنياهو: «بيبي ملك إسرائيل». لكن هؤلاء يواجهون حرجاً، هذه الأيام؛ إذ إن المرشح الأقوى لمنافسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، هو آيزنكوت، الذي وُلد لأبوَين من مواليد المغرب، وهم يحيطونه اليوم بالدفء والحنان؛ لأنه «من بلدياتهم».

مستوطن إسرائيلي ينقل صناديق إلى داخل أحد المنازل خلال افتتاح مستوطنة «شاليم» الجديدة بالقرب من قرية سالم الفلسطينية في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل الاثنين (أ.ف.ب)

العرب... السكان الأصليون

كما القادمين من المغرب، توجد شرائح اجتماعية أخرى يُتوقع أن يكون لها دور حاسم في الانتخابات الإسرائيلية ويخشاها نتنياهو، لكن آيزنكوت أيضاً لا يستطيع أن يضمن مناصرته وحده. ففي إسرائيل يوجد نحو 1.2 مليون ناخب عربي، هم السكان الأصليون الذين بقوا في الوطن سنة 1948، ونسبتهم من أصحاب حق الاقتراع 17 بالمائة؛ أي نحو 20 مقعداً، في حين لو ارتفعت نسبة التصويت لديهم وتساوت مع اليهود.

والراجح أن العرب لن يصوتوا لنتنياهو ولا لآيزنكوت؛ إذ إن 85 بالمائة منهم يصوتون للأحزاب العربية، وفي هذه الانتخابات تحديداً يشعرون بأن اليمين ينوي تهجيرهم؛ لذلك يعتبرونها انتخابات مصيرية.

النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي يوسف جبارين وسط مؤيدين خلال اجتماع لـ«القائمة المشتركة» التي تقودها أحزاب عربية (أ.ف.ب)

وتشير التقديرات والاستطلاعات إلى أن نسبة تصويت العرب سترتفع من 53 بالمائة إلى 65 بالمائة على الأقل، ما يعني أنهم سيتحولون إلى جدار حاسم ضد تكتلات اليمين، يمكن أن يمنعه من تشكيل حكومة.

اليهود الحريديم.. وأزمة التجنيد

اليهود الحريديم يشكلون 15 بالمائة من الأصوات، ويقدرون على إدخال أكثر من نسبتهم بين المصوتين؛ لأن نسبة التصويت عندهم تتجاوز 90 بالمائة. ومن بين التندر على قدرتهم على حشد الأصوات أن «الموتى عندهم يصوتون»، لكن ذلك أيضاً يعود إلى أن المراقبة عليهم ضحلة.

وكانت تملك أحزاب الحريديم في البرلمان السابق 18 مقعداً، لكن الاستطلاعات تشير إلى أنهم سيخسرون 3 إلى 5 مقاعد؛ لأن ثقة الجمهور بأحزابهم اهتزت كثيراً، وهم يتهمونها بالتقصير في سن قانون يضمن لشبابهم الإعفاء من الخدمة العسكرية، وغالبية هذه الشريحة تعتبر من اليمين، وأي خسارة في مقاعدها تعني خسارة لمعسكر نتنياهو.

رحلات منظمة لجذب اليهود المهاجرين

بحسب دائرة الإحصاء المركزية، يوجد 810 آلاف إسرائيلي يعيشون في الخارج. وقد نظمت أحزاب المعارضة حملة خاصة لجلب عشرات الألوف منهم إلى البلاد، في رحلات منظمة وممولة كي يأتوا للتصويت.

وبحسب المنظمين لتلك الحملات، تجاوب 67 ألفاً من اليهود المهاجرين مع الحملة، ووصلوا إلى البلاد لبضعة أيام فقط للتصويت، وتم تنظيم مبيت لهم في بيوت المتطوعين.

ورغم أن عدد المتجاوبين متواضع نسبياً ولا يزيد وزنه على مقعد ونصف المقعد في الكنيست؛ فإن لهؤلاء معارف وأقارب يتأثرون بعودتهم، ويتأثرون أكثر بدوافعهم.

إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة بتل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)

ويقدّر المهاجرون غالباً أن سياسة حكومة نتنياهو تلحق ضرراً بهم في الخارج، وتتسبب في كراهية للإسرائيليين ولليهود في العالم. أحدهم هو إيتمار تساحوبل، مصمم أزياء، لخّص ذلك بقوله، في تصريحات لصحيفة «يديعوت أحرونوت»: «أعيش في الخارج منذ 30 عاماً. كنت دائماً أقول باعتزاز إنني إسرائيلي. اليوم أشعر بالخجل والخوف، وفي موقع دفاع عن النفس. وقد جئت للتصويت حتى أساهم في أن يعود الإسرائيلي منتصب القامة في العالم، يعتز بأنه إسرائيلي».

وتقول دانا ليفي، التي تعيش في لشبونة منذ 23 عاماً: «أعتقد أن لدينا، نحن العائدين، وزناً. في العادة لا يحسبوننا في الاستطلاعات، وأعتقد أننا سنكون مفاجأة هذه الانتخابات».

لا يستسلم نتنياهو لهذا التطور وهو يدير معركته للحفاظ على مقعده في رئاسة الحكومة بشكل مستميت، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن مهمته هذه المرة ستكون صعبة للغاية.


انتخابات إسرائيل: أحزاب اليمين واليسار... هل هناك فارق؟

إسرائيليان يحملان منشورات دعائية لحزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير في إحدى أسواق القدس - الأحد (أ.ف.ب)
إسرائيليان يحملان منشورات دعائية لحزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير في إحدى أسواق القدس - الأحد (أ.ف.ب)
TT

انتخابات إسرائيل: أحزاب اليمين واليسار... هل هناك فارق؟

إسرائيليان يحملان منشورات دعائية لحزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير في إحدى أسواق القدس - الأحد (أ.ف.ب)
إسرائيليان يحملان منشورات دعائية لحزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير في إحدى أسواق القدس - الأحد (أ.ف.ب)

قد يخسر اليمين الإسرائيلي الحاكم راهناً بأكثرية 68 نائباً من مجموع 120 مقعداً في البرلمان (الكنيست)، الحكم في الانتخابات المقرر إجراؤها الثلاثاء؛ لكن أفكاره ونظرياته وسياسته تغلغلت في المفاهيم السياسية بشكل أكثر عمقاً، وباتت أفكاره موجودة أيضاً في الأجنحة التي تُنسب إلى اليسار.

في الواقع، اليمين في إسرائيل ليس هو التقليدي الذي ينمو ويتصاعد في دول الغرب، ولا حتى اليمين المتطرف الذي يخيف الكثيرين في أوروبا؛ بل إنه يمين متعصب يدير حرباً داخلية لتحقيق انقلاب على كل منظومة الحكم، بشكل جارف وبلا رحمة، ويستخدم أسلوب عمل ميليشياتياً «بلطجة»، ويتهم خصومه بالخيانة القومية، ويمارس العنف ضد خصومه، وينشر أشرطة فيديو يتباهى رفاقه فيها بما ينفذونه من جرائم ضد العرب، وضد الخصوم السياسيين اليهود.

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة - مارس 2024 (أ.ف.ب)

فإذا ما صحا الجمهور الإسرائيلي في يوم من الأيام، واكتشف أن هذا اليمين يأخذه إلى هلاك، كما يقول حتى بعض أقطابه، فإنه سيجد صعوبة كبيرة في التحرر من آفاته.

وليس من دليل بارز على المعنى السابق أبرز من أن نخبة كبيرة من الخبراء والمحللين الإسرائيليين تتفق تقريباً على أنه في حال هزيمة هذا اليمين وفوز غادي آيزنكوت بالحكم، «فلن يكون هناك تغيير جوهري في السياسة العامة تجاه النزاعات والصراعات في الشرق الأوسط»، وسيحتاج إلى فترة طويلة حتى يثبت منظومة الحكم، ويبدأ الحكم بطرق سليمة.

هل اليسار بعيد؟

لكن، اليسار الإسرائيلي، الذي يختبئ عادة وراء أسماء أخرى ويتنصل تماماً من هذا الانتماء الطبقي، لا ينبغي له أن يشكو ويتباكى؛ فاليمين في إسرائيل هو صنيعة اليسار.

إن أفكار اليمين الإسرائيلي الجوهرية، خصوصاً تلك التي تتعلق بالاحتلال والاستيطان ورفض التسوية السلمية، كلها نُفذت قبل أن ينتصر اليمين، ويتولى الحكم في سنة 1977 على يد أول حكومة لحزب «الليكود» التي قادها مناحم بيغن.

رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن وقائد أركان الجيش الإسرائيلي رفائيل إيتان (غيتي)

ولا بد من التوقف في البداية عند تعبير «اليمين»؛ ففي الواقع لا يوجد في إسرائيل اليوم يمين ويسار بالمفهوم الطبقي التقليدي؛ بل بالعكس، إن غالبية الفقراء والطبقات المسحوقة في إسرائيل تصوت لأحزاب اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو، رغم أنها تدير سياسة اقتصادية نيوليبرالية (يسمونها «رأسمالية خنزيرية»، لأنها لا ترحم الطبقات والشرائح الفقيرة وتستغلهم أبشع استغلال)، فيما تصوت غالبية النخب الاجتماعية والشرائح والطبقات الغنية لصالح أحزاب المعارضة التي تعدّ يساراً.

التصويت على أساس الصراع وليس الطبقة

بحسب دراسة نشرها الباحث الاقتصادي بروفسور مومي دهان، عن التصويت في الانتخابات العامة للكنيست في نحو 20 سنة وشملت الفترة من سنة 2003 وحتى آخر انتخابات في سنة 2022، صوّت من 60 إلى 70 في المائة من سكان بلدات الريف التي تضم أكثرية لليهود الشرقيين لصالح بنيامين نتنياهو ومعسكره، فيما صوت 54 في المائة من سكان البلدات الغنية لصالح اليسار والوسط.

والسبب في ذلك أن التقسيم والتصويت بين يمين ويسار في إسرائيل، لم يعد مرتبطاً بالمسألة الطبقية؛ بل بمسألة أخرى تتعلق بالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.

في إسرائيل، صار اليمين هو ذلك الذي يتمسك بالاحتلال، بل يرفض استخدام كلمة احتلال بأي شكل لأنه يعتبر فلسطين كلها «أرض إسرائيل التي وهبها الرب للنبي إبراهيم وشعبه، وهو الذي يبني الاستيطان».

ولقد جاء هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فزاد هذا المفهوم حدة، وصار يزعم أن «العرب لن يقبلوا أي سلام مع اليهود يعترفون بموجبه بحق اليهود التاريخي، ولذلك فإن إسرائيل ستعيش على الحراب إلى الأبد؛ من حرب إلى حرب. والعالم يكره اليهود»، ولذلك ففي رأيهم ليس لهم سوى أن تعتمد دولتهم على نفسها.

وقبل يومين فقط زلّ لسان نتنياهو، فقال إنه يتوقع حصاراً اقتصادياً عالمياً على إسرائيل يشمل حرمانها من الخدمات البنكية الغربية، بما فيها الأميركية، ولذلك قال إنه يجب أن «تستعد إسرائيل لاستخدام طرق بديلة التفافية بواسطة العملات الرقمية».

وفي أثناء ذلك، يطرح هذا اليمين خطة واضحة لتصفية القضية الفلسطينية بالاستيطان وتدمير السلطة، وكل فصائل الحركة القومية الفلسطينية، وتهجير أكبر عدد من الفلسطينيين إلى الأردن، وغيره من الدول العربية.

أين ومتى ترعرعت أفكار اليمين؟

المشكلة المركزية في تيارات السياسة الإسرائيلية أن سياسة اليمين أصلاً نشأت ونمت وترعرعت في حضن ما يعرف باليسار، الذي قاد الحركة الصهيونية منذ نشأتها، وهو الذي أقام إسرائيل في 1948، وقادها وحده حتى سنة 1977، وكان شريكاً أيضاً في حكومات اليمين حتى سنة 2022.

فيسار إسرائيل هذا، هو الذي نفذ النكبة وشرّد غالبية الشعب الفلسطيني سنة 1948، وهو الذي نفذ احتلال سنة 1967، ورفض الحلول السلمية التي اقترحت عليه من العرب ومن الأمم المتحدة، وحتى من الولايات المتحدة (مشروع روجرز 1971).

مهجّرون فلسطينيون يعودون إلى قريتهم بعد سقوطها في يد العصابات الصهيونية خلال نكبة عام 1948 (أ.ف.ب)

وحكومات اليسار الإسرائيلي هي أيضاً التي أقامت أولى المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة والجولان السوري. وأيضاً كان حزب العمل اليساري شريكاً في حكومة آرييل شارون عام 2002، ولم تتجاوب مع مبادرة السلام العربية في العام ذاته، وعارضتها حتى وهي في المعارضة.

نحو دولة يهودية صرفة

واليوم، إذ يسعى اليمين إلى البقاء في الحكم، فهو يريد استكمال مشروعه الشامل، الذي يحول إسرائيل إلى دولة يهودية صرفة، وتحارب ليس فقط الفلسطينيين وإيران وتفرض السلاح بالقوة؛ بل تحارب أيضاً اليهود الذين يعارضون هذا النهج، بما في ذلك قوى اليمين التقليدي، ذات النهج الليبرالي المحافظ، الذي يؤمن بالحريات وحقوق الإنسان.

ليس صدفة إذن أن العديد من الشخصيات اليمينية التقليدية تجد نفسها خارج «الليكود»، مثل بيني بيغن، نجل مناحم بيغن، ودان مريدور، وروني ميلو، وإيهود أولمرت وتسيبي ليفني، وليمور لفنات وتساحي هنغبي وغيرهم كثيرون؛ فهؤلاء يعتبرون نتنياهو عدواً لتقاليد اليمين؛ يحكم بالفساد ويدير حروباً يموت فيها يهود كثيرون لخدمة مصالحه الشخصية. ولهذا فهم ينضمون إلى المعسكر الذي يريد إسقاط نتنياهو.


تركيا تفكك شبكة لتمويل «داعش» عبر الحدود بالتعاون مع مخابرات أجنبية

أوقعت السلطات التركية شبكة تمويل تابعة لـ«داعش» كانت تحول أموالاً إلى سوريا لتحرير عناصره في مخيم الهول (رويترز)
أوقعت السلطات التركية شبكة تمويل تابعة لـ«داعش» كانت تحول أموالاً إلى سوريا لتحرير عناصره في مخيم الهول (رويترز)
TT

تركيا تفكك شبكة لتمويل «داعش» عبر الحدود بالتعاون مع مخابرات أجنبية

أوقعت السلطات التركية شبكة تمويل تابعة لـ«داعش» كانت تحول أموالاً إلى سوريا لتحرير عناصره في مخيم الهول (رويترز)
أوقعت السلطات التركية شبكة تمويل تابعة لـ«داعش» كانت تحول أموالاً إلى سوريا لتحرير عناصره في مخيم الهول (رويترز)

أوقعت السلطات التركية شبكة تمويل عابرة للحدود تعمل لصالح «داعش» الإرهابي، وكانت تستهدف تحرير إرهابيين في المخيمات الواقعة في سوريا.

وكشف مكتب المدعي العام في إسطنبول، الاثنين، عن تفكيك شبكة مالية تعمل بين تركيا وسوريا، من خلال تحقيق نسقه جهاز المخابرات التركية، وإلقاء القبض على 6 مشتبه بهم، جميعهم أجانب، لتورطهم في تحويل أموال إلى التنظيم.

والموقوفون هم: عبد القادر عايد، وأحمد الخليل، وفراس البكري، ومحمد النحاس، وزكريا النجار، وورد دافيس.

وقالت مصادر إن التحقيق الذي أجراه مكتب التحقيق في جرائم تمويل الإرهاب وغسل الأموال التابع لمكتب المدعي العام في إسطنبول «وُسع استناداً إلى وحدة تخزين بيانات إلكترونية (فلاش ديسك) ضبطتها عناصر المخابرات التركية في مدينة كيليس الواقعة على الحدود مع سوريا في جنوب البلاد».

شبكة واسعة

وكشفت اعترافات مسؤول مالي رفيع المستوى في «داعش» وإيصالات حوالة رقمية عُثر عليها خلال فحص وحدة التخزين، عن معلوماتٍ حول الأساليب التي استخدمها التنظيم في التحويلات المالية الدولية.

وأشارت المعلومات إلى أن التحقيقات كشفت عن ارتباط منظمتي «البركات» و«آفاق»، وهما كيانان يُنفذان عمليات تحويل أموال دولية، بـ«داعش» الإرهابي، وأن تقارير من أجهزة مخابرات أجنبية ومؤسسات عامة ذات صلة دعمت هذه النتائج.

وبمقارنة البيانات الرقمية، التي عثرت عليها المخابرات مع تحليلات هيئة مكافحة الجرائم المالية، تم العثور على 38.6 مليون ليرة تركية في الحسابات المصرفية للمشتبه بهم الـ6 الموقوفين، بالإضافة إلى 33.7 مليون ليرة تركية تم سحبها.

مداهمة على منزل يقيم به عناصر من «داعش» في إسطنبول (الداخلية التركية)

أظهرت حسابات محمد النحاس وجود 14.9 مليون ليرة تركية في الحسابات، و13.6 مليون ليرة تركية في عمليات السحب. وتبين أن للنحاس صلات مالية بـ28 شخصاً لهم سجلات إرهابية.

وتبين أيضاً أن أحد المشتبهين، ويدعي فراس البكري لديه رصيد بمبلغ 9.88 مليون ليرة تركية، وسحوبات نقدية بمبلغ 8.41 مليون ليرة، وأن زكريا النجار لديه رصيد يبلغ 9.23 مليون ليرة، وسحوبات بمبلغ 5.20 مليون ليرة، وإيداعات بمبلغ 2.22 مليون ليرة في حسابات عبد القادر عايد، و2 مليون ليرة للمشتبه به ورد دافيس، الذي قام أيضاً بتحويل مئات الآلاف من الليرة التركية تحت ستار الأعمال الخيرية والصدقات، واستخدم منصات تداول العملات المشفرة.

ومن التفاصيل اللافتة للانتباه التي كشف عنها التحقيق ما يتعلق بالمشتبه به أحمد الخليل، الذي وجدت السلطات في حساباته المصرفية ملايين من الليرة التركية، على الرغم من امتلاكه شركة أغذية يبلغ حجم مبيعاتها السنوية الرسمية 23 ألف ليرة فقط.

أوقعت السلطات التركية شبكة تمويل تابعة لـ«داعش» كانت تحول أموالاً إلى سوريا لتحرير عناصره في مخيم الهول (رويترز)

وتبين أن ذلك كان بغرض تحرير عناصر «داعش» الذين كانوا محتجزين في مخيم الهول في شمال شرقي سوريا، الذي كان يخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي كانت تسيطر على المنطقة قبل حلها ودمجها في الجيش السوري.

وتوصلت التحقيقات إلى أن «داعش» لجأ إلى أساليب مختلفة للتحايل على ضوابط النظام المصرفي التقليدي، عن طريق إرسال روابط خاصة إلى العملاء عبر متصفحات الإنترنت، وإخفاء معلومات هويات مرسلي الأموال.

وخلصت السلطات إلى أن هذه المبالغ الظاهرة في الحسابات المصرفية لا تعكس الحجم الحقيقي لشبكة تحويل الأموال غير المشروعة.

إحدى العمليات الأمنية ضد «داعش» (الداخلية التركية)

وكشفت مصادر أمنية عن أن العناصر الستة ألقي القبض عليهم خلال عملية نسقتها مديرية أمن إسطنبول، شملت المدينة والعاصمة أنقرة ومدينة مرسين (جنوب)، في 20 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بينما ألقي القبض على واحد في مرسين، و14 في أنقرة.

وفي إطار التحقيقات، تمّ تحديد شبكة اتصالات يستخدمها «داعش» لتحويل الأموال بطرقٍ غير مشروعة، كانت تُنفذ عبر مجموعة على تطبيق «واتساب»، وعثر خلال العمليات على كثير من المواد الرقمية.

معلومات من السفارة الألمانية

وحسب بيان لمكتب المدعي العام في العاصمة أنقرة، أفادت معلومات قدمتها السفارة الألمانية إلى شعبة مكافحة الإرهاب بمديرية الأمن العام، بجمع تبرعات لضمان إطلاق سراح عناصر «داعش» المحتجزين في مخيمات شمال سوريا، أو لتقديم الدعم المالي لهم.

سجن الصناعة لعناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا الذي كان يخضع لسيطرة «قسد» (رويترز)

وأفادت المعلومات بأن أنشطة جمع التبرعات، التي نسقت في الدول الناطقة بالألمانية، ونُفذت في الغالب عبر قنوات تطبيق «تلغرام» كانت تُدار من سوريا، وتم تحويل الأموال إليها عبر مواطنين أتراك مقيمين في ألمانيا، وأتراك وأجانب مقيمين في تركيا.

وكشف التحقيق في أنقرة عن تحركات مالية مشبوهة، ومن خلال فحص تقارير هيئة الرقابة المالية، وكاميرات التتبع على الطرق، بدأت إجراءات قانونية ضد 16 شخصاً، بينهم سوريان وأوزبكي، قاموا بأنشطة تمويل لصالح «داعش».

ونشطت أجهزة الأمن التركية في الفترة الأخيرة في عملياتها الرامية إلى تطويق النشاط المالي لـ«داعش»، واعتقلت كثيراً من المسؤولين عن جمع الأموال وإرسالها إلى عناصر «داعش» وعائلاتهم في سوريا والعراق.