لعبة «قط وفأر»... الضربات الأميركية تربك مراقبة المنشآت الإيرانية

تفتيش غائب... ومخزونات اليورانيوم مفقودة

صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
TT

لعبة «قط وفأر»... الضربات الأميركية تربك مراقبة المنشآت الإيرانية

صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)
صورة بالأقمار الاصطناعية لمحيط منشأة «فوردو» النووية الإيرانية عقب الضربات الأميركية (رويترز)

تسبَّب القصف الأميركي والإسرائيلي للمواقع النووية الإيرانية في معضلة بالنسبة لمفتشي الأمم المتحدة في إيران، تتعلق بكيفية معرفة ما إذا كانت مخزونات اليورانيوم المخصّب، وبعضها قريب من درجة النقاء اللازمة لصنع الأسلحة النووية، قد دُفنت تحت الأنقاض أم تم إخفاؤها في مكان سري.

وبعد هجمات الأسبوع الماضي على 3 من أهم المواقع النووية الإيرانية، في «فوردو» و«نطنز» و«أصفهان»، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه «تم محو» المنشآت باستخدام الذخائر الأميركية، بما في ذلك قنابل خارقة للتحصينات.

لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تراقب برنامج طهران النووي، قالت إنه لم تتضح بعد الأضرار التي لحقت بمنشأة «فوردو»، وهي منشأة في أعماق جبل تنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب.

وقال المدير العام للوكالة، التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، الاثنين، إن من المرجح للغاية أن تكون أجهزة الطرد المركزي الحساسة المستخدَمة في تخصيب اليورانيوم داخل «فوردو» قد تضررت بشدة. لكن هناك غموضاً أكبر بكثير حول ما إذا كان قد تم تدمير 9 أطنان من اليورانيوم المخصّب في إيران، من بينها أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب إلى درجة نقاء قريبة من الدرجة اللازمة لصنع الأسلحة.

غروسي يصل إلى قصر الإليزيه في باريس... الأربعاء (أ.ف.ب)

وتسعى حكومات الغرب جاهدةً لتحديد ما حدث لهذا اليورانيوم. وقال أكثر من 10 مسؤولين حاليين وسابقين مشاركين في جهود كبح البرنامج النووي الإيراني، لوكالة «رويترز» إن الهجمات ربما وفَّرت الغطاء المثالي لإيران لإخفاء مخزونها من اليورانيوم، ومن المرجح أن يكون أي تحقيق وبحث تجريه «الوكالة الذرية» شاقاً، ويستلزم وقتاً طويلاً.

وقال أولي هاينونن، الذي كان كبير مفتشي الوكالة في الفترة من 2005 إلى 2010، إن البحث سيتضمَّن على الأرجح عمليةً معقدةً لاستعادة المواد من المباني المتضررة، بالإضافة إلى البحث الجنائي وأخذ العينات البيئية، وهو ما يستغرق وقتا طويلاً.

وقال هاينونن، الذي تعامَل على نطاق واسع مع إيران في أثناء عمله مفتشاً، ويعمل الآن في مركز «ستيمسون للأبحاث» في واشنطن: «قد تكون هناك مواد لا يمكن الوصول إليها، أو متناثرة تحت الأنقاض أو فُقدت في أثناء القصف».

ملصق لمنشأة «فوردو» لتخصيب الوقود يُعرض عقب مؤتمر صحافي لوزير الدفاع ورئيس الأركان في البنتاغون (أ.ف.ب)

ووفقاً لمقياس «الوكالة الذرية» فإن الكمية التي تزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهي درجة قريبة من نسبة النقاء 90 في المائة تقريباً اللازمة لصنع الأسلحة، تكفي إذا ما تم تخصيبها بدرجة أكبر لصنع 9 أسلحة نووية.

وحتى لو تبقى جزء بسيط من هذه الكمية دون معرفة مصيره، فسيكون مصدر قلق كبير للقوى الغربية، التي تعتقد أن إيران تبقي على الأقل خيار صنع الأسلحة النووية مطروحاً.

وهناك مؤشرات على أن إيران ربما نقلت بعضاً من اليورانيوم المخصّب قبل أن يتعرَّض للهجمات.

وقال غروسي إن إيران أبلغته في 13 يونيو (حزيران)، وهو أول يوم من الهجمات الإسرائيلية، أنها ستتخذ إجراءات لحماية معداتها وموادها النووية. ورغم أن إيران لم تفصح عن مزيد من التفاصيل، فإنه قال إن ذلك ربما يشير إلى النقل.

وقال دبلوماسي غربي مطلع على ملف إيران النووي، بعد أن طلب عدم ذكر اسمه؛ بسبب حساسية الأمر، إن أغلب اليورانيوم المخصّب في «فوردو» سيتكشف فيما بعد أنه نُقل قبل أيام من الهجمات الأشد «كما لو أنهم علموا تماماً أنها ستحدث».

وقال بعض الخبراء إن صفاً من المركبات، ومن بينها شاحنات، ظهرت في صور بالأقمار الاصطناعية خارج موقع «فوردو» قبل ضربه، بما يشير إلى نقل اليورانيوم المخصّب إلى مكان آخر. لكن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قال، يوم الخميس، إنه ليس على علم بأي معلومات مخابراتية تشير إلى أن إيران نقلته.

وزير الدفاع الأميركي ورئيس الأركان لسلاح الجو خلال مؤتمر صحافي أمس حول الضربات الأخيرة للمنشآت النووية الإيرانية (أ.ف.ب)

واستبعد ترمب أيضاً مثل تلك المخاوف. وفي مقابلة من المقرر نشرها اليوم (الأحد) مع برنامج على قناة «فوكس نيوز»، أصرَّ على أن الإيرانيين «لم ينقلوا أي شيء». وقال: «هذا أمر خطير للغاية لتنفيذه. إنه ثقيل جداً... ثقيل جداً جداً. من الصعب جداً تنفيذ هذا الأمر... إضافة إلى ذلك، لم نلمح بشكل كبير؛ لأنهم لم يعلموا أننا قادمون إلا عندما نفَّذنا كما تعلم».

وقال أحد الدبلوماسيين الغربيين إن التحقق من وضع مخزون اليورانيوم سيُشكِّل تحدياً كبيراً بالنظر إلى القائمة الطويلة من الخلافات بين «الوكالة الذرية» وطهران، بما شمل عدم تقديم إيران تفسيراً له مصداقية لآثار اليورانيوم التي عُثر عليها في مواقع غير معلنة. وتابع قائلاً: «ستكون لعبة قط وفأر». وتقول إيران إنها تفي بكل التزاماتها أمام الوكالة.

صورة ضبابية

قبل أن تشنَّ إسرائيل حملتها العسكرية التي دامت 12 يوماً بهدف تدمير قدرات إيران النووية والصاروخية، كانت «الوكالة الذرية» تتمتع بإمكانية الوصول بانتظام إلى مواقع تخصيب اليورانيوم الإيرانية، وتراقب الأنشطة داخلها على مدار الساعة، إذ إن طهران موقعة على معاهدة «حظر الانتشار النووي»، التي تضم 191 دولة. لكن الآن، جعلت الأنقاض والرماد الصورة ضبابية.

علاوة على ذلك، هدَّدت إيران بوقف العمل مع الوكالة. ووافق البرلمان الإيراني، يوم الأربعاء الماضي، على تعليق التعاون مع الهيئة التابعة للأمم المتحدة، مدفوعاً بالغضب من عدم قدرة نظام حظر الانتشار النووي على حماية البلاد من الضربات التي تعدّها دول كثيرة غير قانونية.

ملصق يعرض تفاصيل ترتبط بمنشأة «فوردو» لتخصيب الوقود في إيران (رويترز)

وتقول طهران إن قراراً صدر هذا الشهر عن مجلس محافظي الوكالة، المؤلف من 35 دولة، قال إن إيران انتهكت التزاماتها المتعلقة بحظر الانتشار، مهَّد الطريق لهجمات إسرائيل من خلال توفير غطاء دبلوماسي، وهو ما نفته الوكالة.

وبدأت هجمات إسرائيل في اليوم التالي من صدور القرار. ونفت إيران مراراً امتلاكها برنامجاً نشطاً لتطوير قنبلة نووية. وخلصت المخابرات الأميركية إلى أنه «لا دليل على أن طهران تتخذ خطوات نحو تطوير مثل تلك الأسلحة»، في تقرير رفضه ترمب قبل شنّ الغارات الجوية.

مع هذا، يقول الخبراء إنه لا يوجد مبرر لتخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60 في المائة لبرنامج نووي مدني، الذي يمكن تشغيله بتخصيب اليورانيوم عند درجة أقل من 5 في المائة.

بصفتها طرفاً في معاهدة «حظر الانتشار النووي»، يتعين على إيران تقديم تقارير بمخزونها من اليورانيوم المخصّب. ويتعيَّن على الوكالة بعد ذلك التحقق من تلك التقارير عبر وسائل تشمل عمليات التفتيش. إلا أن صلاحيات الوكالة محدودة، فهي تفتش المنشآت النووية الإيرانية المعلنة، لكنها لا تستطيع إجراء عمليات تفتيش مفاجئة في مواقع غير معلنة.

وتقول الوكالة إن إيران لديها عدد غير معروف من أجهزة الطرد المركزي الإضافية المخزنة في مواقع لا تعلم بها، وهي أجهزة يمكن بها إنشاء موقع تخصيب جديد أو سري.

وهذا يجعل تعقب المواد التي يمكن تخصيبها لدرجة نقاء أكبر، خصوصاً تلك الأقرب إلى درجة صنع القنبلة، له أهمية كبيرة.

وكتبت كيلسي دافنبورت من «جمعية الحد من الأسلحة» ومقرها واشنطن على منصة «إكس»، يوم الجمعة: «ربما لم يكن مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المائة جزءاً من (المهمة)، لكنه يشكل جزءاً كبيراً من خطر الانتشار، لا سيما إذا لم يُكشف عن مصير أجهزة الطرد المركزي».

يمكن للوكالة تلقي معلومات مخابراتية من الدول الأعضاء، ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تتلقاها بالفعل. غير أنها تقول إنها لا تأخذ المعلومات على نحو مُسلَّم به، وتتحقق بشكل مستقل منها.

وبعد قصف مواقع تخصيب اليورانيوم، يعتقد مسؤولون أن إسرائيل والولايات المتحدة هما الدولتان الأكثر احتمالاً لاتهام إيران بإخفاء اليورانيوم أو استئناف تخصيبه.

ولم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لطلب للتعليق على هذه القصة.

مطاردة الأشباح

أظهر بحث مفتشي الأمم المتحدة دون جدوى عن مخابئ كبيرة لأسلحة الدمار الشامل في العراق، والذي سبق الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، الصعوبةَ الهائلةَ في التحقق من ادعاءات القوى الأجنبية بشأن مخزونات المواد المخفية، في ظل قلة المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها.

وكما هي الحال في العراق، ربما ينتهي الأمر بالمفتشين إلى مطاردة الأشباح.

قال أحد الدبلوماسيين الغربيين لـ«رويترز»: «إذا كشف الإيرانيون (عن مكان) وجود 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، فستكون المشكلة قابلة للحل. ولكن إذا لم يفعلوا ذلك، فلن يتأكد أحد أبداً مما حدث لها».

وقالت «الوكالة الذرية»، التي تمثل 180 من الدول الأعضاء، إنها لا تستطيع ضمان أن يكون التطوير النووي الإيراني سلمياً تماماً، لكنها لا تملك أي مؤشرات موثوقة على وجود برنامج أسلحة منسق.

ودعمت الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية أعمال التحقق والمراقبة التي تنفِّذها الوكالة، وحثت طهران على ضمان سلامة مفتشيها في البلاد.

وستكون مهمة حصر كل غرام من اليورانيوم المخصّب، وهو المعيار الذي تعتمده «الوكالة الذرية»، طويلةً وشاقةً.

قالت الوكالة إن منشأة «نطنز»، المقامة فوق الأرض وهي الأصغر من بين المنشأتين اللتين تخصّبان اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 في المائة، جرت تسويتها بالأرض خلال القصف، مما يشير إلى احتمال التخلص من جزء صغير من مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب.

وتعرَّضت منشأة تخصيب اليورانيوم الإيرانية «فوردو» لقصف عنيف، مطلع الأسبوع الماضي، عندما أسقطت الولايات المتحدة أكبر قنابلها التقليدية عليها، وهي منشأة مقامة في عمق جبل كانت تنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المائة. ولا تزال الأضرار التي لحقت بأقسامها تحت الأرض غير واضحة.

كما قُصفت منطقة تحت الأرض في أصفهان، كان يُخزَّن بها معظم اليورانيوم الإيراني الأعلى تخصيبً؛ مما تسبب في أضرار بمداخل الأنفاق المؤدية إليها.

ولم يتسنَّ لـ«الوكالة الذرية» إجراء عمليات تفتيش منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على إيران، وهو ما يجعل الوضع هناك ضبابياً.

وقال غروسي، يوم الأربعاء، إن الظروف في المواقع التي تعرَّضت للقصف ستجعل عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية هناك صعباً، مشيراً إلى أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت. وقال: «توجد أنقاض، وقد تكون هناك ذخائر غير منفجرة».

وقال هاينونن، كبير مفتشي الوكالة السابق، «من الضروري أن تتحلى الوكالة بالشفافية، وأن تعرض على الفور ما يتمكَّن مفتشوها من التحقق منه بشكل مستقل، بما في ذلك أي شكوك وما بقي مجهولاً». وأضاف: «يمكن للدول الأعضاء بعد ذلك إجراء تقييمات المخاطر الخاصة بها».


مقالات ذات صلة

احتجاجات إيران تخفت… وواشنطن تراقب دون حسم

شؤون إقليمية سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

احتجاجات إيران تخفت… وواشنطن تراقب دون حسم

في لهجة بدت أقل حدة أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أمله في استمرار تراجع إيران عن اللجوء إلى أحكام الإعدام بحق المحتجين

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية السفارة الأميركية في القدس (أرشيفية - رويترز)

أميركا تحذر رعاياها في إسرائيل وتحثهم على التأكد من صلاحية جوازات سفرهم

أصدرت السفارة الأميركية في إسرائيل، تحذيراَ أمنياَ لرعاياها في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرات يحملن صور الإيرانية مهدية أسفندياري في طهران أكتوبر الماضي للمطالبة بإطلاق سراحها من سجن فرنسي (أ.ف.ب)

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس، الثلاثاء، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية وطهران تسعى لـ«مقايضة» أسفندياري بالفرنسيين كوهلر وباريس المحتجزين في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)

إيران تستعد لحرب محتملة في ظل تصاعد الاحتجاجات

هددت إيران، الأحد، باستهداف إسرائيل والقواعد والمراكز والسفن العسكرية الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لضربة أميركية، في وقت دخلت فيه الاحتجاجات أسبوعها الثالث.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

بوتين يبحث مع نتنياهو وبزشكيان الوضع في الشرق الأوسط وإيران

صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
TT

بوتين يبحث مع نتنياهو وبزشكيان الوضع في الشرق الأوسط وإيران

صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم (الجمعة)، الوضع في الشرق الأوسط وإيران، في اتصالين هاتفيين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإيراني ​مسعود ‌بزشكيان.

وجاء في بيان صادر عن الكرملين: «أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبحث الوضع في الشرق الأوسط وإيران»، وفقاً لوكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية.

وحسب الكرملين، فقد أوضح بوتين لرئيس الوزراء الإسرائيلي رؤيته الأساسية لتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط.

وأكد الجانب الروسي استعداده لمواصلة جهود الوساطة المناسبة وتيسير الحوار البناء بمشاركة جميع الدول المعنية.

وأوضح الكرملين كذلك أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالاً ‌هاتفياً ‌مع ⁠الرئيس الإيراني ​مسعود ‌بزشكيان في وقت سابق اليوم (الجمعة). وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين ⁠إن بوتين سيواصل ‌جهوده لتهدئة الوضع في المنطقة.

يأتي الاتصالان فيما تشهد إيران منذ أواخر الشهر الماضي احتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، أسفرت حسب نشطاء عن مقتل ما لا يقل عن 3428 متظاهراً واعتقال أكثر من 10 آلاف، حسبما أفادت منظمة «إيران لحقوق الإنسان» ومقرها أوسلو أول أمس الأربعاء.

وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بالتدخل الأميركي في البلاد.

وأفادت وسائل إعلام أميركية، أمس (الخميس)، بأن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط في أعقاب التهديدات الموجهة ضد إيران.


حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
TT

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة رداً على هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتناولت تقارير حديثة من ​وزارة الدفاع الإسرائيلية ومقدمي الخدمات الصحية بالتفصيل أزمة الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الجنود مع استمرار القتال في غزة ولبنان وتصاعد التوتر مع إيران، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وسرعان ما اتسع نطاق الحرب في غزة وامتد إلى لبنان مع تبادل إسرائيل وجماعة «حزب الله» إطلاق النار عبر الحدود. ونشرت إسرائيل مئات الآلاف من الجنود وقوات الاحتياط على الجبهتين في بعض من أعنف المعارك منذ قيامها.

وقال مسؤولون من غزة ولبنان، إن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من 71 ألف فلسطيني في غزة و4400 في جنوب لبنان. وذكرت إسرائيل أن أكثر من 1100 جندي قُتلوا منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023.

وأدت الحرب إلى تدمير معظم قطاع غزة الذي يعاني سكانه البالغ عددهم نحو مليونين من نقص حاد في المأوى والغذاء والرعاية الصحية.

وقال متخصصون فلسطينيون في الصحة النفسية، إن سكان غزة يعانون من «بركان» من الصدمات النفسية، وتسعى أعداد كبيرة منهم الآن للعلاج، وإن الأطفال يعانون من أعراض مثل نوبات الفزع الليلية وعدم القدرة على التركيز.

جنود إسرائيليون يتمركزون خلال العملية البرية للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة... 13 نوفمبر 2023 (رويترز)

ارتفاع حالات اضطراب ما بعد الصدمة

تظهر دراسات إسرائيلية أن ‌الحرب أثّرت على الصحة النفسية للجنود الذين ينفّذون أهداف الحرب الإسرائيلية المعلنة، وهي القضاء على «حماس» في غزة واستعادة الرهائن ونزع ‌سلاح «⁠حزب ​الله».

ويعاني أيضاً بعض ‌الجنود الذين تعرّضوا للهجوم عندما اجتاحت «حماس» قواعدهم العسكرية في هجوم السابع من أكتوبر من اضطرابات نفسية.

وذكرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها سجلت زيادة بنسبة 40 في المائة تقريباً في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود منذ سبتمبر (أيلول) 2023، وتتوقع أن ترتفع النسبة إلى 180 في المائة بحلول عام 2028.

وأضافت الوزارة أن 60 في المائة من بين 22 ألفاً و300 من الجنود والعسكريين يتلقون العلاج من إصابات خلال الحرب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.

ووسّعت الوزارة الرعاية الصحية المقدمة لمن يعانون من مشاكل نفسية وزادت المخصصات المالية لهذا الغرض، وقالت إن هناك زيادة بنحو 50 في المائة في استخدام العلاجات البديلة.

وقالت شركة مكابي، ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل، في تقريرها السنوي لعام 2025، إن 39 في المائة من العسكريين الإسرائيليين الذين يتلقون العلاج لديها طلبوا دعما نفسيا بينما عبّر 26 في المائة منهم عن مخاوف تتعلق بالاكتئاب.

واستقبلت عدة منظمات إسرائيلية، مثل هاغال شيلي غير الحكومية التي تستخدم ركوب ⁠الأمواج أسلوباً علاجياً، مئات الجنود النظاميين والاحتياط الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. ويقتني بعض الجنود السابقين أيضا كلاباً مدربة تدريباً خاصاً للمساعدة في الدعم النفسي والعاطفي.

صورة نُشرت في 2 يناير 2024 تظهر جنوداً إسرائيليين خلال العملية في قطاع غزة (رويترز)

الشعور بالذنب

قال الطبيب النفسي رونين ‌سيدي، الذي يشرف على أبحاث المحاربين القدامى في مركز هعيمك الطبي بشمال إسرائيل، إن الجنود يعانون ‍بشكل عام من مصدرين مختلفين للصدمة.

يرتبط المصدر الأول «بتجارب خوف شديد» و«الخوف ‍من الموت» في غزة ولبنان أو حتى داخل إسرائيل. فقد عايش العديد من الجنود هجوم «حماس»، الذي اقتادت فيه الحركة الفلسطينية أيضاً حوالي 250 رهينة إلى القطاع، وتداعياته بشكل مباشر.

وذكر سيدي أن المصدر الثاني هو الأضرار المعنوية، أو الشعور بالذنب الذي يعاني منه الشخص بسبب شيء ما فعله، أو بسبب مقتل أبرياء في القطاع.

وقال بول (28 عاماً)، وهو جندي احتياط وأب لثلاثة أطفال، إنه اضطر إلى ترك وظيفته كمدير مشروع في شركة عالمية لأن «صوت الرصاص» فوق رأسه ظل ​يلازمه حتى بعد عودته من القتال.

وذكر بول، الذي رفض الكشف عن اسمه بالكامل بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، أنه شارك في مهام قتالية في غزة ولبنان وسوريا.

وأضاف أنه يعيش في حالة تأهب دائم رغم تراجع حدة القتال في الشهور القليلة الماضية.

وأردف يقول: «أعيش ⁠هكذا كل يوم».

مركبة عسكرية إسرائيلية على طريق في جنوب إسرائيل بالتزامن مع إطلاق صواريخ من قطاع غزة... خارج مدينة سديروت 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

صدمات بلا علاج

يتعين على الجندي الذي يسعى للحصول على دعم حكومي لصحته النفسية أن يمثل أمام لجنة تقييم تابعة لوزارة الدفاع لتحديد مدى خطورة حالته ومنحه موافقة رسمية. وقال بعض المتخصصين في علاج الصدمات النفسية إن هذه العملية قد تستغرق شهورا ويمكن أن تثني الجنود عن طلب المساعدة.

وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إنها تقدّم بعض أشكال المساعدة الفورية للجنود بمجرد بدء عملية التقييم، وإنها كثفت هذه الجهود منذ اندلاع الحرب.

وخلصت لجنة في الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر، إلى أن 279 جندياً حاولوا الانتحار في الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024 إلى يوليو (تموز) 2025، وهي زيادة حادة مقارنة بالسنوات السابقة. وجاء في تقرير اللجنة أن الجنود المقاتلين شكلوا 78 في المائة من مجمل حالات الانتحار في إسرائيل عام 2024.

وذكر الطبيب النفسي سيدي أن خطر الانتحار أو إيذاء النفس يزيد إذا لم يتم العلاج من الصدمة.

وأضاف: «بعد السابع من أكتوبر والحرب، أصبحت مؤسسات الصحة النفسية في إسرائيل مكتظة تماماً، والكثير من الناس إما لا يستطيعون الحصول على العلاج أو حتى لا يعلمون أن الضيق الذي يشعرون به له علاقة بما مروا به».

ولا تزال احتمالات مشاركة الجنود في القتال عالية. ولا يزال الجيش الإسرائيلي منتشراً في أكثر من نصف قطاع غزة ومستمراً في القتال هناك رغم الهدنة التي دعمتها الولايات المتحدة في أكتوبر وقُتل خلالها أكثر من 440 فلسطينياً وثلاثة جنود إسرائيليين.

ولا يزال الجيش الإسرائيلي يحتل أجزاء من جنوب لبنان، في الوقت الذي يواصل فيه الجيش اللبناني ‌عملية نزع سلاح «حزب الله» بموجب اتفاق منفصل توسطت فيه الولايات المتحدة.

وفي سوريا، احتلت القوات الإسرائيلية جزءاً كبيراً من جنوب البلاد منذ الإطاحة ببشار الأسد.

ومع احتدام التوتر مع إيران وتهديد واشنطن بالتدخل لحماية المحتجين هناك، تجد إسرائيل نفسها أيضا في مواجهة عنيفة أخرى مع طهران بعد حرب دامت بينهما 12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025.


نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
TT

نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)

أعلنت نيوزيلندا يوم الجمعة إغلاق سفارتها في طهران مؤقتاً، وإجلاء دبلوماسييها بسبب تدهور الوضع الأمني ​​في إيران.

وصرَّح متحدث باسم وزارة الخارجية، بأن الطاقم الدبلوماسي غادر إيران بسلام على متن رحلات تجارية خلال الليل. ونُقلت عمليات سفارة طهران إلى أنقرة في تركيا نظراً لتدهور الوضع الأمني ​​في إيران، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف المتحدث: «نواصل نصيحتنا بعدم السفر إلى إيران. على جميع النيوزيلنديين الموجودين حالياً في البلاد المغادرة فوراً».

وأوضحت وزارة الخارجية أن قدرتها على تقديم المساعدة القنصلية للنيوزيلنديين في إيران «محدودة للغاية».

وأشار المتحدث باسم الوزارة إلى أن صعوبات التواصل الشديدة تعيق تواصل النيوزيلنديين مع عائلاتهم وأصدقائهم في إيران، ناصحاً إياهم بالتواصل مع أقاربهم متى أمكنهم ذلك.