ليبيا: توتر يتصاعد بين «الاستقرار» والبعثة الأممية

تزامناً مع تحركات بـ«النواب» لاختيار رئيس «حكومة موحدة»

مشاركة رئيس حكومة «الاستقرار» في حفل عسكري ببنغازي (الاستقرار)
مشاركة رئيس حكومة «الاستقرار» في حفل عسكري ببنغازي (الاستقرار)
TT

ليبيا: توتر يتصاعد بين «الاستقرار» والبعثة الأممية

مشاركة رئيس حكومة «الاستقرار» في حفل عسكري ببنغازي (الاستقرار)
مشاركة رئيس حكومة «الاستقرار» في حفل عسكري ببنغازي (الاستقرار)

في ظل اتهامات متبادلة بين حكومة «الاستقرار» الليبية وبعثة الأمم المتحدة في البلاد، طالب 69 نائباً، السبت، بعقد جلسة طارئة لاختيار رئيس حكومة موحدة، استجابة للمظاهرات الشعبية. ودعا أعضاء مجلس النواب رئيسه عقيلة صالح لعقد هذه الجلسة لاستكمال إجراءات اختيار رئيس الحكومة الجديدة الموحدة من بين المرشحين الذين استوفوا الشروط القانونية وقدموا برامجهم.

واعتبر الموقعون على الطلب أن هذه الخطوة تأتي استجابة للتطلعات المشروعة للشعب الليبي، التي عبّر عنها بوضوح من خلال الحراك الشعبي والمظاهرات السلمية التي شهدتها عدة مدن ليبية، إلى جانب النداءات المتكررة من النخب الوطنية والمجالس الاجتماعية التي طالبت بضرورة الإسراع في توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام السياسي القائم. وطالب النواب بتحديد موعد عاجل للجلسة المرتقبة، مؤكدين أن المرحلة التي تمر بها البلاد تتطلب تحمل الجميع مسؤولياتهم الوطنية والعمل الجاد من أجل تحقيق الاستقرار وتلبية تطلعات الليبيين.

وتزامنت هذه التطورات مع إعلان المفوضية العليا للانتخابات، السبت، بدء مرحلة توزيع بطاقات الناخب لانتخابات المرحلة الثانية للمجالس البلدية، في 62 دائرة انتخابية تشمل 1075 مركزاً في مختلف أنحاء البلاد. وأكدت «المفوضية» أن العملية سوف تستمر حتى 20 يوليو (تموز) المقبل، دون إمكانية للتمديد، داعية المواطنين إلى التوجه لمراكزهم مصحوبين بإثبات الهوية، كما شددت على أهمية هذه الانتخابات في تعزيز اللامركزية والتنمية المحلية، داعية الجهات الأمنية والتنفيذية لدعم العملية.

الحفاظ على الأمن

تعزيزات أمنية في العاصمة طرابلس (داخلية الوحدة)

وأعلنت وزارة الداخلية بحكومة الوحدة «المؤقتة» مواصلة دوريات إدارة إنفاذ القانون وجودها على مدار الساعة في مناطق التماس بالعاصمة طرابلس، بهدف المحافظة على الأمن وحماية الممتلكات العامة والخاصة، مشيرة إلى تكثيف مختلف الأجهزة الأمنية تنفيذ مهامها لتأمين العاصمة، من خلال تعزيز التمركزات، وتكثيف الدوريات، ومراقبة مداخل ومخارج المدينة، بما يضمن تعزيز الأمن والاستقرار.

كما أعلنت تجهيز إدارة الدعم المركزي إحدى قواتها الأمنية استعداداً للانطلاق في تنفيذ المهام الموكلة إليها، مشيرة في بيان، مساء الجمعة، إلى أن هذا التجهيز يشمل توفير المعدات والوسائل اللوجيستية التي تضمن أداء العمل الأمني على النحو المطلوب، ضمن خطة التمركزات والنقاط الأمنية الموضوعة بالعاصمة طرابلس، ولا سيما في ميدان الشهداء والمناطق الحيوية الأخرى.

وأدرجت هذه الإجراءات ضمن الترتيبات الأمنية المعتمدة لضبط النظام العام وتعزيز الأمن والمحافظة على الممتلكات العامة والخاصة، بما يضمن سلامة المواطنين واستقرار الأوضاع في المدينة.

واستنكرت حكومة «الاستقرار» ما وصفته بـ«تحريف متعمد» من قبل بعثة الأمم المتحدة لمطالب المتظاهرين السلميين، متهمة البعثة بمحاولة تضليل الرأي العام الدولي وتشويه حقيقة ما يجري على الأرض الليبية. وأكدت في بيان، مساء الجمعة، أن المظاهرات الأخيرة في ليبيا تمثل تعبيراً مشروعاً عن الاستياء الشعبي المتزايد من أداء البعثة الأممية، التي لم تحقق أي تقدم ملموس منذ أكثر من عشر سنوات، بل ساهمت، بحسب البيان، في تعقيد الأزمة عبر دعم ترتيبات هشّة ومسارات غير واقعية.

مؤامرة ضد جهود التسوية

قوة خاصة للدعم المركزي (داخلية الوحدة)

وأدانت «الاستقرار» ما اعتبرته محاولات من البعثة لتصوير الاحتجاجات على أنها مؤامرة ضد جهود التسوية أو تحريض على العنف، معتبرة ذلك تنصلاً من المسؤولية وتشويهاً للمطالب الشعبية. وحذرت من «تجاوزات البعثة الأممية» وتدخلها في الشؤون الداخلية الليبية، داعية إلى التزامها بولايتها المحددة والامتناع عن أي تصرفات تمس أمن الدولة أو سيادتها.

وكانت البعثة الأممية قد أكدت احترامها التام وغير المشروط لحق جميع المواطنين في التظاهر السلمي والتعبير عن آرائهم بحرية، واعتبرت أن التواصل المباشر مع الشعب الليبي هو حجر الزاوية في عملها، وقالت إنها على أتم الاستعداد دائماً للقاء والمشاركة في الحوارات والاستماع إلى وجهات نظر الليبيين، بما في ذلك الاستماع إلى انشغالات ومطالب المتظاهرين السلميين.

واعتبرت البعثة تصريحات بعض الشخصيات السياسية الليبية وحملات التحريض والشائعات التي تُشن ضدها، مؤشراً على محاولة لتقويض أي تقدم نحو إطلاق عملية سياسية تهدف إلى إجراء انتخابات وطنية وتوحيد المؤسسات لتحقيق سلام واستقرار دائمين في ليبيا.

أيضاً جدد رئيس حكومة «الاستقرار»، أسامة حماد، رفضه القاطع لأي تشكيك في شرعية اتفاقيات حكومته مع الدول الصديقة، مؤكداً أن التعاون الليبي التركي يتم وفقاً للشرعية الدولية ولا يعتدي على سيادة أي دولة. وحذر، خلال حضوره تخريج دفعة جديدة من طلبة المعهد العالي للضباط، من عواقب استمرار سياسة التحريض والتصعيد اليوناني، مؤكداً احتفاظ ليبيا بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك الرد الصارم على أي مساس بسيادتها. كما شدد على أن حقوق ليبيا البحرية غير قابلة للمساومة، ولن تُناقش إلا ضمن الأطر القانونية الدولية، مشيراً إلى أن حكومته اتخذت خطوات حاسمة رداً على المواقف اليونانية الأخيرة.


مقالات ذات صلة

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

شمال افريقيا صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

اعتبرت لجنتان بمجلس النواب أن إبرام «حكومة الوحدة» اتفاقية لتطوير المنطقة الحرة بمصراتة «مخالفة صريحة» للإعلان الدستوري، تشمل «التفريط في مناطق اقتصادية حرة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا قاذفتان عثر عليهما جهاز المباحث الجنائية في طرابلس قبل انفجارهما (المكتب الإعلامي للجهاز)

الأمم المتحدة تدرّب «الهلال الأحمر» الليبي على مواجهة مخاطر الألغام

سعياً لنزع فتيل «القنابل الموقوتة» التي تطارد الليبيين، رعت الأمم المتحدة ورشة تدريبية على مواجهة مخلفات الحرب، ضمّت 21 متطوعاً بينهم 7 نساء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

وسط مخاوف ليبية من تداعيات تخفيض سعر صرف الدينار الليبي، برَّر «المصرف المركزي» قراره باستمرار «الانقسام السياسي وغياب ميزانية موحدة، وتفاقم الإنفاق المزدوج».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».


حذر مصري تجاه التدخل الأميركي في قضية «سد النهضة» رغم «الترحيب الرسمي»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (رويترز)
TT

حذر مصري تجاه التدخل الأميركي في قضية «سد النهضة» رغم «الترحيب الرسمي»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (رويترز)

وسط أنباء عن لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش منتدى دافوس في سويسرا، يبدو أن هناك حذراً مصرياً فيما يتعلق بعرض واشنطن استئناف الوساطة في نزاع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا على الرافد الرئيسي لنهر النيل ويثير توترات مع مصر والسودان.

وحسب وسائل إعلام مصرية، الاثنين، سيتوجه السيسي إلى سويسرا للمشاركة في منتدى دافوس، وستشهد زيارته عقد قمة مع ترمب، لمناقشة عدد من القضايا المشتركة ومنها رسالة الرئيس الأميركي بشأن «سد النهضة».

كان ترمب قد نشر، الجمعة، على منصته «تروث سوشيال» رسالة قال فيها إنه وجهها إلى السيسي، وأعرب فيها عن أمله في ألا يؤدي الخلاف القائم حول «سد النهضة» إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا، مؤكداً أن ⁠الولايات المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل؛ وهو ما قوبل بترحيب مصري رسمي.

وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري»، ومؤكداً حرص مصر على التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل.

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على «فيسبوك»)

وزير الموارد المائية المصري الأسبق محمد نصر الدين علام، قال: «هناك أمور غير واضحة في خطاب ترمب، فهل يقصد استكمال أو إحياء مخطط اتفاقية عنتيبي التي انسحبت منها مصر والسودان نتيجة لعدم اعتراف دول المنبع بحصتيهما المائية والاتفاقيات التاريخية؟ أم يقصد إثيوبيا وضرورة عدم الاستمرار في إضرارها بمصر والسودان؟ كل هذه أمور غير واضحة».

وواصل علام حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أمطار إثيوبيا السنوية لا تقل عن 1000 مليار متر مكعب (20 مرة حصة مصر المائية)، وأقامت سدوداً على أنهارها المشتركة مع جميع دول الجوار، وتستخدم مياه بحيرة تانا للشرب والزراعة، وتصدر الكهرباء لدول الجوار، لذلك من الواضح أنه لا معنى ولا هدف من تعبير إعادة تقسيم مياه النيل الوارد في خطاب ترمب إلا (فقط) الإضرار بدولتي المصب».

وقال خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد: «يمكن تفسير رسالة الرئيس ترمب المتعلقة بدور الوساطة على أنها تحمل طابعاً غامضاً وغير محدد، مما يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة ومتنوعة. فقد تمت صياغتها بلغة دبلوماسية رسمية، إلا أنها تفتقر إلى القوة السياسية اللازمة، خصوصاً في سياق نزاع مائي يتسم بطابع وجودي يهدد مصالح الدول المعنية».

وهو يرى أن الرسالة تهدف إلى «نقل الصراع من إطاره القانوني إلى الإطار السياسي، مع الدعوة إلى إعادة التفاوض بشكل جديد وموضوع جديد كان مخفياً وبدأ يظهر للعلن؛ فالتفاوض المقترح يركز على إعادة تقسيم مياه نهر النيل بين دول الحوض، بدلاً من الالتزام بالحقوق التاريخية المعترف بها».

وأضاف عبد الواحد، الذي عمل من قبل على ملف المياه بجهاز المخابرات العامة المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «رسالة ترمب تتجاهل الدوافع الأساسية لكل طرف مشارك؛ ففي حين تُمثل التنمية الاقتصادية الدافع الرئيسي لإثيوبيا كما تدَّعي في هذا النزاع، يرتبط دافع مصر بالحفاظ على الحياة والبقاء. وبهذا، يُظهر الوسيط انحيازاً واضحاً نحو الطرف الآخر، إذ يعتمد الإطار الفكري والمصطلحات المستخدمة في أدبيات دول الحوض».

وتابع: «علاوة على ذلك، قد يسهم ترمب في تهميش الخلاف من خلال تحويله إلى أزمة قابلة للإدارة، ترتبط أساساً بإعادة توزيع المياه، وربما يتضمن ذلك الضغط على مصر والسودان مستقبلاً لشراء الطاقة الكهربائية الناتجة عن السد مقابل التنازل عن بعض الحقوق المائية وإعادة توزيع حصتيهما من المياه، كما حدث في حالة مشابهة مع كينيا».

المحللة السياسية المصرية المقيمة في برلين، جيهان أبو زيد، لفتت إلى أن «ترمب لم يتطرق إلى أي شيء مما يؤرق مصر؛ وهي الحقوق المائية التاريخية، ولم يتحدث عن أي التزام قانوني بتلك الحقوق أو جوانب تقنية؛ بل كل ما ذكره مصطلح تقاسم المياه، فهو على ما يبدو لا يريد أن يُغضب إثيوبيا، وهو ما يعني أنه لن يُلزمها بشيء، والمسألة فقط مجرد سعي لإدارة الأزمة وليس حلها كما حدث في 2020 عندما رفضت إثيوبيا التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه برعاية إدارة ترمب في ولايته الأولى».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «ترمب استخدم مصطلح أن هذا نزاع مفهوم، وهو مصطلح يعطي مؤشرات غير مريحة، بل يُبسّط المسألة على أنها مجرد نزاع وليس قضية حياة كما تراها مصر. وإجمالاً فهذا الخطاب كما لو أنه يقول إن أميركا موجودة في أفريقيا وفي الشرق الأوسط، وإن ملف سد النهضة تحت يديها ولن يذهب لأي دول أخرى تحاول أن تلعب دوراً في المنطقة».