أحكام قضائية ضد قياديين في «جبهة الإنقاذ» الجزائرية

بتهمتي «المسّ بوحدة الوطن» و«استخدام جراح المأساة الوطنية»

محكمة الجنايات بالعاصمة الجزائرية (متداولة)
محكمة الجنايات بالعاصمة الجزائرية (متداولة)
TT

أحكام قضائية ضد قياديين في «جبهة الإنقاذ» الجزائرية

محكمة الجنايات بالعاصمة الجزائرية (متداولة)
محكمة الجنايات بالعاصمة الجزائرية (متداولة)

خرج المتعاطفون مع القياديين في حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الجزائري المحظور، مخذولين من محكمة الجنايات في العاصمة، بعد إدانتهم، مساء الخميس، بالحبس النافذ لمدد تتراوح بين 3 سنوات والمؤبد. وقد اعتقلهم الأمن في عام 2023 إثر نشرهم بياناً على الإنترنت يتعاطى مع الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، رأت فيه السلطات محاولة لبعث الحزب بعد 33 سنة من حلّه.

استمرت محاكمة عناصر «الجبهة الإسلامية للإنقاذ الأصيلة» الـ18 لمدة 10 ساعات كاملة، تخلّلها شعور بالأمل في تبرئتهم من التهم في بدايتها، ويأس عند اقترابها من النهاية، حين التمس ممثل النيابة الحبس 12 سنة مع التنفيذ بحق الموقوفين الـ16، والمصير الأبدي خلف القضبان لشخصين متهمين «هاربين من القضاء»، وفق تقرير النيابة بشأن الملف.

كما ظهرت إشارات إيجابية لفائدة المتهمين عند انطلاق المحاكمة، لما أعلنت هيئة المحكمة التخلي عن التهمة الجنائية «إنشاء تنظيم إرهابي» التي وُجهت لكل القياديين الإسلاميين، وأبقت جنحتي «المسّ بوحدة الوطن» و«استخدام جراح المأساة الوطنية والاعتداد بها». ويُقصد بها «توظيف الآلام التي خلّفها الإرهاب خلال تسعينات القرن الماضي لتحقيق مكاسب سياسية»، حسب المفهوم الذي تتضمنه هذه التهمة في «قانون المصالحة والسلم» الذي أصدرته السلطات عام 2006 لطيّ صفحة الاقتتال الدامي مع الجماعات الإرهابية، الذي ترى أن «جبهة الإنقاذ» هي المتسبّب الوحيد فيه.

أحكام متفاوتة

علي بن حجر (يمين) المتهم الرئيسي في القضية (حسابات ناشطين إسلاميين)

وأنزلت المحكمة عقوبة الحبس 4 سنوات مع التنفيذ ضد 6 من الموقوفين، هم: علي بن حجر، ويوسف بوبراس، وأحمد الزاوي، ونصر الدين تركمان، ومحفوظ رحماني، وبدر الدين قرفة. ودانت بالحبس 3 سنوات مع التنفيذ 9 آخرين، هم: مرزوق خنشالي، ومبروك سعدي، وحشماوي بن يمينة، ومكي سي بلحول، وشمس الدين برحال، وقدور بوتشيش، وكمال كانون، وحمزي مولود، وعيسى محمد.

وشملت الأحكام الحبس النافذ لمدة سنتين ضد الناشط الإسلامي بلقاسم خنشة، والحبس المؤبد غيابياً ضد الناشطين إبراهيم غربي، ولخضر عزيزي.

وأكثر المتهمين شهرةً علي بن حجر، الذي تزعم تنظيماً مسلحاً في أواسط التسعينيات سمّاه «جماعة الدعوة والجهاد»، وأعلن بنفسه حلّه عام 1997 في إطار ما عُرف آنذاك بـ«الهدنة مع الذراع المسلحة لجبهة الإنقاذ»، التي أفضت مطلع عام 2000 إلى عفو عن 6 آلاف مسلّح.

كما يبرز في المجموعة أحمد الزاوي، الذي غادر البلاد في تلك الفترة هارباً من الملاحقة الأمنية، وأمضى سنوات طويلة في الخارج بين لاجئ سياسي ومعتقل. وعاد منذ فترة قصيرة ليقيم بين عائلته في مدينة المدية جنوب العاصمة، حيث يعيش بن حجر أيضاً.

وتعود وقائع القضية إلى أواخر شهر سبتمبر (أيلول) 2023، عندما بثّ بن حجر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، تلا فيه بياناً باسم «أطر الجبهة الإسلامية للإنقاذ الأصيلة»، وتضمن انتقادات حادّة للأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، وطالب برفع القيود المفروضة على النشطاء السياسيين، إلى جانب الإفراج عن نحو 30 سجيناً إسلامياً يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد منذ التسعينيات، بتهم تتعلق بـ«الإرهاب»، في أعقاب اندلاع المواجهات بين الإسلاميين المسلحين وقوات الأمن، بعد تدخل الجيش لإلغاء نتائج الانتخابات التي فازت بها «الجبهة» في نهاية عام 1991.

محاولة لإحياء الجبهة

علي بن حاج نائب رئيس جبهة الإنقاذ سابقاً (الشرق الأوسط)

كما طالب البيان بالإفراج عن علي بن حاج، نائب رئيس «الجبهة» السابق، الذي يخضع للإقامة الجبرية منذ أكثر من عام، وكذلك إطلاق سراح حوالي 200 من نشطاء الحراك الشعبي، الذين يعتبرهم الحقوقيون معتقلين سياسيين، بينما تنفي السلطات هذه الصفة عنهم.

وقد قُوبلت هذه الخطوة برد فعل غاضب من السلطات، التي اعتبرتها «محاولة لإحياء نشاط الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة. ورأى مراقبون أن سجنهم وإدانتهم قضائياً يشكّلان رسالة تحذير لبقية نشطاء «جبهة الإنقاذ» في حال فكّروا في إطلاق أي مبادرة سياسية مماثلة ميدانياً. بمعنى آخر، تسعى السلطات إلى طيّ صفحة التسعينات ورموزها، وقد نصّ «قانون المصالحة» على عقوبات تُفعّل بحق أي شخص، بمن فيهم الصحافيون، في حال الخوض في المجازر أو الاغتيالات أو حالات الاختفاء القسري التي وقعت خلال تلك المرحلة.

وفي اليوم نفسه كانت المحكمة ذاتها في قاعة أخرى بصدد معالجة «قضية الباحث في التاريخ محمد الأمين بلغيث»، الذي التمست النيابة بحقه 7 سنوات حبساً نافذاً، بناء على تهمتي «نشر خطاب الكراهية والتمييز عن طريق تكنولوجيات الإعلام والاتصال»، وأيضاً «الترويج المتعمد لمعلومات أو أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالنظام العام، والمساس بالسلامة والوحدة الوطنية».

وأعلن القاضي في ختام المرافعات أنّ الحكم سيصدر في الثالث من يوليو (تموز) المقبل.

وتعود أسباب المشاكل القضائية التي يواجهها الباحث إلى تصريحاته المثيرة للجدل خلال مقابلة مع قناة تلفزيونية، حيث زعم أن اللسان الأمازيغي، الذي يتحدث به ملايين الجزائريين، هو «مشروع آيديولوجي فرنسي صهيوني يهدف إلى تقويض وحدة شعوب المغرب العربي»، وذلك ضمن ما وصفه بـ«تصوّر فرنسي استعماري يسعى إلى خلق مغرب عربي ناطق بالفرنسية».

وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً وانقساماً في الأوساط الحزبية والسياسية؛ فبينما رأى بعض الناشطين أن ما عبّر عنه بلغيث «لا يعدو أن يكون رأياً أكاديمياً لا يستوجب ملاحقة قضائية»، وكان الأجدر الرد عليه بالحوار والحجج في قضايا الهوية والثقافة، اعتبر آخرون أنه «كان يعبّر عن موقف شخصي معادٍ للأمازيغ»، خصوصاً أنه معروف بمواقفه المدافعة بشدة عن عروبة الجزائر.


مقالات ذات صلة

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

رياضة عربية الجماهير الجزائرية احتفلت بفوز السنغال (رويترز)

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

احتفلت جماهير جزائرية بتتويج منتخب السنغال بلقب بطولة كأس أمم أفريقيا 2025، عقب تغلبه على نظيره منتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

عرضت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، سيغولين روايال، خطة من 3 نقاط لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

خضعت السلطات الجزائرية لضغط الشارع المهني، بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».