اليمن: غياب الأمطار يخنق الزارعة في تعز ولحج

الأمن الغذائي مهدد بسبب الاضطرابات المناخية

قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)
قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)
TT

اليمن: غياب الأمطار يخنق الزارعة في تعز ولحج

قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)
قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)

بعد طول انتظار، هطلت الأمطار على أجزاء من محافظتي تعز ولحج الواقعتين في جنوب غربي اليمن، في حين لا يزال أغلب المزارعين في بقية المناطق يلقون بذور الحبوب والبقوليات في أراضيهم على أمل أن تصل إليها المياه قبل فوات موسم زراعتها، وسط مخاوفهم من تلفها.

ويشير المهندس الزراعي سمير المقطري إلى أن تأخر هطول الأمطار وتغيرات مواسم الزراعة وانعدام البدائل يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي بشكل كبير، ويؤثر على تربية المواشي، ما يضر بالأمن الغذائي لغالبية العائلات الريفية، الذين يعتمدون على هذه الأنشطة في توفير جزء كبير من قوتهم طوال العام.

ويبين المقطري لـ«الشرق الأوسط» أن محاصيل الحبوب والبقوليات التي تعتمد زراعتها على موسم الأمطار، تمثل مصدراً غذائياً مهماً للمزارعين وعائلاتهم في فترات السنة؛ خصوصاً في الشتاء التالي لمرحلة الحصاد؛ حيث يستغنون خلاله بشكل كبير عن الأغذية المستوردة، كما أن بيع جزء من محصولهم يساهم في توفير دخل مؤقت لهم في تلك الفترات.

أمطار غزيرة هطلت أخيراً على بعض مناطق تعز ولحج، لكن بعد تلف البذور في التربة (إكس)

وتشهد غالبية أرياف المديريات الجنوبية لمحافظة تعز جفافاً غير مسبوق، ويعاني السكان هناك من شحة المياه، ويلجأ الأطفال والنساء إلى قطع مسافات طويلة لنقل كميات محدودة من المياه للشرب والاستخدامات المنزلية على رؤوسهم أو على ظهور الحيوانات.

من جهته، يقول نبيل سعيد، وهو معلم يعمل في مديرية الشمايتين في محافظة تعز، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اضطر أخيراً لدفع مبالغ مالية للعائلة التي مكنها من الانتفاع بالأراضي الزراعية التي يملكها في مديرية المقاطرة التابعة لمحافظة لحج (موطنه الأصلي) للحفاظ عليها من التدهور.

ويبرر اضطراره لدفع تلك المبالغ بأن العائلة اشتكت له من عدم قدرتها على زراعة أراضيه وتحمل تكاليف ذلك، بعد أن كانت في بداية الأمر تقاسمه المحصول نهاية كل موسم، وتهديه من منتجات المواشي التي تربيها.

جفاف طويل

وسط هذه التقلبات المناخية في اليمن حذّر تقرير أممي من تدهور واسع في القطاع الزراعي، نتيجة استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ومن تداعيات خطيرة على سبل العيش وتأمين الغذاء.

صعوبة كبيرة يواجهها السكان في تربية المواشي بسبب الجفاف (فيسبوك)

وذكرت «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)» في تقرير لنظام معلومات الأمن الغذائي والإنذار المبكر التابع لها، أن اليمن عاش، الشهر الماضي، هطول أمطار محلية محدوداً في المرتفعات، وجفافاً في المناطق الشرقية والساحلية.

وتجاوزت درجات الحرارة حاجز 42 درجة مئوية في المناطق الشرقية والساحلية، ما تسبب في زيادة معدلات التبخر وانخفاض رطوبة التربة، وإجهاد المحاصيل، حتى في مناطق المرتفعات التي تتميز عادة بدرجات حرارة أكثر برودة.

وأعربت المنظمة عن مخاوفها من أن تعرض الموارد المائية لضغوط إضافية بسبب ضعف تدفق المياه وارتفاع الحاجة إلى الري سيفاقم التحديات التي تواجه المجتمعات الزراعية، خصوصاً في المناطق المرتفعة والساحلية، مطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من أثر الجفاف على الإنتاج الزراعي، ودعم المزارعين، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر.

وتراجعت، خلال السنوات الأخيرة، كميات الأمطار في محافظة لحج، بالتوازي مع ارتفاع درجات الحرارة، ما ألقى بتأثيرات قاسية على السكان الذين يعمل غالبيتهم في الزراعة.

سكان في محافظة لحج يجلبون الماء من قرى بعيدة بعد أن ضرب الجفاف قراهم (إعلام محلي)

ويصف الخبير الزراعي محمد سيف ثابت الوضع في محافظة لحج بأنه يقترب من الكارثي، بعد أن زحفت الرمال على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وجرَّدتها من الغطاء النباتي تماماً، في حين بات الحصول على الماء للاستخدامات المنزلية هاجساً يؤرق غالبية السكان.

وأوضح ثابت لـ«الشرق الأوسط» أن محافظتَي تعز ولحج من أكثر مناطق البلاد تأثراً بالجفاف والتغيرات المناخية، بسبب ضيق المساحة الصالحة للزراعة مقارنة بالكثافة السكانية التي تضاعفت خلال سنوات الحرب بفعل النزوح، واضطرار آلاف العائلات المهاجرة داخل البلاد، والتي تنتمي إلى المحافظتين، للعودة إلى موطنها الأصلي.

إهلاك الغطاء النباتي

كشف التقرير الأممي عن تدهور مؤشرات الغطاء النباتي بشكل ملحوظ في معظم المناطق الزراعية، في حين أدى نقص الأمطار وارتفاع الحرارة إلى ظهور علامات مبكرة لإجهاد نباتي واسع النطاق، ما قد ينعكس سلباً على إنتاجية المحاصيل خلال الموسم الزراعي الرئيسي.

قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)

ونوه التقرير بأن تأخر الزراعة في المناطق المطرية، وانخفاض توافر الأعلاف للمواشي، إلى جانب ارتفاع تكاليف المدخلات، عوامل تزيد من هشاشة سبل العيش، وتُعمّق من مخاطر أزمة غذائية في الأرياف.

ووفقاً للخبير الزراعي ثابت، فإن النزوح الذي تسببت به الحرب مثّل ضغطاً هائلاً على الموارد المائية من جهة، ودفع إلى مزيد من الاحتطاب الجائر في ظل أزمات الغاز المنزلي وارتفاع أسعاره، ما ساهم في إهلاك الغطاء النباتي والتراجع في رطوبة الجو التي تساعد على هطول الأمطار، وارتفاع متزايد في درجات الحرارة.

وأدى الجفاف إلى عزوف العديد من العائلات في المحافظة عن مزاولة مهنة الزراعة والهجرة إلى مناطق أخرى للبحث عن سبل عيش أخرى، وهو ما فاقم من تصحُّر المناطق المهجورة.

معاناة طويلة يعيشها اليمنييون بسبب الجفاف والحرب تعقد إمكانية إيجاد حلول (إ.ب.أ)

ويتوقع عبد الله ناجي، وهو ناشط اجتماعي في مديرية القبيطة بلحج، أن يبدأ موسم الأمطار، خلال الأسابيع المقبلة، ليساعد السكان في تجاوز أزمات المياه والجفاف ويعمل على إحياء أجزاء من الأراضي الزراعية الجافة، وإن كان ذلك لن يمكنهم من استئناف موسم الزراعة.

ويرى ناجي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المزارعين يفتقرون الخبرات والإمكانيات الكافية للتعامل مع تأخر مواسم الأمطار وتغيير مواسم الزراعة تبعاً لذلك، وإدارة الموارد المائية القليلة بما يمكنهم من حماية أمنهم الغذائي وفق المتاح.


مقالات ذات صلة

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

العالم العربي الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

يُعدّ الفريق الركن محمود الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)

اليمن: الزنداني رئيساً للوزراء... وبن بريك مستشاراً للعليمي

قرَّر الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني تعيين الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء خلفاً لسالم بن بريك، وتكليفه بتشكيل الحكومة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج محمد آل جابر السفير السعودي لدى اليمن (حسابه في منصة إكس)

دعم سعودي جديد بـ90 مليون دولار لميزانية الحكومة اليمنية

أعلن محمد آل جابر، سفير السعودية لدى اليمن، تقديم بلاده دعماً جديداً لميزانية الحكومة اليمنية لصرف رواتب موظفي الدولة في جميع القطاعات، بتوجيه من القيادة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج السفير السعودي محمد آل جابر لدى لقائه الوفد الجنوبي اليمني في الرياض الأسبوع الماضي (حسابه على منصة إكس)

قيادات جنوبية يمنية: نرفض ادعاءات احتجازنا في الرياض

أكدت القيادات الجنوبية اليمنية الموجودة بالرياض رفضها الكامل للادعاءات المتضمنة احتجازها، التي نشرتها إحدى القنوات، وجرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.