اليمن: غياب الأمطار يخنق الزارعة في تعز ولحج

الأمن الغذائي مهدد بسبب الاضطرابات المناخية

قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)
قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)
TT

اليمن: غياب الأمطار يخنق الزارعة في تعز ولحج

قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)
قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)

بعد طول انتظار، هطلت الأمطار على أجزاء من محافظتي تعز ولحج الواقعتين في جنوب غربي اليمن، في حين لا يزال أغلب المزارعين في بقية المناطق يلقون بذور الحبوب والبقوليات في أراضيهم على أمل أن تصل إليها المياه قبل فوات موسم زراعتها، وسط مخاوفهم من تلفها.

ويشير المهندس الزراعي سمير المقطري إلى أن تأخر هطول الأمطار وتغيرات مواسم الزراعة وانعدام البدائل يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي بشكل كبير، ويؤثر على تربية المواشي، ما يضر بالأمن الغذائي لغالبية العائلات الريفية، الذين يعتمدون على هذه الأنشطة في توفير جزء كبير من قوتهم طوال العام.

ويبين المقطري لـ«الشرق الأوسط» أن محاصيل الحبوب والبقوليات التي تعتمد زراعتها على موسم الأمطار، تمثل مصدراً غذائياً مهماً للمزارعين وعائلاتهم في فترات السنة؛ خصوصاً في الشتاء التالي لمرحلة الحصاد؛ حيث يستغنون خلاله بشكل كبير عن الأغذية المستوردة، كما أن بيع جزء من محصولهم يساهم في توفير دخل مؤقت لهم في تلك الفترات.

أمطار غزيرة هطلت أخيراً على بعض مناطق تعز ولحج، لكن بعد تلف البذور في التربة (إكس)

وتشهد غالبية أرياف المديريات الجنوبية لمحافظة تعز جفافاً غير مسبوق، ويعاني السكان هناك من شحة المياه، ويلجأ الأطفال والنساء إلى قطع مسافات طويلة لنقل كميات محدودة من المياه للشرب والاستخدامات المنزلية على رؤوسهم أو على ظهور الحيوانات.

من جهته، يقول نبيل سعيد، وهو معلم يعمل في مديرية الشمايتين في محافظة تعز، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اضطر أخيراً لدفع مبالغ مالية للعائلة التي مكنها من الانتفاع بالأراضي الزراعية التي يملكها في مديرية المقاطرة التابعة لمحافظة لحج (موطنه الأصلي) للحفاظ عليها من التدهور.

ويبرر اضطراره لدفع تلك المبالغ بأن العائلة اشتكت له من عدم قدرتها على زراعة أراضيه وتحمل تكاليف ذلك، بعد أن كانت في بداية الأمر تقاسمه المحصول نهاية كل موسم، وتهديه من منتجات المواشي التي تربيها.

جفاف طويل

وسط هذه التقلبات المناخية في اليمن حذّر تقرير أممي من تدهور واسع في القطاع الزراعي، نتيجة استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ومن تداعيات خطيرة على سبل العيش وتأمين الغذاء.

صعوبة كبيرة يواجهها السكان في تربية المواشي بسبب الجفاف (فيسبوك)

وذكرت «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)» في تقرير لنظام معلومات الأمن الغذائي والإنذار المبكر التابع لها، أن اليمن عاش، الشهر الماضي، هطول أمطار محلية محدوداً في المرتفعات، وجفافاً في المناطق الشرقية والساحلية.

وتجاوزت درجات الحرارة حاجز 42 درجة مئوية في المناطق الشرقية والساحلية، ما تسبب في زيادة معدلات التبخر وانخفاض رطوبة التربة، وإجهاد المحاصيل، حتى في مناطق المرتفعات التي تتميز عادة بدرجات حرارة أكثر برودة.

وأعربت المنظمة عن مخاوفها من أن تعرض الموارد المائية لضغوط إضافية بسبب ضعف تدفق المياه وارتفاع الحاجة إلى الري سيفاقم التحديات التي تواجه المجتمعات الزراعية، خصوصاً في المناطق المرتفعة والساحلية، مطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من أثر الجفاف على الإنتاج الزراعي، ودعم المزارعين، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر.

وتراجعت، خلال السنوات الأخيرة، كميات الأمطار في محافظة لحج، بالتوازي مع ارتفاع درجات الحرارة، ما ألقى بتأثيرات قاسية على السكان الذين يعمل غالبيتهم في الزراعة.

سكان في محافظة لحج يجلبون الماء من قرى بعيدة بعد أن ضرب الجفاف قراهم (إعلام محلي)

ويصف الخبير الزراعي محمد سيف ثابت الوضع في محافظة لحج بأنه يقترب من الكارثي، بعد أن زحفت الرمال على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وجرَّدتها من الغطاء النباتي تماماً، في حين بات الحصول على الماء للاستخدامات المنزلية هاجساً يؤرق غالبية السكان.

وأوضح ثابت لـ«الشرق الأوسط» أن محافظتَي تعز ولحج من أكثر مناطق البلاد تأثراً بالجفاف والتغيرات المناخية، بسبب ضيق المساحة الصالحة للزراعة مقارنة بالكثافة السكانية التي تضاعفت خلال سنوات الحرب بفعل النزوح، واضطرار آلاف العائلات المهاجرة داخل البلاد، والتي تنتمي إلى المحافظتين، للعودة إلى موطنها الأصلي.

إهلاك الغطاء النباتي

كشف التقرير الأممي عن تدهور مؤشرات الغطاء النباتي بشكل ملحوظ في معظم المناطق الزراعية، في حين أدى نقص الأمطار وارتفاع الحرارة إلى ظهور علامات مبكرة لإجهاد نباتي واسع النطاق، ما قد ينعكس سلباً على إنتاجية المحاصيل خلال الموسم الزراعي الرئيسي.

قرية في محافظة لحج تنتظر الأمطار منذ أشهر طويلة (فيسبوك)

ونوه التقرير بأن تأخر الزراعة في المناطق المطرية، وانخفاض توافر الأعلاف للمواشي، إلى جانب ارتفاع تكاليف المدخلات، عوامل تزيد من هشاشة سبل العيش، وتُعمّق من مخاطر أزمة غذائية في الأرياف.

ووفقاً للخبير الزراعي ثابت، فإن النزوح الذي تسببت به الحرب مثّل ضغطاً هائلاً على الموارد المائية من جهة، ودفع إلى مزيد من الاحتطاب الجائر في ظل أزمات الغاز المنزلي وارتفاع أسعاره، ما ساهم في إهلاك الغطاء النباتي والتراجع في رطوبة الجو التي تساعد على هطول الأمطار، وارتفاع متزايد في درجات الحرارة.

وأدى الجفاف إلى عزوف العديد من العائلات في المحافظة عن مزاولة مهنة الزراعة والهجرة إلى مناطق أخرى للبحث عن سبل عيش أخرى، وهو ما فاقم من تصحُّر المناطق المهجورة.

معاناة طويلة يعيشها اليمنييون بسبب الجفاف والحرب تعقد إمكانية إيجاد حلول (إ.ب.أ)

ويتوقع عبد الله ناجي، وهو ناشط اجتماعي في مديرية القبيطة بلحج، أن يبدأ موسم الأمطار، خلال الأسابيع المقبلة، ليساعد السكان في تجاوز أزمات المياه والجفاف ويعمل على إحياء أجزاء من الأراضي الزراعية الجافة، وإن كان ذلك لن يمكنهم من استئناف موسم الزراعة.

ويرى ناجي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المزارعين يفتقرون الخبرات والإمكانيات الكافية للتعامل مع تأخر مواسم الأمطار وتغيير مواسم الزراعة تبعاً لذلك، وإدارة الموارد المائية القليلة بما يمكنهم من حماية أمنهم الغذائي وفق المتاح.


مقالات ذات صلة

تقرير أممي يكذب مزاعم حصار الموانئ الخاضعة للحوثيين

العالم العربي ارتفاع واردات القمح إلى موانئ الحوثيين يناقض مزاعم الحصار (إعلام محلي)

تقرير أممي يكذب مزاعم حصار الموانئ الخاضعة للحوثيين

كشف تقرير أممي ارتفاع واردات القمح إلى موانئ الحوثيين بنسبة 73 % بما يدحض مزاعم الحصار بالتزامن مع تحذيرات من تفاقم انعدام الأمن الغذائي واتساع رقعة الجوع

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي قيود الحوثيين أدت إلى صعوبة وصول المساعدات الإنسانية لليمنيين (رويترز)

تصعيد الحوثيين يدفع لموجات نزوح جديدة في اليمن

رصدت منظمة الهجرة الدولية نزوح عشرات الأسر اليمنية خلال أسبوعين بفعل المخاوف الأمنية المرتبطة بتصعيد الحوثيين بينما حذرت تقارير من اتساع الأزمة الإنسانية

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
تحليل إخباري عناصر من قوات خفر السواحل اليمنية قبالة جزيرة حنيش في البحر الأحمر (أ.ف.ب) p-circle

تحليل إخباري محللون: مستقبل الحوثيين مرهون بمصير إيران... والحل يبدأ باستعادة الدولة

ربط محللون مستقبل الجماعة الحوثية بمصير النظام الإيراني وتطورات المواجهة الإقليمية، في أعقاب التصعيد الأخير الذي طال أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي الترصد الوبائي في اليمن أسهم في احتواء الكوليرا والحصبة (إعلام محلي)

دعم أممي يعزز مواجهة اليمن تفشي الأمراض الوبائية

أكدت منظمة الصحة العالمية أن الدعم الأممي عزز استجابة اليمن لموجات الكوليرا والحصبة، عبر دعم الترصد والعلاج وخدمات الأمومة والأمراض المزمنة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون يواصلون التعبئة والحشد ضمن مساعيهم إلى نسف التهدئة في اليمن (رويترز)

سكان صنعاء يحملون الحوثيين مسؤولية تقويض مسار التهدئة

تتصاعد المخاوف في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين من أن يقود التصعيد العسكري في البحر الأحمر والجبهات الداخلية إلى تقويض جهود السلام وسط مطالب شعبية بإنهاء الصراع

«الشرق الأوسط» (صنعاء)