إسرائيل تلاحق خزائن «حزب الله» من دمشق إلى الضاحية وصيدا

أموال محترقة تحت الأنقاض في لبنان... وصرافون ومؤسسات على لائحة الأهداف

عناصر من «حزب الله» خلال مناورة عسكرية نظمها الحزب بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال مناورة عسكرية نظمها الحزب بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)
TT

إسرائيل تلاحق خزائن «حزب الله» من دمشق إلى الضاحية وصيدا

عناصر من «حزب الله» خلال مناورة عسكرية نظمها الحزب بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال مناورة عسكرية نظمها الحزب بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)

يتصدّر الإعلان الإسرائيلي عن استهداف الصراف هيثم بكري في جنوب لبنان، الثلاثاء، بذريعة تحويل أموال لـ«حزب الله»، قائمة الملاحقة الإسرائيلية لأموال الحزب، والتي بدأت تتكشف في عام 2020 في سوريا، وشهدت ذروتها خلال الحرب الموسعة الأخيرة على لبنان؛ إذ استهدفت الغارات الإسرائيلية مباني تحتوي على أموال يُعتقد أنها عائدة للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ويعد الإعلان الإسرائيلي عن ملاحقة صراف، ونشر معلومات عن صرافين آخرين اتهمتهم بمساعدة الحزب على التموّل، إعلاناً إسرائيلياً نادراً، بالنظر إلى أن الإعلانات السابقة كانت تتحدث عن استهدافات عسكرية، وهو ما كان ينفيه سكان الضاحية، قبل أن تتضح صحة بعض تقديراتهم بعد الحرب؛ إذ ظهر أن بعض الأهداف كانت متصلة بأموال.

ولجأ الحزب إلى الاقتصاد النقدي بشكل كامل، بعد إخراج جميع المشتبه بأنهم من محازبيه وأنصاره وعائلاتهم من النظام المصرفي اللبناني، بدءاً من 2011، حسبما تقول مصادر مالية لـ«الشرق الأوسط»، مشيرة إلى أن الضغوط الإسرائيلية على هذا الجانب «تتناغم مع الضغوط الدولية لتجفيف قنوات التمويل بالكامل»، بينها الإجراءات في مطار بيروت، وإغلاق ممرات التهريب مع سوريا.

أموال محترقة تحت الركام

في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، كانت عناصر من «حزب الله» تضرب طوقاً أمنياً حول مبنى مدمر في حارة حريك، خلال عملية رفع الركام، حسبما تقول مصادر في الضاحية شاهدت رفع «ما تبقى من خزنات حديدية» من الموقع المستهدف. وتقول إن «أياً من السكان الذين حضروا لانتشال مقتنياتهم الثمينة من تحت الركام، لم يقل إنها عائدة له»، مما يرجح أنها للحزب.

وتلك الحادثة لم تكن الوحيدة؛ إذ يتبادل سكان الضاحية مشاهد رأوها خلال عمليات إزالة الركام. يتحدث أحدهم لـ«الشرق الأوسط» عن مشاهدته أوراقاً نقدية من فئة «مائة دولار» محترقة جراء قصف إسرائيلي طال منطقة المريجة خلال الحرب، لكنه لا يجزم بما إذا كانت للحزب، أو لأحد سكان المبنى.

تتوسع الروايات إلى جنوب لبنان، فيتحدث السكان عن العثور على أموال تعرضت للاحتراق في إحدى قرى قضاء النبطية، بعد تعرض المنزل لاستهداف إسرائيلي، في حين قُتل عنصر في الحزب كان مسؤولاً عن نقل الرواتب خلال الحرب في شمال لبنان، حسبما أفادت وسائل إعلام لبنانية آنذاك.

لبنانيون يتفقدون الدمار الناتج جرّاء قصف إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية في يونيو 2025 (أ.ب)

وتقود تلك الروايات إلى قناعة راسخة لدى جمهور الحزب بأن إسرائيل «عملت خلال الحرب على التضليل بزعمها أن جميع المباني التي استهدفتها كانت تتضمن معدات عسكرية»، ويقول هؤلاء إن «ما كشفته الحرب من أسرار أمنية، أن هناك أهدافاً لم تكن تعلن عنها، تتصل بأموال الحزب»، رغم عدم إعلان «حزب الله» عن ذلك.

البداية من سوريا

والحال أن مسار الملاحقة الإسرائيلية لأموال الحزب ومؤسساته الخدمية يعود إلى عام 2020 على أقل تقدير، واستُهدفت سيارات نقل أموال إيرانية عبر سوريا إلى لبنان. ففي أبريل (نيسان)، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة في جديدة يابوس الحدودية مع لبنان بريف دمشق، حيث ألقت صاروخاً قرب السيارة، مما أتاح لركابها الخروج منها، قبل أن يتم استهداف السيارة مباشرة. وقال ناشطون معارضون لنظام الأسد في ذلك الوقت إن السيارة «كانت تقل أموالاً لـ(حزب الله)».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، استهدف قصف إسرائيلي شاحنات في منطقة جبل المانع في ريف دمشق الجنوبي، وتبين أن الشاحنات كانت تنقل أموالاً نُقلت أيضاً عبر طائرة شحن إيرانية إلى دمشق، حسبما قال ناشطون سوريون معارضون لنظام الأسد.

تكررت الاستهدافات في سوريا منذ ذلك الوقت، مع أن إسرائيل لطالما أعلنت رسمياً، أو عبر تسريبات لوسائل إعلام عبرية، عن استهداف معدات عسكرية. وتقول مصادر سورية كانت قريبة من نظام الأسد لـ«الشرق الأوسط»، إنه في فبراير (شباط) 2022 استهدفت غارات إسرائيلية مستودعات مواد غذائية في محيط دمشق، كانت عائدة لـ«حزب الله»، وذلك في ذروة توسيع الحزب لـ«تعاونية السجاد» في لبنان التي أطلقها في ظل الأزمة المالية في لبنان. يومها عانت مستودعات «السجاد» من شحّ في المواد، مما اضطرها لشراء الأصناف بأسعار أعلى من السوق المحلية.

وفي خريف العام نفسه، استهدفت إسرائيل شاحنات تحمل مواد غذائية في البوكمال قرب الحدود العراقية في دير الزور، كانت قادمة من إيران عبر الأراضي العراقية. وشهدت منطقة دير الزور لاحقاً استهدافات لسيارات كانت تقل أموالاً للحزب الذي «اختار سلوك طريق البر لنقل الأموال عبر الأراضي السورية، بعدما كانت الطائرات الإيرانية تتعرض لمراقبة، ولاستهدافات إسرائيلية تطول مطارات سوريا ومحيطها بشكل مكثف في السنوات الخمس الأخيرة»، وفقاً لما تقوله مصادر سورية معارضة لنظام الأسد لـ«الشرق الأوسط».

خلال الحرب الموسعة

وتكثفت تلك الضربات خلال الحرب الموسعة على لبنان بين سبتمبر (أيلول) ونوفمبر الماضيين؛ إذ أعلن الجيش الإسرائيلي في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عن أنه ضرب عشرات المواقع في لبنان في إطار استهداف الذراع المالية لـ«حزب الله»، من بينها مخبأ يحتوي على عشرات الملايين من الدولارات من النقد والذهب، وذلك بعد هجمات واسعة طالت مقرات «جمعية القرض الحسن» على سائر الأراضي اللبنانية. كما أعلن في الشهر نفسه عن قتل رئيس وحدة تحويل الأموال في «حزب الله»، في غارة على العاصمة السورية.

ومن غير تأكيد تلك الوقائع أو نفيها، ترى مصادر مطلعة على أجواء «حزب الله» أن استهداف المؤسسات الخدمية العائدة لـ«حزب الله»، في إشارة إلى «القرض الحسن» أو «تعاونية السجاد»، «لم يكن جهداً لتجفيف مصادر تمويل الحزب، بقدر ما هو مسعى إسرائيلي لتقليب الرأي العام وضرب حاضنته الشعبية، وهو جزء من الحرب الإسرائيلية»، مضيفة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل «اعتمدت استراتيجية تخويف الناس، وبث الدعايات والشائعات، وذلك بهدف إبعاد جميع اللبنانيين عن الحزب»، لكنها ترى أن تلك الجهود «فشلت لأن الالتفاف الشعبي على الحزب أكبر من أن تقوّضه إسرائيل بالنار والدعاية، بدليل نتائج الانتخابات»، في إشارة إلى الانتخابات المحلية في مايو (أيار) الماضي الذي حاز فيه تحالف «حركة أمل» و«حزب الله» مع العائلات على أغلبية مطلقة في جنوب لبنان وشرقه.

أعلام لبنانية وفلسطينية وأخرى تابعة لـ«حزب الله» مرفوعة في سوق النبطية التي أصيبت بأضرار كبيرة في الحرب الإسرائيلية الأخيرة... وذلك عشية الانتخابات البلدية في المحافظة (رويترز)

شركات الصرافة

وبعد مسار من الغموض، وأبرزه العثور على جثة الصيرفي محمد سرور بعد تعرضه للتعذيب في منطقة المتن بجبل لبنان في أبريل (نيسان) 2024، تفتح إسرائيل اليوم مساراً جديداً في الاستهدافات، بذرائع متصلة بأنشطة تمويلية لـ«حزب الله»، تطال شركات الصرافة التي حدد الجيش الإسرائيلي أربعاً منها، مما يرسم مخاطر على سمعة هذا القطاع، وهو ما يتطلب من الدولة اللبنانية «تنفيذ حوكمة وإقرار إطار مالي شفاف، لسحب الذرائع الإسرائيلية»، حسبما يؤكد الخبير الاقتصادي البروفسور بيار خوري لـ«الشرق الأوسط».

ويقول خوري: «الاعتداءات الإسرائيلية غير قانونية بالمطلق، وتحت أي حجة؛ لأنها تمسّ بلداً ذا سيادة، لكن على الحكومة اللبنانية أن تسحب أي حجة إسرائيلية، مما يجعل الاستهدافات، في حال تكررت، صفر ذريعة». ويشرح: «تتحدث التقارير الدولية عن أن المؤسسات المالية اللبنانية، ومن ضمنها المصارف، غير ملتزمة بالكامل للموجبات الدولية لمكافحة تبييض الأموال»، داعياً الدولة إلى أن تقوم بجهد كافٍ «لأن تؤمّن الشفافية المالية عبر أجهزة متمكنة، مما يساهم في تغيير الصورة الدولية عن لبنان بأنه أرض خصبة للمال السياسي وتبييض الأموال».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

تحليل إخباري طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع كلفة الخسائر المادية

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

قال «حزب الله» اإن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكدت أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه،

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص جنود من الجيش اللبناني يديرون نقطة تفتيش في بيروت يوم 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

خاص لبنان يحاصر النفوذ الإيراني ويستوضح من واشنطن دوافع عقوباتها

يقف لبنان على بعد أيام من اجتماع المسار الأمني-العسكري بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في 29 مايو (أيار) الجاري في البنتاغون، استعداداً لاستئناف المفاوضات

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي آثار دمار في مدينة صور جنوب لبنان بعد استهداف بغارة إسرائيلية (د.ب.أ)

لبنانيون تحت الإنذار... الغارات تُحوّل الهواتف إلى مصدر خوف يومي

تسبق اليد العين إلى الهاتف لدى كثير من اللبنانيين، لا بحثاً عن الرسائل أو تصفحاً لمواقع التواصل الاجتماعي، بل لمعرفة ما إذا كانت ساعات النوم حملت غارات جديدة.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال لقائه وفد جمعية مصارف لبنان (الرئاسة اللبنانية)

خاص أولويات الحرب لم تحجب مواجهات مالية «مستمرة» في لبنان

تستمر القضايا المالية والنقدية العالقة في لبنان، بتوليد مزيد من الاستحقاقات الحيوية، في وقت اعترف فيه صندوق النقد بأن الأزمة نظامية.

علي زين الدين (بيروت)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن أحد جنوده قُتل، الجمعة، قرب الحدود مع لبنان، مما يرفع عدد القتلى في صفوفه إلى 22 منذ بداية الحرب مع «حزب الله» الموالي لإيران.

وأعلن الجيش، في بيان مقتضب، أن الرقيب أول نوعام هامبرغر، البالغ 23 عاماً والمتحدر من عتليت (شمال)، «سقط في شمال إسرائيل».

وأوضح الجيش، في تصريح لوكالة «فرانس برس»، أن هامبرغر قضى بعد ظهر الجمعة قرب الحدود مع لبنان.

في المجموع، قُتل 23 إسرائيلياً، هم 22 جندياً، ومتعاقد مدني واحد، منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار).


توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.