«جي بي تي» يحلُّ لغزاً طبياً في ثوانٍ معدودات

يتحول لدى الأجيال الجديدة إلى مستشار شخصي لحل المشكلات واتخاذ القرارات

«جي بي تي» يحلُّ لغزاً طبياً في ثوانٍ معدودات
TT

«جي بي تي» يحلُّ لغزاً طبياً في ثوانٍ معدودات

«جي بي تي» يحلُّ لغزاً طبياً في ثوانٍ معدودات

إن نجاح الذكاء الاصطناعي الواسع الانتشار يُثير نقاشاً على مستويات جديدة؛ إذ شهد المشهد الرقمي تحولاً كبيراً عندما وصف منشورٌ واسع الانتشار على منصة «ريديت» (Reddit) كيف حلّ «تشات جي بي تي»، روبوت الدردشة الشهير من شركة «أوبن إيه آي»، لغزاً طبياً عمره 5 سنوات في ثوانٍ معدودة، كما كتبت برافينا دانالاكوتا*.

توجهات شخصية للأجيال الجديدة

هذه القصة التي لاقت استحساناً وإشادة من عمالقة الصناعة، مثل ريد هوفمان من «لينكدإن» (LinkedIn) أشعلت نقاشاً أوسع حول الدور المتطور للذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية.

يكمن جوهر هذا التطور في تغيير يحدث لدى الأجيال الجديدة في كيفية استخدام الناس للذكاء الاصطناعي، وخصوصاً جيل الألفية والجيل «زد» Z))؛ إذ بعيداً عن كونه مجرد أداة بحث أخرى، أصبح «تشات جي بي تي» مستشاراً موثوقاً به بشكل متزايد، يرشد المستخدمين في قرارات شخصية وطبية وتعليمية ومهنية معقدة.

وقد أثار منشور على «ريديت» ضجة كبرى على الإنترنت. («جيل الألفية»، بالإنجليزية: «Millennials»، هو مصطلح مستخدم لوصف الفئات السكانية التي تتكون من الأشخاص الذين وُلدوا في الفترة ما بين 1981 و1996 تقريباً. أما جيل «زد» فمن المولودين من منتصف وأواخر التسعينات إلى أوائل عام 2010 بوصفها سنوات ميلاد نهائية. الويكييديا).

حلّ لغز طبي في ثوانٍ

بدأ الأمر بشخص عانى خمس سنوات ألماً مستمراً في فكه، وصوت طقطقة مستمر دون تشخيص أو علاج، رغم استشارته أطباء عدة، وخضوعه لتصوير بالرنين المغناطيسي، وطلبه المساعدة من متخصصين. على الأرجح، كان سبب معاناته إصابة من ملاكمة قديمة، ولكن لم يتمكن أحد من تحديد السبب الدقيق أو العلاج.

وفي لحظة يأس، لجأ المستخدم إلى «تشات جي بي تي»، روبوت الدردشة العامل بالذكاء الاصطناعي، وهو غير معروف بخبرته الطبية؛ بل بقدرته على توليد استجابات بشرية لمدخلات طلبات المستخدم.

وصف المستخدم أعراضه لـ«تشات جي بي تي»، وتلقَّى رداً فورياً ومفصلاً يشير إلى أن قرص الفك «منزاح قليلاً ولكنه متحرك». ثم قدم الذكاء الاصطناعي تمريناً للفم يُمكنه إعادة ضبطه. والمثير للدهشة، أنه بعد اتباع هذه التعليمات لأقل من دقيقة، أبلغ المستخدم عن اختفاء صوت الطقطقة، منهياً بذلك 5 سنوات من الانزعاج، في غضون 60 ثانية. وانتشر الخبر -كما هو متوقع- كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي.

قدرة الذكاء الاصطناعي الفائقة وقوة نصائحه

سارع ريد هوفمان، المؤسس المشارك لـ«لينكدإن» والشخصية البارزة في وادي السيليكون، إلى مشاركة هذه القصة والاحتفاء بها. كما صاغ مصطلح «القدرات الفائقة» لوصف ما عدَّه قدرة شبه خارقة للذكاء الاصطناعي على حل المشكلات المزمنة. بالنسبة لهوفمان، لم تكن هذه مجرد صدفة أو خدعة؛ بل كانت لمحة من عصر جديد من التمكين الشخصي؛ حيث يمكن أن تتفوق قدرات الذكاء الاصطناعي على قدرات الخبراء البشريين التقليديين في سياقات معينة.

أداة ذكية فعالة لحل المشكلات

لم يقتصر تأثير منشور «ريديت» على المستخدم الأصلي؛ بل غمرت النقاشات بردود من آخرين عانوا مشكلات فكّ مماثلة غير مبررة. أعرب كثيرون عن شعورهم بأن الأطباء فشلوا في تقديم إجابات أو تخفيف للمشكلة، ولكن نصائح «تشات جي بي تي» جلبت لهم الأمل، أو حتى الحلول.

أشارت هذه السلسلة من الشهادات إلى أمرٍ أكبر: لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد فضولٍ لعشاق التكنولوجيا، أو أداة لأتمتة المهام الروتينية؛ بل أصبح تطبيق «تشات جي بي تي» أداة فعّالة لحل مشكلات الناس.

التحول الأوسع: مستشار شخصي

مثَّلت هذه الحلقة الفردية تحولاً أوسع نطاقاً في كيفية تفاعل الناس، وخصوصاً الشباب، مع الذكاء الاصطناعي. وكما لاحظ سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، فإن هناك فجوة جيلية واضحة في استخدام «تشات جي بي تي»؛ إذ بينما يتعامل المستخدمون الأكبر سناً معه -غالباً- بوصفه محرك بحث أكثر تقدماً، يتبنى الشباب -جيل الألفية والجيل «زد»- «تشات جي بي تي» بوصفه نوعاً من مدربي الحياة الشخصية.

لا يقتصر المستخدمون الشباب على سؤال «تشات جي بي تي» عن معلومات عامة أو وصفات طعام أو توقعات الطقس؛ بل يأتمنونه على أسئلتهم ومخاوفهم العميقة: هل يجب أن أغير تخصصي؟ كيف أستعد لمحادثة صعبة في العمل؟ ما أفضل طريقة للتعامل مع الانفصال؟ أي يُطلب من روبوت الدردشة إبداء رأيه في مفترق طرق مهني، وخيارات جامعية، ومعضلات مالية، وتحديات علاقات.

يروي سام ألتمان أن بعض طلاب الجامعات قد دمجوا «تشات جي بي تي» في روتينهم اليومي، لدرجة أنهم يستشيرونه قبل اتخاذ قرارات مصيرية في حياتهم. في هذه الحالات، يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على الوصول إلى السياق الكامل لحياة المستخدم، وعلاقاته الشخصية، ونقاشاته المستمرة. وفي الواقع، يصبح بمنزلة «شخص» مؤتمن، متاح دائماً، لا يُصدر أحكاماً، وقادر على تجميع كميات هائلة من المعلومات لتقديم نصائح مُخصصة.

أداة تعرف التطلعات والمخاوف والاحتياجات

يشير هذا التوجه إلى مستقبل قد تصبح فيه أجهزة الذكاء الاصطناعي المُخصصة هي القاعدة. تخيّل عالماً لا يعرف فيه مساعد الذكاء الاصطناعي سجل بحثك فحسب؛ بل يعرف أيضاً تطلعاتك ومخاوفك وديناميكياتك الاجتماعية وأهدافك المُتطورة. ستكون هذه الأداة قادرة على تقديم نصائح مُصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتك، تتجاوز بكثير ما يُمكن أن يحققه محرك بحث عام.

الآثار المترتبة على ذلك عميقة. إذا استمرت روبوتات الدردشة المُزودة بالذكاء الاصطناعي في إثبات جدارتها بوصفها «مستشارين للحياة»، فقد تتراجع أهمية الطرق التقليدية للبحث عن المعلومات -سواء من خلال محركات البحث أو حتى الخبراء البشريين- لكثير من أنواع الاستفسارات الشخصية. قد يعتمد الناس على «عملائهم الخارقين» من الذكاء الاصطناعي للمساعدة في كل شيء، بدءاً من المشكلات الطبية والتخطيط المهني، وصولاً إلى إدارة العلاقات وإدارة الشؤون المالية.

لمحة عن عصر جديد

إن القصة المنتشرة لحل «تشات جي بي تي» لغزاً طبياً قديماً تتجاوز مجرد حكاية تُشعرنا بالسعادة. إنها ترمز إلى بزوغ عصر جديد؛ حيث تُنسج قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم المشورة والراحة وحل المشكلات في نسيج الحياة اليومية. بالنسبة لـ«جيل الألفية» و«الجيل زد»، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة؛ بل صار شريكاً موثوقاً في صنع القرار. ومع ازدياد تكامل الذكاء الاصطناعي، ستستمر الحدود التقليدية بين التكنولوجيا والحياة الشخصية في التلاشي، ما يُبشر بمستقبل يتعاون فيه الذكاء البشري والاصطناعي بطرق لم تكن مُتخيلة من قبل.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

3 نماذج ذكاء اصطناعي جديدة من «مايكروسوفت» للصوت والصورة والنص

تكنولوجيا أطلقت «مايكروسوفت» 3 نماذج «MAI» جديدة تشمل تحويل الصوت إلى نص وتوليد الصوت وإنشاء الصور (مايكروسوفت)

3 نماذج ذكاء اصطناعي جديدة من «مايكروسوفت» للصوت والصورة والنص

«مايكروسوفت» تطلق نماذج «MAI » للصوت والصورة والنص؛ لتعزيز التطبيقات متعددة الوسائط مع تركيز على الأداء والتكلفة والتكامل داخل «فاوندري».

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد نائب رئيس مجلس إدارة «مايكروسوفت» ورئيسها براد سميث ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي قبل اجتماع في طوكيو (أ.ب)

«مايكروسوفت» تستثمر 10 مليارات دولار في اليابان لتعزيز الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

أعلنت «مايكروسوفت» يوم الجمعة عن خطة لاستثمار 1.6 تريليون ين (10 مليارات دولار) في اليابان خلال الفترة من 2026 إلى 2029 لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار شركة «سامسونغ إلكترونيكس» ولوحة أم للكمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بدعم من طلب الرقائق… «سامسونغ» تتجه للإعلان عن أرباح فصلية قياسية

من المتوقع أن تحقق شركة «سامسونغ إلكترونيكس» قفزة هائلة في أرباحها التشغيلية خلال الربع الأول من العام، مستفيدة من ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة.

«الشرق الأوسط» (سيول )
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟