نفوذ روسيا في الشرق الأوسط بميزان الصراع الإسرائيلي - الإيراني

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح السفير الإيراني في موسكو كاظم جلالي وبينهما وزير الخارجية عباس عراقجي في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح السفير الإيراني في موسكو كاظم جلالي وبينهما وزير الخارجية عباس عراقجي في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
TT

نفوذ روسيا في الشرق الأوسط بميزان الصراع الإسرائيلي - الإيراني

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح السفير الإيراني في موسكو كاظم جلالي وبينهما وزير الخارجية عباس عراقجي في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح السفير الإيراني في موسكو كاظم جلالي وبينهما وزير الخارجية عباس عراقجي في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)

عندما انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل لمهاجمة مواقع نووية إيرانية، جاءت الإدانات الروسية غاضبة، إذ وصف السفير الروسي لدى الأمم المتحدة الضربات بأنها «فتح لصندوق باندورا». وسارع كبير الدبلوماسيين الإيرانيين إلى الكرملين لطلب دعم الرئيس فلاديمير بوتين. لكن خلال لقائه بوزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، يوم الاثنين، اكتفى بوتين بإدانة الضربات، واصفاً إياها بأنها «عدوان غير مبرر» و«بلا أساس أو مبرر». يرى محللون أن هذا الرد الفاتر، في ظل غياب أي دعم عسكري ملموس، من المرجح أن يُخيّب آمال إيران، ويعكس تراجع نفوذ روسيا في الشرق الأوسط، حيث خسرت بالفعل حليفاً رئيسياً، وتحاول الآن الحفاظ على توازن دبلوماسي دقيق. ومع ذلك، قد تستفيد موسكو على المدى القصير من الحرب بين إيران وإسرائيل عبر ارتفاع أسعار النفط، ما يدعم اقتصادها المتعثر، أو من خلال صرف الانتباه العالمي عن حربها المستمرة منذ ثلاث سنوات في أوكرانيا.

حليف بحاجة إلى دعم

تعمّقت علاقات روسيا مع إيران منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، إذ زودت طهران موسكو بطائرات مسيّرة من طراز «شاهد» وبالتكنولوجيا اللازمة لإنتاجها، وأصبحت هذه الطائرات سلاحاً محورياً في الحرب.

علم إيران يرفرف في السفارة بموسكو (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني) 2025، أشاد الكرملين بـ«عصر جديد» من العلاقات الروسية - الإيرانية بعد توقيع اتفاق شراكة استراتيجية لتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري.

قال ريناد منصور، الباحث البارز في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «معهد تشاتام هاوس» إن توقيت الاتفاق كان لافتاً، مضيفاً: «تم ذلك بعد عام 2024، الذي كان عاماً سيئاً جداً لإيران، حيث فقدت حلفاء إقليميين عقب الإطاحة ببشار الأسد في سوريا، وتراجع قوة (حزب الله). إيران أرادت الاعتماد على روسيا».

لكن على أرض الواقع، لم يؤتِ الاتفاق ثماره منذ بدء الهجمات الإسرائيلية على إيران؛ إذ لا ينص إلا على التزام الطرفين بعدم دعم أي دولة تعتدي على الآخر، ولا يُعد اتفاقاً للدفاع المشترك.

قال منصور: «أعتقد أن إيران تشعر بخيبة أمل من مستوى الدعم الروسي... الآن، وهم يواجهون العملاقين: إسرائيل والولايات المتحدة، يشعرون بأن روسيا لا تتدخل فعلياً».

وقد رفض الكرملين الاتهامات بالتخلي عن إيران. وقال المتحدث باسمه، دمتري بيسكوف، يوم الثلاثاء، إن هناك من «يحاول تخريب الشراكة بين موسكو وطهران». وأضاف: «روسيا دعمت إيران بموقف واضح لا لبس فيه، وبالطبع نعتزم تطوير علاقتنا معها».

وعند سؤاله، يوم الاثنين، عمّا إذا كانت روسيا ستزود إيران بأنظمة دفاع جوي، أجاب بيسكوف أن «الأمر يعتمد على ما تطلبه إيران».

وزير الخارجية الإيراني في الكرملين الاثنين (رويترز)

لكن معظم أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية دُمّرت بفعل الضربات الإسرائيلية، واستبدالها لن يكون سهلاً، حتى لو أرادت روسيا ذلك.

قال أرمين محموديان، الباحث في معهد الأمن القومي العالمي، لوكالة «أسوشييتد برس»: «إيران بحاجة ماسة لهذه الأنظمة، لكنها نفس الأنظمة التي تحتاجها روسيا لحربها في أوكرانيا. احتمال أن تلبي روسيا طلبات إيران ضئيل جداً».

وسيصبح هذا النقص أكثر حدة إذا عجزت إيران عن الاستمرار في تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة التي تعتمد عليها قواتها بشكل متزايد، ما يضعف قدرتها على تصديرها.

أضاف محموديان: «عامل آخر حاسم هو أن إسرائيل استهدفت منشآت إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية بشكل مكثف. حتى لو توقفت الحرب الآن، فإن إيران بحاجة إلى وقت لإعادة بناء هذه المنشآت».

توازن روسيا الحرج في الشرق الأوسط

ليست إيران وحدها من تضغط على موسكو، إذ تسعى روسيا أيضاً للحفاظ على علاقات جيدة مع إسرائيل؛ فجيشا البلدين نشطان في سوريا، ويحافظان على تنسيق مستمر لتفادي الاشتباك المباشر. كما أن إسرائيل التزمت الحياد في حرب أوكرانيا، تفادياً لاستفزاز موسكو، نظراً لوجود جالية يهودية كبيرة هناك.

قال بوتين في مؤتمر عقده في سان بطرسبرغ، يوم الجمعة، إن إسرائيل تضم «ما يقرب من مليونَي شخص من روسيا أو من جمهوريات سوفياتية سابقة، وهو أمر نأخذه دائماً بالحسبان».

تتابع موسكو أيضاً تحسن علاقاتها مع واشنطن، منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض هذا العام، إذ استؤنفت المكالمات بين القادة للمرة الأولى منذ اندلاع حرب أوكرانيا.

قال هولغر شميدينغ، كبير الاقتصاديين في «بنك بيرنبرغ»: «حتى الآن، لا يبدو أن ترمب يميل إلى تأييد العقوبات الأميركية الجديدة القاسية على روسيا، التي اقترحها مجلس الشيوخ. لكن إذا أغضب بوتين ترمب بشأن إيران، فقد يغيّر موقفه ويفرض عقوبات جديدة شديدة».

المسيرة الإيرانية «شاهد» التي أصبحت سلاحاً محورياً لروسيا في الحرب مع أوكرانيا (أ.ب)

تعقيدات وفرص جديدة لروسيا

رغم ما أضافته الحرب بين إيران وإسرائيل من تعقيدات أمام موسكو، فإنها حملت معها فرصاً كذلك.

فالتوترات في الشرق الأوسط قد تصرف الانتباه الغربي والموارد عن أوكرانيا؛ ما يُسهّل على روسيا تحقيق أهدافها الميدانية.

كما أن ارتفاع أسعار النفط يفيد موسكو التي تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة لتمويل ميزانيتها؛ ما يمكنها من إنتاج مزيد من الأسلحة، ومكافحة التضخم، وتقديم حوافز مالية مغرية لتجنيد الجنود.

وقد حاولت موسكو مرات عدة أن تعرض نفسها بوصفها وسيطاً محتملاً في الحرب بين إيران وإسرائيل، لكن بوتين تراجع لاحقاً عن هذه الفكرة بعدما رفض ترمب الوساطة الروسية في ظل استمرار القتال في أوكرانيا.

قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الثلاثاء، إن موسكو مستعدة للمساعدة في تسوية النزاع، لكنها لن تقوم بدور الوسيط.

وقالت كسينيا سفيتلُوفا، العضو السابقة في الكنيسيت الإسرائيلية والباحثة في «معهد تشاتام هاوس»: «روسيا لا تملك أي آلية ضغط فعالة على إيران». وأشارت إلى أن الحرب في أوكرانيا استنزفت موارد موسكو، وأن فشلها في منع سقوط الأسد يُظهر تراجع نفوذها الإقليمي. وأضافت: «كي تكون وسيطاً ناجحاً، يجب أن تملك القدرة على دفع الإيرانيين لتقديم تنازلات».

مستقبل النفوذ الروسي

يبقى التساؤل مطروحاً حول ما إذا كانت روسيا قادرة على استعادة نفوذها في الشرق الأوسط.

قال منصور إن الحرب في أوكرانيا رهنت موارد موسكو بالكامل. وبعد سقوط الأسد، رغم الدعم الروسي الكبير، تحاول موسكو التقارب مع الحكومة الجديدة في سوريا، وتسعى لبناء علاقات مع دول أخرى في المنطقة من خلال صفقات ذات طابع تبادلي.

أضاف منصور: «يمكنك أن تخسر معارك أو حلفاء، لكنني واثق بأن روسيا ستحافظ على تأثيرها في الشرق الأوسط، بما في ذلك في سوريا، حيث تتفاوض الحكومة الجديدة بالفعل».

لكن أفعال روسيا في الحرب بين إيران وإسرائيل قد تخلّف تداعيات بعيدة المدى وغير متوقعة.

قال محموديان: «حتى إذا نجا النظام الإيراني من هذه الحرب، فإن عدم قدرة روسيا - أو عدم رغبتها - على دعم أقرب حلفائها في الشرق الأوسط، سيُثير تساؤلات حول مدى موثوقيتها». أضاف: «دول إقليمية أخرى، مثل مصر وتركيا، سعت مؤخراً لتعزيز علاقاتها مع روسيا، لكن رؤيتها لفشل موسكو في الدفاع عن طهران قد تدفعها لإعادة التفكير في مدى اعتمادها على الشراكة الروسية».


مقالات ذات صلة

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

تحليل إخباري أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

«ستارلينك» و«ستارشيلد»: كيف تداخلت شبكات الإنترنت الفضائي مع القرارات الأمنية والسيادية؟ تفاصيل دقيقة حول التنافس التنظيمي والعسكري الجديد في المدار.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال استضافته مأدبة غداء في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 15 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترمب: نجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع السلاح النووي

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه يُجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)

خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

تحركت الولايات المتحدة وأوروبا تدريجياً نحو بلورة مقترح سلام من شأنه أن يوفر مزايا مالية وأمنية لكل من أوكرانيا وروسيا، تمهيداً إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا علم اليابان يرفرف في العاصمة طوكيو (رويترز)

طوكيو تعتزم استدعاء السفير الروسي بشأن الصحافي الياباني الموقوف

تعتزم طوكيو استدعاء السفير الروسي لدى اليابان بعد توقيف موسكو صحافياً يابانياً حسبما أوردت عدة وسائل إعلام يابانية الأربعاء وسط توتر شديد بين البلدين

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب، في تطور يفاقم المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

وبينما تتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط العسكري حول مضيق «هرمز»، تزداد تكلفة العبور ومخاطره، وسط غموض يحيط بمصير المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.

رقم قياسي للإصابات

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

ويعكس هذا التصاعد اتساع نطاق المخاطر البحرية في المنطقة، بعدما تحوَّلت حركة العبور عبر مضيق «هرمز» إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين طهران وواشنطن.

وبلغت المخاطر مستوى بات معه عبور المضيق يتطلب، وفق المعطيات الواردة، دفع نحو 100 ألف دولار شهرياً لقبطان السفينة مقابل المجازفة بالمرور، في مؤشر على الارتفاع الكبير في تكلفة التشغيل والتأمين المرتبطة بالملاحة.

هجمات جديدة... وحرائق

ناقلة ترفع العلم الهندي خلال تفريغها النفط الخام في محطة تفريغ بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، يوم السبت، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة السواحل السعودية في مياه الخليج مساء الجمعة. وقالت الوكالة إن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد على بُعد 68 ميلاً بحرياً شمال شرقي مدينة الجبيل، ما استدعى إجلاء طاقمها، الذي لم يُصب أفراده بأذى، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». ولم ترد تقارير عن آثار بيئية ناجمة عن الحادثة حتى ذلك الوقت.

وفي واقعة ثانية، أبلغ قبطان ناقلة نفط بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، على بُعد 78 ميلاً بحرياً من الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها. وأكدت الوكالة تحديد موقع أفراد الطاقم وسلامتهم، بينما بقي حجم الأضرار والتأثير البيئي غير واضحَين.

وعرَّفت شركة الأمن البحري «فانغارد» إحدى السفينتين بأنها ناقلة النفط «إس تي 3»، التي ترفع علم جزر مارشال، مشيرة إلى نقل طاقمها إلى سفينة حاويات قريبة ترفع علم الإمارات.

ومن جانبها، أعلنت القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، السبت، اشتعال النيران في ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق «هرمز». وقال «الحرس الثوري»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، إن الناقلة كانت تحمل أكثر من مليونَي برميل من النفط الخام، وإنها حاولت عبور المضيق عبر مسار لا تسمح به إيران.

كما نقلت وكالة «رويترز» عن وسائل إعلام إيرانية تقارير تحدَّثت عن تعرُّض ناقلتين لألغام بحرية واندلاع النيران فيهما، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه الروايات. واتهمت طهران السفينتين بتعطيل أنظمة تحديد المواقع والرادار ومحاولة استخدام مسار غير مُصرَّح به، بينما لم تتضح جميع تفاصيل الحوادث وملابساتها.

غير أنَّ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) كذَّبت الرواية الإيرانية بأن ناقلات النفط تصطدم بألغام بحرية، مؤكدة أن المسارات التي استخدمتها السفن خالية من الألغام، وسبب الإصابات هو استهدافات بمقذوفات أو مسيّرات إيرانية.

صادرات النفط تتراجع

صورة لمضيق «هرمز» مع براميل نفط (رويترز)

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على سلامة السفن وأطقمها، بل تمتد مباشرة إلى تدفقات النفط من الخليج نحو الأسواق العالمية.

وبحسب بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة، بلغ متوسط صادرات النفط نحو 15.5 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر (أيلول)، قبل أن ينخفض إلى 2.9 مليون برميل يومياً في 11 أكتوبر، في تراجع حاد يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة الإمدادات.

وانعكس تقلص المعروض على الأسعار، إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 110 دولارات للبرميل عند إغلاق التداولات يوم الجمعة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) الماضي.

وتثير هذه التطورات مخاوف من أن يؤدي استمرار تعطل الملاحة إلى مزيد من الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصاً إذا طال أمد القيود المفروضة على عبور الناقلات، أو اتسع نطاق الهجمات ليشمل مزيداً من السفن والمنشآت المرتبطة بتصدير النفط.

ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع أسعار الخام، إذ يمكن أن تنتقل آثار اضطراب الإمدادات إلى تكاليف النقل والتأمين وأسعار الوقود، بما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

«هرمز» يعود إلى قلب المواجهة

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من ألفَي سفينة تجارية على عبور مضيق «هرمز» (سنتكوم)

ظلَّ مضيق «هرمز» في صلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منذ بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية بوصفه ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الدولية.

ومنذ ذلك التاريخ وإثر ضربات أميركية إسرائيلية على إيران، فرضت طهران قيوداً على حركة الملاحة عبر المضيق، واستهدفت مراراً سفناً حاولت العبور من دون الحصول على إذن منها. وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، وعزَّزت حضورها البحري، مع مواكبة قطعها البحرية ناقلات نفط تعبر المضيق بأعداد متزايدة.

وكان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري»، علي عظمائي، قد حذَّر، الأسبوع الماضي، من أن أي سفينة تعطل أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء العبور ستُعدُّ «هدفاً معادياً»، في تهديد يعكس تشدُّد طهران في فرض رقابتها على حركة السفن.

وبين الحين والآخر تزداد وتيرة التصعيد ضد السفن، خصوصاً عندما تتعثر فرص المفاوضات وتعلو التصريحات والمؤشرات بعودة الأعمال القتالية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مثلما هي الحال في الوقت الحالي، إذ لمَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً إلى طلبه من القوات الأميركية تزويده بخطط لعودة المواجهات المسلحة، وكان آخرها تلميحه إلى قصف المنشأة النووية الإيرانية في منطقة «جبل الفأس» مستخدماً «أم القنابل».

من جانبها، تتمسَّك إيران بحقها في الإشراف على حركة العبور وتحديد المسارات المسموح بها، في حين ترفض الولايات المتحدة وأطراف أخرى إخضاع الملاحة في هذا الممر الدولي لقيود أحادية. وبذلك، لم يعد المضيق مجرد ممر تجاري، بل تحوَّل إلى أداة ضغط متبادلة في الصراع على النفوذ وشروط إنهاء الحرب.

اتساع التداعيات الاقتصادية

ويزيد استمرار الهجمات والغموض المحيط بالعبور من صعوبة استعادة حركة الملاحة مستوياتها الطبيعية، في وقت تتعرَّض فيه السفن التجارية لمخاطر متنامية، ويواجه قطاع الشحن ضغوطاً متزايدة لضمان سلامة الأطقم والبضائع.

وكان مسؤولون في قطاع الملاحة قد أفادوا، مؤخراً بغرق سفينة حاويات وسفينة بضائع سائبة قرب المضيق، إثر إصابتهما بقذائف في حادثتين منفصلتين، في تطور يضيف إلى مؤشرات اتساع نطاق الأضرار التي تطال حركة النقل البحري.

وفي ظلِّ استمرار الحصار الأميركي والقيود الإيرانية، يبقى مسار التصعيد مرهوناً بقدرة الطرفين على التَّوصُّل إلى تفاهمات بشأن الملاحة والأمن البحري.

وحتى ذلك الحين، ستظل أسواق الطاقة عرضةً للتقلبات، مع احتمال أن تتحوَّل الهجمات المتكررة على السفن من أزمة أمنية إقليمية إلى عامل ضغط أوسع على الاقتصاد العالمي، عبر ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين وازدياد مخاطر التضخم.


قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
TT

قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)

في الوقت الذي أبرز فيه تقرير عبري قلقاً إسرائيلياً «من تعاظم قوة الجيش المصري»، أكد عسكريون سابقون بمصر أن «القاهرة تعمل على تقوية الجيش وتدريبه وتنويع تسليحه من أجل حماية السلام وحفظ الأمن، لا من أجل الاعتداء على أحد».

وركزت منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية، السبت، على التقارير الصادرة عن شبكات الإعلام الصينية والدولية حول المناورات الجوية الأخيرة بين مصر والصين «نسور الحضارة 2026» التي اختُتمت في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأشارت إلى أن تلك التقارير «كشفت عن ديناميكية عسكرية مثيرة للاهتمام؛ إذ اختبرت الطائرات المصرية قدراتها أمام أحدث المقاتلات الصينية في سيناريو يحاكي تحديات المنطقة»، بحسب المنصة العبرية.

وتحدثت المنصة ذاتها عن سيناريو التمرين الذي حمل عنوان «التفوق العددي» وفق التقرير الرسمي لشبكة «سي سي تي في» الصينية الذي وصفه بـ«معركة جوية تتجاوز مدى الرؤية البصرية؛ إذ وجد الطيارون الصينيون الذين يقودون 4 مقاتلات من طراز (جيه 16) الثقيلة ذات المحركين أنفسهم في موضع نقص عددي أمام 6 مقاتلات مصرية تضم مقاتلتين من طراز (رافال) الفرنسية، و4 مقاتلات من طراز (ميغ 29) الروسية، مثلت القوة المهاجمة».

وأشارت التقارير الصينية والدولية التي نقلت عنها المنصة العبرية إلى أن «الحل الصيني تمثل في دمج طائرة إنذار مبكر وتحكم من طراز (كي جيه 500) وطائرات حرب إلكترونية مثل (واي 9 إل جي) لتعويض الفجوة العددية». وأوضحت أن «الطيارين الصينيين ركزوا في المراحل الأولى على مناورات التهرب من الصواريخ (جو - جو) طويلة المدى المصرية».

وفي رأي مستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» بمصر اللواء محمود طلحة، فإن «إسرائيل دائماً تتبع سياسة ادعاء المظلومية وأنها مهددة دوماً، وأن مصر والدول العربية ترغب في إنهاء وجود إسرائيل، وهي مزاعم غير سليمة، وفي ذات الوقت تتبع سياسة التباهي بأي عملية عسكرية تقوم بتنفيذها بهدف تضخيم قدراتها وتحقيق ما يسمى بـ(الردع المعنوي) للدول في المنطقة».

وأوضح اللواء طلحة لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر استردت كامل أرضها وعقدت معاهدة سلام مع إسرائيل، وللحفاظ على هذا الوضع آمناً لا بد من امتلاك القدرات العسكرية والاقتصادية وغيرهما، والتدريبات العسكرية التي تجريها مصر مع الصين أو غيرها هي أمر يخضع للسيادة المصرية ما دام يتم في أرض مصرية، ولا يجب الالتفات لما تثيره إسرائيل من دعايات وقلق في هذا الشأن».

الطائرات المصرية نفذت مناورات مع نظيرتها الصينية خلال تدريبات «نسور الحضارة 2026» (موقع وزارة الدفاع المصرية)

كما شدد طلحة في الوقت ذاته على أن «مصر تضع في اعتبارها دوماً أن الفكر الإسرائيلي يقوم على التوسع والاستيلاء، ومن ثم رغم التزام مصر بالسلام فهي دوماً تعظّم من قدراتها العسكرية لردع أي مخاطر أو تحول قد يحدث للسياسة الإسرائيلية نحو مصر».

ويأتي القلق الإسرائيلي على الرغم من «تطمينات» الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن «السلام»، مؤكداً «التزام بلاده بالسلام».

وعلّق السيسي خلال ندوة للقوات المسلحة المصرية، مساء الأربعاء الماضي، احتفالاً بذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، على تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عن سيناء، والتي زعم فيها أن «مصر لا تهاجم إسرائيل خوفاً من عودة احتلال سيناء»، قائلاً إنه «سمع وتابع تصريحات الوزير الإسرائيلي عن سيناء».

وأكد السيسي أن «الهدف الأول والأخير لمصر هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها»، لافتاً إلى أن «الدولة المصرية لا تحمل أي أجندات خفية»، وأن «أولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على حدودها وأمنها القومي في إطار من السلام والاستقرار».

وأضاف الرئيس المصري أن «معاهدة السلام»، الموقَّعة بين مصر وإسرائيل عام 1979، تمثل إطاراً حاكماً للعلاقات بين الجانبين، موضحاً أنه «لا توجد لمصر أي مطامع تجاه أحد».

ورأى زميل كلية الدفاع الوطني بمصر، اللواء أسامة الجمال، أن «مصر منذ عام 1980 وهي منفتحة على كل الدول فيما يخص تنوع مصادر التسليح، بحيث لا يتم الاعتماد على سوق واحدة، وخاصة أننا في منطقة ملتهبة».

وقال: «مصر رغم أنها عقدت معاهدة سلام مع إسرائيل وملتزمة بها، فهي تعمل أيضاً على تطوير وتنويع تسليح جيشها؛ لأن التحديات كثيرة، كما أنه للحفاظ على السلام لا بد من الاستعداد للحرب؛ لأن السلام يحتاج الدفاع عنه».

تدريبات «نسور الحضارة» في أغسطس الماضي شملت محاضرات نظرية ومحاكاة عملية (موقع وزارة الدفاع المصرية)

وأوضح الجمال لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تجري تدريبات مع الصين ومع روسيا ومع أميركا... وهي على مسافة واحدة من كل الدول وكل القوى العظمى في العالم، وكانت من أوائل الدول التي نادت بعدم الانحياز لمعسكر ضد الآخر».

وأضاف: «مصر لا تهاجم أحداً ولا تعادي أحداً، وهي تدرك تماماً أن هناك دولاً تحاول دائماً إشعال الحروب في المنطقة من أجل تحقيق أغراضها التوسعية، وفي تل أبيب يتم إطلاق التصريحات الاستفزازية دوماً تجاه مصر وتجاه تسليح الجيش المصري، والقاهرة منتبهة لذلك، وتؤكد دوماً أنها تحمي أمنها القومي وأمن المنطقة ولا تهاجم أحداً».


«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.