استرضاءً لترمب... «الناتو» لزيادة إنفاقه الدفاعي في قمة «تاريخية»

علما حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة عند مدخل مكان انعقاد القمة في اليوم الأول من قمة حلف شمال الأطلسي (رويترز)
علما حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة عند مدخل مكان انعقاد القمة في اليوم الأول من قمة حلف شمال الأطلسي (رويترز)
TT

استرضاءً لترمب... «الناتو» لزيادة إنفاقه الدفاعي في قمة «تاريخية»

علما حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة عند مدخل مكان انعقاد القمة في اليوم الأول من قمة حلف شمال الأطلسي (رويترز)
علما حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة عند مدخل مكان انعقاد القمة في اليوم الأول من قمة حلف شمال الأطلسي (رويترز)

يستعد حلف شمال الأطلسي (ناتو) لإقرار زيادة كبيرة في إنفاقه الدفاعي، تحت ضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال قمّة تعقد يومَي الثلاثاء والأربعاء في لاهاي، في حين تتصاعد التوترات العالمية بين الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا، والمواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن المتوقع أن تهيمن على الاجتماع الضربات الأميركية على إيران وإعلان ترمب وقف إطلاق النار بين الدولة العبرية وإيران، لكن الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته، يأمل في ألا يؤدي الوضع بالشرق الأوسط إلى صرف النظر عن مسائل أخرى مهمة في قمّة وصفها بـ«التاريخية».

وستركّز القمّة التي تقام في هولندا، على استرضاء ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض التي أثارت مخاوف حيال وضع الحلف القائم منذ 7 عقود.

ومن المتوقع أن يحضر الرئيس الأميركي مساء الثلاثاء، مأدبة عشاء بدعوة من ملك هولندا فيليم ألكسندر.

وقد تضطر أوكرانيا، ضيفة الشرف خلال قمّة العام الماضي، إلى خفض الصوت، في ظلّ التحفّظات الأميركية على المساعدات المقدّمة لها وتبدّل موقف واشنطن من أوروبا.

وسيحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى لاهاي، لكن ليس بصفة مشارك رسمي في الاجتماعات. وسيكون في ضيافة الملك مساء الثلاثاء، حيث قد يتسنّى له التحدّث مع نظيره الأميركي الذي تعذّر عليه لقاؤه الأسبوع الماضي خلال قمّة مجموعة السبع في كندا.

وأفاد مصدر رفيع في الرئاسة الأوكرانية «وكالة الصحافة الفرنسية»، بلقاء بين الزعيمين الأربعاء، على هامش القمّة.

وقال المصدر إن «الفريقين يضعان اللمسات النهائية على التفاصيل»، مضيفاً أن المحادثات مقررة «في وقت مبكر من بعد الظهر»، وستركز على العقوبات بحقّ روسيا وشراء كييف أسلحة من واشنطن.

«قفزة إلى الأمام»

منذ عودته إلى البيت الأبيض، يطالب ترمب الدول الأوروبية وكندا العضو في «الناتو»، بتخصيص 5 في المائة على الأقلّ من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي.

وعلى ضوء هذا المطلب، اتّفق الأعضاء الـ32 في الحلف على تسوية تقضي بتخصيص 3.5 في المائة من موازناتهم للنفقات العسكرية البحت، و1.5 للنفقات الأمنية بالإجمال، مثل الأمن السيبراني وتنقّل العسكر، وذلك بحلول 2035 بحيث يكون من الأسهل على الدول الأعضاء بلوغ هذا الهدف، إذ إن هذه المصاريف عادة ما تكون مدرجة في حسابات الدولة أو مخطّط لها.

وحتّى لو كانت نسبة 3.5 في المائة محدودة نسبياً في الموازنة، غير أنها تقدّر بمئات المليارات من اليورو، وتعدّ مجهوداً إضافياً كبيراً لبلدان كثيرة يصعب عليها أصلاً بلوغ هدف 2 في المائة للنفقات العسكرية الذي حدّد خلال قمّة سابقة للحلف سنة 2014.

والاثنين، أشاد مارك روته بما وصفه بـ«قفزة إلى الأمام».

وكانت الولايات المتحدة ترغب في أن يكتفي البيان النهائي بالإشارة إلى زيادة الهدف المرجوّ إلى 5 في المائة، غير أن الأوروبيين أصرّوا على ذكر التهديد الروسي.

«مسائل غير محسومة»

ومساء الاثنين، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أن بلده سيلتزم ببلوغ هدف 5 في المائة.

وقال: «ينبغي لنا أن نبحر في زمن يخيّم عليه انعدام اليقين إلى أقصى الحدود، بمرونة وسرعة ورؤية واضحة للمصلحة الوطنية بغية ضمان أمن» السكان.

وفي مقال مشترك نشر في «فاينانشال تايمز» مساء الاثنين، أقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، بأن أوروبا ينبغي أن تعيد التسلّح «ليس لأنه طُلب منا ذلك؛ بل لأننا أهل بصيرة وندين بذلك لمواطنينا».

ووجّه الزعيمان الفرنسي والألماني رسالة إلى الرئيس الأميركي، لإبقاء النزاع الدائر بأوكرانيا في صدارة جدول الأعمال، مع الإشارة إلى أن «المصدر الأساسي لانعدام الاستقرار في أوروبا يأتي من روسيا»، ولا بدّ إذن من «زيادة الضغط» على موسكو «بما في ذلك من خلال عقوبات»، بغية التوصّل إلى وقف لإطلاق النار مع كييف.

ومن المرتقب تخصيص فقرة في البيان الختامي لقمّة «الناتو» لأوكرانيا. وسيعيد الحلفاء التأكيد على دعمهم لكييف الذي بلغ هذه السنة نحو 35 مليار يورو، بحسب ما أعلن مارك روته الاثنين.

غير أن ترمب قد يفجّر مفاجأة أيضاً في قمّة «الناتو»، كما فعل وقت مغادرته اجتماع مجموعة السبع، قبل اختتامه الأسبوع الماضي في كندا.

وقال كاميل غران من المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية: «إذا جرت القمّة على ما يرام تقريباً، فسيشكّل ذلك بذاته إنجازاً».

لكن «كثيرة هي علامات الاستفهام والمسائل غير المحسومة بعد»، بحسب غران الذي أشار إلى أن «العقدة الروسية - الأوكرانية لن تحلّ في لاهاي، على الرغم من أنها الدافع الأساسي وراء زيادة إنفاق الأوروبيين».


مقالات ذات صلة

«ناتو» يتيح لأوكرانيا شراء أسلحة عبر وكالته للمشتريات

أوروبا عَلم أوكرانيا أمام شعار حلف «الناتو» في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا وسط العاصمة كييف 11 يوليو 2023 (رويترز)

«ناتو» يتيح لأوكرانيا شراء أسلحة عبر وكالته للمشتريات

انضمت أوكرانيا إلى شراكة تتيح لها شراء الأسلحة عبر وكالة مشتريات «ناتو»، وتعزّز تعاونها الصناعي والعسكري مع «الحلف».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم غواصة هجومية روسية من طراز «أكولا» تم رصدها بالقرب من المياه البريطانية في شهر أبريل (أ.ف.ب)

تقرير: روسيا تنشر سفن صيد للتجسس على بريطانيا

كشف تقرير نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية عن أن روسيا تنشر سفن صيد للتجسُّس على الكابلات البحرية الحيوية التابعة للمملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب) p-circle

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في…

رائد جبر (موسكو)
أوروبا رجل يُشتبه في توجيهه تهديدات باغتيال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يصل تحت حراسة الشرطة إلى مقر النيابة العامة في العاصمة البولندية وارسو يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بولندا تعثر على متفجرات لدى متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء ووزير الدفاع

أعلنت النيابة البولندية العثور على متفجرات محلية الصنع في شقة رجل متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء دونالد توسك ووزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك-كاميش.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
شؤون إقليمية عقد مسؤولون عسكريون ودبلوماسيون أتراك ويونانيون جولة جديدة من اجتماعات «بناء الثقة» في 9 أكتوبر وسط توتر متصاعد في الفترة الأخيرة (حساب وزارة الدفاع التركية في «إكس»)

تركيا: تحذير لليونان من استشعار القوة استناداً لدعم إسرائيلي - أميركي

يخيِّم التوتر على العلاقات بين تركيا واليونان على الرغم من التَّحرُّك باتجاه تخفيفه عبر استئناف اجتماعات «بناء الثقة» التي تحظى بدعم من حلف شمال الأطلسي (ناتو).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

العثور على جثة فرد من الأسرة الحاكمة في موناكو

سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
TT

العثور على جثة فرد من الأسرة الحاكمة في موناكو

سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)

أعلنت النيابة العامة في موناكو، الاثنين، توقيف رجل على خلفية وفاة أنطوان دو ماسي، أحد أفراد الأسرة الحاكمة، الذي عُثر على جثته الأحد في حديقة عامة في الإمارة.

وأوضحت النيابة لوكالة الصحافة الفرنسية أن التحقيق الذي فُتح لتحديد أسباب الوفاة جرى توسيعه لتوقيف شخص يظهر في تسجيلات فيديو برفقة دو ماسي.

وشدّدت على أن الموقوف ليس في هذه المرحلة سوى مشتبه به أو شاهد على وقائع لم يُحدَّد توصيفها القانوني بعد، مؤكدة أن فرضية الحادث العرضي لا تزال قائمة.

وكان دو ماسي، البالغ 29 عاماً، حفيد الأميرة أنطوانيت الشقيقة الكبرى للأمير رينيه الثالث، والد الأمير ألبير الثاني. وعُثر على جثته بعدما أبلغت عائلته السلطات بقلقها لعدم تلقيها أي أخبار عنه ظهر الأحد.


فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
TT

فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)

نجح الانتشار الأمني المكثف الذي عممته السلطات الفرنسية على باريس والمدن الرئيسية، مقروناً بقرارات منع التظاهر ومنع التجول في وسط العديد من المدن، في احتواء المظاهرات وتجنب تكرار مشاهد العنف والاشتباكات والحرائق وأعمال الشغب واللصوصية والنهب، التي عرفتها فرنسا في 17 من الشهر الحالي.

لكن في المقابل، فإن نزول 410 آلاف شخص في المظاهرات، وفق أرقام وزارة الداخلية (800 ألف وفق نقابة كونفيدرالية العمل)، يبين أن التعبئة الطلابية والنقابية وتعبئة «السترات الصفراء» ما زالت على أشدها، وأن رهان السلطات (السابق) على عامل الزمن وترك الحراك «يهترئ» من الداخل لا يبدو نافعاً.

التعبئة متواصلة

ورغم أن عدد الأفراد الذين أُلقي القبض عليهم في عموم الأراضي الفرنسية السبت الماضي قد تراجع (1435 شخصاً)، كما تراجعت أعداد الجرحى من المتظاهرين (150 شخصاً)، ورجال الأمن (267 عنصراً)، وتناقصت أعداد المحلات التجارية التي انتُهكت وسُرقت... فإن ذلك لا يعني أبداً أن فصل الحراك قد أُغلق. فـ«تنسيقية السترات الصفراء» دعت إلى «التعبئة» يوم السبت المقبل، تسبقه، يوم الجمعة، تجمعات «تمهيدية» أمام البرلمان في باريس، وأمام مقرات البلديات ومكاتب النواب، في حين يُتوقع قيام مظاهرات واسعة السبت.

ممثلون عن طلاب التعليم الثانوي لدى وصولهم إلى مقر رئاسة الحكومة للاجتماع برئيسها سيباستيان لوكورنو (أ.ف.ب)

وتهدد «التنسيقية» بالنزول إلى الشوارع أسبوعاً وراء أسبوع ما دامت السلطات تصم أذنَيها عن مطالبها. وجاء في بيان لـ«التنسيقية» أن ثمة «غضباً في البلاد، لكن لا أحد يعيره الانتباه»، في إشارة إلى السلطات. وحذّرت من نهج الحكومة، وكتبت في بيانها: «لقد قرر إيمانويل ماكرون وحكومته اتخاذ خطوة إضافية نحو الانحراف السلطوي. إنهم يمنعون مظاهراتنا، ويفرضون حظر التجول، ويغلقون مراكز المدن أمام المتظاهرين». لكن الاستحقاق الاجتماعي الأكبر سيحل في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ إذ دعت خمس نقابات إلى يوم تعبئة «شاملة» وإضرابات تطول القطاعين العام والخاص.

وللمرة الأولى، انضمت التنظيمات النقابية للتعليم الخاص، الذي يتولى تعليم ما لا يقل عن مليونَي تلميذ، إلى الدعوة للإضراب. كذلك فعلت نقابات موظفي الدولة والبريد والاتصالات. وجاء في البيان المشترك أنه «حان الوقت للوصول إلى درجة أعلى من التعبئة؛ إذ ستنطلق الإضرابات بدءاً من تاريخ الخامس» من الشهر المقبل.

وتندد النقابات بغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وتطالب بـ«فتح محادثات مباشرة مع الحكومة من أجل زيادة الرواتب، والمساواة بين الرجال والنساء، وزيادة المعاشات التقاعدية، والارتقاء بالحد الأدنى للرواتب، والارتقاء بالخدمات الاجتماعية، وتعزيز الخدمات العامة، وإقرار تدابير للعدالة الضريبية من خلال فرض ضرائب أعلى على الشركات والثروات الكبرى وتناقل الميراث».

وجاء في البيان أيضاً أن «الغضب واسع والوضع هش؛ ولذا تتعين الاستجابة من غير تأخير لهذه المطالب الاجتماعية الطارئة». ولم يُعرف ما إذا كان الإضراب مفتوحاً. يضاف إلى ما سبق وجود غضب من طريقة تعامل السلطات مع الحركات المطلبية مع التنديد بالعنف وأعمال الشغب. ويتهم كثيرون الحكومة باللجوء إلى هذه الطريقة للتغطية على المطالب «المحقة» المرفوعة من جانب الطلاب والنقابات و«السترات الصفراء».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط الصورة) خلال زيارته لمدينة مرسيليا محاطاً بوزير الداخلية لوران نونيز ووزيرة الدولة للتعليم صابرينا روباش وضباط من الشرطة (أ.ف.ب)

تداخل الأزمات

ما سبق يعكس جانباً من الاحتقان الذي تعيشه فرنسا في هذه المرحلة؛ إذ إنها تعاني من تداخل ثلاث أزمات: سياسية واقتصادية - مالية واجتماعية. وما يفاقم من مخاطره أنه يحل في زمن الأيام العجاف؛ إذ تجهد الحكومة لإقرار ميزانية تقشفية تمنعها من الاستجابة للمطالب التي تحتاج كلها إلى تمويل إضافي، في حين تسعى لخفض الإنفاق في ميزانية عام 2027 بما قيمته 54 مليار يورو.

وعلى سبيل المثال، فإن طلاب التعليم الثانوي يريدون تخصيص 10 مليارات يورو للتعليم للعام المقبل، في حين أن الميزانية رصدت 1.2 مليار. وما يثير الاندهاش أن الحكومة تقترح زيادة 15 يورو على الحد الأدنى للأجور، في حين أن الغلاء يسجل ارتفاعاً حاداً في الأشهر الأخيرة؛ إذ إن الزيادة المقترحة لا تكفي لشراء نصف كيلوغرام من اللحوم. وفي المقابل، فإن مشروع الميزانية ينص على المس بالمعاشات التقاعدية، ويزيد تكلفة الطبابة والرعاية الاجتماعية، وفرض ضرائب جديدة، ما يعني أن المقاربة الحكومية تسير بعكس التيار الاجتماعي.

ووجّه جان لوك ميلونشون، السبت، لدى مشاركته في مسيرة باريس، رسالة تحذيرية للرئيس الفرنسي بقوله: «ما زال الوقت متاحاً لإيمانويل ماكرون للتراجع والاستجابة للمطالب. وبعد ذلك لن يبقى أمامه سوى باب الرحيل». وكما في كل مناسبة تطلق فيها دعوات للإضراب وتعطيل المؤسسات العامة والخاصة، وخصوصاً إذا كانت مفتوحة، فإن الحكومة ستراقب عن كثب نسبة الاستجابة لها ومدى تأثيرها على المواطنين وعلى الدورة الاقتصادية، في حين تضع مؤسسات التصنيف الدولية فرنسا تحت المجهر.

واستمرار الحراك الاجتماعي والعجز عن إقرار الميزانية وخفض المديونية... عوامل تزيد هشاشة البلاد وتضعها في موقف ضعيف في الأسواق المالية الدولية؛ إذ زادت فائدة الديون الفرنسية على نسبة 5 في المائة، في حين أن المديونية التراكمية تزيد على 3600 مليار يورو، وخدمتها السنوية تجاوز 80 مليار يورو.

مارّة يسيرون في شارع بمارسيليا تغطيه الأنقاض غداة احتجاجات عمّت فرنسا ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» يوم 18 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

تفكيك المطالب

تتداخل هذه الأزمة الاقتصادية - المالية والاجتماعية مع أعتى أزمة سياسية، عنوانها انتهاء ولاية الرئيس ماكرون الثانية، وغياب أكثرية تدعم الحكومة في البرلمان، والتشظي السياسي بسبب اقتراب الانتخابات الرئاسية. ويُجمع المراقبون على أن الرئيس الفرنسي، الذي تنتهي ولايته الثانية قبل 200 يوم، ضعيف سياسياً ولم يعد متحكماً بالتطورات، وبعضهم يستعين بتوصيف للرئيس الأميركي في نهايات عهده؛ إذ يوصف بـ«البطة العرجاء».

وعاد ماكرون، بعد أن أُخذ عليه غيابه عن المشهد الداخلي في الأسابيع السابقة وترك الحكومة تتعامل وحدها مع إضرابات طلاب التعليم الثانوي التي انطلقت قبل أكثر من شهر، إلى واجهة المشهد السياسي.

وتجلى ذلك في تتابع الاجتماعات الأمنية والسياسية التي ترأسها في قصر الإليزيه، وفي استعجاله الانتقال إلى مدينة «تراب» حيث أقدم رجل فرنسي، نهاية الأسبوع الماضي، على ارتكاب جريمة «عنصرية إرهابية» استهدفت أشخاصاً بسبب لون جلدتهم، وأسفرت عن مقتل شاب عمره 26 عاماً وجرح خمسة أشخاص، بينهم طفلة في سن 12 عاماً، ما أثار عاصفة من التنديد في كافة فرنسا. واعتُبرت الجريمة نتيجة للشحن الآيديولوجي الذي يقوم به اليمين المتطرف وبعض اليمين التقليدي إزاء المهاجرين، وبشكل عام إزاء السود والمغاربيين.

ولأن الحراك بدأ مع طلاب التعليم الثانوي، فقد عمد ماكرون إلى استقبال مجموعة منهم في قصر الإليزيه، وطلب من رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو أن يفعل الشيء نفسه، وهو ما تم الاثنين. ولم يتردد ماكرون في اعتبار أن مطالبهم «مشروعة»، وأن لوكورنو «سيعلن عن استجابات ملموسة». ونبّه ماكرون، بمناسبة زيارة لم يعلن عنها مسبقاً لمدينة مرسيليا التي شهدت يوم 17 من الشهر الحالي أعمال شغب واشتباكات وسرقات، إلى ما قد يحصل في الاستحقاقين الاجتماعيين المقبلين. وقال: «سنكون حاضرين وجاهزين» للتعامل مع ما قد يجري، مجدداً رفضه السماح بقيام المظاهرات في وسط المدن، ومؤكداً حماية المحال التجارية. ونوّه بعمل القوى الأمنية، مشيراً إلى أن المحافظة على النظام العام السبت الماضي تمت «من غير اللجوء إلى فرض حالة الطوارئ»، إلا أنه استطرد بقوله إن فرضها «ليس ممنوعاً ولا محرماً».

يبدو هدف ماكرون واضحاً للعيان: تفكيك الأزمة من خلال الاستجابة «الجزئية» للطلاب لعزلهم عن الحراك وإعادتهم إلى الصفوف المدرسية. ولا شك أن مطلب المليارات العشرة لن يتم التجاوب معه، في حين أن مطلب إعادة النظر بآلية توجيه الطلاب إلى الاختصاصات الجامعية (المسمى في فرنسا باركورسوب) سيلقى تجاوباً باعتباره لا يكلف الخزينة أي مبالغ. وبالفعل فقد توافرت معلومات تفيد بأن الحكومة استجابت للطلب الأخير، وسيقوم البرلمان، يوم الأربعاء، بمناقشة مستقبل هذه الآلية «التي يعتبرها الطلاب غامضة وغير عادلة».

وكان منتظراً أن يعقد وزيرا التربية والتعليم العالي إدورا جيفراي وفيليب باتيست مؤتمراً صحافياً لتفصيل «التدابير العملية» التي أقرتها الحكومة، علماً أن الطلاب يريدون كذلك تمويلاً واسعاً لتحسين الأوضاع المادية للمدارس، وإيجاد مدرسين بدلاء للحلول محل الأساتذة المتغيبين، وتوفير قدرات جامعية أوسع لاستيعاب المنتقلين إلى التعليم الجامعي، وخفض عدد التلاميذ إلى 28 تلميذاً لتحاشي الاكتظاظ.


من الشارع إلى البرلمان... كيف أنهى طلاب صربيا هيمنة فوتشيتش؟

حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

من الشارع إلى البرلمان... كيف أنهى طلاب صربيا هيمنة فوتشيتش؟

حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أنهت حركة يقودها طلاب نحو 14 عاماً من الهيمنة السياسية لألكسندر فوتشيتش في صربيا، بعدما فازت قائمتها بالانتخابات البرلمانية، رغم عدم ترشّح أي طالب ضمن صفوفها.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أظهرت التقديرات النهائية لمجموعتي «سيسيد» و«إبسوس» حصول قائمة «قائمة الطلاب - الطلاب ينتصرون» على 141 مقعداً من أصل 250، وسط احتفالات في بلغراد ونوفي ساد ونيش.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في بكين يوم 2 سبتمبر 2025 (رويترز)

مأساة أشعلت الاحتجاجات

بدأت الحركة عقب انهيار مظلة خرسانية بمحطة قطارات نوفي ساد في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. وأصبحت الكارثة رمزاً للفساد والإهمال، بعدما ربط منتقدون أعمال تجديد المحطة المعيبة بالسلطة التي تبنّت المشروع.

وتحوّلت احتجاجات الطلاب المطالبة بالعدالة إلى حركة وطنية انضم إليها مزارعون وممثلون وقضاة. وفي يناير (كانون الثاني) 2025، استقال رئيس الوزراء لتهدئة التوتر، قبل أن تشهد بلغراد في مارس (آذار) أكبر احتجاج مناهض للحكومة في تاريخ البلاد.

ومن دون قيادة بارزة، نظّم الطلاب تحرّكهم عبر جمعيات طلابية، واستعدوا للانتخابات المبكرة بتدريب مراقبين لحماية نزاهة الاقتراع.

أنصار الحركة الطلابية يرقصون احتفالاً بفوزها بالانتخابات في حديقة قبالة البرلمان الصربي ببلغراد يوم 26 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

شخصيات عامة وبرنامج إصلاحي

اختارت الحركة مرشحين من خارج صفوف الطلاب، بينهم أساتذة جامعات وفنانون ورياضيون، وتصدّر قائمتها أستاذ أمراض القلب إيليا سردانوفيتش. ولم تتضح بعد هوية رئيس الوزراء المقبل، مع تداول اسم محافظ البنك المركزي السابق ديان شوشكيتش.

ويتضمن برنامجها المؤلف من 11 بنداً مكافحة الفساد، ومحاسبة مسؤولين عن تجاوزات بحق المتظاهرين، وإصلاح الإعلام وتحرير هيئة البث العامة من السيطرة السياسية، ووقف تعيين الموالين للأحزاب على رأس المؤسسات العامة.

وينفي فوتشيتش وحزبه التقدمي الصربي اتهامات الفساد والتأثير في الإعلام. وبعد إقراره بالهزيمة، توقّع فشل الحركة، واتهمها، دون أدلة، بتلقي دعم أوروبي وأميركي.

ورغم بقائهم خارج البرلمان، يواجه الطلاب مسؤولية متابعة تنفيذ وعودهم عبر النواب الذين اختاروهم لنقل مطالب الشارع إلى المؤسسات.

Your Premium trial has ended